المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل ومن طرق الحكم الحكم بالقرعة] - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة الْكتاب]

- ‌[الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر للحكم بِالْقَرِينَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْعَمَل فِي السَّلْطَنَة بِالسِّيَاسَةِ الشَّرِيعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر لِلْعَمَلِ بِالسَّلْطَنَةِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّة]

- ‌[فَصَلِّ فِي سِيَاسَة الصَّحَابَة فِي قِيَادَة الْأَمَة مِنْ بَعْده صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي فِرَاسَةِ الْحَاكِمِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْفِرَاسَة الصَّادِقَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي محاسن الْفِرَاسَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي عَجَائِب الْفِرَاسَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر للحكم بِالْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الحبس فِي الدِّين]

- ‌[فَصَلِّ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الرَّجُل الْوَاحِد]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُتَفَرِّدَاتٍ]

- ‌[فَصَلِّ شَهَادَة الرَّجُل الْوَاحِد مِنْ غَيْر يَمِين عِنْد الْحَاجَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي مَذَاهِب أَهْل الْمَدِينَة فِي الدَّعَاوَى]

- ‌[فَصَلِّ هَلْ السِّيَاسَة بِالضَّرْبِ والحبس للمتهمين فِي الدَّعَاوَى وَغَيْرهَا مِنْ الشِّرْع]

- ‌[فَصَلِّ فِي دَعَاوَى التهم]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّعْزِير]

- ‌[فَصَلِّ وَالْمَعَاصِي ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الطرق الَّتِي يَحْكُم بِهَا الْحَاكِم]

- ‌[الطَّرِيق الْأَوَّل الْيَدُ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَا تَفْتَقِرُ إلَى يَمِينٍ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْإِنْكَارُ الْمُجَرَّدُ وَلَهُ صُوَرٌ]

- ‌[فَصَلِّ اُسْتُثْنِيَ مِنْ عَدَمِ التَّحْلِيفِ فِي الْحُدُودِ صُورَتَانِ]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَا لَا يَحْلِف فِيهِ]

- ‌[فَصَلِّ فَوَائِد الْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ فِي الْحُكْمِ بِالْيَدِ مَعَ يَمِين صَاحِبهَا]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَحْده أَوْ بِهِ مَعَ رد الْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ يَمِين الْمُدَّعِي هَلْ هِيَ كَالْبَيِّنَةِ أُمّ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي رد الْيُمْن]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسُ فِي الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد بِلَا يَمِين وَذَلِكَ فِي صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّابِعُ فِي الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ فِي هَلْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين تَقْوِيَة وَتَوْكِيد]

- ‌[فَصَلِّ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا بِالشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ]

- ‌[فَصَلِّ وَالتَّحْلِيف ثَلَاثَة أَقْسَام]

- ‌[فَصْل تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْلِيف الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْلِيف الشَّاهِد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّامِنُ فِي الْحُكْمِ بِالرَّجُلِ الْوَاحِد وَالْمَرْأَتَيْنِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي شَهَادَة النِّسَاء]

- ‌[فَصَلِّ فِي النصاب الَّتِي تَقْبَل بِهِ شَهَادَة النِّسَاء]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ التَّاسِعُ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيق الْعَاشِر فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِين الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَال]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ مِنْ غَيْر يَمِين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِثَلَاثَةِ رِجَال]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِأَرْبَعَةِ رِجَال أَحْرَار]

- ‌[فَصْلٌ فِي إتْيَانُ الْبَهِيمَةِ وَمَا يَجِب فِيهِ أَرْبَعَة شُهُود]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْعَبْد والأمة]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الصَّبِيَّانِ المميزين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفُسَّاق وَذَلِكَ فِي صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْكَافِر]

- ‌[فَصَلِّ فِي شَهَادَة الْكُفَّارِ عَلَى المسلين فِي السَّفَر]

- ‌[فَصَلِّ وَهَلْ تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْكَافِرِينَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْوَصِيَّةِ فِي دينهم]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالتَّوَاتُرِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِفَاضَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي أَخْبَار الْآحَاد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْخَطِّ المجرد وَلَهُ صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ شَهَادَةُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِهِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بالعلامة الظَّاهِرَة]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تَشْهَدُ لِلْقَافَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الْحُكْمِ بَيْن النَّاس فِيمَا لَا يَتَوَقَّف عَلَى الدَّعْوَى]

- ‌[فَصَلِّ فِي عُمُوم الْوِلَايَات وَخُصُوصهَا]

- ‌[فَصَلِّ وَمنْ المنكرات]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّسْعِير]

- ‌[فَصَلِّ فِي أَقْبَح الظُّلْم]

- ‌[فَصَلِّ فِي حُصِرَ الْبَيْع عَلَى أناس معينين]

- ‌[فَصَلِّ فِي القسامين الَّذِينَ يقسمون الْعَقَار وَغَيْره بالأجرة]

