الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعنى الثانى أن لا يكون المقصود الاختصاص، وإنما المقصود التحقق
، وتمكين ذلك المعنى فى نفس السامع بحيث لا يخالجه فيه ريب، ولا يعتريه شك، وهذا كقولك: هو يعطى الجزيل، وهو الذى يجود بنفسه، فغرضك تحقيق إعطائه للجزيل، وكونه لا يبخل بنفسه، وتمكّنه فى نفس من تخاطبه، وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[البقرة: 14] فخاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحقّقة بإنّ المشددة، وإنما كان الأمر كذلك لأنهم فى خطابهم لإخوانهم مخبرون عن أنفسهم بالثبات والتصميم على اعتقاد الكفر مصرون على التمادى فى الجحود والإنكار، فلهذا وجّهوه بالجملة المؤكدة الاسمية بخلاف خطابهم للمؤمنين، فإنما كان عن تكلف وإظهار للإيمان، خوفا ومداجاة من غير عزم عليه، ولا شرح صدورهم به، ومن هذا قوله تعالى فى سورة يوسف: قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[يوسف:
11-
12] فانظر إلى ما أخبروا به عن أنفسهم فى قولهم: لَناصِحُونَ
ولَحافِظُونَ
كيف ورد بالجملة الاسمية المؤكدة بإن، وما كان عن غيرهم كقوله: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا
، وقوله: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ
، وهذا فيه دلالة على ما ذكرناه من الاختصاص والتحقيق والثبوت، ومن هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
[ق: 43] وقوله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
[الحجر: 23] وقوله فى سورة الواقعة: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ
[الواقعة: 59] أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
[الواقعة: 64] وقوله: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها
[الواقعة: 72] إلى غير ذلك من الآى المصدرة بالجمل الابتدائية، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
[المائدة: 61] فإنما صدر الخروج بالضمير، وصيرها جملة ابتدائية، مبالغة فى تصميم عزمهم على الكفر عند الخروج، وقطع الإياس عن الإيمان يخالف دخولهم، فإنه ربما كانت نفوسهم تحدثهم بإظهار الإيمان على وجه التقية والمخادعة، فأما الخروج فهو على قطع وحقيقة،
فلهذا ميز بين الجملتين مشيرا إلى ما ذكرناه، وقوله تعالى وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
[آل عمران: 77] فإنما أورد الضمير دلالة على تأكيد تحققهم للصدق، ومع ذلك يقولون على الله الكذب وهم يعلمون كونه كذبا، أو هم يعلمون أنه لا يقوله، وقوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
[الزخرف: 77] ونحو قوله تعالى فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ
[الصافات: 70] وأمثال ذلك فى كتاب الله أكثر من أن يحصى، وكما وجب تصدير الاسم فى الجملة الإثباتية من أجل المبالغة وجب تقديمه فى الجملة السلبية أيضا، فتقول: أنت لا تحسن هذا، وأنت لا تقول ذلك، ولو قلت: لا تحسن أنت هذا، ولا يقول ذلك إلا أنت، فأتت تلك القوة عن الكلام، ومن هذا قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
[المؤمنون: 59] وقوله تعالى لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[يس: 7] وقوله تعالى فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ
[القصص: 66] وقوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
[الزخرف: 66] ومن الأبيات الشعرية ما يدل على ما نحن فيه كقوله «1» :
هما يلبسان المجد أحسن لبسة
…
حريصان ما اسطاعا عليه كلاهما
وقال بعضهم «2» :
والشّيب إن يظهر فإنّ وراءه
…
عمرا يكون خلاله متنفّس
لم ينتقص منّى المشيب قلامة
…
ولما بقى منّى ألبّ وأكيس
فلما كان المشيب يذم فى أكثر أحواله أتى باللام المؤكدة فى قوله: (ولما بقى) وجعل الجملة الاسمية عوضا من الفعلية، مبالغة فى ذلك وتأكيدا كما مر بيانه، وقال بعض أهل الحماسة «3» :
إنا لنصفح عن مجاهل قومنا
…
ونقيم سالفة العدوّ الأصيد