الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
580 - (20) باب النهي عن الحكرة والحلف في البيع والشفعة وغرز الخشب في جدار الجار
3989 -
(1543)(108) حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) قَال: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ مَعْمَرًا قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ"
ــ
580 -
(20) باب النهي عن الحكرة والحلف في البيع والشفعة وغرز الخشب في جدار الجار
3989 -
(1543)(108)(حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي البصري، ثقة، من (9)(حدثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة، من (8)(عن يحيى وهو ابن سعيد) بن قيس الأنصاري النجاري المدني، ثقة، من (5)(قال) ابن سعيد كان سعيد بن المسيب يحدّث أن معمرًا) ابن عبد الله بن نافع القرشي العدوي المدني الصحابي الكبير، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، له في الكتب حديثان رضي الله عنه (قال) أي معمر. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر) أي من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء لبيعه بأغلى (فهو خاطئ) أي عاص آثم، والاحتكار لغة: احتباس الشيء انتظارًا لوقت غلائه، والاسم منه الحكرة بضم الحاء المهملة وسكون الكاف كما في القاموس مثل الفرقة من الافتراق والحُكر الجمع والإمساك، قال في المصباح: احتكر زيد الطعام إذا حبسه إرادة الغلاء، والغلاء ارتفاع السعر. وشرعًا: اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء كذا عرّفه ابن عابدين في رد المحتار [5/ 282] والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي، والمخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره اهـ تيسير المناوي.
ثم ذهب أكثر الفقهاء إلى أن حرمة الاحتكار مختصة بالأقوات فلا يحرم الاحتكار في غيرها وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى اهـ نووي والأبي ومغني ابن قدامة، وقال ابن قدامة: الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: أحدها: أن يشتري فلو جلب شيئًا أو أدخل من غلته شيئًا فادخره لم يكن محتكرًا، والثاني: أن يكون المشترى قوتًا وأما الإدام والحلواء والزيت والعسل وأعلاف البهائم
فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَال سَعِيدٌ: إِن مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ
ــ
والبُن والشاي فليس فيها احتكار محرم، والثالث: أن يضيّق على الناس بشرائه ولا يحصل ذلك إلا بأمرين: أحدهما: أن يكون في بلد يضيّق بأهله الاحتكار كالحرمين والثغور، وأما البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد والبصرة ومصر فلا يحرم فيها الاحتكار لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبًا، الثاني: أن يكون في حال الضيق بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها منهم ويضيّقون على الناس فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرُّخص على وجه لا يضيّق على أحد فليس بمحرم، وأما أبو يوسف فلا يخص حرمة الاحتكار بالأقوات فيقول كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار ممنوع فلعله رأى أن المادة ربما تُستعمل في غير الطعام أيضًا فيقال: الحكر للماء المستنقع في وقبة من الأرض لأنه يحكر أي يُجمع ويحبس كما ذكره الزمخشري في الفائق، وأما الجمهور فقصروا حرمة الاحتكار على الطعام نظرًا إلى معنى كلمة الاحتكار في اللغة فإنها موضوعة في أصل اللغة لاحتباس الطعام خاصة.
والظاهر أن حرمة احتكار الطعام ثابتة بالحديث من غير شك فكان أمرًا تشريعيًا معمولًا به إلى الأبد لأن حاجة الناس إلى الطعام أكثر منها إلى غيره وأما احتكار الأشياء الأخرى فيفوّض إلى رأي الإمام فإن رأى في احتكارها ضررًا شديدًا نظير الضرر في الطعام منعه وإلا أجازه والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ من التكملة.
(فقيل لسعيد) بن المسيب، القائل هو يحيى بن سعيد كما في رواية القرطبي (فقلت لسعيد: فإنك تحتكر) (فإنك تحتكر) غير الطعام فـ (قال سعيد) بن المسيب (أن معمرًا) ابن عبد الله (الذي كان يحدّث) لنا (هذا الحديث) عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتكر) قالوا: إنه كان يحتكر الزيت، ويحمل الحديث على احتكار القوت عند الغلاء وكفى ذلك دليلًا لأن الصحابي أعرف بمراد النبي صلى الله عليه وسلم اهـ من المبارق.
قوله: (فإنك تحتكر) هذا يدل على أن معمرًا رضي الله عنه وتلميذه سعيد بن المسيب كانا يحتكران في غير الأقوات وهو من أقوى الأدلة على أن الحرمة مختصة بالأقوات لأن راوي الحديث من الصحابة أعرف بمعنى الحديث.
ثم استدلال ابن المسيب على جواز الاحتكار في غير الأقوات بعمل معمر
3995 -
(00)(00) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ. حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَال:"لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ"
ــ
رضي الله عنه يدل على أن عمل الراوي بخلاف الحديث له دخل في معرفة معنى الحديث والله سبحانه وتعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [3447]، والترمذي [1267]، وابن ماجه في التجارات في باب الحكرة والجلب [2154]، وأحمد [3/ 452 و 6/ 400].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في الحديث فقال:
3990 -
(00)(00)(حدثنا سعيد بن عمرو) بن سهل الكندي (الأشعثي) أبو عثمان الكوفي، ثقة، من (10)(حدثنا حاتم بن إسماعيل) مولى بني عبد الدار أبو إسماعيل المدني، صدوق، من (8)(عن محمد بن عجلان) القرشي مولاهم مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة أبي عبد الله المدني، صدوق، من (5)(عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري أبي عبد الله المدني، ثقة، من (3)(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من (2)(عن معمر بن عبد الله) بن نافع القرشي المدني الصحابي المشهور رضي الله عنه (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم مدنيون إلا سعيد بن عمرو الأشعثي فإنه كوفي، غرضه بيان متابعة محمد بن عمرو بن عطاء ليحيى بن سعيد الأنصاري (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحتكر) أي لا يدخر الطعام لبيعه وقت الغلاء (إلا خاطئ) أي إلا آثم وهو اسم فاعل من خطئ يخطأ خِطْئًا من باب علم يعلم علمًا، والاسم منه الخطأ بفتح الخاء والطاء إذا أثم في فعله ويقال: أخطأ إذا سلك سبيل خطإ عامدًا أو غير عامد قاله أبو عبيد وقال: سمعت الأزهري يقول: خطئ إذا تعمد وأخطأ إذا لم يتعمد إخطاء وخطئًا والخطأ الاسم.
(قلت): وهذا الحديث بحكم إطلاقه أو عمومه يدل على منع الاحتكار في كل شيء غير أن هذا الإطلاق قد تقيد أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبي صلى الله عليه
3991 -
(00)(00) قَال إِبْرَاهِيمُ: قَال مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنِي
ــ
وسلم فإنه قد ادخر لأهله قوت سنتهم ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت وما يحتاجون إليه جائز لا بأس به فإذًا مقصود هذا منع التجار من الادخار وإذا ظهر ذلك فهل يمنعون من ادخار كل شيء من الأقوات والحيوان والعلوفة والسمن واللبن والعسل وغير ذلك أضر بالناس أو لم يضر إذا اشترى في أسواقهم كما قاله ابن حبيب أخذًا بعموم الخبر أو بإطلاقه أو إنما يمنعون من ادخار ما يضر بالناس ادخاره عند الحاجة من الأقوات وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو مشهور مذهب مالك وحملوا النهي على ذلك.
(قلت): وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن ما لا يضر بالناس شراؤه واحتكاره لا يخطأ مشتريه بالاتفاق ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره أو لا يحتكره ثم قد يكون احتكاره لذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر فلعل ذلك الشيء ينعدم أو يقل فتدعو الحاجة إليه فيُوجد فترتفع المضرة والحاجة بوجوده فيكون احتكاره مصلحة وترك احتكاره مفسدة وأما الذي ينبغي أن يُمنع فهو ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين وأشد ذلك في الأقوات لعموم الحاجة ودعاء الضرورة إليها إذ لا يتصور الاستغناء عنها ولا يتنَزل غيرها منزلتها فإن أُبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها وعز وجودها وشحت النفوس بها وحرصت على تحصيلها فظهرت الفاقات والشدائد وعصت المضار والمفاسد فحينئذٍ يظهر أن الاحتكار من الذنوب الكبار وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق فأما من جلب طعاما من بلد آخر فإن شاء باع وإن شاء احتكر ولا يُعرّض له إلا إن نزلت حاجة قادحة وأمر ضروري بالمسلمين فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته فإن لم يفعل أُجبر على ذلك إحياءً للمهج وإبقاء للرمق، وأما ما اشتراه من الأسواق واحتكره وأضر بالناس فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه فقال:
3991 -
(00)(00)(قال) أبو إسحاق (إبراهيم) بن محمد بن سفيان من رواة المؤلف (قال) لنا (مسلم) بن الحجاج القشيري مؤلف هذا الجامع (وحدثني) أيضًا
بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ. أَخبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ، أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيمَانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى.
3992 -
(1544)(109) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثنَا أَبُو صَفْوَانَ الأمَويُّ
ــ
معطوف على السند الأول (بعض أصحابنا) ومشايخنا أبهم مسلم شيخه هذا ولكن إيراد هذا الحديث في الصحيح دليل على كون ذلك البعض ثقة، وقد جاء ذلك البعض معينًا باسمه في رواية أبي داود فرواه أبو داود عن وهب بن بقية بن عثمان الواسطي عن خالد بن عبد الله الطحان وقد وقع مثل ذلك للمؤلف في أربعة عشر حديثًا من صحيحه، وقد عدّه بعض العلماء من منقطعات صحيح مسلم، وقد قدمنا أن ذلك لا يُسمى منقطعًا في أصول الحديث وإنما هو رواية عن مجهول وإنما يفعل المصنف هكذا في المتابعة فلا يقدح في صحة أصل الحديث ولا سيما إذا تعين ذلك المجهول بروايات أخرى وردت في غيره (عن عمرو بن عون) بن أوس بن الجعد السلمي مولاهم أبي عثمان الواسطي، ثقة حجة، من (10) روى عنه في (2) بابين الإيمان والبيوع (أخبرنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن المزني الطحان أبو الهيثم الواسطي، ثقة، من (8)(عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني المدني، ثقة، من (6) روى عنه في (9) أبواب (عن محمد بن عمرو) بن عطاء بن عياش القرشي المدني، من (3) روى عنه في (4) أبواب (عن سعيد بن المسيب عن معمر بن أبي معمر) عبد الله بن نافع القرشي العدوي (أحد بني عدي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فدكر) عمرو بن يحيى بن عمارة (بمثل حديث سليمان بن بلال عن يحيى) بن سعيد الأنصاري. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن يحيى بن عمارة لسليمان بن بلال في الرواية عن سعيد بن المسيب ولكنها متابعة ناقصة لأن عمرو بن يحيى روى عن سعيد بواسطة محمد بن عمرو بن عطاء وسليمان بن بلال روى عنه بواسطة ابن سعيد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة أعني الحلف في البيع بحديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال:
3992 -
(1544)(09 1)(حدثنا زهير بن حرب حدثنا أبو صفوان الأموي)
ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. كِلاهُمَا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الحَلِفُ منْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ. مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ"
ــ
عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الدمشقي، ثقة، من (9) روى عنه في (3) أبواب (ح وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي المصري (وحرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري (قالا): أي قال أبو الطاهر وحرملة بن يحيى: (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة حجة، من (9)(كلاهما) أي كل من أبي صفوان وابن وهب رويا (عن يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني (عن) سعيد (بن المسيب) المخزومي المدني (أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال) وهذان السندان من سداسياته رجال الأول منهما ثلاثة منهم مدنيون وواحد أيلي وواحد دمشقي وواحد نسائي، ورجال الثاني منهما ثلاثة منهم أيضًا مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلف) بفتح أوله وكسر ثانيه أي اليمين والمراد كما في المرقاة إكثارها أو الكاذبة منها في البيع (منفقة) أي مربحة اللسلعة) أي سبب لنفاق البضاعة ورواجها في ظن الحالف و (ممحقة للربح) أي سبب لمحق البركة وذهابها إما بتلف يلحقه في ماله أو بإنفاقه في غير ما يعود نفعه إليه في العاجل أو ثوابه في الآجل أو بقي عنده وحُرم نفعه أو ورثه من لا يحمده؛ ذكره ابن الملك.
