الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [2 \ 2
8
6] ، وَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [24 \ 61]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [2 \ 286] .
وَجَاءَ الْحَدِيثُ فَفَرَّقَ بَيْنَ عُمُومِ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّذْيِيلُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5 \ 2] ، إِيذَانًا بِأَنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَا هَوَادَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِلْأُمَّةِ سِرًّا وَعَلَنًا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْهُ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ هَذَا الْإِنْذَارُ الشَّدِيدُ؛ لِأَنَّ مَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، وَطَاعَتَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَصْفٌ شَامِلٌ لِلْمُهَاجِرِينَ فِي دَوَافِعِ الْهِجْرَةِ، أَنَّهُمْ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وَغَايَتُهَا، وَهِيَ: وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالْحُكْمُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
وَمَنْطُوقُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُهَاجِرِينَ، مَعَ أَنَّهُ جَاءَتْ نُصُوصٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى مُشَارَكَةِ الْأَنْصَارِ لَهُمْ فِيهِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [8 \ 72]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهَا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [8 \ 74] .
فَذَكَرَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَذَكَرَ مَعَهُمُ الْأَنْصَارَ بِالْإِيوَاءِ وَالنَّصْرِ، وَوَصَفَ الْفَرِيقَيْنِ مَعًا بِوَلَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَأَثْبَتَ لَهُمْ مَعًا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، أَيْ: الصَّادِقُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، فَاسْتَوَى الْأَنْصَارُ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ فِي عَامِلِ النُّصْرَةِ وَفِي صِدْقِ الْإِيمَانِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
[59 \ 9] ، وَصْفٌ شَامِلٌ لِلْأَنْصَارِ، (تَبَوَّءُوا الدَّارَ) أَيْ: الْمَدِينَةَ، (وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أَيْ: بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الْمُهَاجِرِينَ، بَلْ وَمِنْ قَبْلِ إِيمَانِ بَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ، (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) وَيَسْتَقْبِلُونَهُ بِصُدُورٍ رَحْبَةٍ، (وَيُؤْثِرُونَ) غَيْرَهُمْ (عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ، لِأَنَّهُمْ هَاجَرُوا إِلَيْهِمْ.
وَظَاهِرُ النُّصُوصِ تَدُلُّ بِمَفْهُومِهَا أَنَّ غَيْرَهُمْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مَا يَدُلُّ لِمُشَارَكَةِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَنْصَارَ فِي هَذَا الْوَصْفِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ هُوَ بَذْلُ الْمَالِ لِلْغَيْرِ عِنْدَ حَاجَتِهِ مُقَدِّمًا غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِالذَّاتِ سَبَقَ أَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْفُسِهِمِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [59 \ 8] ، فَكَانَتْ لَهُمْ دِيَارٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُمْ أَمْوَالٌ وَأُخْرِجُوا مِنْهَا كُلِّهَا، فَلَئِنْ كَانَ الْأَنْصَارُ وَاسَوْا إِخْوَانَهُمُ الْمُهَاجِرِينَ بِبَعْضِ أَمْوَالِهِمْ، وَقَاسَمُوهُمْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَنْزِلُوا عَنْ بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ فَحَسْبُ، بَلْ تَرَكُوهَا كُلَّهَا: أَمْوَالَهُمْ، وَدِيَارَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَهْلَهُمْ، فَصَارُوا فُقَرَاءَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ وَدِيَارِهِ، وَيَتْرُكُ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ تَضْحِيَةً مِمَّنْ آثَرَ غَيْرَهُ بِبَعْضِ مَالِهِ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي أَهْلِهِ وَدِيَارِهِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ عَوَّضَهُمْ بِهَذَا الْفَيْءِ عَمَّا فَاتَ عَنْهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ رحمه الله: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْأَنْصَارِ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ» فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ الْحَدِيثَ.
أَيْ أَنَّ الْأَنْصَارَ عَرَفُوا ذَلِكَ لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا، فَقَدِ اسْتَوَى الْمُهَاجِرُونَ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْوَصْفِ الْمِثَالِيِّ الْكَرِيمِ، وَكَانَ خُلُقًا لِكَثِيرِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه حِينَ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ رضي الله عنه: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَلِكَ عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ رضي الله عنها حِينَمَا كَانَتْ صَائِمَةً، وَلَيْسَ عِنْدَهَا سِوَى قُرْصٍ مِنَ الشَّعِيرِ وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَالَتْ لِبَرِيرَةَ: ادْفَعِي إِلَيْهِ مَا عِنْدَكِ، فَقَالَتْ لَهَا: لَيْسَ إِلَّا مَا سَتُفْطِرِينَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ لَهَا: ادْفَعِيهِ إِلَيْهِ، وَلَعَلَّهَا أَحْوَجُ إِلَيْهِ الْآنَ، أَوْ كَمَا قَالَتْ.
