الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
،
ولقد كان له عليه السلام من الاستدراجات الرائقة خاصة مع معاوية، وفرق الخوارج وغيرهم ممن نكص عن الإسلام على عقبيه، ولغيرهم من أصحابه من العنايات الحسنة ما يشفى غليل الصدور، ويوضح ملتبسات الأمور، فمن ذلك ما ذكرناه خطابا لمعاوية فاتق الله يا معاوية فى نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، فكيف أنت إذا انكشف عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد بهجت بزينتها، وخدعت بلذتها، دعتك فأجبتها، وقادتك فأتبعتها، وأمرتك فأطعتها، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه منج، فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، وشمر لما نزل بك، ولا تمكن الغواة من سمعك، فهذا وما شاكله استدراج وحسن ملاطفة، وله عليه السلام فى غير هذا الموضع كلام فيه خشونة عظيمة، ومن ذلك ما قاله لعبد الله بن عباس عند استخلافه إياه على البصرة: سع الناس بوجهك ومجلسك وحلمك، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان، واعلم أن ما قربك من الله بعدك من الشيطان والنار، وما باعدك من الله يقربك من النار والسلام، ومن ذلك يخاطب به معاوية، مناصحة له وتقريبا له من الحق:
أما بعد فإن الله جعل الدنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا، ولسنا للدنيا خلقنا، ولا للسعى فيها أمرنا، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها، وقد ابتلانى الله بك وابتلاك بى، فجعل أحدنا حجة على الآخر، فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن، فطلبتنى بما لم تجن يدى ولا لسانى، وعصيته أنت وأهل الشأم، وألب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم، فاتق الله فى نفسك، ونازع الشيطان قيادك، واصرف إلى الآخرة وجهك، فهى طريقنا وطريقك، واحذر أن يصيبك الله بعاجل قارعة تمس الأصل، وتقطع الدابر، فإنى أولى لك بالله ألية غير فاجرة، لئن جمعتنى وإياك جوامع الأقدار لا أزال بساحتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. وقال أيضا مخاطبا له أما بعد، فقد علمت إعذارى فيكم، وإعراضى عنكم، حتى كان ما لا بد منه، ولا مدفع له، والحديث
طويل، والكلام كثير. وقد أدبر من أدبر وأقبل من أقبل، فتابع من قبلك، وأقبل إلى فى وفد من أصحابك والسلام، وقال يخاطبه بالاستدراج: أما بعد فإنى على التردد فى جوابك، والاستماع إلى كتابك، لموهن رأيى ومخطىء فراستى، وإنك إذ تحاولنى الأمور، وتراجعنى السطور، كالمشتغل النائم، تكذبه أحلامه، والمتحير القائم ينهضه مقامه لا يدرى أله ما يأتى أم عليه، ولست به، غير أنه كل شبيه، وأقسم بالله لولا بغض الاستبقاء لوصلت منى إليك قوارع تقرع العظم، وتنهس اللحم، واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك، وتأذن لمقال نصيحك والسلام، وقال يخاطب طلحة والزبير بالملاطفة العجيبة: أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أنى لم أرد الناس حتى أرادونى، ولم أبايعهم حتى بايعونى، وأنكما ممن أرادنى وبايعنى، وأن العامة لم تبايعنى لسلطان غالب، غاضب، ولا لغرض حاضر، فإن كنتما بايعتمانى طائعين، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتمانى كارهين فقد جعلتما لى عليكما السبيل، بإظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية، ولعمرى ما كنتما بأحق من المهاجرين بالتقية والكتمان، وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بغير إقراركما به، وقد زعمتما أنى قتلت عثمان، فبينى وبينكما من تخلف عنى وعنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرىء بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام، وقال أيضا يخاطب محمد بن أبى بكر لما بلغه توجده عليه حين عزله بالأشتر: وقد بلغنى موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك وإنى لم أفعل ذلك استبطاء لك فى الجهد، ولا ازديادا فى الحد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤنة وأعجب إليك ولاية، إن الرجل الذى كنت وليته أمر مصر كان رجلا لنا ناصحا، وعلى عدونا شديدا ناقما، فرحمه الله، فلقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، أولاه الله رضوانه، وضاعف الثواب له، فاصحر لعدوك وامض على بصيرتك، وشمر لحرب من حاربك، وادع إلى سبيل ربك، وأكثر الاستعانة بالله، يكفك ما أهمك ويعنك على ما