الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالْحَدِيثَ الثَّانِيَ لِبَيَانِ مَبْدَأِ وُجُودِ الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حِينَمَا يُولَدُ، أَمَّا مَصِيرُهُ فَبِحَسَبِ مَا قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ كَلَامًا لِلزَّجَّاجِ وَقَالَ عَنْهُ: هُوَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ وَنَصُّهُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْكَافِرَ، وَكُفْرُهُ فِعْلٌ لَهُ وَكَسْبٌ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْكُفْرِ، وَخَلَقَ الْمُؤْمِنَ، وَإِيمَانُهُ فِعْلٌ لَهُ وَكَسْبٌ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْإِيمَانِ. وَالْكَافِرُ يَكْفُرُ وَيَخْتَارُ الْكُفْرَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ إِيَّاهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلِمَهُ مِنْهُ، لِأَنَّ وُجُودَ خِلَافِ الْمُقَدَّرِ عَجْزٌ، وَوُجُودَ خِلَافِ الْمَعْلُومِ جَهْلٌ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ. اهـ.
وَلَعَلَّ مِمَّا يَشْهَدُ لِقَوْلِ الزَّجَّاجِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
[3
7 \ 96] .
هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ، وَهَذَا الْمَوْقِفُ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْ مَأْزِقِ الْقَدَرِ وَالْجَبْرِ، وَقَدْ زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَبِتَأَمُّلِ النَّصِّ وَمَا يَكْتَنِفُهُ مِنْ نُصُوصٍ فِي السِّيَاقِ مِمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، نَجِدُ الْجَوَابَ الصَّحِيحَ وَالتَّوْجِيهَ السَّلِيمَ، وَذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فَكَوْنُ الْمُلْكِ لَهُ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ، وَكَوْنُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يُرِيدُ.
ثُمَّ قَالَ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقُ الْإِنْسَانِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْبَعْثِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأُولَى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [40 \ 57] .
وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [36 \ 79] .
وَلِذَا جَاءَ عَقِبَهَا قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
أَيْ: بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ لَكُمْ آيَاتِ قُدْرَتِهِ عَلَى بَعْثِكُمْ، مِنْ ذَلِكَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْ ذَلِكَ خَلْقُكُمْ وَتَصْوِيرُكُمْ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَكَأَنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَعْثِكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالتَّالِي إِيمَانُكُمْ بِمَا بَعْدَ الْبَعْثِ، مِنْ حِسَابٍ وَجَزَاءٍ وَجَنَّةٍ وَنَارٍ، وَلَكِنْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ.
وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ ذِكْرِ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ وَبَيَانِ أَحْوَالِهِمْ جَاءَ تَفْنِيدُ زَعْمِ الْكُفَّارِ بِالْبَعْثِ وَالْإِقْسَامُ عَلَى وُقُوعِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [64 \ 7] ; لِأَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّوْجِيهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [76 \ 1 - 3] .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ [64 \ 2] .
ثُمَّ قَالَ: فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، وَهُمَا حَاسَّتَا الْإِدْرَاكِ وَالتَّأَمُّلِ، فَقَالَ: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ مَعَ اسْتِعْدَادِهِ لِلْقَبُولِ وَالرَّفْضِ.
وَقَوْلُهُ: إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، مِثْلُ قَوْلِهِ هُنَا: فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [64 \ 2] ، أَيْ بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ وَهِدَايَةِ السَّبِيلِ بِالْوَحْيِ، وَلِذَا جَاءَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا [64 \ 8] .
وَبِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمْلَةِ يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَنَصَبَ الْأَدِلَّةَ عَلَى وُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى بَعْثِ الْمَوْتَى، وَمِنْ ثَمَّ مُجَازَاتِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رُسُلَهُ وَهُدَاهُ النَّجْدَيْنِ، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا وَلَوِ احْتَجَّ إِنْسَانٌ فِي الدُّنْيَا بِالْقَدَرِ لَقِيلَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَلَيْكَ، أَمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ وَنَهَاكَ وَبَيَّنَ لَكَ الطَّرِيقَ.