وَلَمَّا جَاءَ الْمَغْرِبُ أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ رِجْلُ شَاةٍ بِقِرَامِهَا - وَقِرَامُهَا هُوَ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ
إِذَا أَرَادُوا شِوَاءَ شَاةٍ طَلَوْهَا مِنَ الْخَارِجِ بِالْعَجِينِ حِفْظًا لَهَا مِنْ رَمَادِ الْجَمْرِ - فَقَالَتْ لِبَرِيرَةَ: كُلِي، هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ.
وَكَمَا فَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه تَصَدَّقَ بِالْعِيرِ وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ تِجَارَةٍ حِينَ قَدِمَتْ، وَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا.
فَعَلَى هَذَا كَانَ مُجْتَمَعُ الْمَدِينَةِ فِي عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم مُجْتَمَعًا مُتَكَافِلًا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَقَدْ نَوَّهَ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ بِفَضْلِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ» .
وَمِنْ بَعْدِهِ عُمَرُ رضي الله عنه قَالَ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَيَحْفَظَ لَهُمْ كَرَامَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، مِنْ قَبْلُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ.
ثُمَّ كَانَ هَذَا خُلُقَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ جَمِيعًا، كَمَا وَقَعَ فِي وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، قَالَ حُذَيْفَةُ الْعَدَوِيِّ: انْطَلَقْتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَطْلُبُ ابْنَ عَمٍّ لِي، وَمَعِي شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَأَنَا أَقُولُ: إِنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ فَقُلْتُ لَهُ: أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَقُولُ: آهٍ آهٍ، فَأَشَارَ إِلَيَّ ابْنُ عَمِّي أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، فَقُلْتُ أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ، فَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ آهٍ آهٍ، فَأَشَارَ هِشَامُ أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ فَجِئْتُهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى هِشَامٍ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ عَمِّي فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ.
وَكَانَ مَنْهَجُ الْخَوَاصِّ مِنْ بَعْدِهِمْ، كَمَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي يَزِيدِ الْبِسْطَامِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا غَلَبَنِي أَحَدٌ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ، قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ لِي: مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقُلْتُ: إِنْ وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإِنْ فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فَقَالَ: هَكَذَا كِلَابُ بَلْخٍ عِنْدَنَا، فَقُلْتُ: وَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ قَالَ: إِنْ فَقَدْنَا شَكَرْنَا وَإِنْ وَجَدْنَا آثَرْنَا.
وَفِي قَوْلِهِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ: تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَيْهَا مَعَ الْحَاجَةِ، وَالْخَصَاصَةُ: الَّتِي تَخْتَلُّ بِهَا الْحَالُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ فِي الْأَمْرِ، فَالْخَصَاصَةُ الِانْفِرَادُ بِالْحَاجَةِ أَيْ: وَلَوْ كَانَ بِهِمْ فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَمَّا الرَّبِيعُ إِذَا تَكُونُ خَصَاصَةٌ
…
عَاشَ السَّقِيمُ بِهِ وَأَثْرَى الْمُقْتِرَ
وَهَلْ يَصِحُّ الْإِيثَارُ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَلَوْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أَوْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ أَمْ لَا؟ وَمَا عَلَاقَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [2 \ 219] ؟ .
وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ رحمه الله عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [2 \ 3] ، فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» .
قَالَ رحمه الله: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ عَبَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِمَنِ التَّبْعِيضِيةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْضَ مَا لَهُ كُلِّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا الْقَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إِنْفَاقُهُ، وَالَّذِي يَنْبَغِي إِمْسَاكُهُ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إِنْفَاقُهُ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْحَاجَةِ، وَسَدِّ الْخَلَّةِ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ، وَالْمُرَادُ بِالْعَفْوِ الزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى عَفَوْا [7 \ 95] أَيْ: كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْعَفْوُ نَقِيضُ الْجُهْدِ، وَهُوَ أَنْ يُنْفِقَ مَا لَا يَبْلُغُ إِنْفَاقُهُ مِنْهُ الْجُهْدَ وَاسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي
…
وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ
وَهَذَا الْقَوْلُ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، وَبَقِيَّةُ الْأَقْوَالِ ضَعِيفَةٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [17 \ 29]، فَنَهَاهُ عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَنَهَاهُ عَنِ الْإِسْرَافِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ، فَيَتَعَيَّنُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [25 \ 67] .
فَيَجِبُ عَلَى الْمُنْفِقِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْجُودِ وَالتَّبْذِيرِ، وَبَيْنَ الْبُخْلِ وَالْإِقْتَارِ، فَالْجُودُ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، وَالِاقْتِصَادُ غَيْرُ الْبُخْلِ فَالْمَنْعُ فِي مَحَلِّ الْإِعْطَاءِ مَذْمُومٌ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَالْإِعْطَاءُ فِي مَحَلِّ الْمَنْعِ مَذْمُومٌ أَيْضًا، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عِبَادٍ وَإِنْ هَطَلَتْ
…
يَدَاهُ كَالْمُزْنِ حَتَّى تَخْجَلَ الدِّيَمَا
فَإِنَّهَا خَطَرَاتٌ مِنْ وَسَاوِسِهِ
…
يُعْطِي وَيَمْنَعُ لَا بُخْلًا وَلَا كَرَمًا
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ الْمَحْمُودَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَصْرِفُهُ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ 1 الْآيَةَ [2 \ 215]، وَصَرَّحَ فِي أَنَّ الْإِنْفَاقَ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ حَسْرَةٌ عَلَى صَاحِبِهِ فِي قَوْلِهِ: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً الْآيَةَ [8 \ 36] .
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً
…
حَتَّى يُصَابَ بِهَا طَرِيقُ الْمَصْنَعِ
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الَّذِي قَرَّرْتُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْفَاقَ الْمَحْمُودَ هُوَ إِنْفَاقُ مَا زَادَ عَنِ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى قَوْمٍ بِالْإِنْفَاقِ وَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى مَا أَنْفَقُوا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [59 \ 9] .
فَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا، فَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ الْإِيثَارُ مَمْنُوعًا، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا كَانَتْ عَلَى الْمُنْفِقِ نَفَقَاتٌ وَاجِبَةٌ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوِهَا فَتَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ، وَتَرَكَ الْفَرْضَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ، وَكَأَنْ يَكُونَ لَا صَبْرَ عِنْدَهُ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ فَيُنْفِقُ مَالَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يَسْأَلُهُمْ مَالَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَالْإِيثَارُ فِيمَا إِذَا كَانَ لَمْ يُضَيِّعْ نَفَقَةً وَاجِبَةً، وَكَانَ وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ، وَالتَّعَفُّفِ، وَعَدَمِ السُّؤَالِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ يَعْنِي بِهِ الزَّكَاةَ، فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى مِنْهُ.
وَالْوَاقِعُ أَنَّ لِلْإِنْفَاقِ فِي الْقُرْآنِ مَرَاتِبَ ثَلَاثَةً:
الْأُولَى: الْإِنْفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمَالِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
الثَّانِيَةُ: الْإِنْفَاقُ مِمَّا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَيَحْرِصُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [2 \ 177] ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَوْلِهِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا الْآيَةَ [76 \ 8] .
الثَّالِثَةُ: الْإِنْفَاقُ مَعَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ كَهَذِهِ الْآيَةِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْخَاصِّ الْأَوَّلِ.
وَتُعْتَبَرُ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى هِيَ الْحَدُّ الْأَدْنَى فِي الْوَاجِبِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الزَّكَاةُ، وَهِيَ تَشْمَلُ النَّافِلَةَ، وَتَصْدُقُ عَلَى أَدْنَى شَيْءٍ وَلَوْ شِقِّ تَمْرَةٍ، وَتَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [99 \ 7] ، وَتُعْتَبَرُ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ الْحَدُّ الْأَقْصَى؛ لِأَنَّهَا إِيثَارٌ لِلْغَيْرِ عَلَى خَاصَّةِ النَّفْسِ، وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْوُسْطَى بَيْنَهُمَا، وَهِيَ الْحَدُّ الْوَسَطُ بَيْنَ الِاكْتِفَاءِ بِأَقَلِّ الْوَاجِبِ، وَبَيْنَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ وَهِيَ مِيزَانُ التَّوَسُّطِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [17 \ 29]، وَكَمَا امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا بِالِاعْتِدَالِ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [25 \ 67] .
وَهَذَا هُوَ عَيْنُ تَطْبِيقِ قَاعِدَةِ الْفَلْسَفَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْقَائِلَةِ: الْفَضِيلَةُ وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ أَيْ: طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَالشَّجَاعَةُ مَثَلًا وَسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكَرَمُ وَسَطٌ بَيْنَ التَّبْذِيرِ وَالتَّقْتِيرِ.
وَلِلْإِنْفَاقِ جَوَانِبُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَحْكَامٌ مُتَفَاوِتَةٌ، قَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ رحمه الله جَانِبًا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْجَوَانِبَ الْأُخْرَى، وَتَنْحَصِرُ فِي الْآتِي: نَوْعِ مَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِنْفَاقُ، الْجِهَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهَا، مَوْقِفِ الْمُنْفِقِ، وَصُورَةِ الْإِنْفَاقِ.
أَمَّا مَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِنْفَاقُ: قَدْ بَيَّنَهُ تَعَالَى أَوَّلًا مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [2 \ 267] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [3 \ 92] .
أَمَّا الْجِهَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهَا: فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
[2 \ 215] فَبَدَأَ بِالْوَالِدَيْنِ بِرًّا لَهُمَا، وَثَنَّى بِالْأَقْرَبِينَ.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، وَعَلَى الْبَعِيدِ صَدَقَةٌ» ثُمَّ الْيَتَامَى وَهَذَا وَاجِبٌ إِنْسَانِيٌّ وَتَكَافُلٌ اجْتِمَاعِيٌّ، لِأَنَّ يَتِيمَ الْيَوْمِ مُنْفِقُ الْغَدِ، وَوَلَدَ الْأَبَوَيْنِ الْيَوْمَ قَدْ يَكُونُ يَتِيمًا غَدًا، أَيْ: أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى الْيَتِيمِ الْيَوْمَ قَدْ يَتْرُكُ أَيْتَامًا، فَيُحْسِنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْيَتِيمُ الَّذِي أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ بِالْأَمْسِ، «وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» أُمُورٌ عَامَّةٌ.
وَجَاءَ بِالْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُحَاسِبُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَيُجَازِي صَاحِبَهَا وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أَيْ: مُطْلَقًا فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2 \ 215] ، وَكَفَى فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعَالَى.
أَمَّا مَوْقِفُ الْمُنْفِقِ وَصُورَةُ الْإِنْفَاقِ: فَإِنَّ هَذَا هُوَ سِرُّ النَّفَقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَفَلْسَفَةُ الْإِنْفَاقِ كُلُّهَا تَظْهَرُ فِي هَذَا الْجَانِبِ، مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ الْإِسْلَامُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ أَوِ النُّظُمِ.
لِأَنَّهُ يُرَكِّزُ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى شُعُورِ وَإِحْسَاسِ الْمِسْكِينِ، بِحَيْثُ لَا يُشْعِرُهُ بِجُرْحِ الْمَسْكَنَةِ، وَلَا ذِلَّةِ الْفَاقَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2 \ 262] .
ثُمَّ فَاضَلَ بَيْنَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالصَّدَقَةِ الْمُؤْذِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [2 \ 263] يُعْطِي وَلَا يَمُنُّ بِالْعَطَاءِ.
وَأَفْهَمَ الْمُنْفِقِينَ أَنَّ الْمَنَّ وَالْأَذَى يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [2 \ 264] لِمَا فِيهِ مِنْ جَرْحِ شُعُورِ الْمِسْكِينِ.
وَقَدْ حَثَّ عَلَى إِخْفَائِهَا إِمْعَانًا فِي الْحِفَاظِ عَلَى شُعُورِهِ وَإِحْسَاسِهِ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أَيْ: مَعَ الْآدَابِ السَّابِقَةِ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [2 \ 271] أَيْ: لَكُمْ أَنْتُمْ فِي حِفْظِ ثَوَابِهَا.
وَقَدْ جَعَلَ صلى الله عليه وسلم مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ» ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2 \ 274] .
وَمِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ كَمَا أَدَّبَ الْأَغْنِيَاءَ فِي طَرِيقَةِ الْإِنْفَاقِ فَقَدْ أَدَّبَ الْفُقَرَاءَ فِي طَرِيقَةِ الْأَخْذِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [2 \ 273] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَثَّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاقْتَرَنَتْ بِالْحَثِّ عَلَى النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ فِيمَا قَدَّمَتْ كُلُّ نَفْسٍ لِغَدٍ، وَتَكَرَّرَ الْأَمْرُ فِيهَا بِتَقْوَى اللَّهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ بِتَقْوَى اللَّهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ أَمْ كَانَ لِلتَّأْسِيسِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا الِاهْتِمَامُ بِالْحَثِّ عَلَى التَّقْوَى، فَقَدْ دَلَّتْ لَهُ عِدَّةُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْغَايَةَ مِنْ رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، بَلْ وَمِنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ هُوَ تَحْصِيلُ التَّقْوَى لَمَا كَانَ بَعِيدًا، وَذَلِكَ لِلْآتِي:
أَوَّلًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2 \ 21] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ تَعَالَى مَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِعِبَادَتِهِ، فَتَكُونُ التَّقْوَى بِمَضْمُونِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هِيَ الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ مُفَصَّلًا فِي حَقِّ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى حِدَةٍ، مِنْهَا فِي قَوْمِ نُوحٍ عليه السلام قَالَ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [26 \ 105 - 108]، وَفِي قَوْمِ عَادٍ قَالَ تَعَالَى: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [26 \ 123 - 126]، وَفِي قَوْمِ لُوطٍ: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [26 \ 160 - 163]، وَفِي قَوْمِ شُعَيْبٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
[26 \ 176 - 179] .
فَكُلُّ نَبِيٍّ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى التَّقْوَى كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ جَاءَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ دَعْوَةً إِلَى التَّقْوَى وَهِدَايَةً لِلْمُتَّقِينَ، كَمَا فِي مَطْلَعِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2 \ 1 - 2] وَبَيَّنَ نَوْعَ هَذِهِ الْهِدَايَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنَى التَّقْوَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2 \ 3 - 5] .
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - مَعْنَى التَّقْوَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [2 \ 189] .
قَالَ: لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَنِ الْمُتَّقِي، وَقَدْ بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [2 \ 177] .
وَقَدْ بَيَّنَتْ آيَاتٌ عَدِيدَةٌ آثَارَ التَّقْوَى فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ.
مِنْهَا فِي الْعَاجِلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [65 \ 4]، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [65 \ 2 - 3]، وَقَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [2 \ 282]، وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [16 \ 128] .
أَمَّا فِي الْآجِلِ وَفِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّهَا تَصْحَبُ صَاحِبَهَا ابْتِدَاءً إِلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [39 \ 73] ، فَإِذَا مَا دَخَلُوهَا آخَتْ بَيْنَهُمْ وَجَدَّدَتْ رَوَابِطَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَآنَسَتْهُمْ مِنْ كُلِّ خَوْفٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ
إِلَى قَوْلِهِ: لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [43 \ 67 - 73] إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِمْ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَتُحِلَّهُمْ مَقْعَدَ صِدْقٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [54 \ 54 - 55] .
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا كُلِّهِ مَنْزِلَةُ التَّقْوَى مِنَ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ وَفِي كُلِّ شَرِيعَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَأَنَّهَا هُنَا فِي مَعْرِضِ الْحَثِّ عَلَيْهَا وَتَكْرَارِهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّاعِرُ السَّعَادَةَ كُلَّ السَّعَادَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ لِجَرِيرٍ:
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ
…
وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
فَتَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا
…
وَعِنْدَ اللَّهِ لِلْأَتْقَى مَزِيدُ
وَالتَّقْوَى دَائِمًا هِيَ الدَّافِعُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، الرَّادِعُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، رَوَى ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَجِيءِ قَوْمٍ مِنْ مُضَرَ، مُجْتَابَيِ الثِّمَارِ وَالْعَبَاءَةِ، حُفَاةٍ عُرَاةٍ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، فَيَتَمَعَّرُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا يُنَادِي لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ وَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [4 \ 1] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ " الْحَشْرِ ": يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ الْآيَةَ [59 \ 18] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ " الْحَدِيثَ. فَكَانَتِ التَّقْوَى دَافِعًا عَلَى سَنِّ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ تَهَلَّلَ لَهَا وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
كَمَا أَنَّهَا تَحُولُ دُونَ الشَّرِّ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [2 \ 282]، وَقَوْلُهُ: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [2 \ 283] ، فَإِنَّ التَّقْوَى مَانِعَةٌ مِنْ بَخْسِ الْحَقِّ وَمِنْ ضَيَاعِ الْأَمَانَةِ، وَكَقَوْلِهِ عَنْ مَرْيَمَ فِي طُهْرِهَا وَعِفَّتِهَا لَمَّا أَتَاهَا جِبْرِيلُ وَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا: قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [19 \ 18] .
