الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إليها فكانت تشمل كل ما تدفع إليه الحاجة من سائر الطلبات (1) .
واستدعت النهضة الصناعية تعدد الحرف في أيدي الناس. وفي بلروم وحدها عدا ابن حوقل أصنافاً كثيرة منها وذكر أن أهل حرفة سوقاً. فبين مسجد ابن سقلاب والحارة الجديدة كانت تقع أكثر الأسواق كسوق (الزياتين بأجمعهم والدقاقين والصيارفة والصيادنة والحدادين والصياقلة وأسواق القمح والطرازين والسماكين والأبزاريين وطائفة من القصابين وباعة البقل وأصحاب الفاكهة والرياحين والجرارين والخبازين والجدالين، وطائفة من العطارين والجزارين والأساكفة والدباغين والنجارين والغضائريين والخشابين خارج المدينة. وببلرم طائفة من القصابين والجرارين والأساكفة وبها للقصابين دون المائتي حانوت لبيع اللحم والقليل منهم برأس السماط ويجاورهم القطانون والحلاجون والحذاءون " (2) . وهذه الفقرة الإحصائية غنية بالدلالة على حال السوق في بلرم أثناء العصر الإسلامي.
6
-
الدين والأخلاق
ونجد ابن حوقل يصف الصقليين (3) بقلة المرؤة، وبإقبالهم على شهادة الزور، ويرميهم بقلة الفطنة وكلال الفهم وحدة الجهل وسرعة الطيش وموت اليقظة وبراعة اللؤم، ويصل بين هذه الصفات فيهم وبين أغذيتهم السيئة ومطاعمهم المنتنة وخاصة إكثارهم من أكل البصل؟ الأمر الذي بلد إحساسهم ويصمهم بغلظ الطباع وسوء الخلق وغلبة الجفاء وطول المراء. وهذا الوصف منصرف إلى أهل بلرم. أما أهل بواديها وأرباب تلك البوادي فتغلب عليهم
(1) ابن حوقل 1/ 121.
(2)
ابن حوقل 1/ 119.
(3)
هذه الأوصاف مجموعة من مواطن متفرقة. تنظر ابن حوقل 1/ 123 - 131.
بهيمية غامرة لألبابهم، وغفلة عن الحقوق والواجب ظاهرة في معاملاتهم، وقول من الحق بعيد، وشنآن للغريب والطارئ عليهم عظيم شديد، لا يألفون ولا يؤلفون، وهم في كرههم للغرباء يشبهون أهل بلرم حاضرتهم فقد طبع أهلها على بغض التجار والغرباء المجهزين، مع جفاء معدوم النظير في أجفى الجبليين، مع أن مصالحهم تعتمد على الجلابين، وهم محتاجون إلى المسافرين لقيام حياتهم على التجارة.
وليس من الضروري ان نصدق ابن حوقل في كل ما يقول لأنه يصور أخلاق قوم كرههم، فليس من السهل أن نأخذ ما يقوله في هذه الناحية بالتسليم وبخاصة لأنه يتحدث عن أمور اعتمد في تصويرها على الشعور فأشبه بذلك الشاعر الذي يهجو. ثم إن الأخلاق نسبية تتغير من إقليم إلى إقليم ولا شك أنه كانت بين العراق وصقلية فوارق في الحياة الاجتماعية جعلت ابن حوقل يكره من صقلية ما لم يكن عراقي الصبغة، وكذلك حال ابن حوقل في الأندلس فإنه لم يستسغ فيها أشياء كثيرة، وهذه الفوارق نمت مع الزمن وصورها ابن سعيد في المفاضلة بين المشرق والمغرب (1) وهي أمور يلمحها الغريب. وقد انتقد ابن جبير الرحالة أشياء في الشاميين وجدها تخالف ما عليه حال الناس في بلده وأحس بالكره لها. والأساس الذي يبني عليه ابن حوقل قلة المروءة والبلادة في الصقليين فاسد، ونحن اليوم نمر بهذه الثورة على البصل مبتسمين. أضف إلى ذلك أن ابن حوقل كره صقلية لأنه غريب لم يجد فيها التقدير الذي يتطلع إليه غريب مثله، وهو عندئذ ذو حساسية خاصة بما يلقى من معاملة، وإذا صح أن الصقليين كانوا يكرهون الغرباء فإن من السهل أن نعلل ثورة ابن حوقل على صقلية. ثم هو قد كره صقلية لأنها كانت تثور على السلطان وتنقض الطاعة، ومن مهمته في رحلته أن يؤكد الناس ولاءهم للسلطان وخضوعهم له، وهو كذلك قد وجد فيها قوماً يشتمون أهل العراق ويستهجنون
(1) انظر هذه المفاضلة والرد عليها في مسالك الأبصار للمري المجلد الأول، الجزء الثاني من نسخة دار الكتب المصرية رقم 559 معارف عامة.
مبادئهم في القدر والإرجاء. وتدل رحلته على أنه لم يختلط إلا بطبقات معينة، وأنه كان يألف الغرباء ويطمئن إليهم أكثر من أهل الوطن. وفي هذه الفترة نسمعه ينحي بالذم على أهل الوادي التابعة لبلرم ولكن أتراه زارها؟ وإن كان زارها فأين الوصف الدقيق الذي سجلته عينه النفاذة وجرأته النفسية؟
ومهما ننكر مما قاله ابن حوقل في ذم أخلاق الصقليين لا نستطيع ان ننكر أنه زار صقلية حين لم تكن تنعم الا ببوادر الهدوء والطمأنينة في ظل الكلبيين، وكانت قد مرت بها سنوات عصيبة، حتى ان ابن حوقل وجدها قد حالت من الخصب إلى الجدب. كما لا نستطيع أن ننكر أن أهل البلاد الأصليين، إن كان يعنيهم ابن حوقل بالتسمية الصقلية، كان اغلبهم من الموالي والعبيد، ولم يدفع هؤلاء إلى الإسلام إلا الرغبة في التخلص من بعض القيود الاجتماعية والمادية. ويحدثنا ابن حوقل أنه كتب كتاباً مستقلاً في صقلية جعله عشرة أبواب، بدأ فيه بذكر ما يتفاخر به أهل الأمصار والقبائل والبلدان وما يلحقهم من الفضائل وكيفية لحاقها بالكور والمدن والرذائل المقصرة ببعضها عن الفخر والطيب والحسن، ووسمه بكتاب صقلية ولم يترك لهم من فضيلة ورذيلة إلا ذكرها وسمى فيه معلميهم وذكر فتنهم وخلعهم للسلطان وطاعته وبعض فرقهم الدينية (1) ولا شك في أن هذا الكتاب الذي ذكرت فيه الفضيلة إلى جانب الرذيلة اثمن من تلك الصفحات التي جعلها فصلا من كتاب " صورة الأرض ". وخير ما يظهر لنا انحياز ابن حوقل إلى جانب المساوئ ما ذكره جغرافي آخر وصف أهل صقلية بقوله:" وأهلها مرموقون من بين من جاورهم بنظافة الأعراض والثياب والأحوال، متميزون بالجميل في الناس وحسن الصور والقصد في المعاش إلى مرؤات ظاهرة وعشرةة حسنة "(2) .
ومن مستغرب ما ذكره ابن حوقل عن أهل صقلية كرههم للغريب وهو شيء شاذ في بيئة تجارية تعتمد على الغرباء والجلابين، ولعل هذا الكره نشأ
(1) ابن حوقل ا/ 129.
(2)
المكتبة الصقلية: 13.
في نفوسهم أولا نحو المهاجرين، ثم عم حتى شمل كل الغرباء المقيم منهم والعابر، واصبحوا يظنون أن كل غريب فإنما جاء ينافسهم في بلدهم ويستولي على أرزاقهم. أما الجفاء فهو أمر نسبي ولكنا نجد ابن قلاقس يلمسه حين زار صقلية فهو يقول في قصيدة أرسلها إلى أبي الفتح بن خلف الصقلي:
وقمت لي من جفاء في صقلية
…
بلطف مصر عليه ظرف بغداد غير أن ابن جبير لم يلحظ في البلاد حين زارها إلا اللطف في المعاملة، ولعل الفرق بينه وبين ابن حوقل وابن قلاقس أنه كان مشمولا بالعطف الديني على مسلمي الجزيرة وأنه مغربي وهما مشرقيان، يحسان بفرق واسع في الطباع بين المشرق وصقلية.
على أي حال صور لنا ابن حوقل بهذه الوصاف مجتمعاً صقلياً منحلا ضعفت فيه الروابط الخلقية إلى حد غير قليل وتعارضت مقاييسه وقواعد الدين الإسلامي أحياناً. فقد وجد الرحالة فيها " رباطات كثيرة على ساحل البحر مشحونة بالرياء والنفاق والبطالين والفساق متمردين شيوخ وأحداث أغثاث رثاث قد عملوا السجادات، منتصبين لأخذ الصدقات وقذف المحصنات، نقم منزلة وبلايا شاملة وحتوف مصبوبة منصوبة وأكثرهم يقودون ومنهم لا يرى ذلك لشدة الرياء والسمعة وأكثرهم بالزور تطوعاً يشهدون، مع جهل لا يفرق فيه بين فرض الوضوء وسنته، ويقصدهم من أعوزه المكان لبطالته والموضع لعيارته فيؤونه، وربما شاركوه بتافه من المأكول على أحوال يقبح ذكرها "(1) ماذا نفهم من هذه العبارات على غموضها؟ وما معنى الذين اتخذوا السجادات؟ أكانوا يبتزون أموال الناس بإظهار الصلاح؟ وما معنى قوله: ومنهم من لا يرى ذلك لشدة الرياء والسمعة بعد قوله وأكثرهم يقودون؟ لقد أراد ابن حوقل؟ فيما يظهر؟ أن يصور في هذه العبارة جانباً مظلماً من حياة بعض الجماعات في بلرم، وهي طبقة من الناس احترفت البطالة وأقامت في رباطات على ساحل
(1) ابن حوقل 1/ 121 وفي المكتبة الصقلية: 7 اختلاف قليل جاء فيه " وأكثرهم يقودون ويلوطون وإنما آووا إلى هناك لعجزهم وعدم السكنى ومهانة أنفسهم ".
البحر، تحاول أن تكسب عيشها بشتى الطرق، وكلها دنئ خسيس قائم على إهدار الكرامة وعلى النصب والاحتيال.
ومن أهم ما لحظه ابن حوقل في صقلية فرقة ذات مذهب خاص تسمى المشعمذين واليها ينتمي أكثر أهل الحصون والبوادي والضياع أي هي منتشرة في الأرياف، وخاصة بين طبقات الموالي والعبيد. " ورأى هؤلاء التزويج إلى النصارى على أن ما كان بينهم من ولد ذكر لحق بابيه من المشعمذين، وما كانت من أنثى فنصرانية من أمها؟ لا يصلون ولا يتطهرون ولا يزكون ولا يحجون، وليس فيهم من يصوم شهر رمضان أو يغتسلون إذا صاموا من الجنابة، وهذه منقبة لا يشركهم فيها أحد، وفضيلة دون جميع الخلق أحرزوا بها في الجهل قصب السبق، ولقد أعررت كتابي هذا بذكرهم (1) ". ومن هذا الوصف يتبين لنا إلى أي درجة تقبلت نفوس الصقليين الدين الجديد، وهي نفوس أقوام من الفلاحين والجنود والأرقاء. وهذه ناحية تفسر في الواقع أكثر مظاهر الحياة العقلية والأدبية وقصورها على فئات المهاجرين. وإذا قرأنا كتب التراجم وجدنا فيها صورة غير هذه، تمثل لنا لوناً من التشدد في المحافظة على الدين ومقاييسه في الفضائل. ألم يكن في تلك الطبقة من العباد والحجاج والمصلين؟ ألم يكن فيهم صقليون أصليون؟ إن من الظلم لصقلية أن نؤمن بأن الفضل كان وقفاً على جماعات المهاجرين من عرب وبربر وغيرهم، ولكن ابن حوقل بعد ذلك انما يؤرخ ما شاهده في فترة معينة مما قد لا ينطبق على صقلية من بعده. ومن العبث أن نحاول رد من نعرف تراجمهم من الصقليين إلى أصولهم لنعرف أكانوا صقليين أصلا أم صقليين من أصل غريب عنها لنثبت أن فيمن كانوا من صقلية أصلاً قوماً متدينين يحجون ويصلون ويزكون ويتطهرون.
وليس معنى هذا أني أدفع تهمة الانحلال الخلقي عن البيئة الصقلية فطبقات الموالي والعبيد كانت مطعونة في نفسياتها، وهي خصبة لنمو الرياء والملق والنفاق، واختلاط الأجناس يعطى الفرصة لوجود ذلك الانحلال. ثم إن قيام الحياة
(1) ابن حوقل 1/ 129.
في المدن الصقلية على التجارة يدعو في الغالب إلى العناية بظواهر الأشياء أكثر من الاحتفال بالتربية النفسية، ولا شك في ان كثرة المساجد، حتى يكون منها في قرية قريبة من بلرم مائتا مسجد، لا تدل دائما على تدين. وفي مثل هذه البيئة ما يسمى مراعاة العواطف وخاصة في المآتم والأفراح، وهذا الملق الظاهري يفسر السجادات، والمصلحة الفردية تفسير للتطوع بشهادة الزور، والفقر من وراء كل تلك الرذائل، أي أن الاختلال في نظم الحياة الاقتصادية هو العامل الأول في تلك النقائض ولست أستطيع أن أتصور إلى أي درجة كانت كثرة الأجناس من ناحية وشعور الأقليات بالانكماش على نفسها من ناحية اخرى، يمد ان الحياة الاجتماعية بتفكك في الروابط، واتضاع في القيم، وقصر ومحدودية في النظرة إلى النفع والضرر، وخاصة أن المادة الخصام على أصول العصبية وغيرها كثيرة وفيرة.
وقد نلاحظ أن العصبية الإقليمية أوحت لابن حوقل بشيء كثير من الشنآن للمجتمع الصقلي، وباعدت بينه وبينه، وهي عصبية غير مستغربة حين نعرف أنها كانت تقوم بين بلدان صقلية نفسها، وهي مشاعر ورثتها منذ العصر البيزنطي، وقد رأينا كيف اغتاظ السرقوسيون لما رأوا بلرم في أول العهد الإسلامي قد أصبحت تتحكم في مصايرهم بعد أن كانت مدينة لا يأبهون بها، وفي أيام المسلمين كانت جرجنت مركز البرابرة تنافس بلرم عاصمة الأرستقراطية العربية. بل لا نستبعد أن يكون الانقسام الأخير في صقلية قام على أسباب من بينها تلك العصبية البلدية، أي أن الأقاليم كانت ثائرة على زعامة بلرم وصادف ذلك هوى في نفوس القواد المحليين، فانتهزوا الفرصة لما سنحت، واستقلوا، وكانت بلرم تمثل الحضارة رفعة ودنوا وتهيئ لمن ينزل فيها كل ما يمكن أن تقدمه الحضارة من خير وشر. وكان قد نشأ بينها وبين المدن الأخرى تفاوت واسع حتى كانت مثالا يثير المنافسة والحسد، وهذا الفرق في الترف نلمحه في صيحة ابن منكود صاحب مازر في وجه ابن البر اللغوي حين عرف أنه يشرب الخمر: " إذا كان ولا بد من شرب الخمر فهذا النوع
ببلرم وربما يعز وجوده هنا " (1) .
ولعل في هذا ما يدل على نزعة المفاضلة بين البلدان كما أنه يدل على ميل ابن منكود ليجعل من مازر ملجأ لما اعتقد أنه فضائل إسلامية ولكن روح التدين شيء والسياسة شيء آخر، وقد أثبتت الأيام أن ابن منكود كان مخفقاً سياسياً (2) .
(1) انظر إنباه الرواة في ترجمة ابن البر 2/ 146 وما بعدها.
(2)
انظر عن سوء تدبير ابن منكود بعد خروجه من صقلية: 272 في المكتبة الصقلية.
فراغ