الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: احتكاك اللغات واختلاطها
1
تطور اللغة المستمر في معزل عن كل تأثير خارجي، يعد أمرا مثاليا لا يكاد يتحقق في أية لغة. بل على العكس من ذلك فإن الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات مجاورة لها كثيرا ما يلعب دورا هاما في التطور اللغوي.
ذلك لأن احتكاك اللغات ضرورة تاريخية، واحتكاك اللغات يؤدي حتما إلى تداخلها. وها نحن أولاء نرى تحت أعيننا وبالقرب ما أقاليم جمع فيها التاريخ على هويته شعوبا تتكلم لغات مختلفة، وفي الأقاليم التي من هذا القبيل يقتضي التوسع في التبادل التجاري وضرورة الاتصال معرفة لغات عدة معرفة جيدة. وكانت شبه جزيرة البلقان في كل عصورها ولا تزال حتى الآن ملتقى لكثير من اللغات، ومن الأجناس والجنسيات والأديان. ففيها اليوم أجناس مختلفة من سلافيين وإغريقيين وألبانيين ورومانيين وأتراك ويهود وأرمنيين. وكلهم يكونون جماعات كبيرة أو صغيرة. وهناك إغريق في تراقيا ورومانيون في مقدونيا وألبانيون في اليونان. والحدود السياسية لا تنطبق في أي مكان على الحدود الجنسية ولا على الحدود الدينية. فكل من الديانات الكاثوليكية والأرثوذكسية والإسلامية واليهودية تضم سكانا ينتبسون إلى أجناس مختلفة وجنسيات متباينة. واللغات التي
1 هـ. شوخارت: رقم 203 وا. وندش: Zur Theorie der Mischsprachen und Lehn worter، رقم 40، ليبترج 1897، ص101-126. وانظر عن المسائل النظرية. شوخارت: Kreolishe Studien "رقم 30 1882-1890" مجلد 101، 105 و116 و122"؛ ورقم 38، مجلد 12 و13 "ص476 و508". ومجلد 15، مجلد 6 "1912". وسايس: رقم 138، مجلد1، ص219، حيث توجد به أمثلة للغات المختلطة.
تساهم بنصيبها في تماسك الجنسية تضيف إلى كل هذا عنصرا آخر من عناصر التعقيد؛ فالصربية والبلغارية والإغريقية والألبانية والرومانية والتركية والأرمينية والأسبانية التي يتكلمها اليهود، تعيش كلها جنبا إلى جنب. ولكنا لا نشير هنا إلا إلى اللغات التي لا تتكلمها إلا المجاميع الكبيرة بصرف النظر عن اللهجات.
لا بد أن هذه الحالة التي تعتبر استثنائية في أوربا الحديثة كانت قاعدة يسير عليها التاريخ في غالب الأحيان. والنتائج اللغوية التي تنجم عنها كبيرة الخطر لأنه إذا احتكت لغتان إحداهما بالأخرى. أثرت كل منهما على صاحبتها. حتى ذهب بعض علماء اللغة بناء على هذه الحقيقة، إلى أنه لا توجد لغة غير مختلطة ولو إلى حد ما فعلينا إذن أن نناقش الظروف التي يمكن فيها اختلاط اللغات والنتائج اللغوية التي تنجم عن هذا الاحتكاك.
من الخطأ أن نتصور كون المنافسة بين لغتين متماستين تحدث دائما على وتيرة واحدة في كل الحالات، لأن قوة اللغات ليست واحدة، ومن ثم كانت تختلف قدرتها على المقاومة.
لنفرض أننا بصدر لغتين من ذوات المدنية العظيمة كالألمانية والفرنسية. فاللغتان كلتاهما قويتان، تستويان في القوة. وبينهما اختلافات في البنية على جانب من الأهمية. فإذا ما تعرضتا للمنافسة، لم يكن لهذه المنافسة آثار لغوية، وإنما تكاد تنحصر آثارها في الميدان الاقتصادي. والمدرسة هي المكان الذي يهيأ فيها الكفاح بينهما، لذلك نسمع أن الألمانية قد طردت الفرنسية من هذه القرية، أو تلك المدينة من المدن السويسرية أو أن العكس قد حدث في قرية كذا أو كذا1. وليس هنا موضع بحث مزايا اللغتين في ذاتهما فسكان هذه القرى كان في متناول
1 تسمرلي zimmerli؛ Die deutsch-franzosische Sprachgrenze in der Schweiz "الجزء الأول رسالة في جونتجن، 1891، والجزء الثاني، جنيف وبال 1895 و1899".
أيديهم أداتان متساويتان في المتانة والصلاحية، فاختاروا من بينهما أصلحهما لحاجات أعمالهم. ذلك بأنه ينشأ هناك ميل إلى نقل الحدود اللغوية بحسب الجهة التي ترد منها العلاقات الاقتصادية فالمصلحة العملية هي وحدها الحكم في مثل هذه الحالة، وهي التي تحكم لهذه اللغة أو لتلك، وقد تبقى اللغتان زمنا طويلا في حالة تعادل.
فضلا عن الظروف الاقتصادية يجب أن ندخل في حسابنا الموقف السياسي. فبعض الشعوب تتمسك بهذه اللغة دون تلك ويرخى لها عمدا عنان التفشي مدفوعا في ذلك بعاطفة وطنية أو بقصد إظهار استقلاله أو بنفوره من دولة مجاورة. ومن المؤكد مثلا أن مركز كل من الفلمنكية والفرنسية في بلجيكا لا يتوقف على الظروف الاقتصادية فحسب، بل تضاف إليها بواعث سياسية ينبغي للعالم اللغوي ألا يسقطها من حسابه. ومنذ عشرين سنة تتمشى في إيرلندا حركة تتجه إلى إحياء اللغة الوطنية القديمة يقوم أصلها على بواعث سياسية، وهي التخلص من لغة الإنجليز، أعدائهم التقليديين، والفرنسية لم تتكلم يوما في الألزاس بقدر ما كانت تتكلم في فترة انضمامها إلى الأمبراطورية الألمانية. أما حينما كانت مقاطعة الألزاس جزءا من فرنسا قبل سنة 1871، ولم تكن مضطرة إلى اتخاذ لغة بعينها، فلم يكن لدى الألزاسيين باعث قوي على ترك لهجاتهم المحلية الجرمانية.
كذلك تخضع المنافسة اللغوية في الأقطار البلقانية لأسباب سياسية إلى حد كبير، ولكن الدين بدوره يقوم فيها بدور هام. واللغة الأرمينية تدين بقسط كبير في حيويتها إلى وجود كنيسة أرمينية مستقلة. فالشعور المنبعث من وجود جماعة دينية يزيد مقاومة اللغة قدرة. وفي مستعمرة الكاب، كان المهاجرون الفرنسيون من البروتستانت في سنة 1688 يكونون ربع سكان المستعمرة، ولما كانت الهولندية وحدها هي اللغة المسموح بها في الأمور العامة والسياسية والدينية، فقد اختفت الفرنسية بعد مضي قرن واحد.
هناك أيضا عامل عاطفي آخر له قوته العظيمة في المحافظة على سلامة الكثير من اللغات وبقائها، هو عامل الهيبة. فما كان للاتيني أن يرضى بتعلم إحدى اللغات
المتبربرة "Quorum nomina uix est eloqui ore Romano "Pompon Mela III،3". لذلك قضت اللاتينية في إيطاليا نفسها على الأترسكية والأسكية والأمبرية. وقد وصلت هيبة اللاتينية إلى حد جعل بلاد الجول بعد فتحها بقرن على الأكثر ترسل من لدنها أساتذة للخطابة إلى روما.
وإرادة الإغريق في ألا يضحوا لغتهم أمام لغة فاتح يحتقرونه، هي التي حفظت الإغريقية خلال العصور، فلم تستطع التركية يوما أن تحل محلها، أو حتى أن تنال منها. كان الإغريق يتكلمون لغة الفاتح في حاجاتهم الإدارية، ولكن لم يحدث إطلاقا أن la lingua del cuore سلمت لـla lingua del pane كما يقول الإيطاليون.