وَكَمَا فِي حَدِيثِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى الْغَارِ، وَمِنْهُمُ الرَّجُلُ مَعَ ابْنَةِ عَمِّهِ لَمَّا قَالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقَامَ عَنْهَا وَتَرَكَ لَهَا الْمَالَ.
وَهَكَذَا فِي تَصَرُّفَاتِ الْعَبْدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [22 \ 32] .
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ [59 \ 18]، لِكُلِّ نَفْسٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [2 \ 281] وَقَوْلِهِ: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [3 \ 25] .
فَالنِّدَاءُ أَوَّلًا بِالتَّقْوَى لِخُصُوصِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَمْرُ بِالنَّظَرِ لِعُمُومِ كُلِّ نَفْسٍ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَفِعَ بِالتَّقْوَى خُصُوصُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَوْضَحَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالنَّظَرُ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ نَفْسٍ فَالْخُصُوصُ لِلْإِشْفَاقِ، وَالْعُمُومُ لِلتَّحْذِيرِ.
وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [33 \ 43] .
وَيَدُلُّ لِلثَّانِي قَوْلُهُ: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [3]، وَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا قَدَّمَتْ [59 \ 18] عَامَّةٌ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَفِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا.
وَيَدُلُّ لِلثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [99 \ 7 - 8] ، وَالْحَدِيثُ " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ".
وَغَدًا تُطْلَقُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ الْمُقَابِلِ لِلْمَاضِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ
…
وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالَاتِهَا فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [12 \ 12]، وَقَوْلِهِ: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [18 \ 23 - 24] .
وَتُطْلَقُ عَلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا هُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْمَعْنَى: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [78 \ 40] .
وَالْقَرَائِنُ فِي الْآيَةِ مِنْهَا: اكْتِنَافُهَا بِالْحَثِّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
وَمِنْهَا: التَّذْيِيلُ بِالتَّحْذِيرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [59 \ 18] أَيْ: بِالْمَقَاصِدِ فِي الْأَعْمَالِ وَبِالظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ، وَلِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ مَوْضِعُ النِّسْيَانِ، فَاحْتَاجَ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ.
وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِغَدٍ لِقُرْبِ مَجِيئِهِ وَتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [54 \ 1]، وَقَوْلِهِ: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [16 \ 77] .
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ الْغَدَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بِمَعْنَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَتَحَقَّقُ بِيَوْمِ مَوْتِهِ، لِأَنَّهُ يُعَايِنُ مَا قَدْ قَدَّمَ يَوْمَ مَوْتِهِ، وَقَدْ نَكَّرَ لَفْظَ نَفْسٍ وَغَدٍ هُنَا فَقِيلَ فِي الْأَوَّلِ لِقِلَّةٍ مِنَ النَّاظِرِينَ، وَفِي الثَّانِي لِعَظْمِ أَمْرِهِ وَشِدَّةِ هَوْلِهِ.
وَهُنَا قَدْ تَكَرَّرَ الْأَمْرُ بِتَقْوَى اللَّهِ كَمَا أَسْلَفْنَا مَرَّتَيْنِ، فَقِيلَ لِلتَّأْكِيدِ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَقِيلَ لِلتَّأْسِيسِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
فَعَلَى أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ظَاهِرٌ وَعَلَى التَّأْسِيسِ يَكُونُ الْأَوَّلُ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالثَّانِي لِتَرْكِ الْمَحْظُورِ، مُسْتَدِلِّينَ بِمَجِيءِ مُوجَبِ الْفِعْلِ أَوَّلًا: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ، وَمَجِيءِ مُوجَبِ التَّحْذِيرِ ثَانِيًا: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَيَشْهَدُ لِلتَّأْكِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [3 \ 102]، وَإِنْ كَانَتْ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [64 \ 16]، فَيَدُلُّ لِمَفْهُومِهِ قَوْلُهُ: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا [9 \ 102] أَيْ: بِتَرْكِ بَعْضِ الْمَأْمُورِ، وَفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْظُورِ.
وَعَلَيْهِ فَلَا تَتَحَقَّقُ التَّقْوَى إِلَّا بِمُرَاعَاةِ الْجَانِبَيْنِ، وَلَكِنْ مَادَّةُ التَّقْوَى وَهِيَ اتِّخَاذُ الْوِقَايَةِ مِمَّا يُوجِبُ عَذَابَ اللَّهِ تَشْمَلُ شَرْعًا الْأَمْرَيْنِ مَعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي عُمُومِ اتِّخَاذِ الْوِقَايَةِ: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
[66 \ 6] .
فَكَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ بِالتَّقْوَى يَكْفِي لِذَلِكَ وَيَشْمَلُهُ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى الثَّانِي لِمَعْنَى جَدِيدٍ، وَفِي الْآيَةِ مَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا قَدَّمَتْ، لِأَنَّ " مَا " عَامَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَا وَصِيغَةُ " قَدَّمَتْ " عَلَى الْمَاضِي يَكُونُ الْأَمْرُ بِتَقْوَى اللَّهِ أَوَّلًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَضَى وَسَبَقَ مِنْ عَمَلٍ تَقَدَّمَ بِالْفِعْلِ، وَيَكُونُ النَّظَرُ بِمَعْنَى الْمُحَاسَبَةِ وَالتَّأَمُّلِ عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ:" حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا " فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
فَإِذَا مَا نَظَرَ فِي الْمَاضِي وَحَاسَبَ نَفْسَهُ، وَعَلِمَ مَا كَانَ مِنْ تَقْصِيرٍ أَوْ وُقُوعٍ فِي مَحْظُورٍ، جَاءَهُ الْأَمْرُ الثَّانِي بِتَقْوَى اللَّهِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عَمَلٍ جَدِيدٍ وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2 \ 234] ، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ تَكْرَارٌ، وَلَا يَكُونُ تَوْزِيعٌ، بَلْ بِحَسَبِ مَدْلُولِ عُمُومِ " مَا " وَصِيغَةُ الْمَاضِي " قَدَّمَتْ " وَالنَّظَرُ لِلْمُحَاسَبَةِ.
تَنْبِيهٌ
مَجِيءُ «قَدَّمَتْ» بِصِيغَةِ الْمَاضِي حَثٌّ عَلَى الْإِسْرَاعِ فِي الْعَمَلِ، وَعَدَمِ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا مَا قَدَّمَ فِي الْمَاضِي، وَالْمُسْتَقْبَلُ لَيْسَ بِيَدِهِ، وَلَا يَدْرِي مَا يَكُونُ فِيهِ: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [31 \ 34]، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«حُجُّوا قَبْلَ أَلَّا تَحُجُّوا» ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [3 \ 133]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [59 \ 19] .
بَعْدَ الْحَثِّ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ، وَعَلَى الِاجْتِهَادِ فِي تَقْدِيمِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِيَوْمِ غَدٍ جَاءَ التَّحْذِيرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النِّسْيَانِ وَالتَّرْكِ وَأَلَّا يَكُونَ كَالَّذِينِ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهَمْ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَنْ هُمُ الَّذِينَ حَذَّرَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ فِي هَذَا النِّسْيَانِ، وَمَا هُوَ النِّسْيَانُ وَالْإِنْسَاءُ الْمَذْكُورَانِ هُنَا.
وَقَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «التَّوْبَةِ» : الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [9 \ 67]، وَهَذَا عَيْنُ الْوَصْفِ الَّذِي وُصِفُوا بِهِ فِي سُورَةِ «الْحَشْرِ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَنَسِيَهُمْ أَيْ: أَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْسَى: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [2 \ 52] ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
[19 \ 64] .
وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا وَصْفُ كُلٍّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ بِالنِّسْيَانِ فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي الْيَهُودِ يَقُولُ تَعَالَى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [5 \ 13] .
وَفِي النَّصَارَى يَقُولُ تَعَالَى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [5 \ 14] .
وَفِي الْمُشْرِكِينَ يَقُولُ تَعَالَى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [7 \ 51] ، فَيَكُونُ التَّحْذِيرُ مُنَصَبًّا أَصَالَةً عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَشَامِلًا مَعَهُمْ كُلَّ تِلْكَ الطَّوَائِفِ لِاشْتِرَاكِهِمْ جَمِيعًا فِي أَصْلِ النِّسْيَانِ.
أَمَّا النِّسْيَانُ هُنَا، فَهُوَ بِمَعْنَى التَّرْكِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [20 \ 126] .
فَذَكَرَ وَجْهَيْنِ، وَقَالَ: الْعَرَبُ تُطْلِقُ النِّسْيَانَ وَتُرِيدُ بِهِ التَّرْكَ وَلَوْ عَمْدًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [20 \ 126] .
فَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ التُّرْكُ قَصْدًا.
وَكَقَوْلِهِ: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [7 \ 51] .
وَقَوْلِهِ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ [59 \ 19] ، انْتَهَى.
أَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الذِّكْرِ، وَهُوَ التَّرْكُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَلَيْسَ دَاخِلًا هُنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ أُعْفِيَتْ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا الْآيَةَ [2 \ 286] .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ فَعَلْتُ» أَيْ: عِنْدَمَا تَلَاهَا صلى الله عليه وسلم.
وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - هَذَا النَّوْعَ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَلَى الْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ الْمَوْجُودِ فِي نِسْيَانِ آدَمَ، هَلْ كَانَ عَنْ قَصْدٍ أَوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَإِذَا كَانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَكَيْفَ يُؤَاخَذُ؟ وَبَيَّنَ خَصَائِصَ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ مُشَابَهَتِهِمْ فِي النِّسْيَانِ، وَتَبَيَّنَ مَعْنَى النِّسْيَانِ، فَكَيْفَ أَنْسَاهُمُ اللَّهُ أَنْفُسَهُمْ؟ وَهَذِهِ مُقْتَطَفَاتٌ مِنْ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ:
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رحمه الله: لَا تَنْسَوْا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُنْسِيَكُمُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: نَسُوا اللَّهَ أَيْ: تَرَكُوا أَمْرَهُ، فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا لَهَا خَيْرًا.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هُمُ الْكُفَّارُ تَرَكُوا عِبَادَةَ اللَّهِ، وَامْتِثَالَ مَا أَمَرَ وَاجْتِنَابَ مَا نَهَى فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ حَيْثُ لَمْ يَسْعَوْا إِلَيْهَا فِي الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا مِنَ الْمُجَازَاتِ عَلَى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ. . . إِلَخْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَرَكُوا أَدَاءَ حَقِّ اللَّهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْجَزَاءِ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
أَمَّا الزَّمَخْشَرِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ فَقَدْ أَدْخَلَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مَبْحَثًا كَلَامِيًّا حَيْثُ قَالَا فِي مَعْنَى: نَسُوا اللَّهَ، كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ، أَمَّا فِي مَعْنَى: فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، فَذَكَرَا وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: كَالْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي: بِمَعْنَى أَرَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَهْوَالِ مَا نَسُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [14 \ 43]، وَقَوْلِهِ: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [22 \ 2] اهـ.
وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُسَلَّمُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِمَنْ نَسِيَ اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْآيَةِ الَّتِي اسْتَدَلَّا بِهَا: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى
فَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ.
وَقَوْلِهِ: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [22 \ 2] ، وَالذُّهُولُ أَخُو النِّسْيَانِ، وَهُوَ هُنَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُرْضِعَةٍ: وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [22 \ 2] وَهُوَ أَيْضًا عَامٌّ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُمَا عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ بَيَانِ ضَعْفِهِ، هُوَ فِرَارُهُمْ مِنْ نِسْبَةِ الْإِنْسَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَفِيهِ شُبْهَةُ اعْتِزَالٍ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَلِوُجُودِ إِسْنَادِ الْإِنْسَاءِ إِلَى الشَّيْطَانِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا فِي قِصَّةِ صَاحِبِ مُوسَى: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [18 \ 63]، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [6 \ 68] وَقَوْلِهِ: عَنْ صَاحِبِ يُوسُفَ: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [12 \ 42] .
وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ أَنَّ حَقِيقَةَ النِّسْيَانِ وَالْإِنْسَاءِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّذَكُّرِ كَحَقِيقَةِ أَيِّ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، وَأَنَّهَا كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [4 \ 78] ، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [9 \ 51]، فَمَا نُسِبَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَهُوَ بِتَسْلِيطٍ مِنَ اللَّهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [2 \ 102]، ثُمَّ قَالَ: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [2 \ 102] فَيَكُونُ إِسْنَادُ الْإِنْسَاءِ إِلَى الشَّيْطَانِ مِنْ بَابِ قَوْلِ الْخَلِيلِ عليه السلام: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [26 \ 80] تَأَدُّبًا فِي الْخِطَابِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَقَامَ مَقَامُ إِخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ عَمَّا أَوْقَعَهُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَأَنْسَاهُمْ، فَأَوْقَعَ عَلَيْهِمِ النِّسْيَانَ لِأَنْفُسِهِمْ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَكَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَبِإِخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ عَيْنُ الْحَقِّ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ أُسْلُوبِ الْمُقَابَلَةِ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [9 \ 67] .
تَنْبِيهَانِ
الْأَوَّلُ: جَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [45 \ 34] .
وَقَوْلُهُ: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ [32 \ 14] .
وَقَوْلُهُ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [9 \ 67] ، وَفِي هَذَا نِسْبَةُ النِّسْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَقَعَ