المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في حاجة الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك] - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة الْكتاب]

- ‌[الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر للحكم بِالْقَرِينَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْعَمَل فِي السَّلْطَنَة بِالسِّيَاسَةِ الشَّرِيعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر لِلْعَمَلِ بِالسَّلْطَنَةِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّة]

- ‌[فَصَلِّ فِي سِيَاسَة الصَّحَابَة فِي قِيَادَة الْأَمَة مِنْ بَعْده صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي فِرَاسَةِ الْحَاكِمِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْفِرَاسَة الصَّادِقَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي محاسن الْفِرَاسَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي عَجَائِب الْفِرَاسَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر للحكم بِالْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الحبس فِي الدِّين]

- ‌[فَصَلِّ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الرَّجُل الْوَاحِد]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُتَفَرِّدَاتٍ]

- ‌[فَصَلِّ شَهَادَة الرَّجُل الْوَاحِد مِنْ غَيْر يَمِين عِنْد الْحَاجَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي مَذَاهِب أَهْل الْمَدِينَة فِي الدَّعَاوَى]

- ‌[فَصَلِّ هَلْ السِّيَاسَة بِالضَّرْبِ والحبس للمتهمين فِي الدَّعَاوَى وَغَيْرهَا مِنْ الشِّرْع]

- ‌[فَصَلِّ فِي دَعَاوَى التهم]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّعْزِير]

- ‌[فَصَلِّ وَالْمَعَاصِي ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الطرق الَّتِي يَحْكُم بِهَا الْحَاكِم]

- ‌[الطَّرِيق الْأَوَّل الْيَدُ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَا تَفْتَقِرُ إلَى يَمِينٍ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْإِنْكَارُ الْمُجَرَّدُ وَلَهُ صُوَرٌ]

- ‌[فَصَلِّ اُسْتُثْنِيَ مِنْ عَدَمِ التَّحْلِيفِ فِي الْحُدُودِ صُورَتَانِ]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَا لَا يَحْلِف فِيهِ]

- ‌[فَصَلِّ فَوَائِد الْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ فِي الْحُكْمِ بِالْيَدِ مَعَ يَمِين صَاحِبهَا]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَحْده أَوْ بِهِ مَعَ رد الْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ يَمِين الْمُدَّعِي هَلْ هِيَ كَالْبَيِّنَةِ أُمّ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي رد الْيُمْن]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسُ فِي الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد بِلَا يَمِين وَذَلِكَ فِي صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّابِعُ فِي الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ فِي هَلْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين تَقْوِيَة وَتَوْكِيد]

- ‌[فَصَلِّ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا بِالشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ]

- ‌[فَصَلِّ وَالتَّحْلِيف ثَلَاثَة أَقْسَام]

- ‌[فَصْل تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْلِيف الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْلِيف الشَّاهِد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّامِنُ فِي الْحُكْمِ بِالرَّجُلِ الْوَاحِد وَالْمَرْأَتَيْنِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي شَهَادَة النِّسَاء]

- ‌[فَصَلِّ فِي النصاب الَّتِي تَقْبَل بِهِ شَهَادَة النِّسَاء]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ التَّاسِعُ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيق الْعَاشِر فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِين الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَال]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ مِنْ غَيْر يَمِين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِثَلَاثَةِ رِجَال]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِأَرْبَعَةِ رِجَال أَحْرَار]

- ‌[فَصْلٌ فِي إتْيَانُ الْبَهِيمَةِ وَمَا يَجِب فِيهِ أَرْبَعَة شُهُود]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْعَبْد والأمة]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الصَّبِيَّانِ المميزين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفُسَّاق وَذَلِكَ فِي صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْكَافِر]

- ‌[فَصَلِّ فِي شَهَادَة الْكُفَّارِ عَلَى المسلين فِي السَّفَر]

- ‌[فَصَلِّ وَهَلْ تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْكَافِرِينَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْوَصِيَّةِ فِي دينهم]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالتَّوَاتُرِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِفَاضَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي أَخْبَار الْآحَاد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْخَطِّ المجرد وَلَهُ صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ شَهَادَةُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِهِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بالعلامة الظَّاهِرَة]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تَشْهَدُ لِلْقَافَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الْحُكْمِ بَيْن النَّاس فِيمَا لَا يَتَوَقَّف عَلَى الدَّعْوَى]

- ‌[فَصَلِّ فِي عُمُوم الْوِلَايَات وَخُصُوصهَا]

- ‌[فَصَلِّ وَمنْ المنكرات]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّسْعِير]

- ‌[فَصَلِّ فِي أَقْبَح الظُّلْم]

- ‌[فَصَلِّ فِي حُصِرَ الْبَيْع عَلَى أناس معينين]

- ‌[فَصَلِّ فِي القسامين الَّذِينَ يقسمون الْعَقَار وَغَيْره بالأجرة]

- ‌[فَصَلِّ فِي حَاجَة النَّاسُ إلَى صِنَاعَةِ طَائِفَةٍ كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تُنَازِع الْعُلَمَاء فِي التَّسْعِير]

- ‌[فَصَلِّ فِي البذل والعطاء]

- ‌[فَصَلِّ فِي حُكْم الْوَلِيّ بالأمارات والعلامات الظَّاهِرَة وَالْقَرَائِن الْبَيِّنَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّعْزِير بِالْعُقُوبَاتِ المالية]

- ‌[فَصَلِّ فِي وَاجِبَاتُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْرِيق الكتب المضلة وَإِتْلَافهَا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْفَاسِق يأوي إلَيْهِ أَهْل الفسق والخمر]

- ‌[فَصَلِّ فِي اختلاط الرجال بِالنِّسَاءِ فِي الأسواق والفرج ومجامع الرجال]

- ‌[فَصَلِّ فِي اللاعبين بالحمام عَلَى رُءُوس النَّاس]

- ‌[فَصَلِّ فِي اتِّخَاذ الْحَمَّامِ فِي الأبرجة]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْمَرَضِ الْمُعْدِي كَالْجُذَامِ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِأَهْلِهِ]

- ‌[فَصَلِّ وَمنْ طُرُق الْحُكْمِ الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي كَيْفِيَّة الْقُرْعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي مواضع الْقُرْعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق امْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ لَا يَدْرِي أَيَّتهنَّ هِيَ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيده]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق إحْدَى نِسَائِهِ وَمَاتَ قَبْل الْبَيَان]

- ‌[فَصَلِّ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى امْرَأَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا]

- ‌[فَصَلِّ الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَةَ وَنَصْرَانِيَّة فَقَالَ فِي مَرَضه إحْدَاكُمَا طَالِق ثَلَاثًا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ ثَلَاثَة نِسْوَة فطلق وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَمْ يَدْرِي أَيَّتهنَّ ثُمَّ مَاتَ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ مُمَالِيك عدة فَقَالَ أَحَدهمْ حُرّ وَلَمْ يُبَيِّن]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَقُول أَوَّل غُلَام لِي يَطْلُع فَهُوَ حُرّ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَانِ وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَخْرَج بِإِحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقُرْعَة فِي الشِّرَاء وَالْبَيْع]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَشَاحَّا فِي الْأَذَان]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَتَزَوَّج امْرَأَة عَلَى عَبْد مِنْ عَبِيده]

- ‌[فَصْلٌ فِي عَبْد فِي يَد رَجُل اخْتَلَفَ عَلَيْهِ غَيْره بِالْبَيْعِ وَالْهِبَة وَغَيْر ذَلِكَ]

الفصل: ‌[فصل في حاجة الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك]

وَمَنْ صَحَّحَهَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيمَا تَتِمُّ بِهِ صِنَاعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْحِفْظِ وَالنَّظَرِ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ، فَيَقَعُ الِاشْتِرَاكُ فِيمَا يَتِمُّ بِهِ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي عَيْنِ الْعَمَلِ.

وَأَمَّا شَرِكَةُ الدَّلَّالِينَ: فَفِيهَا أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الدَّلَّالَ وَكِيلُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ فِي بَيْعِهَا، فَإِذَا شَارَكَ غَيْرَهُ فِي بَيْعِهَا كَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ: لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ: صَحَّتْ. فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ: أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَيُرَاعِيَهَا، وَيُرَاعِيَ مَصَالِحَ النَّاسِ، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، ذَهَبَ مَا هُنَالِكَ.

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ إذَا مُنِعَ الْقَسَّامُونَ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الشَّرِكَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ التَّوَاطُؤِ عَلَى إغْلَاءِ الْأُجْرَةِ، فَمَنْعُ الْبَائِعِينَ الَّذِينَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَلَّا يَبِيعُوا إلَّا بِثَمَنٍ مُقَدَّرٍ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ وَالِي الْحِسْبَةِ الْمُشْتَرِينَ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي شَيْءٍ لَا يَشْتَرِيهِ غَيْرُهُمْ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ظُلْمِ الْبَائِعِ. وَأَيْضًا: فَإِذَا كَانَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَشْتَرِي نَوْعًا مِنْ السِّلَعِ أَوْ تَبِيعُهَا: قَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنْ يَهْضِمُوا مَا يَشْتَرُونَهُ، فَيَشْتَرُوهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَيَبِيعُوا مَا يَبِيعُونَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَيَقْتَسِمُوا مَا يَشْتَرِكُونَ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ: كَانَ إقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُعَاوَنَةً لَهُمْ عَلَى الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .

وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَعْظَمُ إثْمًا وَعُدْوَانًا مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَمِنْ النَّجْشِ.

[فَصَلِّ فِي حَاجَة النَّاسُ إلَى صِنَاعَةِ طَائِفَةٍ كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]

104 -

(فَصْلٌ)

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَحْتَاجَ النَّاسُ إلَى صِنَاعَةِ طَائِفَةٍ - كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ: أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِذَلِكَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا تَتِمُّ

مَصْلَحَةُ النَّاسِ

إلَّا بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: إنَّ تَعَلُّمَ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ تَجْهِيزُ الْمَوْتَى وَدَفْنُهُمْ، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ الَّتِي لَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ الْأُمَّةِ إلَّا بِهَا.

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَلَّى أَمْرَ مَا يَلِيهِ بِنَفْسِهِ، وَيُوَلِّي فِيمَا بَعُدَ عَنْهُ، كَمَا وَلَّى عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وَعَلَى الطَّائِفِ: عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ، وَعَلَى قُرَى عُرَيْنَةَ: خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَبَعَثَ عَلِيًّا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إلَى الْيَمَنِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يُؤَمِّرُ عَلَى السَّرَايَا، وَيَبْعَثُ السُّعَاةَ عَلَى الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ، فَيَأْخُذُونَهَا مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ، وَيَدْفَعُونَهَا إلَى مُسْتَحِقِّيهَا، فَيَرْجِعُ السَّاعِي إلَى الْمَدِينَةِ

ص: 208

وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا سَوْطُهُ، وَلَا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ إذَا وَجَدَ لَهَا مَوْضِعًا يَضَعُهَا فِيهِ.

105 -

(فَصْلٌ)

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَوْفِي الْحِسَابَ عَلَى عُمَّالِهِ، يُحَاسِبُهُمْ عَلَى الْمُسْتَخْرَجِ وَالْمَصْرُوفِ، كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ، عَلَى الصَّدَقَاتِ فَلَمَّا رَجَعَ حَاسَبَهُ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللَّهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ؟ أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَنَظَرَ: أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا نَسْتَعْمِلُ رَجُلًا عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللَّهُ فَيَغُلُّ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت؟ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا» ".

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ مَتَى لَمْ يَقُمْ بِهَا إلَّا شَخْصٌ وَاحِدٌ صَارَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ إلَى فِلَاحَةِ قَوْمٍ، أَوْ نِسَاجَتِهِمْ، أَوْ بِنَائِهِمْ، صَارَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِمْ، يَجْبُرُهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَيْهَا بِعِوَضِ الْمِثْلِ، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ مُطَالَبَةِ النَّاسِ بِزِيَادَةٍ عَنْ عِوَضِ الْمِثْلِ، وَلَا يُمَكِّنُ النَّاسَ مِنْ ظُلْمِهِمْ، بِأَنْ يُعْطُوهُمْ دُونَ حَقِّهِمْ، كَمَا إذَا احْتَاجَ الْجُنْدُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ إلَى فِلَاحَةِ أَرْضِهِمْ وَأَلْزَمَ مَنْ صِنَاعَتُهُ الْفِلَاحَةُ أَنْ يَقُومَ بِهَا: أَلْزَمَ الْجُنْدَ بِأَلَّا يَظْلِمُوا الْفَلَّاحَ، كَمَا يُلْزِمُ الْفَلَّاحَ بِأَنْ يُفْلِحَ.

وَلَوْ اعْتَمَدَ الْجُنْدُ وَالْأُمَرَاءُ مَعَ الْفَلَّاحِينَ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَلَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكَانَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْمُغَلِّ أَضْعَافَ مَا يُحَصِّلُونَهُ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَلَكِنْ يَأْبَى جَهْلُهُمْ وَظُلْمُهُمْ إلَّا أَنْ يَرْتَكِبُوا الظُّلْمَ وَالْإِثْمَ، فَيُمْنَعُوا الْبَرَكَةَ وَسَعَةَ الرِّزْقِ، فَيَجْتَمِعُ لَهُمْ عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ، وَنَزْعُ الْبَرَكَةِ فِي الدُّنْيَا.

