الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَلَيْهِ فَيُغَيِّرُهُ، وَمِنْ أَنْ يُغَيِّرَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِمَثَابَةِ التَّرْجَمَةِ لِسَنَدِ تَلَقِّي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ بَيَانٌ لِتَتِمَّةِ السَّنَدِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [81 \ 23 - 24] ، فَنَفَى عَنْهُ صلى الله عليه وسلم نَقْصَ التَّلَقِّي بِنَفْيِ آفَةِ الْجُنُونِ، فَهُوَ فِي كَمَالِ الْعَقْلِ وَقُوَّةِ الْإِدْرَاكِ، وَمِنْ قَبْلُ أَثْبَتَ لَهُ كَمَالَ الْخُلُقِ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [68 \ 4] .
وَأَثْبَتَ لَهُ اللُّقْيَا، فَلَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِغَيْرِهِ، وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ السَّنَدِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ صلى الله عليه وسلم الْكَمَالُ الْخُلُقِيُّ وَالْكَمَالُ الْخِلْقِيُّ - بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا - أَيِ: الْكَمَالُ حِسًّا وَمَعْنًى، ثُمَّ نَفَى عَنْهُ التُّهْمَةَ بِأَنْ يَضِنَّ بِشَيْءٍ مِمَّا أُرْسِلَ بِهِ مَعَ نَفَاسَتِهِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ وَجَلِيلِ عُلُومِهِ، وَأَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَفِي الْخِتَامِ إِفْهَامُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ: «بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ» [81 \ 25] ، حَيْثُ تَقَدَّمَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
[26
\ 212] .
وَأَنَّ: «فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا» [72 \ 9] ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُوجِبٌ لِلِانْصِرَافِ عَنْهُ، وَأُلْزِمُوا بِالْأَخْذِ بِهِ حَيْثُ أَصْبَحَ مِنَ الثَّابِتِ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، جَاءَ بِهِ رَسُولٌ كَرِيمٌ، وَبَلَّغَهُ لِصَاحِبِكُمْ صَاحِبِ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، وَلَيْسَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ.
فَلَزِمَهُمُ الْأَخْذُ بِهِ، وَإِلَّا فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ. أَيْنَ تَسِيرُونَ عَنْهُ، بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ لَكُمْ سَنَدُهُ وَمَصْدَرُهُ؟
وَنَظِيرُ هَذَا السَّنَدِ فِي تَمْجِيدِ الْقُرْآنِ وَإِثْبَاتِ إِتْيَانِهِ مِنَ اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ «النَّجْمِ» : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى [53 \ 2، 3 - 7] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، بِمَثَابَةِ مَنْ يَسُدُّ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ إِلَّا لَهُ ; لِأَنَّهُ - أَيِ الْقُرْآنُ - لَيْسَ فِي نُزُولِهِ مِنَ اللَّهِ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّ شُبْهَةٍ وَلَا تُهْمَةٍ، فَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَحِيدَ عَنْهُ، وَكُلُّ ذَهَابٍ إِلَى غَيْرِهِ فَطَرِيقٌ مَسْدُودٌ، وَضَلَالٌ وَهَلَاكٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَقُوَّةِ هَذَا السَّنَدِ، وَإِظْهَارِ ثُبُوتِ الرِّسَالَةِ، فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ:«لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
فِيهِ قَضِيَّةُ الْقَدَرِ وَالْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ. وَقَدْ بَحَثَهَا الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ. مِنْهَا فِي سُورَةِ «الزُّخْرُفِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [43 \ 20] ، وَفِيهَا مُنَاظَرَةُ الْمُعْتَزِلِيِّ مَعَ السُّنِّيِّ.
وَمِنْهَا فِي سُورَةِ «الذارِيَاتِ» : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [51 \ 56 - 57] ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ.
تَنْبِيهٌ.
إِذَا كَانَ الْكَثِيرُونَ يَسْتَدِلُّونَ فِي قَضِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَلَّا تُغْفَلَ أَهَمِّيَّتُهَا فِي جَانِبِ الضَّرَاعَةِ إِلَى اللَّهِ دَائِمًا، بِطَلَبِ التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا بِالْمَشِيئَةِ بِالِاسْتِقَامَةِ فَضْلًا مِنْ عِنْدِهِ، كَمَا أَمَرَنَا فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا أَنْ نَطْلُبَهُ هَذَا الطَّلَبَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [1 \ 6] .
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
لِقَدْ أُجْمِلَتِ الِاسْتِقَامَةُ هُنَا، وَهِيَ مُنَبَّهٌ عَلَيْهَا فِي سُورَةِ «الْفَاتِحَةِ» : إِلَى صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.