الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسى نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة، من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبى مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمى له من بعده، أو غابر عرفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلقت الأنباء، فهذه نكتة عجيبة ضمنها ما كان من بعثة الأنبياء وتبليغهم للشرائع وصبرهم على أداء ما حملوه
النكتة العاشرة يذكر فيها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، واصطفاء الله له
قال ثم إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم لإنجاز عدته، وإتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريما ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطوائف متشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد فى اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة، ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم لقاءه، ورضى له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريما، صلى الله عليه وعلى آله، ثم خلف فيكم ما خلفت الأنبياء فى أممها، كتاب ربكم مبينا حلاله، وحرامه، وفضائله وفرائضه وناسخه، ومنسوخه ورخصه وعزائمه، فهذه النكت قد جمعناها من كلامه ههنا مثالا للإطناب ليتفطن الناظر أنه لا وادى من أودية البلاغة إلا وقد سلكه، ولا زمام من أزمة الفصاحة إلا وقد استولى عليه بفكره وملكه فصار أوفر البلغاء فى البلاغة نصيبا وسهما، وأكثرهم بها فى الإحاطة علما وفهما، وحق لكلامه عند ذاك أن يقال فيه إنه كنيف ملىء علما.
النوع الرابع فيما ورد من كلام البلغاء فى الإطناب
،
فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى وصف بستان:
هو جنة ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة، ففيها المشمش الذى يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدى الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار، ولو نظم فى جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار، وله زمن الربيع الذى هو
أعدل الأزمان، قد شبه بسن الصبا فى الأسنان، وفيها التفاح الذى رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان الوادى ولا رنده، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر، وفيها العنب الذى هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح عليه السلام عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغرى بالوصف لسان واصفه، وفيها الرمان الذى هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه، وفيها التين الذى أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق، فما يرى بها من ميل فذاك من نشوة سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما وقيل هذا كنيف ملىء شهدا، لا كنيف ملىء علما، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذى فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء فيقال: هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها، ولقد دخلتها فاستهوتنى حسدا، ولم ألم صاحبها على قوله «لن تبيد هذه أبدا» . فما هذا حاله من الأوصاف يقال له إطناب، لأن كل صفة لم تخل عن فائدة جديدة.
ومن الأمثلة الرائقة فى الإطناب ما قاله ابن الأثير أيضا على جهة المقابلة لإيجاز كتاب طاهر بن حسين إلى المأمون لما هزم عسكر عيسى بن ماهان وقتله، وقد ذكرنا كتابه الذى أوجز فيه إلى المأمون فقال ابن الأثير مقابلا له بالإطناب فيه، وهو قوله: صدر الكتاب وقد نصرنا بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلبنا باليد الملأى والعين القريرة، وكان انتصاره بحد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى عن الجيش وإن كثر إمداد خيله ورجله، وجىء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم تسعى ولا يد فيقال يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذى كان الأمر يجرى على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغى مرتعه وبيل، ومصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم والرأس مبشران بالحصول على خاتم الملك
ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء إلا على أساسه، والعساكر التى كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته البيعة علما بفضله، وليس من بايع تقليدا كمن بايع علما، وهم الآن مصروفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذى خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم فى أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع فى قلوب الناس، وليس فى البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله تمام النعمة التى افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التى اقترحها. ولنكتف بهذا القدر من أمثلة الإطناب ففيه كفاية، فأما الإطنابات الشعرية فتشتمل عليها الدواوين، ومن أراد الاطلاع على الإطناب الشعرى فى المدح فليطالع ديوان أبى الطيب المتنبى فإنه يجد فيه فى الكافوريات والسيفيات إطالة فى الإطناب كثيرة وغيره من الدواوين كأبى تمام وأبى عبادة البحترى.