الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِنْهَا تَخْوِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سُوءَ عَاقِبَةِ الْحَلِفِ الْكَاذِبِ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ. وَمِنْهَا: الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ عَنْهَا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: انْقِطَاعُ الْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ، وَتَخْلِيصُ كُلٌّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ مِنْ مُلَازَمَةِ الْآخَرِ، وَلَكِنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْحَقَّ، وَلَا تُبْرِئُ الذِّمَّةَ، بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا. فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: سُمِعَتْ وَقُضِيَ بِهَا.
وَكَذَا لَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَنَكَلَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، سُمِعَتْ وَحُكِمَ بِهِ. وَمِنْهَا: إثْبَاتُ الْحَقِّ بِهَا إذَا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا.
وَمِنْهَا: تَعْجِيلُ عُقُوبَةِ الْكَاذِبِ الْمُنْكِرِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ تَدْعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ، فَيَشْتَفِي بِذَلِكَ الْمَظْلُومُ عِوَضَ مَا ظَلَمَهُ بِإِضَاعَةِ حَقِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
47 -
(فَصْلٌ)
وَمِنْهَا: أَنْ تَشْهَدَ قَرَائِنُ الْحَالِ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى دَعْوَاهُ، وَلَا يُحْلَفُ لَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَيُخْرِجُ عَلَى الْمَذْهَبِ مِثْلَهُ، وَذَلِكَ مِثْلَ: أَنْ يَدَّعِيَ الدَّنِيءُ اسْتِئْجَارَ الْأَمِيرِ، أَوْ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْقَدْرِ لِعَلَفِ دَوَابِّهِ، وَكَنْسِ بَابِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ - ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وَأَنَا إلَى جَانِبِهِ، فَادَّعَى بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: أَنَّ لَهُ قِبَلِي وَدِيعَةً، وَسَأَلَ إجْلَاسِي مَعَهُ وَإِحْلَافِي، فَقُلْتُ لِقَاضِي الْمَالِكِيَّةِ وَكَانَ حَاضِرًا أَتَسُوغُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَتُسْمَعُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: فَمَا مَذْهَبُكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَعْزِيرُ الْمُدَّعِي، فَقُلْتُ: فَاحْكُمْ بِمَذْهَبِكَ فَأُقِيمَ الْمُدَّعِي، وَأُخْرِجَ.
[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ فِي الْحُكْمِ بِالْيَدِ مَعَ يَمِين صَاحِبهَا]
48 -
(فَصْلٌ)
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْيَدِ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِهَا، كَمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ، فَأَنْكَرَ، فَسَأَلَ إحْلَافَهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ، وَتُتْرَكُ فِي يَدِهِ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ صَاحِبِ الْيَدِ.
وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْيَمِينِ فِي جِهَتِهِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي جَنْبَةِ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ، هَذَا إذَا لَمْ تُكَذِّبْ الْيَدُ الْقَرَائِنَ الظَّاهِرَةَ، فَإِنْ كَذَّبَتْهَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، وَعَلِمَ أَنَّهَا يَدُ مُبْطِلَةٍ. وَذَلِكَ: كَمَا لَوْ رَأَى إنْسَانًا يَعْدُو وَبِيَدِهِ عِمَامَةٌ، وَعَلَى رَأْسَهُ عِمَامَةٌ، وَآخَرَ خَلْفَهُ حَاسِرُ الرَّأْسِ، مِمَّنْ لَيْسَ شَأْنُهُ أَنْ يَمْشِيَ حَاسِرَ الرَّأْسِ، فَإِنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الْعِمَامَةَ الَّتِي بِيَدِهِ لِلْآخَرِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تِلْكَ الْيَدِ.
وَيَجِبُ الْعَمَلُ قَطْعًا بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْهَا أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ مُجَرَّدِ الْيَدِ، بَلْ الْيَدُ هُنَا لَا تُفِيدُ ظَنًّا أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ تُقَدَّمُ عَلَى مَا هُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، أَوْ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ؟
وَكَذَلِكَ إذَا رَأَيْنَا رَجُلًا يَقُودُ فَرَسًا مُسَرَّجَةً وَلِجَامُهُ وَآلَةُ رُكُوبِهِ، وَلَيْسَتْ مِنْ مَرَاكِبِهِ فِي الْعَادَةِ،
وَوَرَاءَهُ أَمِيرٌ مَاشٍ، أَوْ مَنْ لَيْسَ مَنْ عَادَتِهِ الْمَشْيُ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ يَدَهُ مُبْطِلَةٌ.
