الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن هذا المنهج الدقيق وتلك الحلقات التفسيرية كانت متصلة من القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع الهجري، وبدخول القرن الخامس الهجري بدأ تدريجيا إهمال الأسانيد بحذفها أو باختصارها مما ساعد على شيوع الإسرائيليات ورواج الأحاديث الواهية والموضوعة ونسب الأقوال الباطلة إلى الصحابة والتابعين، وهم برآء منها، وكانت فرصة سانحة للكذابين والوضاعين والزنادقة وأهل الأهواء، فاختلط الصحيح بالسقيم والحق بالباطل وانتشر ذلك في كتب لتفسير بالمأثور، ولم يسلم منها إلا القليل كتفسير البغوي (1) وابن كثير وعبد الرزاق بن رزق الرسعني (ت 661 هـ)(2) الذي روى أغلب تفسيره بإسناده واستمر الحال على ذلك إلى يومنا هذا (3).
2 - التفسير بالدراية:
إن هذا النوع من التفسير يقوم على الاجتهاد، وإعمال النظر اعتماداً على علوم اللغة، وأصول الدين، والفقه ما لم يعارض المأثور وإلا اعتبر فاسداً، قال أبو محمد البغوي (4):"هو صرف الآية إلى معنى محتملٍ موافق لما قبلها، وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط"(5).
وقال الزركشي بعد أن ساق كلام البغوي: "قالوا وهذا غير محظور على العلماء بالتفسير وقد رخص فيه أهل العلم؛ وذلك مثل قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: (195)]، قيل: هو الرجل يحمل في الحرب على مائة رجل، وقيل: هو الذي يقنط من رحمة الله، وقيل: الذي يمسك عن النفقة، وقيل: هو الذي ينفق الخبيث من ماله، وقيل: الذى يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس، ولكلٍ منه مخرج"(6).
وأما المراد بالدراية في التفسير، فهو:"المراد بالرأي هنا الاجتهاد، فإن كان الاجتهاد مُوَفَّقاً- أي مستنداً إلى ما يجب الاستناد إليه- بعيداً عن الجهالة والضلالة فالتفسير به محمود، وإلا فمذموم"(7)، وقيل:"هو القول في القرآن بالاجتهاد المبني على أصول صحيحة، وقواعد سليمة متبعة يجب أن يأخذ بها من أراد الخوض في تفسير الكتاب، أو التصدي لبيان معانيه"(8).
وقيل: "هو تفسير القرآن بالاجتهاد اعتماداً على الأدوات التي يحتاج إليها المفسر، وهي علم اللغة العربية، وعلم النحو، والصرف، والاشتقاق، وعلوم البلاغة وعلم القراءات،
(1) ساق أغلب أسانيده في مقدمة كتابه.
(2)
انظر الذيل على طبقات الحنابلة 2/ 274 - 276 والأعلام 3/ 292.
(3)
انظر: الصحيح المسبور في التفسير بالمأثور: 1/ 28.
(4)
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، البغوي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وأربعمائة للهجرة صاحب التصانيف، محيي السنة، محدِّث فقيه مفسر، كان سيدًا إمامًا، زاهدًا، من مصنفاته: شرح السنّة، ومعالم التنزيل، والمصابيح، وغيرها، توفى سنة عشر وخمسمائة للهجرة، انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت، ط/ الأولى 1994 م.
(5)
معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي 1/ 46، تحقيق: محمد النمر، وعثمان جمعة، وسليمان الحرش، دار طيبة، ط/ الرابعة، 1417 هـ- 1997 م.
(6)
البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 150.
(7)
مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 2/ 49.
(8)
التبيان في علوم القرآن للصابوني: 78.
وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، وعلم القصص، وعلم الموهبة (1)، والأحاديث المبينة للتفسير، مثل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ" (2).
نستنتج مما سبق بأن تفسير الدراية: هو تفسير القرآن وفقاً لقواعد صحيحة من اللغة، بحيث لا يخالف نصاً من الرواية الصحيحة، ولا أصلاً من الأصول الشرعية، وعليه فإن تفسير الدراية يشمل عدة اتجاهات، سأذكر بعضها في المطلب التالي مع التركيز على التفسير البلاغي، وأهميته؛ لأن موضوعنا في هذه الدراسة متعلق به، كونها ستتناول الجملة القرآنية من ناحية التأسيس والتأكيد، وأثر ذلك على معنى الآية القرآنية.
وقد اختلف العلماء في جواز التفسير بالدراية إلى قولين:
الأول: عدم جواز تعاطي تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالماً أديباً متسعاً في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وليس له أن ينتهي إلا إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى صحابته الآخذين عنه، ومن أخذ عنهم من التابعين.
الثاني: جواز تفسير القرآن بالدراية، ولكن بشروط كما سيأتي.
فمن ذهب إلى عدم جواز التفسير بالرأي استدل بالآتي:
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"(3).
وفي رواية أخرى: "ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"(4).
ما روي عن بعض الصحابة، وبعض التابعين من التحرج في تفسير القرآن، فمن ذلك ما ورد عن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- أنه سُئِلَ عن تفسير حرف من القرآن فقال:"أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد الله؟ ! وفي رواية: "إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم" (5).
ما ورد عن عدد من التابعين التمنع من التفسير بالرأي (6).
(1) الموهبة: غديرُ ماءٍ صغيرٌ وقيل نُقْرة في الجبل يستَنقِع فيها الماءُ، وتطلق على العطيَّةُ والهبة، انظر:
…
لسان العرب 1/ 803. والمراد بالموهبة هنا من أعطاه الله ملكة يتذوق بها الألفاظ والمعاني فيفسرها.
(2)
علوم القرآن الكريم لنور الدين عترة ص 75.
(3)
سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي السلمي 5/ 200، باب: الذي يفسر القرآن برأيه، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي- بيروت، وسنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني 3/ 258، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم، دار الكتاب العربي- بيروت، (بدون).
(4)
رواه الترمذي 5/ 199، وقال: حديث حسن، قال الألباني: وفيه نظر، ففي سنده عبد الأعلى أبو عامر الثعلبي فقد أورده الذهبي في "الضعفاء"، وقال:"ضعفه أحمد وأبو زرعة"، وقال الحافظ في التقريب:"صدوق، يهم"، وفي سند الترمذي سفيان بن وكيع، لكنه قد توبع من جماعة، ولذلك قال المناوي: "رمز المصنف لحسنه، اغتراراً بالترمذي، قال ابن القطان: ينبغي أن يضعف، إذ فيه سفيان بن وكيع، وقال أبو زرعة: متهم بالكذب، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني 4/ 265، دار المعارف- الرياض، ط/الأولى 1412 هـ- 1992 م، وأخرجه أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني في المسند 1/ 269 و 293، وأخرجه أبو يعلى في مسنده، أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي 2/ 126، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، ط/ الأولى 1404 هـ - 1984 م.
(5)
المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، باب: من كره أن يفسر القرآن 6/ 126، تحقيق كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد- الرياض، ط/ الأولى 1409 هـ.
(6)
منهم:
أ- سعيد بن المسيب وقد كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: "أنا لا أقول في القرآن شيئا"، وكان سعيد إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت، وكأن لم يسمع شيئا. انظر: فضائل القرآن للقاسم بن سلام، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم البغدادي 2/ 257، تحقيق: مروان العطية - محسن خرابة - وفاء تقي الدين، دار ابن كثير- دمشق، ط/ 1420 هـ.
ب- الإمام الشعبي قال: (ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت): القرآن والروح والرؤى، انظر: جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري 1/ 87، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط/ الأولى 1420 هـ - 2000 م.
ج- محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة: يعني السلماني عن آية من القرآن فقال: "ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد"، انظر: مصنف ابن أبي شيبة 7/ 179.
د- ما روي عن مسروق: أنه قال: "اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله"، انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني 2/ 320، تحقيق: أنور الباز- عامر الجزار، دار الوفاء، ط/ الثالثة 1426 هـ / 2005 م.
وقد ناقش المجيزون للتفسير بالرأي هذه الأدلة فقالوا:
أما الحديث: ففي صحته وثبوته نظر؛ فقد قال الترمذي (1) بعد أن رواه: هكذا رُوِي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم أنهم شددوا في أن يُفَسرَ القرآنُ بغير علم، وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة (2) وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم، وقد رُوِي عنهم ما يدل على ما قلنا - أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم - وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم (3) " (4).
وقد ذكر الإمام السيوطي التفسير بالرأي المحرم بقوله: "وجملة ما تحصل في معنى حديث التفسير بالرأي خمسة أقوال:
أحدها: التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير.
الثاني: تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
الثالث: التفسير المقَرِر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير تابعاً.
الرابع: التفسير بأن مراد الله كذا على القطع من غير دليل.
الخامس: التفسير بالاستحسان والهوى" (5).
(1) هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي الحافظ أبو عيسى الترمذي الضرير مصنف الكتاب الجامع، ولد سنة بضع ومائتين، أخذ علم الحديث عن أبي عبد الله البخاري، وروى عنه حماد بن شاكر وآخرون، وكان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر، توفي ثالث عشر رجب بترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين وقيل: خمس وسبعين، انظر: الوافي بالوفيات 2/ 54، وفيات الأعيان 4/ 278.
(2)
هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز البصري، حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه، مات بواسط في الطاعون، سنة ثماني عشرة ومائة للهجرة، انظر: سير أعلام النبلاء 5/ 269.
(3)
هو سهيل بن أبي حزم القطيعي ضعيف، و"قد ضعفه الجمهور، قال ابن حبان: يتفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات"، انظر: المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، محمد بن حبان ابن أحمد بن أبي حاتم التميمي البستي 1/ 390، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي- حلب، ط/الأولى 1396 هـ.
(4)
سنن الترمذي 5/ 20، تحقيق: أحمد شاكر، ومذيل بحكم الألباني على الأحاديث، دار الكتاب العربي- بيروت، (بدون).
(5)
الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي ص 220، بتصرف.
وعليه فإن التفسير المذموم المردود هو التفسير بالرأي المحرم الذي ذكره الإمام السيوطي، وهذا النوع من التفسير كثيراً ما يشتمل على المرويات الواهية، والباطلة، و"أما التفسير المقبول فهو التفسير المبني على المعرفة بالعلوم اللغوية، والقواعد الشرعية، والأصولية، وعلم السنن، والأحاديث، ولا يعارض نقلا صحيحاً، ولا عقلا سليماً، ولا علماً يقيناً ثابتاً مستقراً، مع بذل غاية الوسع في البحث، والاجتهاد والمبالغة في تحري الحق والصواب، وتجريد النفس من الهوى"(1)، وهو الحق وعليه أكثر السلف (2)؛ لأن ما كان مخالفاً لنص من الكتاب أو السنة فهو فاسد الاعتبار، كما أن ما كان متكلفاً غير مبنى على الاجتهاد المستكمل للشروط يُعد عبثاً.
واختلف العلماء في تسمية التفسير بالرأي، هل يسمى تفسيراً أم يسمى تأويلاً (3)؟
والذي رجحه الزركشي أن هناك فرقاً بين التأويل والتفسير وأنهما ليسا بمعنى واحد، فقال:"ثم قيل التفسير والتأويل واحد بحسب عرف الاستعمال والصحيح تغايرهما"(4).
وقال في موضع آخر: "وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل التمييز بين المنقول والمستنبط ليحمل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط تجويزاً له وازدياداً"(5).
وقال محمد حسين الذهبي: " والذي تميل إليه النفس أن التفسير ما كان راجعاً إلى الرواية، والتأويل ما كان راجعاً إلى الدراية؛ وذلك لأن التفسير معناه الكشف والبيان عن مراد الله تعالى لا يجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع وخالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم.
(1) الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، د/ محمد بن محمد أبو شهبة ص 98، مكتبة السنة، ط/ الرابعة 1408 هـ، بتصرف يسير.
(2)
منهم كثير من الصحابة رضي الله عنهم كالإمام علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم، فلولا أن تفسير القرآن جائز لمن تأهل له لما فعلوه، لأنهم كانوا أشد الناس ورعا، وتقوى، ووقوفا عند حدود الله، كما ورد تفسير القرآن عن كثير من خيار التابعين، كسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وقتادة والحسن البصري، ومسروق، والشعبي، وغيرهم، مما يدل على أن من امتنع منهم من تفسير القرآن إنما كان زيادة احتياط، ومبالغة في التورع، انظر: أبجد العلوم الوشي المرقوم لصديق بن حسن القنوجي 2/ 141، تحقيق: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية - بيروت، 1978 م.
(3)
قال صديق حسن خان: واختلف في التفسير والتأويل فقال أبو عبيد وطائفة: هما بمعنى وقد أنكر ذلك قوم، وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وقيل: التفسير: بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والتأويل: توجيهُ لفظ متوجهٍ إلى معانٍ مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة، وقال الماتريدي: التفسير: القطعُ على أن المرادَ من اللفظ هذا، والشهادةُ على الله سبحانه وتعالى أنه عنَى باللَّفظِ هذا، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع، وقال أبو طالب الثعلبي: التأويلُ: إخبارٌ عن حقيقةِ المرادِ، والتفسيرُ إخبارٌ عن دليلِ المرادِ، وقال البغوي: التفسير بالرأي: هو صرف الآيةِ إلى معنى موافقٍ لما قبلها وبعدها، تحتملُه الآية، غيرِ مخالف للكتابِ والسنةِ، من طريقِ الاستنباطِ. انظر: أبجد العلوم 2/ 141، 142.
(4)
البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 149.
(5)
المصدر نفسه 2/ 172.