الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه وظفره ببابك الخرمى. ومن ذلك ما قاله السلمى فى مطلع قصيدة له قال فيها
قصر عليه تحية وسلام
…
خلعت عليه جمالها الأيام «1»
وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال من أجاد الابتداء والمطلع، وهذا يدلك على أن لهما موقعا عظيما فى الفصاحة والبلاغة، فهذا ما أردنا ذكره فى الافتتاحات الحسنة.
الطرف الثانى فى ذكر الافتتاحات المستقبحة
اعلم أنه ليس فى كتاب الله تعالى ولا فى السنة النبوية ولا فى كلام أمير المؤمنين شىء من الافتتاحات المستكرهة فنورده، وما ذاك إلا من اختصاصها بأرفع محل فى البلاغة وبلوغها فى أعلا مراتبها، وإنما ورد ذلك فى كلام البلغاء ونحن نورد ما استكره منه وكان مستقبحا. نعم القرآن وإن كان مستحسنا فى كل حالة لكنه قد يكره ذكر الآيات المشعرة بالموت عند عروض الأفراح، وهذا كمن يستفتح بقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[آل عمران: 185] عند نكاح أو غير ذلك من الأفراح وكمن يستفتح فى قدوم تجارة له يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها
[التوبة: 35] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على العذاب، ووقوع الوعيد الشديد، فما جرى هذا المجرى فإنه مستكره تلاوته فى هذه الأحوال، لما فيه من قبح التفأؤل فلا يصلح ذكره، وإنما يذكر فى الأفراح الآيات الدالة على السرور كقوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
[التوبة: 21] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على نعيم أهل الجنة وسرورهم، وهكذا القول فى كتب التهانى والتعازى، فإنه يجب أن يكون افتتاحها ملائما لمقصودها ومطلوبها من الآيات والأخبار، ولنرجع إلى أمثلة المطالع والافتتاحات السيئة، ويحكى أن المعتصم لما فرغ من بناء قصرة بالميدان وأعجب به جميع أهله وأصحابه فيه وأمرهم أن يخرجوا فى زينتهم فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم واستأذنه إبراهيم بن إسحق الموصلى فى الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدة أجاد فيها كل الإجادة خلا أنه افتتحها بافتتاح قبيح لا يلائم ما هو فيه فابتدأها بتعفية الديار وبلائها فقال:
يا دار غيّرك البلى ومحاك
…
يا ليت شعرى ما الذى أبلاك؟ «2»
فتغامز الناس به وتطير به المعتصم وعجبوا من غفلة إبراهيم عن مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول مخالطته للملوك، فأقاموا أياما وانصرفوا فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرب القصر بعد ذلك، وما كان أخلق هذا المقام ببيت السلمى الذى حكيناه عنه من قبل الذى مطلعه «قصر عليه تحية وسلام» فانظر ما بين هذين الافتتاحين، وكم بين المطلعين، ومن ذلك ما قاله أبو نواس:
يا دار ما فعلت بك الأيام
…
لم تبق فيك بشاشة تستام
وهذه القصيدة هى من محاسن شعره وغرائبه، خلا أنه أساء فيها الافتتاح والمطلع، أنشأها ممتدحا بها الأمين ابن هارون، وتعفية الديار ودثورها مما تكره مقابلة الخلفاء والملوك به، لما فيه من الطيرة وقبح الفأل، ومن الافتتاحات المكروهة ما قاله البحترى فى قصيدة أنشأها مدحا، فأذهب روحها بهذا الافتتاح السيىء ومطلع هذا الافتتاح بأن يكون مرثية أحق من أن يكون مديحا قال:
فؤاد ملاه الحزن حتى تصدّعا
فمثل هذا يتطير به وتنبو عنه الأسماع، ومن قبيح الافتتاح وشنيعه ما قاله ذو الرمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب «1»
فما هذا حاله لا خفاء بقبحه إذ كان موجها للمدح، ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التى مطلعها «خفّ القطين فراحوا منك أبو بكروا» فقال له عبد الملك: بل منك فغيره ذو الرمة فقال فيه «خفّ القطين فراحوا اليوم أو بكروا» ومن قبيحه ما قاله البحترى:
إنّ للبين منّة لا تؤدّى
…
ويدا فى تماضر بيضاء
فما هذا حاله أعنى ذكر النساء بأسمائهن مما يثقل على اللسان، فإيراده فى الغزل مما يشوه رقته، ويحط من خفته، وإنما يستحسن من الغزل بأسماء النساء من كان خفيفا على اللسان، كأميم، وسعاد، وقد عيب على الأخطل أيضا تغزله بقذور، لما فيها من الثقل فى المنطق، فما هذا حاله ينبغى تجنبه فى الأشعار، فقد عرفت بما ذكرناه ما تجب مراعاته فى الافتتاحات والمطلع وما يجب تجنبه فى ذلك منها.