وقوله: (منفقة) بفتح الميم والفاء وسكون النون مفعلة من النفاق بفتح النون وهو الرواج ضد الكساد وهو مصدر استعير للفاعل للمبالغة، وقد حكاه بعضهم بضم الميم وفتح النون وكسر الفاء المشددة (منفقة) على كونه اسم فاعل مؤنث من التنفيق وهو الترويج، ولكن رواية أكثر المحدثين على الأول (ممحقة) هو كالأول في الوزن مفعلة من المحق وهو النقص والإبطال، وحكي أيضًا على كونه اسم فاعل من التمحيق ولكن الأول أصوب.
قوله: اللربح) كذا وقع عند مسلم وتابعه الإسماعيلي على ذلك ووقع عند البخاري من طريق الليث اللبركة) وتابعه عنبسة بن خالد عند أبي داود، ورواه الليث عند الإسماعيلي بلفظ (ممحقة للكسب) وتابعه ابن وهب عند النسائي ومال الإسماعيلي إلى
3993 -
(1545)(110) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُريبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيبَةَ)(قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِير، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصارِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ
ــ
ترجيح هذه الرواية وأن من رواه بلفظ البركة أورده بالمعنى لأن الكسب إذا محق محقت البركة كذا في فتح الباري [4/ 266].
قال القرطبي: ومعنى تمحق البركة تذهبها وقد تُذهب رأس المال والربح كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} وقد يتعدى المحق إلى الحالف فيعاقب بإهلاكه بتوالي المصائب عليه وقد يتعدى ذلك إلى خراب بيته وبلده كما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع" رواه البيهقي في شعب الإيمان أي خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة، وأما محق الحسنات في الآخرة فلا بد منه لمن لم يتب، وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يمين غموس يؤكل بها مال المسلم بالباطل اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [2/ 235]، والبخاري [2087]، وأبو داود [3335]، والنسائي [7/ 246].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنهما فقال:
3993 -
(45 15)(110)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لابن أبي شيبة قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن الوليد بن كثير) القرشي المخزومي مولاهم أبي محمد المدني، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال في التقريب: صدوق، من (6) روى عنه في (9) أبواب (عن معبد بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي بفتحتين المدني، كان أصغر الإخوة، مقبول، من (3) ووثقه ابن حبان، روى عنه في (3) أبواب (عن أبي قتادة الأنصاري) السلمي بفتح السين واللام الحارث بن ربعي المدني رضي الله عنه، روى عنه في (7) أبواب. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان (أنه) أي أن أبا قتادة الأنصاري (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إياكم) منصوب
وَكثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيعِ. فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ".
3994 -
(1546)(111) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُس
ــ
على التحذير بفعل محذوف وجوبًا لقيام المعطوف مقامه (وكثرة الحلف) بالنصب معطوف على إياكم أي باعدوا أنفسكم عن كثرة الحلف (في البيع) أي اتقوا كثرة اليمين ولو كنتم صادقين لأنه ربما يقع كذبًا فقيد الكثرة احتراز عن القلة فإنه يحتاج إليه فلا يدخل تحت التحذير قاله ملا علي، والتحذير عندهم تنبيه المخاطب على أمر مذموم ليجتنبه (فإنه) أي فإن الحلف أو إكثاره (ينفق) البيع ويرؤجه من التنفيق بمعنى الترويج (ثم) بعد تنفيقه أولًا (يمحق) بفتح حروف المضارعة من باب منع مثل قوله تعالى:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} أي يذهب بركة البيع.
قال القرطبي: وإنما حذّر عن كثرة الحلف لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور وإن سلم من ذلك على بُعده لم يسلم من الحنث أو الندم لأن اليمين حنث أو مندمة، وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم بل على جهة مدح السلعة فاليمين على ذلك تعظيم للسلع لا تعظيم لله تعالى وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد اهـ من المفهم.
وقد دل الحديثان على كراهية الحلف في البيع لأن الحلف إن كان كاذبًا فهو عين الحرام وإن كان صادقًا فإن الرجل إذا اعتاد ذلك تدرج إلى الكاذب منه فكره ذلك سدًا للذريعة ولأن حقيقة الحلف هو جعل الشيء في ذمة الله أو في شهادة وكل ذلك لا يناسب في أمور دنيوية تافهة، قال الدهلوي: ويكره إكثار الحلف في البيع لشيئين كونه مظنة لتغرير المتعاملين وكونه سببًا لزوال تعظيم اسم الله من القلب، والحلف الكاذب منفقة للسلعة لأن مبنى الإنفاق على تدليس المشتري وممحقة للبركة لأن مبنى البركة على توجه دعاء الملائكة إليه وقد تباعدت بالمعصية بل دعت عليه اهـ من التكملة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [7/ 246]، وابن ماجه [2209].
ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة أعني الشفعة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقال:
3994 -
(1546)(111)(حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) بن عبد الله بن
حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ، فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ. فَإنْ رَضِيَ أَخَذَ. وإنْ كَرِهَ تَرَكَ"
ــ
قيس التميمي الكوفي، ثقة، من (10)(حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي الكوفي، ثقة، من (7) (حدثنا أبو الزبير) المكي (عن جابر) بن عبد الله المدني رضي الله عنهما (ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا أبو خيثمة) زهير بن معاوية (عن أبي الزبير عن جابر) وهذان السندان من رباعياته (قال) جابر:(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له شريك) كذا في النسخ التي بأيدينا والذي في المشارق (من كان له شرك) فقال ابن الملك: بكسر الشين وسكون الراء أي نصيب قل أو كثر (في ربعة) بفتح الراء وسكون الباء الدار أو المنزل، والربع والربعة كلاهما بمعنى، وأصلهما في المنزل الذي كانوا يسكنونه في فصل الربيع ثم استُعمل في كل دار، قال ملا علي: قوله: (في ربعة) أي دار وسكن وضيعة (أو نخل) أي أو في بستان كما عبر عنه في الرواية التالية بالحائط فإن الشفعة إنما تثبت في العقار لا في المنقول (فليس له أن يبيع) نصيبه لغير الشريك (حتى يُؤذن) ويُعلم (شريكه) أنه يريد بيع نصيبه، والنفي فيه بمعنى النهي وهو محمول على الكراهة يعني يكره بيعه قبل إعلامه شريكه وهذه كراهة تنزيه لأن قبحه باعتبار توهم ضرر الشريك وقد لا يتضرر (فإن رضي) شريكه أن يأخذ منه نصيبه الذي يريد بيعه (أخذ) شريكه منه (وإن كره) شريكه أن يأخذ منه ولم يرض به (ترك) شريكه البائع ليبيعه لمن شاء فليس له أن يمنعه من بيع نصيبه لمن شاء إن لم يرضه.
وقوله: (من كان له شريك) عام في المسلم والذمي وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وحكي عن الشعبي والثوري أنه لا شفعة للذمي لأنه صاغر وهو قول أحمد، والصواب الأول للعموم والحديث حجة عليه، ولأنه حق جرى بسببه فيترتب عليه حكمه من استحقاق طلبه وأخذه كالدين وأرش الجناية اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [3/ 296]، والبخاري [2213]، وأبو داود [3514]، والترمذي [1370]، والنسائي [7/ 321]، وابن ماجه [2499].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر رضي الله عنه فقال:
3995 -
(00)(00) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ نُمَيرٍ)(قَال إِسْحَاقُ: أخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ). حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالشُّفْعَةِ
ــ
3995 -
(00)(00)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لابن نمير قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الكوفي، ثقة ثقة، من (8) روى عنه في (17) بابا (حدثنا) عبد الملك (بن جريج) المكي الأموي، ثقة، من (6)(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم الأسدي مولاهم (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني رضي الله عنهما. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن جريج لزهير بن معاوية (قال) جابر:(قضى) وحكم (رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة) بضم الشين وسكون الفاء وحُكي ضمها، وقال بعضهم: لا يجوز غير السكون وهي في اللغة الضم على الأشهر، وقيل: الجمع ماخوذ من شفعت الشيء ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب ومنه شفع الأذان، وفي الشرع حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث فيما ملك بعوض، واتفق على مشروعيتها خلافًا لما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها، قال القرطبي: أحاديث الشفعة إنما وردت في انتقال الملك بالبيع ويلحق به ما في معناه من المعاوضات كدفع الشقص في صداق أو أجرة أو أرش جناية وما أشبه ذلك فهذا فيه الشفعة ولا ينبغي أن يُختلف فيه لأنه من أقوى مراتب الإلحاق، وأما انتقال الملك بالميراث فلا شفعة فيه لأنه لا يصح إلحاقه بالمعاوضات لأنه انتقال بغير عوض ولا اختيار فلا شفعة فيه بوجه، وقد حكي الاتفاق على ذلك غير أنه قد انفرد الطابقي فحكى عن مالك أنه رأى الشفعة في الميراث وهو قول شاذ منكر نقلًا ونظرًا واختلف في المنتقل بالهبة والصدقة هل فيه شفعة أو لا؟ على قولين مشهورين سببهما تردد الصدقة والهبة بين المعاوضات والميراث فمن حيث إنه انتقال عن اختيار يثبه البيع ومن حيث إنه خلي عن العوض أشبه الميراث والأولى والله أعلم إجراء الشفعة فيها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"الشفعة في كل شرك لم يقسم" ولم يُفرق بين جهات الأملاك وللحوق الضرر الشديد الملازم الداخل على الشريك اختيارًا ولا يرد الميراث لأنه ملك
فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ. رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ. لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ. فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ
ــ
جبري لا اختيار فيه للمنتقل إليه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
وقوله: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حكم وألزم الشفعة (في كل) ذي (شركة) أي في كل عقار ذي حصص مشتركة مشاعة (لم تُقسم) أي لم يعين فيها نصيب كل واحد من الشركاء بالقسمة. وقوله: (ربعة) أي منزل (أو حائط) أي بستان بدل من شركة وقيل: هما مرفوعان على أنهما خبر مبتدإ محذوف هو هي اهـ مرقاة، قال: وفي الحديث دلالة على أن الشفعة لا تثبت إلا فيما لا يمكن نقله كالأرض والدور والبساتين دون ما يمكن نقله كالأمتعة والدواب وهو قول عامة أهل العلم اهـ. يعني أن الشفعة ثابتة في كل دار أو حائط إذا كان كل واحد منهما مشاعًا ثم قيدته الشافعية والحنابلة بما يمكن قسمته فإن كان مما لا يمكن قسمته فلا تثبت الشفعة فيه عندهم كالحمام الصغير والرحى الصغيرة والطريق الضيقة، وخالفتهم الحنفية والمالكية فأثبتوا الشفعة فيما لا يمكن قسمته أيضًا، والمسألة مبسوطة في المغني لابن قدامة [4/ 313](لا يحل له) أي لا يباح لمن أراد بيع نصيبه؛ أي يكره له (أن يبيع) ـه كراهة تنزيه (حتى يؤذن) ويعلم (شريكه) إرادة بيعه (فإن شاء) شريكه أن يأخذ منه (أخذ) منه (وإن شاء) تركه (ترك) فيبيعه لمن شاء (فإذا باع و) الحال أنه (لم يؤذنه) ولم يعلمه إرادة بيعه (فهو) أي فالشريك (أحق) من المشتري (به) أي بأخذ المبيع بالشفعة.