فَإِنْ قِيلَ: وَمَا الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ، حَتَّى يَفْعَلَهُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ؟

ص: 209

قِيلَ: الْمُزَارَعَةُ الْعَادِلَةُ، الَّتِي يَكُونُ الْمُقْطِعُ وَالْفَلَّاحُ فِيهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ مِنْ الْعَدْلِ، لَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الرُّسُومِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَهِيَ الَّتِي خَرَّبَتْ الْبِلَادَ وَأَفْسَدَتْ الْعِبَادَ، وَمَنَعَتْ الْغَيْثَ، وَأَزَالَتْ الْبَرَكَاتِ، وَعَرَّضَتْ أَكْثَرَ الْجُنْدِ وَالْأُمَرَاءِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَإِذَا نَبَتَ الْجَسَدُ عَلَى الْحَرَامِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ.

وَهَذِهِ الْمُزَارَعَةُ الْعَادِلَةُ: هِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَهِيَ عَمَلُ آلِ أَبِي بَكْرٍ وَآلِ عُمَرَ، وَآلِ عُثْمَانَ، وَآلِ عَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ بُيُوتِ الْمُهَاجِرِينَ، وَهِيَ قَوْلُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، كَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهِيَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، وَدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَهِيَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، كَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ.

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْمُعَامَلَةُ حَتَّى أَجَلَاهُمْ عُمَرُ عَنْ خَيْبَرَ، وَكَانَ قَدْ شَارَطَهُمْ أَنْ يُعَمِّرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَكَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمْ، لَا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْبَذْرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ كَمَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ، بَلْ قَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ: لَا يَكُونُ الْبَذْرُ إلَّا مِنْ الْعَامِلِ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلِأَنَّهُمْ أَجْرَوْا الْبَذْرَ مَجْرَى النَّفْعِ وَالْمَاءِ.

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ كَمَا فِي صَحِيحِهِ ":" أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَامَلَ النَّاسَ عَلَى: إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ: فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ: فَلَهُمْ كَذَا ".

وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا الْمُزَارَعَةَ مِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ بِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ» وَلَكِنَّ الَّذِي

ص: 210

نَهَى عَنْهُ: هُوَ الظُّلْمُ: فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعَ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا، وَيَشْتَرِطُونَ مَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ وَشَيْئًا مِنْ التِّبْنِ يَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ، وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ.

وَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعَدْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارَكَاتِ، لَا مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَالْمُشَارَكَةُ الْعَادِلَةُ: هِيَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ جُزْءٌ شَائِعٌ، فَإِذَا جُعِلَ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ كَانَ ظُلْمًا.

فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ: أَمَرَ إذَا نَظَرَ ذُو الْبَصِيرَةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِيهِ: عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ هُوَ وَفَعَلَهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ وَالصَّحَابَةُ: فَهُوَ الْعَدْلُ الْمَحْضُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِي جَوَازِهِ.

106 -

(فَصْلٌ)

وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ: أَنَّ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ، فَقَالُوا: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا.

ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ، وَأَبَاحَ الْمُضَارَبَةَ، اسْتِحْسَانًا لِلْحَاجَةِ، لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تُؤَجَّرُ، كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسَاقَاةَ: إمَّا مُطْلَقًا، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، أَوْ عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ خَاصَّةً، كَالْجَدِيدِ لَهُ، لِأَنَّ الشَّجَرَ لَا تُمْكِنُ إجَارَتُهُ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، وَأَبَاحَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ.

ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِالثُّلُثِ، كَقَوْلِ مَالِكٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ كَوْنَ الْأَرْضِ أَغْلَبَ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.

وَأَمَّا جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ، فَقَالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَاتِ، الَّتِي مَقْصُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِثْلُ مَقْصُودِ صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ هَذَا مَقْصُودُهُ الْعَمَلُ، وَهَذَا مَقْصُودُهُ الْأُجْرَةُ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ إذَا فَسَدَتْ وَجَبَ فِيهَا نَصِيبُ الْمِثْلِ، لَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ، فَيَجِبُ مِنْ الرِّبْحِ وَالنَّمَاءِ فِي فَاسِدِهَا نَظِيرُ مَا يَجِبُ فِي صَحِيحِهَا، لَا أُجْرَةٌ مُقَدَّرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ وَلَا نَمَاءٌ: لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، فَإِنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَدْ تَسْتَغْرِقُ رَأْسَ الْمَالِ وَأَضْعَافَهُ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَاسِدِ مِنْ الْعُقُودِ نَظِيرُ مَا يَجِبُ فِي الصَّحِيحِ مِنْهَا، كَمَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا يَجِبُ فِي الصَّحِيحِ، وَفِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا فَاتَ: ثَمَنُ الْمِثْلِ، وَفِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ: رِبْحُ الْمِثْلِ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ:

