المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في فراسة الحاكم] - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة الْكتاب]

- ‌[الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر للحكم بِالْقَرِينَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْعَمَل فِي السَّلْطَنَة بِالسِّيَاسَةِ الشَّرِيعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر لِلْعَمَلِ بِالسَّلْطَنَةِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّة]

- ‌[فَصَلِّ فِي سِيَاسَة الصَّحَابَة فِي قِيَادَة الْأَمَة مِنْ بَعْده صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي فِرَاسَةِ الْحَاكِمِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْفِرَاسَة الصَّادِقَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي محاسن الْفِرَاسَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي عَجَائِب الْفِرَاسَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي صُوَر للحكم بِالْفِرَاسَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الحبس فِي الدِّين]

- ‌[فَصَلِّ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الرَّجُل الْوَاحِد]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُتَفَرِّدَاتٍ]

- ‌[فَصَلِّ شَهَادَة الرَّجُل الْوَاحِد مِنْ غَيْر يَمِين عِنْد الْحَاجَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي مَذَاهِب أَهْل الْمَدِينَة فِي الدَّعَاوَى]

- ‌[فَصَلِّ هَلْ السِّيَاسَة بِالضَّرْبِ والحبس للمتهمين فِي الدَّعَاوَى وَغَيْرهَا مِنْ الشِّرْع]

- ‌[فَصَلِّ فِي دَعَاوَى التهم]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّعْزِير]

- ‌[فَصَلِّ وَالْمَعَاصِي ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الطرق الَّتِي يَحْكُم بِهَا الْحَاكِم]

- ‌[الطَّرِيق الْأَوَّل الْيَدُ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَا تَفْتَقِرُ إلَى يَمِينٍ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْإِنْكَارُ الْمُجَرَّدُ وَلَهُ صُوَرٌ]

- ‌[فَصَلِّ اُسْتُثْنِيَ مِنْ عَدَمِ التَّحْلِيفِ فِي الْحُدُودِ صُورَتَانِ]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَا لَا يَحْلِف فِيهِ]

- ‌[فَصَلِّ فَوَائِد الْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ فِي الْحُكْمِ بِالْيَدِ مَعَ يَمِين صَاحِبهَا]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَحْده أَوْ بِهِ مَعَ رد الْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ يَمِين الْمُدَّعِي هَلْ هِيَ كَالْبَيِّنَةِ أُمّ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي رد الْيُمْن]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسُ فِي الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد بِلَا يَمِين وَذَلِكَ فِي صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّابِعُ فِي الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين]

- ‌[فَصَلِّ فِي هَلْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين تَقْوِيَة وَتَوْكِيد]

- ‌[فَصَلِّ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا بِالشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ]

- ‌[فَصَلِّ وَالتَّحْلِيف ثَلَاثَة أَقْسَام]

- ‌[فَصْل تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْلِيف الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْلِيف الشَّاهِد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّامِنُ فِي الْحُكْمِ بِالرَّجُلِ الْوَاحِد وَالْمَرْأَتَيْنِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي شَهَادَة النِّسَاء]

- ‌[فَصَلِّ فِي النصاب الَّتِي تَقْبَل بِهِ شَهَادَة النِّسَاء]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ التَّاسِعُ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيق الْعَاشِر فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِين الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَال]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ مِنْ غَيْر يَمِين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِثَلَاثَةِ رِجَال]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِأَرْبَعَةِ رِجَال أَحْرَار]

- ‌[فَصْلٌ فِي إتْيَانُ الْبَهِيمَةِ وَمَا يَجِب فِيهِ أَرْبَعَة شُهُود]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْعَبْد والأمة]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الصَّبِيَّانِ المميزين]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفُسَّاق وَذَلِكَ فِي صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْكَافِر]

- ‌[فَصَلِّ فِي شَهَادَة الْكُفَّارِ عَلَى المسلين فِي السَّفَر]

- ‌[فَصَلِّ وَهَلْ تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْكَافِرِينَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْوَصِيَّةِ فِي دينهم]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالتَّوَاتُرِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِفَاضَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي أَخْبَار الْآحَاد]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْخَطِّ المجرد وَلَهُ صُوَر]

- ‌[فَصَلِّ شَهَادَةُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِهِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بالعلامة الظَّاهِرَة]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الطَّرِيقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تَشْهَدُ لِلْقَافَةِ]

- ‌[فَصَلِّ الْحُكْمِ بَيْن النَّاس فِيمَا لَا يَتَوَقَّف عَلَى الدَّعْوَى]

- ‌[فَصَلِّ فِي عُمُوم الْوِلَايَات وَخُصُوصهَا]

- ‌[فَصَلِّ وَمنْ المنكرات]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّسْعِير]

- ‌[فَصَلِّ فِي أَقْبَح الظُّلْم]

- ‌[فَصَلِّ فِي حُصِرَ الْبَيْع عَلَى أناس معينين]

- ‌[فَصَلِّ فِي القسامين الَّذِينَ يقسمون الْعَقَار وَغَيْره بالأجرة]

- ‌[فَصَلِّ فِي حَاجَة النَّاسُ إلَى صِنَاعَةِ طَائِفَةٍ كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تُنَازِع الْعُلَمَاء فِي التَّسْعِير]

- ‌[فَصَلِّ فِي البذل والعطاء]

- ‌[فَصَلِّ فِي حُكْم الْوَلِيّ بالأمارات والعلامات الظَّاهِرَة وَالْقَرَائِن الْبَيِّنَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي التَّعْزِير بِالْعُقُوبَاتِ المالية]

- ‌[فَصَلِّ فِي وَاجِبَاتُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ]

- ‌[فَصَلِّ فِي تَحْرِيق الكتب المضلة وَإِتْلَافهَا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْفَاسِق يأوي إلَيْهِ أَهْل الفسق والخمر]

- ‌[فَصَلِّ فِي اختلاط الرجال بِالنِّسَاءِ فِي الأسواق والفرج ومجامع الرجال]

- ‌[فَصَلِّ فِي اللاعبين بالحمام عَلَى رُءُوس النَّاس]

- ‌[فَصَلِّ فِي اتِّخَاذ الْحَمَّامِ فِي الأبرجة]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْمَرَضِ الْمُعْدِي كَالْجُذَامِ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِأَهْلِهِ]

- ‌[فَصَلِّ وَمنْ طُرُق الْحُكْمِ الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ]

- ‌[فَصَلِّ فِي كَيْفِيَّة الْقُرْعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِي مواضع الْقُرْعَة]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق امْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ لَا يَدْرِي أَيَّتهنَّ هِيَ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيده]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق إحْدَى نِسَائِهِ وَمَاتَ قَبْل الْبَيَان]

- ‌[فَصَلِّ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى امْرَأَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا]

- ‌[فَصَلِّ الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَةَ وَنَصْرَانِيَّة فَقَالَ فِي مَرَضه إحْدَاكُمَا طَالِق ثَلَاثًا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ ثَلَاثَة نِسْوَة فطلق وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَمْ يَدْرِي أَيَّتهنَّ ثُمَّ مَاتَ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ مُمَالِيك عدة فَقَالَ أَحَدهمْ حُرّ وَلَمْ يُبَيِّن]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَقُول أَوَّل غُلَام لِي يَطْلُع فَهُوَ حُرّ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَانِ وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَخْرَج بِإِحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْقُرْعَة فِي الشِّرَاء وَالْبَيْع]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَشَاحَّا فِي الْأَذَان]

- ‌[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَتَزَوَّج امْرَأَة عَلَى عَبْد مِنْ عَبِيده]

- ‌[فَصْلٌ فِي عَبْد فِي يَد رَجُل اخْتَلَفَ عَلَيْهِ غَيْره بِالْبَيْعِ وَالْهِبَة وَغَيْر ذَلِكَ]

الفصل: ‌[فصل في فراسة الحاكم]

يَقْضِيَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: ادْفَعْنَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَعَرَفَ عَلِيٌّ أَنَّهُمَا قَدْ مَكَرَا بِهَا؛ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمَا: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ؟ قَالَا: بَلَى؛ قَالَ: فَإِنَّ مَالَك عِنْدَهَا، فَاذْهَبْ فَجِئْ بِصَاحِبِك حَتَّى تَدْفَعَهُ إلَيْكُمَا.

[فَصَلِّ فِي فِرَاسَةِ الْحَاكِمِ]

10 -

(فَصْلٌ) وَمِنْ فِرَاسَةِ الْحَاكِمِ: مَا ذَكَرَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: أَنَّ إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ، اسْتَوْدَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَدِيعَةً؛ فَقَالَ: صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ: اسْتَحْلِفْهُ بِاَللَّهِ مَا لِي عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَقَالَ إيَاسٌ: بَلْ أَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ مَالَك عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَلَا غَيْرُهَا.

وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْفِرَاسَةِ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: " مَا لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ " احْتَمَلَ النَّفْيَ؛ وَاحْتَمَلَ الْإِقْرَارَ فَيَنْصِبُ " مَالَهُ " بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ؛ أَيْ دَفَعَ مَالَهُ إلَيَّ، أَوْ أَعْطَانِي مَالَهُ؛ أَوْ يَجْعَلُ " مَا " مَوْصُولَةً وَالْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ صِلَتَهَا وَوَدِيعَةٌ خَبَرٌ عَنْ " مَا " فَإِذَا قَالَ:" وَلَا غَيْرُهَا " تَعَيَّنَ النَّفْيُ.

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: شَهِدْت إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ ارْتَهَنَ رَهْنًا؛ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: رَهَنْته بِعَشَرَةٍ وَقَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْته بِخَمْسَةٍ؛ فَقَالَ: إنْ كَانَ لِلرَّاهِنِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الرَّهْنَ فَالْقَوْلُ، مَا قَالَ الرَّاهِنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِ الرَّهْنِ إلَيْهِ؛ وَالرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ. فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَجَحَدَهُ الرَّهْنَ.

قُلْت: وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَقْوَالِ، فَإِنَّ إقْرَارَهُ بِالرَّهْنِ - وَهُوَ فِي يَدِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِلرَّاهِنِ - دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ؛ وَأَنَّهُ مُحِقٌّ، وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا لَجَحَدَهُ الرَّهْنَ رَأْسًا. وَمَالِكٌ وَشَيْخُنَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ، يَجْعَلَانِ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ رحمهم الله، يَجْعَلُونَ الْقَوْلَ قَوْلَ الرَّاهِنِ مُطْلَقًا.

وَقَالَ إيَاسٌ أَيْضًا: مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ.

وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَحْسَنِ الْقَضَاءِ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَمٌ عَلَى صِدْقِهِ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَقَالَ: صَدَقَ، إلَّا أَنِّي قَضَيْته إيَّاهَا، فَالْقَوْلُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَبَضَ مِنْ مُوَرِّثِهِ وَدِيعَةً، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، وَادَّعَى رَدَّهَا إلَيْهِ.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْبَصْرِيُّ: جَاءَ رَجُلَانِ إلَى إيَاسَ بْنِ مُعَاوِيَةَ؛ يَخْتَصِمَانِ فِي قَطِيفَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا حَمْرَاءُ؛ وَالْأُخْرَى خَضْرَاءُ؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: دَخَلْت الْحَوْضَ لِأَغْتَسِلَ، وَوَضَعْت قَطِيفَتِي، ثُمَّ جَاءَ هَذَا، فَوَضَعَ قَطِيفَتَهُ تَحْتَ قَطِيفَتِي، ثُمَّ دَخَلَ فَاغْتَسَلَ، فَخَرَجَ قَبْلِي، وَأَخَذَ قَطِيفَتِي فَمَضَى بِهَا؛ ثُمَّ خَرَجْت فَتَبِعْته، فَزَعَمَ أَنَّهَا قَطِيفَتُهُ؛ فَقَالَ: أَلَك بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ائْتُونِي بِمُشْطٍ؛ فَأُتِيَ بِمُشْطٍ، فَسَرَّحَ رَأْسَ هَذَا، وَرَأْسَ هَذَا. فَخَرَجَ مِنْ رَأْسِ أَحَدِهِمَا صُوفٌ أَحْمَرُ، وَمِنْ رَأْسِ الْآخَرِ صُوفٌ

ص: 30

أَخْضَرُ؛ فَقَضَى بِالْحَمْرَاءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ الصُّوفُ الْأَحْمَرُ، وَبِالْخَضْرَاءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ الصُّوفُ الْأَخْضَرُ.

وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدٍ أَبِي عَلَاءٍ: شَهِدْت إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهُ بَاعَنِي جَارِيَةً رَعْنَاءَ؛ فَقَالَ إيَاسٌ: وَمَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرُّعُونَةُ؟ قَالَ: شِبْهُ الْجُنُونِ. فَقَالَ إيَاسٌ: يَا جَارِيَةُ، أَتَذْكُرِينَ مَتَى وُلِدْت؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيُّ رِجْلَيْك أَطْوَلُ؟ قَالَتْ: هَذِهِ؛ فَقَالَ إيَاسٌ: رُدَّهَا؛ فَإِنَّهَا مَجْنُونَةٌ.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ شَهِدَ عِنْدَ ابْنِهِ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ - مَعَ رِجَالٍ عَدَّلَهُمْ - عَلَى رَجُلٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا وَائِلَةَ، تَثَبَّتْ فِي أَمْرِي، فَوَاَللَّهِ مَا أَشْهَدْتُهُمْ إلَّا عَلَى أَلْفَيْنِ. فَسَأَلَ إيَاسٌ أَبَاهُ وَالشُّهُودَ: أَكَانَ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي شَهِدُوا عَلَيْهَا فَضْلٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، كَانَ الْكِتَابُ فِي أَوَّلِهَا وَالطَّيَّةُ فِي وَسْطِهَا، وَبَاقِي الصَّحِيفَةِ أَبْيَضُ. قَالَ: أَفَكَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ يَلْقَاكُمْ أَحْيَانَا، فَيُذَكِّرُكُمْ شَهَادَتَكُمْ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، كَانَ لَا يَزَالُ يَلْقَانَا، فَيَقُولُ: اُذْكُرُوا شَهَادَتَكُمْ عَلَى فُلَانٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَصَرَفَهُمْ، وَدَعَا الْمَشْهُودَ لَهُ. فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، تَغَفَّلْت قَوْمًا صَالِحِينَ مُغَفَّلِينَ، فَأَشْهَدْتهمْ عَلَى صَحِيفَةٍ جَعَلْت طَيَّتَهَا فِي وَسَطِهَا، وَتَرَكْت فِيهَا بَيَاضًا فِي أَسْفَلِهَا، فَلَمَّا خَتَمُوا الطَّيَّةَ قَطَعْت الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ حَقُّك أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَكَتَبْت فِي الْبَيَاضِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَصَارَتْ الطَّيَّةُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، ثُمَّ كُنْت تَلْقَاهُمْ فَتُلَقِّنُهُمْ، وَتُذَكِّرُهُمْ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَأَقَرَّ بِذَلِكَ، وَسَأَلَهُ السَّتْرَ عَلَيْهِ، فَحَكَمَ لَهُ بِأَلْفَيْنِ وَسَتَرَ عَلَيْهِ.

وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ الْبَصْرِيِّ: كُنَّا عِنْدَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَبْلَ أَنْ يُسْتَقْضَى، وَكُنَّا نَكْتُبُ عَنْهُ الْفِرَاسَةَ، كَمَا نَكْتُبُ عَنْ الْمُحَدِّثِ الْحَدِيثَ، إذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عَلَى دُكَّانٍ مُرْتَفِعٍ بِالْمِرْبَدِ. فَجَعَلَ يَتَرَصَّدُ الطَّرِيقَ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ رَجُلًا، فَنَظَرَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ إيَاسٌ: قُولُوا فِي هَذَا الرَّجُلِ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ رَجُلٌ طَالِبُ حَاجَةٍ. فَقَالَ: هُوَ مُعَلِّمُ صِبْيَانٍ، قَدْ أَبَقَ لَهُ غُلَامٌ أَعْوَرُ، فَقَامَ إلَيْهِ بَعْضُنَا فَسَأَلَهُ عَنْ حَاجَتِهِ؟ فَقَالَ: هُوَ غُلَامٌ لِي آبِقٌ. قَالُوا: وَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، وَإِحْدَى عَيْنَيْهِ ذَاهِبَةٌ، قُلْنَا: وَمَا صَنْعَتُك؟ قَالَ: أُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ. قُلْنَا لِإِيَاسٍ: كَيْفَ عَلِمْت ذَلِكَ؟ قَالَ: رَأَيْته جَاءَ، فَجَعَلَ يَطْلُبُ مَوْضِعًا يَجْلِسُ فِيهِ، فَنَظَرَ إلَى، أَرْفَعِ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَنَظَرْت فِي قَدْرِهِ فَإِذَا لَيْسَ قَدْرُهُ قَدْرَ الْمُلُوكِ، فَنَظَرْت فِيمَنْ اعْتَادَ فِي جُلُوسِهِ جُلُوسَ الْمُلُوكِ، فَلَمْ أَجِدْهُمْ إلَّا الْمُعَلِّمِينَ، فَعَلِمْت أَنَّهُ مُعَلِّمُ صِبْيَانٍ، فَقُلْنَا: كَيْفَ عَلِمْت أَنَّهُ أَبَقَ لَهُ غُلَامٌ؟ قَالَ: إنِّي رَأَيْته يَتَرَصَّدُ الطَّرِيقَ، يَنْظُرُ فِي وُجُوهِ النَّاسِ. قُلْنَا: كَيْفَ عَلِمْت أَنَّهُ أَعْوَرُ؟

ص: 31

قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ رَجُلًا قَدْ ذَهَبَتْ إحْدَى عَيْنَيْهِ، فَعَلِمْت أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِغُلَامِهِ.

وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ نَظَرَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: هَذَا غَرِيبٌ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ. وَهُوَ مُعَلِّمٌ، وَهُوَ يَطْلُبُ عَبْدًا لَهُ أَبَقَ. فَوَجَدُوا الْأَمْرَ كَمَا قَالَ. فَسَأَلُوهُ؟ فَقَالَ: رَأَيْته يَمْشِي وَيَلْتَفِت، فَعَلِمْت أَنَّهُ غَرِيبٌ، وَرَأَيْته وَعَلَى ثَوْبِهِ حُمْرَةُ تُرْبَة وَاسِطَ فَعَلِمْت أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَرَأَيْته يَمُرُّ بِالصِّبْيَانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى الرِّجَالِ، فَعَلِمْت أَنَّهُ مُعَلِّمٌ. وَرَأَيْته إذَا مَرَّ بِذِي هَيْئَةٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وَإِذَا مَرَّ بِذِي أَسْمَالٍ تَأَمَّلَهُ، فَعَلِمْت أَنَّهُ يَطْلُبُ آبِقًا.

وَقَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُكَيْرٍ: مَرَّ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَسَمِعَ قِرَاءَةً مِنْ عِلِّيَّةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ قِرَاءَةُ امْرَأَةٍ حَامِلٍ بِغُلَامٍ، فَسُئِلَ، كَيْفَ عَرَفْت ذَلِكَ؟ فَقَالَ سَمِعْت بِصَوْتِهَا وَنَفَسِهَا مُخَالِطَةً. فَعَلِمْت أَنَّهَا حَامِلٌ وَسَمِعْت صَحَلًا، فَعَلِمْت أَنَّ الْحَمْلَ غُلَامٌ، وَمَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِكُتَّابٍ فِيهِ صِبْيَانٌ. فَنَظَرَ إلَى، صَبِيٍّ مِنْهُمْ، فَقَالَ: هَذَا ابْنُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَكَانَ كَمَا قَالَ.

وَقَالَ رَجُلٌ لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: عَلِّمْنِي الْقَضَاءَ فَقَالَ: إنَّ الْقَضَاءَ لَا يُعَلَّمُ، إنَّمَا الْقَضَاءُ فَهْمٌ، وَلَكِنْ قُلْ: عَلِّمْنِي مِنْ الْعِلْمِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى يَقُولُ:{وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] فَخَصَّ سُلَيْمَانَ بِفَهْمِ الْقَضِيَّةِ، وَعَمَّهُمَا بِالْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ إلَى قَاضِيهِ أَبِي مُوسَى فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ: " وَالْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إلَيْك.

ص: 32