الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصنف الخامس [لزوم ما لا يلزم]
ويقال له الإعنات، ويرد فى المنظوم والمنثور من الكلام، ومعناه فى لسان علماء البيان أن يلتزم الناظم قبل حرف الروى حرفا مخصوصا، أو حركة مخصوصة من الحركات قبل حرف الروى أيضا، وهكذا القول فى الرّدف، فإنه يجعله على حد حرف متماثل، وهكذا إذا ورد فى النثر يكون على هذه الطريقة كما سنوضحه بالأمثلة، فحاصل الأمر فى لزوم ما لا يلزم، هو أن يلتزم حرفا مخصوصا قبل حرف الروى من المنظوم أو حركة مخصوصة، فما هذا حاله إذا التزمه الناثر أو الناظم فهو إعنات لنفسه وكد لقريحته، وتوسع فى فصاحته وبلاغته، وإن خالفه فلا عيب عليه فى ذلك، وكان له فى تغييره مندوحة بخلاف ما إذا كان قبل حرف الروى ردفا وهو الواو والياء، فإن ما هذا حاله لا يجوز تغييره إلى غيره، فلا يقال إنه من باب لزوم ما لا يلزم، بل لازم للناثر والناظم أن يأتى به على حاله، خلا أنه يجوز معاقبة الواو للياء، ومعاقبة الياء للواو ولا يجوز معاقبة الألف لهما، فعلى هذا يجوز عمود، وشديد، ولا يجوز ميعاد، فى تقابل الأسجاع، ولهذا جاء قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)
[العاديات: 6- 8] فحرف الردف ليس من باب لزوم ما لا يلزم، بل هو لازم بكل حال، فإذا عرفت هذا فلنورد أمثلته لينكشف أمره، فمما جاء منه فى التنزيل قوله تعالى: وَالطُّورِ (1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2)
[الطور: 1- 2] وقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2)
[العلق: 1- 2] وقوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)
[الطور: 29- 30] وقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)
[الواقعة:
27-
29] وقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
[الأنفال: 39- 40] وقوله تعالى: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
[مريم: 45- 46] وهذا الأسلوب فى القرآن على القلة، وما
ذاك إلا لأنه غير لازم من الإتيان به فى البلاغة والفصاحة، وقد عاب ابن الأثير على من قال إن قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18)
[الطور: 17- 18] من باب لزوم ما لا يلزم لما ذكرناه، من أن حرف الروى يجب التزامه بكل حال على الناثر والناظم، فلا يعد من هذا الباب، وإنما يعد قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28)
[ق: 27- 28] وهذا بعينه يعد فى أمثلة لزوم ما لا يلزم، ومن السنة النبوية قوله عليه السلام: فإن كان كريما أكرمك وإن كان لئيما أسلمك، ومن ذلك قوله: وليحسن عمله، وليقصر أمله، وقوله صلى الله عليه وسلم فلا يغنى عنكم 7 لا عمل صالح، قدمتموه، أو حسن ثواب حزتموه، وقوله: تبوّئهم أجداثهم وتأكل تراثهم وقوله: حسنت خليقته وصلحت سريرته، وقوله: إن أفضل الناس عبد، أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، ومنه قوله فى صفة الدنيا: واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة فى كلامه، ولا تكاد توجد فى السنة إلا على القلة كما ذكرنا أنه فى القرآن قليل، ومن طلبه فيها وجده، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى مثاله، وكلامه مملوء منه، منه فى صفة الموت: فكأن قد أتاكم بغتة، فأسكت نجيّكم وفرق نديّكم، وعفّى آثاركم، وعطّل دياركم، وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم، وقال فى صفة التقوى: وهى عتق من كل ملكة ونجاة من كل هلكة، ومن ذلك قوله: واعلموا أنكم فى زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، وقال فى خطبة: لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، وقوله فى وصف الفتنة وأهلها: قوم شديد كلبهم قليل سلبهم، وقوله عليه السلام فى صفة الدنيا: قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود، وصادفتموها والله كالطلح المنضود، ومن ذلك ما ورد فى كلام البلغاء وهذا كقول عمر رضى الله عنه: ولا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فى ذم رجل يوصف بالجبن: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل فى أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق، فمراعاة الراء قبل القاف من باب لزوم ما لا يلزم كما قررناه أولا، ومن ذلك قوله أيضا فى كتاب إلى بعض إخوانه: الخادم يهدى من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا، فالتزام الراء قبل الضاد لزوم ما لا يلزم، ومن ذلك ما قاله فى كتاب آخر له: ومهما شدّ به
عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التى خولته، ولا يقوى تصعّد السحب إلا بكثرة غيثها الذى أنزلته، وغير خاف أن عبيد الدولة لها كالعمد من طرافها، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيد السيف إلا بقائمة، ولا ينهض الجناح إلا بقوادمه، فهذه الفواقر كلها من باب لزوم ما لا يلزم، ومن ذلك ما قالته امرأة لقيط بن زرارة تثنى عليه بعد قتله، واستخلافها لغيره إنه خرج يوما وقد تطيب وشرب فطرد البقر وصرع منها، ثم أتانى وبه نضح دم فضمّنى ضمة، وشمّنى شمة، فليتنى مت ثمّة، فهذا الكلام من الباب الذى نحن بصدده، ومن المنظوم ما قاله ابن الرومى وكان من أكثر الناس ولعا بلزوم ما لا يلزم فى أشعاره «1» :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها
…
يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها وإنّه
…
لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه
…
بها سوف يلقى من أذاها يهدّد
فإلزام حركة الفتح قبل حرف الروى من باب لزوم ما لا يلزم كما مر تقريره وقال المعرى «2» :
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة
…
وحقّ لسكّان البسيطة أن يبكوا
يحطّمنا صرف الزمان كأننا
…
زجاج ولكن لا يعاد له السّبك
وقال فى الحريريات:
من ضامه أو ضاره دهره
…
فليقصد القاضى فى صعده
سماحه أزرى بمن قبله
…
وعدله أتعب من بعده
وهذا وأمثاله من باب لزوم ما لا يلزم فى الحركة والحرف جميعا كما ترى، ومن أبيات الحماسة قوله:
إن التى زعمت فؤادك ملّها
…
خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها
…
بلباقة فأدقّها وأجلّها
حجبت تحيّتها فقلت لصاحبى
…
ما كان أكثرها لنا وأقلّها
فإذا وجدت لها وساوس سلوة
…
شفع الفؤاد إلى الضمير فسلّها