- ‌[فَصَلِّ فِي حَاجَة النَّاسُ إلَى صِنَاعَةِ طَائِفَةٍ كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تُنَازِع الْعُلَمَاء فِي التَّسْعِير]

- ‌[فَصَلِّ فِي البذل والعطاء]

- ‌[فَصَلِّ فِي حُكْم الْوَلِيّ بالأمارات والعلامات الظَّاهِرَة وَالْقَرَائِن الْبَيِّنَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّعْزِير بِالْعُقُوبَاتِ المالية]

- ‌[فَصَلِّ فِي وَاجِبَاتُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْرِيق الكتب المضلة وَإِتْلَافهَا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْفَاسِق يأوي إلَيْهِ أَهْل الفسق والخمر]

- ‌[فَصَلِّ فِي اختلاط الرجال بِالنِّسَاءِ فِي الأسواق والفرج ومجامع الرجال]

- ‌[فَصَلِّ فِي اللاعبين بالحمام عَلَى رُءُوس النَّاس]

- ‌[فَصَلِّ فِي اتِّخَاذ الْحَمَّامِ فِي الأبرجة]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْمَرَضِ الْمُعْدِي كَالْجُذَامِ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِأَهْلِهِ]

- ‌[فَصَلِّ وَمنْ طُرُق الْحُكْمِ الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي كَيْفِيَّة الْقُرْعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي مواضع الْقُرْعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق امْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ لَا يَدْرِي أَيَّتهنَّ هِيَ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيده]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق إحْدَى نِسَائِهِ وَمَاتَ قَبْل الْبَيَان]

- ‌[فَصَلِّ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى امْرَأَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا]

- ‌[فَصَلِّ الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَةَ وَنَصْرَانِيَّة فَقَالَ فِي مَرَضه إحْدَاكُمَا طَالِق ثَلَاثًا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ ثَلَاثَة نِسْوَة فطلق وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَمْ يَدْرِي أَيَّتهنَّ ثُمَّ مَاتَ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ مُمَالِيك عدة فَقَالَ أَحَدهمْ حُرّ وَلَمْ يُبَيِّن]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَقُول أَوَّل غُلَام لِي يَطْلُع فَهُوَ حُرّ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَانِ وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَخْرَج بِإِحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقُرْعَة فِي الشِّرَاء وَالْبَيْع]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَشَاحَّا فِي الْأَذَان]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَتَزَوَّج امْرَأَة عَلَى عَبْد مِنْ عَبِيده]

- ‌[فَصْلٌ فِي عَبْد فِي يَد رَجُل اخْتَلَفَ عَلَيْهِ غَيْره بِالْبَيْعِ وَالْهِبَة وَغَيْر ذَلِكَ]

الفصل: ‌[فصل ومن طرق الحكم الحكم بالقرعة]

وَحَمَلَ لَهَا صَدَاقَهَا.

[فَصَلِّ وَمنْ طُرُق الْحُكْمِ الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ]

121 -

(فَصْلٌ)

وَمِنْ طُرُقِ الْأَحْكَامِ: الْحُكْمُ بِالْقُرْعَةِ، قَالَ تَعَالَى:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] قَالَ قَتَادَةُ: " كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ إمَامِهِمْ وَسَيِّدِهِمْ فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا بَنُو إسْرَائِيلَ، فَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا بِسِهَامِهِمْ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَقَرَعَ زَكَرِيَّا، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِهَا، فَضَمَّهَا إلَيْهِ ".

وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَمَّا وُضِعَتْ مَرْيَمُ فِي الْمَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْمُصَلَّى، وَهُمْ يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ، فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا " وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139]{إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الصافات: 140]{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] يَقُولُ تَعَالَى: فَقَارَعَ، فَكَانَ مِنْ الْمَغْلُوبِينَ.

فَهَذَانِ نَبِيَّانِ كَرِيمَانِ اسْتَعْمَلَا الْقُرْعَةَ وَقَدْ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» .

ص: 245

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» .

وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ: فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا» .

وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَسَارَعُوا إلَيْهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ» .

وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أُكْرِهَ اثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ، أَوْ اسْتَحَبَّاهَا، فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا»

وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: «إذَا أُكْرِهَ اثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ اسْتَحَبَّاهَا» . وَفِيهِ أَيْضًا «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ: اسْتَهَمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ، أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا» .

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إلَّا دَعْوَاهُمَا، فَقَالَ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " السُّنَنِ " وَفِيهِ: «فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لَك، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا إذَا فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا» .

فَهَذِهِ السُّنَّةُ - كَمَا تَرَى - قَدْ جَاءَتْ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ، وَفَعَلَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ": " وَيُذْكَرُ أَنَّ قَوْمًا اخْتَلَفُوا فِي الْأَذَانِ فَأَقْرَعَ

ص: 246

بَيْنَهُمْ سَعْدٌ ".

وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مُصَنَّفًا فِي الْقُرْعَةِ، وَهِيَ فِي " جَامِعِهِ "، فَذَكَرَ مَقَاصِدَهُ.

قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: الْقُرْعَةُ جَائِزَةٌ.

وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بَخْتَانَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْقُرْعَةِ، وَمَنْ قَالَ إنَّهَا قِمَارٌ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ: فَهَذَا كَلَامُ رَجُلِ سُوءٍ يَزْعُمُ أَنَّ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِمَارٌ،،؟

وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ ابْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ: إنَّ الْقُرْعَةَ قِمَارٌ، قَالَ: هَذَا قَوْلٌ رَدِيءٌ خَبِيثٌ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ؟ وَقَدْ يَحْكُمُونَ هُمْ بِالْقُرْعَةِ فِي وَقْتِ إذَا قُسِمَتْ الدَّارُ، وَلَمْ يَرْضَوْا، قَالُوا: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ، وَتَزَوَّجَ خَامِسَةً، وَلَمْ يَدْرِ أَيَّتَهنَّ الَّتِي طَلَّقَ؟ قَالَ: يُوَرِّثُهُنَّ جَمِيعًا، وَيَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَعْتَدِدْنَ جَمِيعًا، وَقَدْ وَرَّثَ مَنْ لَا مِيرَاثَ لَهَا، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ تَعْتَدَّ مَنْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَالْقُرْعَةُ تُصِيبُ الْحَقَّ، فَعَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: كَتَبْت إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَسْأَلُهُ، فَقُلْت: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُنْكِرُ الْقُرْعَةَ، وَيَقُولُ: هِيَ قِمَارٌ الْيَوْمَ، وَيَقُولُ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، فَقَدْ كَذَبَ وَقَالَ الزُّورَ، الْقُرْعَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَعَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ لَمَّا أَرَادَ السَّفَرَ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَدَارَآ فِي دَابَّةٍ، وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ. قُلْت: يُرِيدُ أَنَّهُ أَقْرَعَ بِنَفْسِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَإِلَّا فَأَحَادِيثُ الْقُرْعَةِ أَكْثَرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.

قَالَ: وَهُمْ يَقُولُونَ إذَا اقْتَسَمُوا الدَّارَ وَالْأَرْضِينَ: أَقْرِعْ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَأَيُّهُمْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ: كَانَ لَهُ مَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ، يُجْبَرُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْأَثْرَمُ: إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرَ الْقُرْعَةَ وَاحْتَجَّ بِهَا، وَبَيَّنَهَا، وَقَالَ: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: الْقُرْعَةُ قِمَارٌ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ جَهِلُوا، فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَمْسُ سُنَنٍ.

قَالَ الْأَثْرَمُ: وَذَكَرْت لَهُ أَنَا حَدِيثَ الزُّبَيْرِ فِي الْكَفَنِ، فَقَالَ: حَدِيثُ أَبِي الزِّنَادِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.

قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقُرْعَةِ وَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ.

وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141]

ص: 247

أَيْ أَقْرَعَ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ.

قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْقُرْعَةُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَضَاؤُهُ، فَمَنْ رَدَّ الْقُرْعَةَ فَقَدْ رَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَاءَهُ وَفِعْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لِمَنْ قَدْ عَلِمَ بِقَضَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيُفْتِي بِخِلَافِهِ،، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وَقَالَ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] .

قَالَ حَنْبَلٌ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ: مَنْ قَالَ بِغَيْرِ الْقُرْعَةِ فَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سُنَّتِهِ الَّتِي قَضَى بِهَا وَقَضَى بِهَا أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ.

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: فِي الْقُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ، حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ:«إنَّ قَوْمًا أَتَوْا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ دَرَسَتْ بَيْنَهُمْ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ» وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - حِينَ تَدَارَيَا فِي دَابَّةٍ - فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَحَدِيثُ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ، وَحَدِيثُ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ.

وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَنْ فَعَلَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَابْنَ الْمُسَيِّبِ، ثُمَّ تَعَجَّبَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَمَا يَرُدُّونَ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: وَقَالَ لِي أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ - وَذَاكَرَنِي أَمْرَ الْقُرْعَةِ فَقَالَ: أَرَى أَنَّهَا مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى:{إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] وَقَوْلَهُ: {فَسَاهَمَ} [الصافات: 141] .

وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ: الْقُرْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْعَةُ قِمَارٌ قَوْمٌ جُهَّالٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ: أَقْرَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ.

قَالَ: أَخْبَرَنِي، أَبِي الزُّبَيْرُ «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ تَسْعَى، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الْقَتْلَى، قَالَ: فَكَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَرَاهُمْ، فَقَالَ: الْمَرْأَةَ، الْمَرْأَةَ.

قَالَ الزُّبَيْرُ: فَتَوَهَّمْت أَنَّهَا أُمِّي صَفِيَّةُ، قَالَ: فَخَرَجْت أَسْعَى، فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى الْقَتْلَى قَالَ: فَلَهَزَتْ فِي صَدْرِي - وَكَانَتْ امْرَأَةً جَلْدَةً وَقَالَتْ: إلَيْك عَنِّي، لَا أُمَّ لَك، قَالَ فَقُلْت: إنَّ

ص: 248