الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
سُورَةُ
الِانْشِقَاقِ
قَوْلُهُ تَعَالَى إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الِانْفِطَارِ» ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [82 \ 1] ، وَالْإِحَالَةُ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَتَيِ «الشُّورَى» وَ «ق» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
تَقَدَّمَ بَيَانُ مَادَّةِ «أَذِنَ» فِي سُورَةِ «الْجُمُعَةِ» ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَذَانِ، «وَأَذِنَتْ» هُنَا بِمَعْنَى اسْتَمَعَتْ وَأَطَاعَتْ، «وَحُقَّتْ» أَيْ: حُقَّ لَهَا أَوْ هِيَ مَحْقُوقَةٌ بِذَلِكَ، أَيْ: لَا يُوجَدُ مُمَانِعٌ لِهَذَا الْأَمْرِ.
وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي «أَذِنَتْ» ، أَيْ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُمَانَعَةً مِنْ تَشَقُّقِهَا، كَانَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ الِامْتِثَالِ وَالِاسْتِمَاعِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لِلْجَمَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَالَةً لَا كَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ فِي مَبْحَثِ أَوَّلِ «الْحَشْرِ» فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ مِنَ الْجَمَادَاتِ.
وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي حَقِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
[3
3 \ 72] ، وَقَالَ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [41 \ 11] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
أَيْ: سُوِّيَتْ وَأُزِيلَتْ جِبَالُهَا، وَسُوِّيَتْ وِهَادُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [20 \ 105 - 107] .
وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَلِيٍّ. وَسَاقَ هَذَا الثَّانِي ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَدَّ اللَّهُ الْأَرْضَ مَدَّ الْأَدِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى» . الْحَدِيثَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُمَدُّ كَمَا يُمَدُّ الْأَدِيمُ الْعُكَاظِيُّ. وَعِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «يُزَادُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» .
وَقَالَ الرَّازِيُّ: هُوَ بِمَعْنَى تَبَدُّلِ الْأَرْضِ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ اسْتِبْدَالَ الْأَرْضِ غَيْرَ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الذَّهَابِ بِهَذِهِ الْمَوْجُودَةِ وَالْإِتْيَانِ بِأَرْضٍ جَدِيدَةٍ، لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْأَذَانِ:«مَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا شَجَرٍ، يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ إِلَّا سَيَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالَّذِي يُؤْتَى لَهُ مِنْ جَدِيدٍ لَا يَتَأَتَّى لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَشْهَدْهُ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِنَّ تَسْيِيرَ الْجِبَالِ وَتَسْوِيَةَ الْأَرْضِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُوجَدُ زِيَادَةً فِي وَجْهِ الْأَرْضِ وَمِسَاحَتِهَا، فَسَوَاءٌ مُدَّتْ بِكَذَا وَكَذَا - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - أَوْ مُدَّتْ بِتَوْسِعَةِ أَدِيمِهَا وَزِيدَ فِي بَسْطِهَا، بَعْدَ أَنْ تُلْقِي مَا فِي جَوْفِهَا كَالشَّيْءِ السَّمِيكِ إِذَا مَا ضُغِطَ، فَخَفَّتْ سِمَاكَتُهُ وَزَادَتْ مِسَاحَتُهُ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [89 \ 21] .
وَقَوْلُهُ: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [69 \ 13 - 16] .
فَيَكُونُ مَدُّ الْأَرْضِ بِسَبَبِ دَكِّهَا، فَيُزَادُ فِي بَسْطِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ هُوَ مَا يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ لِجَمْعِ الْأَمْرَيْنِ هُنَا، «وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ» ، فَهُوَ وِفْقُ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَبَعْدَهَا: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
قِيلَ: " أَلْقَتْ كُنُوزَهَا وَتَخَلَّتْ عَنْهَا، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ.
وَقِيلَ: " أَلْقَتِ " الْمَوْتَى " وَتَخَلَّتْ " عَنْهُمْ بَعْدَ قِيَامِهِمْ وَبَعْثِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ; فَلَمْ يَبْقَ فِي جَوْفِ الْأَرْضِ أَحَدٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " وَتَخَلَّتْ ": أَيْ: بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَهُمْ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَبَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَهُمْ مِهَادًا، لَفَظَتْهُمْ وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ، وَهَذَا مَا يَزِيدُ فِي رَهْبَةِ الْمَوْقِفِ وَشِدَّتِهِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَى الْعِبَادِ، وَأَلَّا مَلْجَأَ لَهُمْ وَلَا مَنْجَى إِلَّا إِلَى اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [75 \ 11 - 12] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
أَيْ: كَمَا أَذِنَتِ السَّمَاءُ، فَالْكَوْنُ كُلُّهُ أُذُنٌ مُطِيعٌ مُنْقَادٌ لِأَوَامِرِ اللَّهِ، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ
قِيلَ: الْإِنْسَانُ لِلْجِنْسِ وَقِيلَ لِفَرْدٍ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ لِلتَّقْسِيمِ الْآتِي، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِفَرْدٍ، وَإِنَّمَا لِلْجِنْسِ وَعَلَى أَنَّهُ لِلْجِنْسِ فَالْكَدْحُ الْعَمَلُ جُهْدَ النَّفْسِ.
وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا
…
أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْشَ أَكْدَحُ
وَقَالَ غَيْرُهُ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الْكَدْحَ فِيهِ مَعْنَى النَّصَبِ:
وَمَضَتْ بِشَاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صَالِحٍ
…
وَبَقِيتُ أَكْدَحُ لِلْحَيَاةِ وَأَنْصَبُ
وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [90 \ 4] كَمَا قَدَّمْنَا فِي مَحَلِّهِ.
تَنْبِيهٌ.
مِنْ هَذَا الْعَرْضِ الْقُرْآنِيِّ الْكَرِيمِ مِنْ مُقَدِّمَةِ تَغْيِيرِ أَوْضَاعِ الْكَوْنِ سَمَاءً وَأَرْضًا، وَوَضْعِ الْإِنْسَانِ فِيهِ يَكْدَحُ إِلَى رَبِّهِ «كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ» ، أَيْ: بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