وَكَذَلِكَ الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ إذَا شُوهِدَتْ الْعُمْلَةُ مَعَهُ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا إذَا رُئِيَ مَعَهُ الْقُمَاشُ وَالْجَوَاهِرُ وَنَحْوُهَا، مِمَّا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ، فَادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ وَفِي يَدِهِ: لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى تِلْكَ الْيَدِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ يَدٍ تَدُلُّ الْقَرَائِنُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْقَطْعَ، أَوْ تَكَادُ أَنَّهَا يَدٌ مُبْطِلَةٌ، لَا حُكْمَ لَهَا، وَلَا يُقْضَى بِهَا. فَإِذَا قَضَيْنَا بِالْيَدِ، فَإِنَّمَا نَقْضِي بِهَا إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا.
وَإِذَا كَانَتْ الْيَدُ تُرْفَعُ بِالنُّكُولِ، وَبِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ الْيَمِينِ، وَبِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، فَلَأَنْ تُرْفَعَ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَهَذَا مِمَّا لَا يَرْتَابُ فِيهِ: أَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْعَدْلِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، وَوَضَعَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ. فَالْأَيْدِي ثَلَاثٌ:
الْأُولَى: يَدٌ يَعْلَمُ أَنَّهَا مُبْطِلَةٌ ظَالِمَةٌ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا.
الثَّانِيَةُ: يَدٌ يَعْلَمُ أَنَّهَا مُحِقَّةٌ عَادِلَةٌ، فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهَا، كَمَنْ تُشَاهَدُ فِي يَدِهِ دَارٌ يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ مِنْ عِمَارَةٍ وَخَرَابٍ وَإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ وَلَا مُطَالِبٍ، مَعَ عَدَمِ سَطْوَتِهِ وَشَوْكَتِهِ، فَجَاءَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ - وَهُوَ يُشَاهِدُهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَيُمْكِنُهُ طَلَبُ خَلَاصِهَا مِنْهُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ - فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فِيهِ كَذِبُ الْمُدَّعِي، وَأَنَّ يَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُحِقَّةٌ. هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالُوا: إذَا رَأَيْنَا رَجُلًا حَائِزًا لِدَارٍ مُتَصَرِّفًا فِيهَا مُدَّةَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ، وَالْإِجَارَةِ وَالْعِمَارَةِ، وَهُوَ يَنْسُبُهَا إلَى نَفْسِهِ، وَيُضِيفُهَا إلَى مِلْكِهِ، وَإِنْسَانٌ حَاضِرٌ يَرَاهُ، وَيُشَاهِدُ أَفْعَالَهُ فِيهَا طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُهُ فِيهَا، وَلَا يَذْكُرُ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا، وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ: مِنْ خَوْفِ سُلْطَانٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الضَّرَرِ الْمَانِعِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْحُقُوقِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَصَرِّفِ فِي الدَّارِ قَرَابَةٌ، وَلَا شَرِكَةٌ فِي مِيرَاثٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا تَتَسَامَحُ بِهِ الْقَرَابَاتِ وَالصِّهْرِ بَيْنَهُمْ فِي إضَافَةِ أَحَدِهِمْ أَمْوَالَ الشَّرِكَةِ إلَى نَفْسِهِ، بَلْ كَانَ عُرْيًا عَنْ ذَلِكَ أَجْمَعَ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ طُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ، وَيُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، فَدَعْوَاهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ يَمِينِهِ.
وَتَبْقَى الدَّارُ فِي يَدِ حَائِزِهَا لِأَنَّ كُلَّ دَعْوَى يَنْفِيهَا الْعُرْفُ وَتُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ فَإِنَّهَا مَرْفُوضَةٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ.