الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحياة العقلية
مجالاتها الجديدة ونصيب المسلمين فيها
كان النشاط في الميادين العلمية أثناء العصر العربي آخذاً مجاله في المسجد والقصر والكتاب، أما في العصر النورماني فقد استوى الكتاب والمسجد في حقيقة الدراسات - إلا قليلا - وأصبح القصر أو الأمير هو الكعبة الكبرى التي تحوم حولها العلوم كما تحوم الآداب. وبرزت هذه المركزية الجديدة بوضوح حتى غطت عل آفاق النشاط الأخرى وطمستها أو حجبها - على الأقل - عن أعيننا. ولا شك في أن المسجد العامر بألوان الدراسات الفقهية واللغوية والأدبية فقد تضاءل شأنه في العصر النورماني، وانهزمت الدراسات الدينية أمام الدراسات العلمية الأخرى. ولما زار ابن جبير صقلية وجد المساجد فيها محاضر لمعلمي القرآن - والقرآن فقط أي أن هذه المساجد كانت موئلا للمعلمين الذين كانوا - كما شاهدهم ابن حوقل من قبل - يلقون إلى طلبتهم أجزاء من الكتاب ليحفظوها عن ظهر قلب. وإذا كان ابن ظفر قد ألف في هذا العصر كتباً كثيرة في التفسير واللغة والمواعظ فليس هذا بدليل على أن صقلية كانت مقبلة بحماسة على هذه الدراسات لأن ابن ظفر لم يكن صقليا عند التحقيق إذ ولد في صقلية وعاش في العالم الإسلامي متنقلا، وكانت زيارته لصقلية في سن عالية، زيارة قصيرة الأمد، إلا أنا نسمع أسماء نحويين كثيرين من أواخر العصر العربي وأسماء فقهاء في صقلية نفسها عاشوا في العصر النورماني ولابد أنهم كانوا يزاولون شيئاً من هذه الدراسات، غير أن الحقل الواسع الذي نمت فيه الدراسات الدينية على أيدي الصقليين أنفسهم كان خارج صقلية.
وقد قامت الحياة العملية في هذا العصر على المشاركة في غير لغة واحدة، وكان لابد لمن يحاول الحظوة في الدولة والصدارة في دواوينها، أن يتقن لغة فأكثر ومن ثم قامت الحياة العقلية على أكتاف أناس طامحين يعملون في خدمة الدولة بعملهم ومعرفتهم. وليس من الضروري أن يكون هؤلاء صقليين أصلا. ومما يميز
هذه الحركة العلمية الجديدة أنها كانت بتوجيه من الملك نفسه فهو الذي يدفع العالم إلى التأليف والمترجم إلى ترجمة آثار معينة. وهذا يدل على اتجاه علمي محدد الوجهة والغاية، نضيفه إلى المشاركة الفعلية التي تروي عن رجار الثاني من بينهم خاصة. - إذ يقول فيه الإدريسي:" وأما معرفته بالعلوم والرياضيات والعمليات فلا تدرك بعد، ولا تحصر بحد، لكونه قد أخذ من كل فن منها بالحظ الأوفر، وضرب فيه بالقدح المعلى، ولقد اخترع من المخترعات العجيبة وابتدع من الابتداعات الغريبة، ما لم يسبقه أحد من الملوك إليه ولا تفرد به "(1) .
ومضت صقلية تستورد الكتب من الخارج كما كانت تفعل في العصر العربي مع اختلاف في نوع الكتب. ودخلت بلرم - وإلى درجة ما سرقوسة كتب يونانية وعربية فاستحضر رجار الكتب الجغرافية المؤلفة بالعربية أو الترجمة إليها من اليونانية، مثل كتاب العجائب للمسعودي وكتاب الجيهاني وابن خرداذبة والعذرى وابن حوقل والكيماكي وموسى بن قاسم القردي واليعقوبي وابن المنجم وقدامة وكتاب الجغرافيا لبطليموس وأرسيوس (2) وجاءت من القسطنطينية نسخة من كتاب المحبسطي هدية من الإمبراطور إلى الملك غليالم الأول، وربما وردت منها أيضاً نسخة من كتاب ملحمي ترجمة دوكستباتر Doxtopater عن الكلدانية. ويتحدث ارستبس المترجم لصديق له إنجليزي وينصحه بأن لا يغادر صقلية لأنه لا يجد فيها حكمة اللاتين فحسب، بل مكتبة يونانية وعوناً من رجل ضليع في الأدب اليوناني، في صقلية يستطيع أن يحصل على الميكانيكا لهيرون والبصريات لإقليدس والأنالوطيقا لأرسطو وغيرها من المؤلفات الفلسفية اليونانية (3) .
والفضل في هذه النهضة العلمية يرجع في الدرجة الأولى إلى أ، واع التشجيع التي كان يقوم بها الملك ورجاله نحو العلماء، فهم يغدقون عليهم الأموال ويكتنفونهم بالاحترام، ويرفعون مراكزهم الاجتماعية في الوظائف والألقاب، كما
(1) نزهة المشتاق في المكتبة: 16.
(2)
المصدر نفسه: 17.
(3)
Haskins؛ Med. Science P. 166
اشتهروا بالحرص على إغراء العلماء إلى صقلية. وكان رجار يميل إلى مجالسة العلماء، وعند الصفدي أنه كان محباً لأهل العلوم الفلسفية (1) ، وأن الإدريسي كان يجيء راكباً بغلة فإذا صار عنده، تنحى له عن مجلسه، فيأتي فيجلسان معاً (2) وكان لا يسمع بعالم شهير إلا مهد له السبيل للوفود عليه وكذلك كان ابنه غليالم الأول. ويصفه ارستبس في حديثه لصديقه الإنجليزي بأنه ملك لا نظير له (3) ، وليس يعنى بهذا أبهة الملك، بقدر ما يعني تميزه في الاهتمام بالأمور العلمية والفلسفية، والتساؤل عن طبائع الأشياء، وقد كان وزيره مايون يشاركه الاهتمام بهذه النواحي العلمية. ولم يشذ غليالم الثاني عن سيرة من سبقه فيقول ابن جبير في وصفه:" وله الأطباء والمنجمون وهو كثير الاعتناء بهم، أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسلبه عن وطنه "(4) .
وفي أيام غليالم الأول والثاني ازدهرت حركة الترجمة إلى اللغة اللاتينية من العربية واليونانية. وكان من أشهر المترجمين عن اليونانية أرستبس الذي أصبح أيام غليالم الأول شخصية هامة وتولى الوزارة له بعد مقتل مايون، وكان ضليعاً في اليونانية فترجم الفيدون ومنيون من محاورات أفلاطون، وبأمر من الملك قام بترجمة جرجروريو النازيانزى، وبطلب من مايون ترجم ديوجين لايرتس إلى اللاتينية (5) .
أما الأمير يوجين البلرمى الذي أكسبته استطلاعاته الفكرية لقب " فيلسوف " فكان يترجم من العربية، فترجم منها إلى اللاتينية بصريات بطليموس، وكان في متناول يده بعض كتب لإقليدس (6) ، مما يدل على معرفه باللغات والرياضيات مع قدرة على نظم الشعر باليونانية، وله مجموعة من الشعر فيها قصيدة
(1) الوافي بالوفيات في المكتبة: 657.
(2)
المصدر نفسه: 658.
(3)
Haaskins؛ Med. Science P. 166.
(4)
ابن جبير: 325 والمكتبة: 83.
(5)
Haskins. M. Science P. 166.
(6)
Haskins. M. Science P. 171
يمدح بها غليالم وليس من أي غليالم هو المقصود بذلك المديح (1) . وترجم يوجين أيضاً كتاب كليلة ودمنة أو لعلاه ساعد في ترجمته إذ جاء في المقدمة.؟ إنها تمت بمساعدة رجال يعرفون العربية حق المعرفة وهي جملة ربما لا يقولها يوجين، لاطلاعه الواسع في العربية (2) ، وإن كان هذا لا يمنع أنه استعان على ترجمتها ببعض المسلمين حين وجد نفسه إزاء نص أدنى. وإليه تعزى ترجمة إحدى الملاحم عن اليونانية وهي كتاب كبوءات تتحدث عن أعمال الملوك والأباطرة. ويعتقد أمارى أن نسبة هذه الملحمة إلى أصل كلداني غير صحيح، لأن فيها معلومات عن بعض الظواهر والأحداث التي وقعت في القرن الثاني عشر والثالث عشر، فنسبها إلى القرون الخوالي مقصودة، لتزيد في قيمة ما ورد من التنبؤات (3) .
ولم يكن نصيب العلماء المسلمين في الحركة العلمية قليلا.؟ فقد كان الشريف الادريسي يرأس " الدائرة الجغرافية " في بلرم، ويشرف على جهودها وينظمها. ومن تنظيمه هذا قام في أيام رجار بعلمين: رسم صورة الأرض في دائرة من الفضة ووضع أقسام الأقاليم عليها. وألف كتاب " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " الذي اشهر باسم كتاب رجار، واستمر الإدريسي في بلرم أيام غليالم الأول وله ألف كتاباً آخر سماه " روض الأنس ونزهة النفس "(4) وكان للشريف مشاركة في علوم أخرى كعلم النبات وفيه ألف " الجامع لأشتات النبات " ولكن ليس من الممكن أن نقطع بأنه ألفه في صقلية (5) .
ومن المسلمين الذين اشتهروا بصقلية محمد بن عيسى بن عبد المنعم " من أصحاب العلم بعلمي الهندسة والنجوم، ماهر فيهما قيم بهما، مذكور بين الحكماء هناك بأحكامها "(6) وذكر الحكماء في هذه العبارة يفتح المجال
(1) Op. Cit. P. 172
(2)
Op. Cit. P. 176
(3)
Amari؛ S.D.M. vol. 3، P.676
(4)
الجريدة الجزء 11 الورقة.
(5)
انظر تاريخ أمارى 3/ 702 وتعليق نللينو في هذه الصفحة.
(6)
القفطي - أخبار العلماء: 189.
لتصور كثير منهم بصقلية. وعلى يد العلماء المسلمين انضم إلى هذه الدراسات العلمية جهود أخرى في الدراسات الفقهية والأدبية. ففي أيام غليالم الثاني كان أبو القاسم بن الحجر موئلا للقصاد، فألف له ابن ظفر الصقلي كتاب " سلوان المطاع " وكتاب " معرفة الأشراف في الفقه المالكي " وفي مدحه صنف ابن قلاقس كتاب " الزهر الباسم في أوصاف أبى القاسم ".
وشفعت الحركة العلمية هذه بظاهرتين جعلتاها أرسخ أصولا وأبعد أثراً.؟ الظاهرة الأولى: قيامها على التجربة والمشاهدة في بعض الأحيان. ففي المجال الجغرافي لم يكتف رجار بالاعتماد على كتب الجغرافية وحدها، بل أحر الرجال العارفين وشافههم في الأمور التي يريد معرفتها، وحقق أخبا البلاد بالمعينة ووقع اختياره هو والإدريسي على أناس ألباء فطناء أذكياء، جهزهم إلى أقاليم الشرق والغرب وسفر معهم قوماً مصورين ليصوروا ما يشاهدونه عياناً، وأمرهم بالتقصي والاستيعاب لما لابد من معرفته فكان إذا حضر أحد منهم بشكل أثبته الشريف الادريسي (1) . وكان أرستبس في أيام غليالم الأول يعرض نفسه للخطر ويحاول أن يدرس عجائب إتنا ويستطلع حقيقته (2) .
والظاهرة الثانية: الاستفادة منها في الحياة العملية وفي هذه الناحية نطلع على جهود في الهندسة المعمارية وفي عمل الآلات، وللمسلمين في هذه المجالات أثر واضح، إذ كان رجار يعتمد عليهم في صنع آلات الحصار، وهم الذين كانوا يصنعون القلاع المتحركة في حصار سالونيك سنة 1185 كانت منجنيقاتهم ذات أثر فعال في خرق الأسوار (3) . وصنع أحد المهندسين لرجار آلة لرصد الساعات درست ولم يبق مما يدل عليها إلا كتابة باللغات الثلاث اللاتينية فاليونانية فالعربية والنص في العربية " خرج أمر الحضرة الملكية المعظمة الرجارية العلية أيد الله ايامها وأيد أعلامها، بعمل هذه الآلة لرصد الساعات،
(1) الوافي بالوفيات في المكتبة: 658.
(2)
Haskins. Med. Sciiencep. P.159
(3)
Amari؛ S.D.M. vol.3 P.706
بمدينة صقلية المحمية سنة ست وثلاثين وخمسمائة " (1) وربما كانت شيئاً شبيهاً بتلك الآلة التي صنعت بمالطة لملكها وهي صورة تعرف بها أوقات ساعات النهار وكانت ترمي بنادق على الصناج (2) وفي معجم السلفي أن أحد المهندسين صنعها لقائد اسمه يحيى ليعرف أوقات النهار بالصنج (3) وكان في المسلمين مهندسون معماريون تركوا أساليبهم في قصور بلرم، وأبو الليث مثال لهؤلاء (4) .
هذه الحركة العلمية سواء في التشجيع عليها والتهيئة لأسبابها أو في قيامها على الترجمة من ناحية أو على الترجمة والمشاهدة من ناحية أخرى كانت أيضاً موضع اهتمام كبير من فرديك الثاني وابنه منفريد فيما بعد.
(1) Gregorio؛ Rerum Arabicarum، P.176
(2)
القزويني آثار البلاد: 373 والمكتبة: 143.
(3)
السلفي، الورقة 33. والشك واقع في مكان صنعها لأن مالطة عند ياقوت بالأندلس أيضاً وما دونه السلفى مروى عن رجل بلنسى وربما كان يحيى المذكور هو ابن غانية. وانظر Centenario حول هذا الشك 2/ 210.
(4)
انظر كلام أمارى عنه في تاريخه ج3 ص 704 - 705.