كثيرا ما يكون لهيبة اللغة ما يبررها من قيمتها الذاتية، وهذه القيمة في حالة اللغة الإغريقية تعتبر شيئا كبيرا لأنها تفوق بكثير كل ما يمكن أن يضاف للغة التركية من فضل فالتركية، وهي لغة الفاتحين، ليست بأية حالة من لغات الحضارة، وما كانت تستطيع الكفاح ضد اللغة الإغريقية التي تمثل ثقافة من أعرق الثقافات.
نستبين ما لقيمة لغة في ذاتها من أهمية في كثير من المواضع. ويمكننا على وجه التقريب أن نقدر لكل لغة درجتها في هذا الصدد. فالأرمينية تتقهقر أمام الروسية في أوربا، ولكن البولونية صمدت للروسية في غرب الإمبراطورية القيصرية، فهما لغتان متساويتان في القوة وليس في وسع إحداهما أن تتغلب على الأخرى. والقدرة على الانتشار التي نشاهدها في بعض اللغات الهندية الأوربية أو السامية كاللغة العربية مثلا ترجع بلا شك إلى أسباب معقدة، ولكن القيمة الذاتية للغة لها في ذلك نصيب.
إذا بذرت لغوية منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها بعض الطوائف الجنسية في الولايات المتحدة للاحتفاظ بسلامة لغاتها أمام اللغة الإنجليزية، وحتى الألمانية المتكلمة هناك قد سارع إليها العطب، إذا أصبح المتكلمون بها يقولون مثلا
Milch gleicht der Onkelnit وهي ترجمة حرفية للعبارة الإنجليزية Uncle does not like milk "العم لا يحب اللبن"1. وحوالي منتصف القرن الثامن عشر نزلت بأسبانيا جالية شوابية واستقرت في سفح السيرا مورينا Sierra Morena. واليوم لا نجد في هذه البقاع أثرا للألمانية اللهم إلا في بعض أعلام الأسر2. كذلك لم تستطع الفرنسية التي كانت يتكلمها الفرنسيون الذين نزحوا إلى ألمانيا أو إلى الأقاليم المنخفضة بعد العدول عن مرسوم نانت أن تقاوم تأثير اللغة المحيطة بها زمنا طويلا. وفي شمال فرنكفورت توجد بضع قرى -كان سكانها من الفرنسيين ولا يزالون- ولكنهم يتكلمون اليوم لغة القرى المجاورة، أعني الألمانية، وعلى العكس من ذلك لا تزال الألمانية صامدة منذ القرن الرابع عشر في وادي الحتشية Gottschee أي في قلب المجال السلوفاني3، وليس من شك في أن الظروف الاقتصادية قد ساعدت على بقاء الألمانية، هذا فضلا عن تلك الهيبة التي شد من أزرها العصبية الوطنية للألمان أمام التيار السلافي. غير أنه يضاف إلى كل هذا أن الألمانية من حيث الحضارة أقدر على الإشعاع من السلوفانية. فاللغتان لا تستويان في القدرة على الكفاح. نعم يمكننا أن نفهم بسهولة كون السلوفانية التي تملك جميع الأراضي المحيطة لم تتأثر بألمانية الجتشية، ولكن احتفاظ الألمانية بمراكزها لا يمكن أن يفسر إلا بضعف السلوفانية من وجهة النظر التي نحن بصددها.
لنتجه الآن إلى بحث الأثر الذي يمكن أن تحدثه لغة مشتركة تمثل مدنية منظمة تنظيما قويا على مجموعة من اللهجات المحلية لا وحدة لها ولا تماسك بينها. وتتمثل لنا هذه الحالة في مركز البريتانية والفرنسية في مقاطعة بريتانيا. فالمنافسة بين البريتانية والفرنسية لا تشبه بحال منافسة الفرنسية والألمانية في سويسرا.
1 بومجرتنر Baumgartener؛ Die deutsche sprache in amerika نقله عنه مييه في رقم 4، مجلد 18، ص116.
2 س. فيست S. Feist: رقم 26، مجلد 36، ص344 هامش.
3 أد. هوفن AD. Hauffen؛ Die deutsche Sprachinsel Grammatik der Gottscheer H. Tschinkel Gottschee، graz "1875" Mundart، Halle "1908".
إذ في هذه الحالة الأخيرة تتقدم اللغتان وتتقهقران على نحو ما يفعل جيشان متجابهان فتأخر إحداهما أو تقدمها معناه انتقال في الحدود. ذلك أن الناس إما أن يتكلموا الفرنسية أو الألمانية. أما الحدود اللغوية بين البريتانية والفرنسية فلم تكن تتغير منذ قرون، رغم التقدم الأكيد الذي ربحته الفرنسية في بريتانيا1. وقد لوحظ أن البريتانية في القرن الحادي عشر الميلادي لم تكن تتعدى الحدود الجغرافية التي تحدها في يومنا هذا. وهي تتكون من خط يكاد يكون مستقيما يتجه من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ويبدأ من بلوها Plouha على الشاطئ بين بميول Paimpol وسان برييه Saint-Brieuc ويسير حتى مصب الفيلين مارا بكنتان من أسفل وبالفن من أعلى. وعن يمين هذا الخط لا تكاد تتكلم إلا اللهجات الفرنسية المسماة "gallots" وحدها منذ تسعة قرون أو عشرة. ولنرجع الآن إلى تشبيه الجيشين المتجابهين الذي أشرنا إليه. فليس أمامنا هنا معركة منظمة ولا أرض يكسبها الغالبون باضطرارهم المغلوبين إلى التقهقر. وإنما يوجد فقط انضمام دائم لعدد كبير من عناصر إحدى اللغتين إلى الأخرى، حتى ينتهي الحال بأن تفقد إحداهما كل جنودها الوطنيين. وهذا توغل سلمي، لا حرب فيها ولا غزو.
ولنحاول لبيان ذلك أن نبحث الموقف في غرب الخط الذي رسمناه منذ قليل. فهناك قد توغلت الفرنسية في كل اللهجات البريتانية دون استثناء. ولغة المدينة تحمل معها تيارا جارفا من الكلمات الجديدة التي تمثل أشياء وأفكارا وعادات جديدة. كما أن الآداب والدين قد ملآ البريتانية بالكلمات الفرنسية، وذلك منذ نهاية القرن الخامس عشر. وهذا آت من أن الفرنسية هي التي تقدم للبريتانيين بالطبع نماذج لكتب العبادة والتهذيب فظلت البريتانية تنحصر شيئا فشيئا في الاستعمالات الزراعية والخاصة. وأخذت الخدمة العسكرية وتعليم الفرنسية في المدارس يعجلان هذه الحركة منذ نصف قرن. وفي نفس الوقت حصل شيء من التطور في ظروف المنافسة بين اللغتين.
1 انظر بول سبلو paul sebillot؛ Revue d'Enthnographie يناير عام 1886، ج. لوث رقم 8، مجلد 24، ص295 ومجلد 28 ص374.
ظل التوغل زمنا طويلا يقوم على نوع من التسرب غير المحسوس، إذ كانت البريتانية تتلقى على غير شعور منها عددا من الكلمات الفرنسية يزداد يوما بعد يوم، ولكن البريتانيين كانوا يوالون الكلام بالبريتانية، ولو طعمت بالكلمات الفرنسية. أما اليوم فقد أصبحت غالبية البريتانيين العظى تتكلم اللغتين، ومن ثم انتقل ميدان المنافسة بين اللغتين إلى أذهان المتكلمين أنفسهم على شكل ما.
