الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الإرصاد التام، فإن كل كلمة من هذا الكلام مناسبة لما بعدها وملائمة له على أكمل نظام، وأعجب إتمام، فلو وقف على قوله «فإنك ممن استظهر به» لفهم ما بعدها ولو وقف على قوله «وأقمع به» لفهم ما وراءها، لأن الاستظهار تقوية واعتماد، والقمع هو الكف وهو ملائم للنخوة وهو العلو والكبر وهكذا قوله: وَاخْفِضْ
فلو وقف عليه لفهم منه الجناح، لأنه يستعار كثيرا فى لين الجانب كما قال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)
[الحجر: 88] وهكذا القول فى سائر ألفاظه، فإنها متلائمة متناسبة يدل بعضها على بعض.
المثال الرابع ما ورد من كلام أهل البلاغة
واعلم أن الشعراء المفلقين يفتخرون بما كان أول البيت دالا على آخره، وفى هذا يقول بعضهم:
خذها إذا أنشدت فى القوم من طرب
…
صدورها عرفت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته
…
ويصبح الحاسد الغضبان يطريها
وهذا هو الإرصاد كما قلناه، ومن جيد الإرصاد ما قاله البحترى:
أحلّت دمى من غير جرم وحرّمت
…
بلا سبب يوم اللقاء كلامى
فليس الذى حلّلته بمحلل
…
وليس الذى حرّمته بحرام «1»
فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثانى أن عجزه ما قاله البحترى، وقد جرت العادة عند إنشاد الشعر بانتهاب عجز البيت من لسان منشده قبل ذكره ويسبق إليه فينشده قبل إنشاده له لما كان المعنى مفهوما قبل ذكره، وهذا هو الذى نريده بالإرصاد ومن هذا قول بعض البلغاء:
ولربما اعتصم الحليم بجاهل
…
لا خير فى يمنى بغير يسار
فهذا إذا قرع السامع صدر البيت ووقف على قوله «لا خير فى يمنى» فإنه يتحقق أن لا بد من ذكر اليسار لا محالة، لما فيه من الملائمة له والمناسبة، ومن ذلك ما قاله زهير
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله
…
ولكننى عن علم ما فى غد عم «2»
فالأزمنة ثلاثة، الماضى، والحاضر، والمستقبل، فلما ذكر حكم الماضى، والحاضر،
عرف من حاله أن لا بد من ذكر المستقبل بحكمه، وهو الجهل بما يكون غدا، فلأجل هذا كان الإرصاد فيه سابقا معلوما، ومن ذلك ما قاله أبو تمام:
فإن يك جرم، أو أتيت بهفوة
…
على خطأ منّى فعذرى على عمد
فما هذا حاله من أحسن ما يأتى فى الإرصاد فإنه لما ذكر الخطأ حسن وقوع العمد بعده وكان مفهوما عند الوقوف على قوله «على خطأ منى» بلا مرية، ومن ذلك ما قاله أيضا:
خرقاء تلعب بالعقول مزاجها
…
كتلعّب الأفعال بالأسماء
فإنه لما ذكر الأفعال علم لا محالة أن عجز البيت أن يأتى بلفظة الأسماء لما سبق ذكر الأفعال، فمن قرع مسامعه هذا البيت وكان له ذوق فى العربية، فإنه يعرفه قطعا. وقال أيضا:
مودّة، ذهب، أثمارها شبه
…
وهمة جوهر، معروفها عرض
فإنه لما ذكر الذهب جعل فى مقابله الشبه، ولما ذكر الجوهر علم أن مقابله العرض، وهذا إرصاد حسن، وحكى ابن الأثير عن بعض علماء البيان أنه ينبغى لمن يتكلم فى المنظوم والمنثور أن يجنب كلامه الألفاظ المصطلح عليها بين النحاة والمتكلمين وأهل الصناعات وغيرهم، وهذا فاسد لا وجه له فإن الشاعر والكاتب يخوضان فى كل شىء ولا يقتصر خوضهما على فن دون فن، ولا اصطلاح دون اصطلاح، ولهذا فإنك تراهم إذا استعملوا شيئا من الكلمات المصطلح عليها فى العلوم أو فى الصناعات فى أشعارهم ورقائقهم، وجدت له أحسن موقع، وازداد جمالها، وظهر رونقها وكمالها، فهذا ما أردنا ذكره فى معانى الإرصاد.