الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البيضاء، والطريقة المثلى قال:
كأن الهام فى الهيجا عيون
…
وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من هموم
…
فما يخطرن إلا فى فؤاد
فانظر إلى هذه الاستعارة الرائقة التى أنافت على كل غاية، وجاوزت فى الحسن والديباجة كل نهاية، ومن ذلك ما قاله:
طوال الردينيات يقصفها دمى
…
وبيض السّريجيات يقطعها لحمى
ومن ذلك ما قاله أيضا:
أمضى إرادته «فسوف» له «قد»
…
واستقرب الأقصى «فثمّ» له «هنا»
وارشق مما ذكرناه وأدق قوله:
عقدت سنابكها عليها عثيرا
…
لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
وأعجب من هذا وأدق، ما قاله أيضا:
كأنها تتلقاهم لتسلكهم
…
فالطعن يفتح فى الأجواف ما تسع
إلى غير ذلك من الرقائق الرائقة والعجائب الفائقة التى فاق فيها على نظرائه، وسبق إلى غايتها قبل وصول شعرائه ومن وقف على حكمه وأمثاله، عرف أن أحدا ممن كان فى عصره لم ينسج على منواله.
تنبيه
اعلم أن من جملة الآداب الحسنة، واللطائف المستحسنة، أن تترك الخطاب لأهل المدائح بالأمر له بكذا وكذا، وإنما تخرجه مخرج الاستفهام، إعظاما للممدوح وإجلالا له، عن أن يكون مأمورا، وما حاله إذا فعل فإنه يكسب الكلام جمالا ويزيده أبّهة ويعطيه كمالا، كما فعل البحترى فى قصيدة أنشدها قال:
فهل أنت يا بن الراشدين مختّمى
…
بياقوتة تبهى علىّ وتشرق
ولو قال ختّمنى يابن الراشدين بياقوتة، لم يكن فى الرشاقة والإجلال للخليفة كالأول، ومن هذا قول بعضهم يمدح بعض خلفاء بنى العباس:
أمقبولة، يابن الخلائف من فمى
…
لديك بوصفى غادة الشعر روده
فهكذا يصلح خطاب الملوك والخلفاء على هذا الوجه من حسن الأدب، ولقد غلا بعض من يدعى البلاغة، وزعم أنه لا ينبغى مخاطبة الملوك والخلفاء والأكابر بكاف الخطاب، وهذا فاسد، فإن الله تعالى هو مالك الملك والمتعالى بصفات الكمال، قد خوطب بكاف الخطاب كقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً
[آل عمران: 41]، وقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
[الحجر: 99] وقد جاء ذلك على ألسنة الفصحاء كثيرا ومنه قول النابغة:
وإنك كالليل الذى هو مدركى
…
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع «1»
ومن هذا قوله أيضا:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
…
وليس وراء الله للمرء مذهب «2»
نعم إنما يكره ذلك فى المكاتبات، دون الأقوال، وإنما يؤتى فى الكتابة على جهة الغيبة فى مخاطبة الملوك وأهل الرفعة لا غير، ومن الآداب الحسنة أن لا تخاطب الملوك بأسماء أمهاتهم وجدّاتهم، وقد عيب على أبى نواس ما أورده فى قصيدته الميمية التى امتدح بها الأمين محمد بن هارون الرشيد حيث قال:
أصبحت يا بن زبيدة ابنة جعفر
…
أملا لعقد حباله استحكام
فإن ذكر الله الخليفة فى هذا الموضع قبيح، وكان له مندوحة عن ذكر مثل ذلك بأبيه أو بجده أو غير ذلك من سائر المدائح المعروفة عند الشعراء المفلقين، وقد أخذ عليه أيضا قوله فى قصيدة اخرى:
وليس كجدّتيه أم موسى
…
إذا نسبت ولا كالخيزران
فإن مثل هذا يعد فى الركيك من الشعر فضلا عن أن يكون معدودا من فصيحه، وهكذا فإنه قد أخذ على جرير فى مدح عمر بن عبد العزيز بذكر أمه حيث قال:
وتبنى المجد يا عمر بن ليلى
…
وتكفى الممحل السّنة الجمادا
فهذا وأمثاله مما يعاب ذكره، وينبغى للشاعر والخطيب تجنّبه كما أشرنا إليه، لا يقال فكيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الزبير لما أخبر أنه سيقتل: بشّر قاتل ابن صفية بالنار، فنسبه
إلى أمه، لأنا نقول هذا مخالف لما نحن فيه، فإنه لا مدح بذكر أمهات الخلفاء والملوك، لأنه لا فضل فيهن، بخلاف حديث الزبير، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال ذلك إلا ليرفع قدره فى قرب نسبه منه، لكونه ابن عمته وهكذا العذر فى قوله تعالى: يا عيسى بن مريم، فإن الله تعالى إنما خاطبه بذكر أمه، لمّا كان لا أب له، فيذكر باسم أبيه فكان ذكر الأم ضرورة فى حقه.