وقوله: (لا يحل له أن يبيع) وفي طريق أخرى (لا يصلح) مكان لا يحل هو محمول على الإرشاد إلى الأولى بدليل قوله: (فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به) ولو كان ذلك على التحريم لذم البائع ولفسخ البيع لكنه أجازه وصححه ولم يذم الفاعل فدل على ما قلناه، وقال بعض شيوخنا: إن ذلك يجب عليه.
وقوله: (فإن شاء أخذ وإن شاء ترك) يعني إن شاء أخذ الشقص بما أعطى به من الثمن لأنه أحق به بعد البيع فيكون له بما أعطى به من الثمن قبله، وفيه دليل على أن من تنازل عن الشفعة قبل وجوبها لزمه ذلك إذا وقع البيع ولا يكون له أن يرجع فيه، وبه قال الثوري وأبو عبيد والحكم وهي إحدى الروايتين عن مالك وأحمد بن حنبل، وذهب مالك في المشهور عنه وأبو حنيفة وعثمان البتي وابن أبي ليلى إلى أن له الرجوع في ذلك، وهذا الخلاف جار في كل من أسقط شيئًا قبل وجوبه كإسقاط الميراث قبل موت
3996 -
(00)(00) وحدّثني أبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الشُّفْعَةُ فِي كُل شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَو حَائِطٍ. لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَع. فَإِنْ أَبى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ"
ــ
المورث وإجازة الوارث الوصية قبل الموت وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة وكسوة في السنة القابلة ففي كل واحدة من تلك المسائل قولان.
وقوله: (إن باع فهو أحق به) يعني أن الشريك أحق به بالثمن الذي اشتراه به المشتري من عين أو عرض نقدًا أو إلى أجل وهو قول مالك وأصحابه، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يشفع إلى الأجل وأنه إن شاء شفع بالنقد وإن شاء صبر إلى الأجل فيشفع عنده، واختلف أصحابنا إذا لم يعلم الشفيع إلا بعد حلول الأجل هل يُضرب له مثل ذلك الأجل أو يأخذه بالنقد على قولين اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر رضي الله عنه فقال:
3996 -
(00)(00)(وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن ابن جريج أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن وهب لعبد الله بن إدريس أي سمع جابرا، حالة كونه (يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشفعة) ثابتة (في كل شرك) أي في كل عقار مشترك مشاع، وقوله:(في أرض أو ربع أو حائط) بدل من قوله: (في كل شرك) بدل تفصيل من مجمل (لا يصلح) أي لا يحل لأحد الشريكين أو الشركاء (أن يبيع) نصيبه لغير الشركاء (حتى يعرض) نصيبه (على شريكه) ويظهر قصده (فيأخذ) هـ شريكه له (أو يدع) ـه أي يتركه إن لم يرد أخذه (فإن أبى) ذلك البائع وامتنع من عرضه على شريكه وباع (فشريكه أحق به) أي أحق بأخذ الشقص من المشتري، وقوله:(حتى يؤذنه) بدل من قوله: (حتى يعرض عليه) أي لا يصلح أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه.
وقوله: (في كل شرك في أرض) الخ دليل على أن الشفعة ليست في المنقولات وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء، وتفرد ابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر فأثبت الشفعة في كل مشاع منقول أو غير منقول وحكاه أيضًا عن الحسن وابن سيرين
3997 -
(1547)(112) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ".
قَال: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ، لأَرمِيَنَّ بِهَا بَينَ أَكْتَافِكُمْ
ــ
وعبد الملك بن يعلى وعثمان البتي كما في المحلى [9/ 86] وقد أخطأ الشوكاني في نيل الأوطار [5/ 281] خطأ فاحشًا في نسبة هذا القول إلى أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى فإنهما لا يقولان بثبوت الشفعة في المنقولات أصلًا وإن هذه النسبة من أعاجيب الشوكاني.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة أعني غرز الخشب في جدار الجار بحديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال:
3997 -
(547 1)(112)(حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة) رضي الله عنه. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنع أحدكم جاره) وفي مظالم البخاري (لا يمنع جار جاره) وفي المرقاة أي لا يمنع مروءة وندبًا إذا احتاج (أن يفرز) أي أن يضع (خشبة) أي رأس خشبة داره (في جداره) أي في جدار داره أي على رأس جدار داره أو في جنبه إذا لم يضره (قال) الأعرج: (ثم) بعد رواية هذا الحديث كان (يقول أبو هريرة): إنكارًا لما رآه منهم من الإعراض واستثقال مما سمعوه منه وذلك أنهم لم يقبلوا عليه بل طأطؤوا رؤوسهم كما رواه الترمذي في هذا الحديث، والمذكور في سنن أبي داود أن أبا هريرة لما ذكر الحديث نكسوا رؤوسهم فقال أبو هريرة:(ما لي أراكم عنها معرضين) أي أي شيء ثبت لي أراكم معرضين عن هذه المقالة التي قلتها لكم كأنكم لم تقبلوها ولم ترضوها، والاستفهام فيه إنكاري (والله) أي أقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لأرمين بها بين أكتافكم) أي لأشيعن هذه المقالة فيكم ولأفزعنكم بها في محافلكم ولأوجعنكم بها في قلوبكم كما يوجع الناس الذين أبوا عن اجتناب موجب الحدود بين أكتافهم أي في ظهورهم إقامة للحدود عليهم مع كراهيتهم إقامتها أو كما يضرب الإنسان بالشيء بين
3998 -
(00)(00) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو
ــ
كتفيه ليستيقظ من غفلته، ويمكن أيضًا أن يكون مراده أني أقضي فيكم بهذا الحديث رغم كراهيتكم له فإن أبا هريرة قال ذلك حين كان يلي إمرة المدينة من قبل مروان، ذكره الحافظ عن إمام الحرمين والله أعلم. والمعنى أي لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة بكم ولا تقية منكم وأوقعها بينكم كما يوقع السهم بين الجماعة يعني أنشرها في محافلكم حتى تقبلوها وتعملوا بها من غير مبالاة للومة لائم منكم.
ففيه من الفقه تبليغ العلم لمن لا يريده ولا استدعاه إذا كان من الأمور المهمة ويظهر منه أن أبا هريرة كان يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك، وأما رواية لأضربن بها أعينكم فهي على جهة المثل الذي قُصد به الإغياء في الإنكار لأنه فهم عنهم الإعراض عما قال والكراهة فقابلهم بذلك، والرواية المشهورة أكتافكم بالمثناة الفوقية جمع كتف وهو ما بين الظهر والعنق، ورُوي (أكنافكم) بالنون كما في الموطإ من رواية يحيى الليثي جمع كنف وهو الجانب ولكن أكثر الروايات على الأول.
وقوله: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره) اختلف العلماء في تمكين رب الحائط من هذا عند السؤال فصار مالك في المشهور عنه وأبو حنيفة إلى أن ذلك من باب الندب والرفق بالجار والإحسان إليه ما لم يضر ذلك بصاحب الحائط ولا يُجبر عليه من أباه متمسكين في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" رواه أحمد والبيهقي والدارقطني، ولأنه لما كان الأصل المعلوم من الشريعة أن المالك لا يُجبر على إخراج ملك عن يده بعوض كان أحرى وأولى أن لا يُخرج عن يده بغير عوض وصار آخرون إلى أن ذلك على الوجوب ويُجبر من أباه عليه وممن ذهب إلى ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي وأبو ثور وجماعة، والقول الأول هو الأصح لأنه الذي تشهد له الأصول الشرعية.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال:
3998 -
(00)(00) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثني أبو
الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُس. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
الطاهر وحرملة بن يحيى قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ح وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلهم) أي كل من هؤلاء الثلاثة من سفيان ويونس ومعمر رووا (عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن الأعرج عن أبي هريرة (نحوه) أي نحو ما روى مالك عن الزهري، غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لمالك بن أنس.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأول: حديث معمر بن عبد الله ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث أبي قتادة الأنصاري ذكره للاستشهاد لما قبله، والرابع: حديث جابر بن عبد الله ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والخامس: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله سبحانه وتعالى أعلم.
***