ص: 211

نَصِيبُ الْمِثْلِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي صَحِيحِهَا لَيْسَ هُوَ أُجْرَةً مُسَمَّاةً فَتَجِبُ فِي فَاسِدِهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ شَائِعٌ مِنْ الرِّبْحِ، فَيَجِبُ فِي الْفَاسِدَةِ نَظِيرُهُ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ: وَالْمُزَارَعَةُ أَحَلُّ مِنْ الْمُؤَاجَرَةِ، وَأَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ، فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْرَمِ وَالْمَغْنَمِ، بِخِلَافِ الْمُؤَاجَرَةِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ تَسْلَمُ لَهُ الْأُجْرَةُ، وَالْمُسْتَأْجِرَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ زَرْعٌ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ.

وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ هَذَا وَهَذَا، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُهُمَا، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ إقْطَاعًا أَمْ غَيْرَهُ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ - الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ - قَالَ: إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ لَا تَجُوزُ، وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُؤَجِّرُونَ إقْطَاعَاتِهِمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ إلَى زَمَنِنَا هَذَا، حَتَّى أَحْدَثَ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا فَابْتُدِعَ الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ إجَارَةِ الْإِقْطَاعِ.

وَشُبْهَتُهُ: أَنَّ الْمُقْطِعَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، فَيَصِيرُ كَالْمُسْتَعِيرِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَ الْأَرْضَ الْمُعَارَةَ، وَهَذَا الْقِيَاسُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ حَقًّا لَهُ، وَإِنَّمَا تَبَرَّعَ الْمُعِيرُ بِهَا، وَأَمَّا أَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ: فَمَنْفَعَتُهَا حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَوَلِيُّ الْأَمْرِ قَاسِمٌ بَيْنَهُمْ حُقُوقَهُمْ، لَيْسَ مُتَبَرِّعًا لَهُمْ كَالْمُعِيرِ. وَالْمُقْطِعُ مُسْتَوْفٍ الْمَنْفَعَةَ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا يَسْتَوْفِي الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَنَافِعَ الْوَقْفِ وَأَوْلَى.

وَإِذَا جَازَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْوَقْفَ - وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَمُوتَ فَتَنْفَسِخَ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ - فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْمُقْطِعِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْإِقْطَاعَ وَإِنْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ أَوْلَى.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُعِيرَ لَوْ أَذِنَ فِي الْإِجَارَةِ جَازَتْ الْإِجَارَةُ، وَوَلِيُّ الْأَمْرِ يَأْذَنُ لِلْمُقْطِعِ فِي الْإِجَارَةِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَقْطَعَهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا: إمَّا بِالْمُزَارَعَةِ وَإِمَّا بِالْإِجَارَةِ وَمَنْ مَنَعَ الِانْتِفَاعَ بِهَا بِالْإِجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَأَلْزَمَ الْجُنْدَ وَالْأُمَرَاءَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ الْفَلَّاحِينَ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ مَا فِيهِ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْإِقْطَاعَ قَدْ يَكُونُ دُورًا وَحَوَانِيتَ، لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُقْطِعُ إلَّا بِالْإِجَارَةِ، فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَوْنُ الْإِقْطَاعِ مُعَرَّضًا لِرُجُوعِ الْإِمَامِ فِيهِ مِثْلُ كَوْنِ الْمَوْهُوبِ لِلْوَلَدِ مُعَرَّضًا لِرُجُوعِ الْوَالِدِ فِيهِ، وَكَوْنُ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُعَرَّضًا لِرُجُوعِ نِصْفِهِ أَوْ كُلِّهِ إلَى الزَّوْجِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَيْسَ مَعَ الْمُبْطِلِ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا مَصْلَحَةٌ وَلَا نَظِيرٌ.

وَإِذَا أَبْطَلُوا الْمُزَارَعَةَ وَالْإِجَارَةَ لَمْ يَبْقَ بِيَدِ الْجُنْدِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَنْ يَزْرَعُ الْأَرْضَ وَيَقُومُ عَلَيْهَا، وَهَذَا لَا يَكَادُ يَفْعَلُهُ إلَّا قَلِيلٌ مِنْ النَّاسِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَخْسَرُ مَالَهُ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ، بِخِلَافِ الْمُشَارَكَةِ، فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَهِيَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ.

ص: 212