وفي هذه المنافسة خطر على البريتانية. إذ إن الفوائد التي يمكن الحصول عليها من معرفة الفرنسية تفوق كثيرا تلك التي يمكن الحصول عليها من معرفة البريتانية وحدها، ولكون الفرنسية لغة برجوازية وتستعمل دون سواها في مجتمعات المدن فإنها تغري بنات الحقول بالتكلم بها، كما تغريهم ثياب الطبقة الراقية بلبسها.
ولكن يضاف إلى ذلك أن روابط السكان البريتانيين بالمجتمع البرجوازي تزداد يوما بعد يوم. فمنهم الموظفون في كثير من الأعمال وخدم المنازل الذين يتكلمون الفرنسية مع مخدوميهم، واتساع السياحة قد جعل من الأجنبي ومن البرجوازي مورد رزق للمواطنين، وهذا يجعل التكلم بالفرنسية ميزة وضرورة في آن واحد.
ونوع الحياة يؤثر كذلك على اللغة. فيلاحظ أن البريتانية على الشواطئ أقل منها ثباتا في الداخل، وذلك لأن البحارين يشتغلون بالطبع بعيدين عن محل إقامتهم، ولأنهم يجدون أنفسهم كل يوم في علاقات مع أفراد يتكلمون إما لغات أخرى وإما لهجات مخالفة بعض الشيء. فكان من مصلحتهم أن يستعملوا في هذه العلاقات لغة مشتركة كالفرنسية. وأخيرا لأن الجزء الساحلي من بريتانيا هو الجزء الذي تمر به طرق المواصلات الكبرى وتقع عليه المدن الرئيسية، وبالتالي هو الجزء الذي يقوم فيه التبادل التجاري ويرتاده السائحون بصورة دائمة1.
وهكذا صارت الفرنسية لغة مشتركة بالنسبة لمقاطعة بريتانيا في حين أن البريتانية بلهجاتها المتعددة لم تصل يوما إلى هذا المركز. فالتناحر بين البريتانية والفرنسية يرجع إذن في نهاية الأمر إلى فعل الأسباب الاقتصادية، ولكن قوة كل من اللغتين هي التي تحدد ظروف التناحر الخاصة.
1 La Basse - Bretagne: Camille Vallaux، باريس 1907.
يمكن أن تتنبأ باندثار البريتانية ولكن يجب ألا تتعجل القول به. لأن البريتانية ما زالت متماسكة وازدياد السكان -وهو كثير في بريتانيا المتكلمة بالبريتانية- له أثره القوى في بقاء اللغة، هذا فضلا عن تمسك البريتانيين بتقاليدهم القومية. كما أن ميزة التكلم بلغتين قد تشجع البريتانيين على استعمال البريتانية فيما بينهم. فهي لغة خاصة جاهزة تصلح ضمانا للاستقلال، وبوصفها لغة خاصة يمكنها أن تعيش زمنا طويلا للاستعمال بين طوائف معينة مثل صيادي "السردين" أو عمال الملاحات البحرية أو قاطعي الأردواز أو تجار الخيل، وفي هذه الصورة لا يستطيع إنسان أن يتنبأ لها بمقدار الزمن الذي يمكن أن تعمره، لأنها تستطيع حينئذ أن تتجدد وأن تقوى، على شرط أن تكون هناك جماعة عديدة من الناس تعمل على الاحتفاظ بسلامة اللغة الخاصة.
ومع ذلك فهناك بعض الأركان التي اندثرت منها البريتانية. فجماعات العمال في إنبون Hennebont لا تتكلم اليوم غير الفرنسية. وأكثر دلالة من ذلك حالة شبه جزيرة Guerande التي لا نرى فيها اليوم من يتكلم البريتانية من البريتانيين إلا تلك القرى الأربع التي تكون بلدة باتز Batz، وسكانها عامة من عمال الملاحات. وحتى في هذه القرى نرى أن حالة البريتانية قد أصبحت في سوء لأن محيط هذه الدائرة اللغوية يضيق شيئا فشيئا من جهة، ومن جهة أخرى نرى عدد الأفراد الذين يتكلمون البريتانية في داخلها في قلة مستمرة: حتى أنها صارت لا تستعمل الآن بين الأفراد الذين تقل سنهم عن خمسين عاما، وأصبح الأطفال لا يفهمون والديهم فنستطيع أن نتنبأ باللحظة التي تختفي فيها البريتانية نهائية من هذا الركن من الأرض.
ونحن نعرف لغات أخرى انتهت إلى هذا المصير. فالصربية أو الفندية وهي لهجة سلافية، تتكلم اليوم في شيريفالد "lusace" Spreewald؛ في حين أن أختها البولابية Polabe التي كانت تتكلم في وادي الألب الأسفل قد ماتت منذ القرن الثامن عشر. واليوم لا نرى أي أثر للبروسية، وهي لهجة بلطية كانت تحيا على الشاطئ بين دانتسج وكينجر برج في نهاية القرن السادس عشر
واختفت عمليا في إنجلترا الكرنوالية، وهي لهجة كلتية، كانت تحتل في العصور الوسطى شبه جزيرة كرنوول Cornwall كلها بما فيها ديفون Devon المعروفة الآن، وتصل حتى في مجال اللغة الغالية عبر قناة برستول. إذ إن السيدة التي قيل إنها آخر من تكلم الكرنوالية، واسمها دللي بنتريث Dally Pentreath، قد توفيت في السادس والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1777 في سان بول بالقرب من بنزانس Pensance في سن الثانية بعد المائة. ولكنه قد أمكن للباحثين في قلب القرن التاسع عشر أن يتلقفوا من أفواه الفلاحين بقايا أدعية وشتائم وأطرافا من جمل بالكرنوالية، وفي سنة 1875 كان يوجد من بين الشيوخ من يستطيع أن يعد حتى العشرين بالكرنوالية1.
وهنا نتساءل عما يقصد بموت لغة من اللغات وإلى أي درجة يسمح لنا بتحديده.
ذابت البولايية في الألمانية، كما ذابت الكرنوالية في الإنجليزية وفي عهدنا الحاضر تذوب البريتانية شيئا فشيئا في الفرنسية. وقد بقيت في إنجليزية كرنوول آثار كثيرة من لغة الإقليم القديمة، وذلك بغض النظر عن الكلمات الكرنوالية القديمة ومجاميع الكلمات التي أبقت عليها التقاليد.
كذلك نجد أثر البريتانية في الفرنسية المتكلمة في بريتانيا وأثر الإرلندية في الإنجليزية المتكلمة في إيرلندة2، ففضلا عن كون المفردات مشربة بكلمات وتراكيب مأخوذة من اللغة المحلية. نجد هذه اللغة تفعل فعلها في النظام الصوتي بل في بعض تفاصيل النظام الصرفي أيضا، كترتيب الكلمات واستعمال حروف الجر مثلا. وهكذا نرى النبر في كثير من الأحيان يوضع في الفرنسية المستعملة في المدن البريتانية على الطريقة البريتانية ويحتفظ بالشدة التي يتميز بها في البريتانية. فعندما يتكلم الفرنسية أهل كمبير Qumper ينبرون المقطع السابق للأخير نبرا قويا، ويقلبون الحروف المجهورة في آخر الكلمة ولا سيما الرخوة منها إلى مهموسة
1 رقم 8، مجلد 3، ص289.
2 Joyce: الإنجليزية كما نتكلمها في إيرلندة. لندن، الطبعة الثانية "1910".
فيقال: "une chemisse، neuf un fromache""حيث قلبت الزاي والفاء والـ ج إلى س، وف، وش على التوالي"؛ ويستعملون الفعل faire "يعمل" فعلا مساعدا حقيقيا على نحو ما يستعمل ober في البريتانية فيقال: pour que le diable s'irrite بدلا من faire le diable s'irriter، ويدخلون على معمول الفعل المبني للمجهول الحرف Avec "بالبريتانية gant" فيقال tue avec son voisin "بدلا من: par"، إلخ. كذلك يقال في إنجليزية إيرلندة اتباعا للاستعمال الإرلندي "I will take it of you" بدلا من "from you" أو "he went against his father" بمعنى "to meet his father" أو "what way are you?" بمعنى "كيف حالك؟ " أو "on the head of it" "بمناسبة ذلك"، وهما ترجمة للعبارتين الإرلنديتين ann a cheaun و cad chaoi bh-fialu tu? وهكذا نرى البريتانية والإرلندية مع تشربهما للعناصر الفرنسية والإنجليزية، تؤثر كل منهما في اللغة التي تغير عليها.
هل يأتي يوم تتوغل فيه الفرنسية في البريتانية حتى تصير الأخيرة كأنها لهجة متأخرة لا تكاد تبدو أكثر تخصصا من غيرها وإن احتفظت بخصائص مختلفة؟ لو صح هذا لكان من المستحيل تحديد تاريخ لموت لغة؛ لأن في هذه الحال يبقى دائما من اللغة المندثرة أشياء من النطق وتراكيب نحوية، وعلى الأخص تبقى كلمات منعزلة تبدو كأنها استعارات أخذتها الفرنسية من البريتانية، وهي في الحقيقة بقايا من اللغة البريتانية تحيط بها عناصر فرنسية مستعارة، حتى يأتي حين لا يعرف المتكلم ما إذا كان يتكلم البريتانية وقد أشبعت بالفرنسية أو الفرنسية وقد بقيت فيها آثار من البريتانية. ولو أن البريتانية قد ذابت في الفرنسية كما تذوب قطعة السكر في مقدار من الماء، لربما جاز لنا أن نقول إن البريتانية لم تعد توجد. ولكن ألا يكون ذلك حكما على ظاهر الحال فحسب؟ إذ الواقع أن البريتانية قد تعتبر موجودة ما دامت بعض العناصر المستعارة منها باقية في الاستعمال ولكن لا يصح في هذا الحال أن تعتبر اللغة الجولية لغة ميتة لأن الفرنسية فيها قليل من
الكلمات الآتية منها، ويجب أن نقول إننا نتكلم إلى جانب اللاتينية عددا من اللغات الأخرى، معروفة أو غير معروفة، وهي اللغات التي اختلطت باللاتينية أو الفرنسية.
تفسير الوقائع على هذا النحو يتفق مع النظرية القائلة إن كل اللغات تعتبر لغات مختلطة ولو إلى حد ما ولكن هناك نظرية أخرى1 تذهب إلى أن الإنسان لا يتكلم مطلقا في الوقت الواحد إلا لغة واحدة، وأن وحدة اللغة المتكلمة تستقر بكل بساطة في شعور المتكلم، ولا عبرة بعد ذلك لما يكتشفه التحليل في هذه اللغة من عناصر أجنبية، نعم، من الممكن أن تذوب لغة في أخرى، ولكن هذا لا يمنع من أن المتكلم إذا أراد الانتقال من هذه إلى تلك وجد أمامه خطوة يجب عليه أن يخطوها، ولا بد من أن تقابله لحظة يشعر فيها بأنه يترك اللغة الأولى ليتخذ الثانية. فالفرنسية لغة لاتينية والإنجليزية لغة جرمانية، مهما كانت التأثيرات الخارجية التي أثرت عليهما، لأننا نشعر بأننا نتكلم لغة أسلافنا، ولأننا إذا رجعنا بالتاريخ إلى الوراء حتى نصل إلى اللاتينية المشتركة أو الجرمانية المشتركة، وجدنا سلسلة متصلة الحلقات من الناس كان في عزمهم وشعورهم أنهم يتوارثون لغة واحدة بعينها.
هاتان نظريتان متعارضتان. فإذا أردنا أن نوفق بينهما، وجب علينا أن نبحث إلى أي حد تستطيع العناصر الأجنبية أن تفسد وحدة اللغة التي تضاف إليها.
لندع جانبا استعارة المفردات التي تتبادلها اللغات فيما بينها، فمن خصائص هذه المستعارات أنها لا تحتم كون المتكلم يتكلم اللغة التي استعيرت منها أو حتى معرفته بها، وشباننا الرياضيون الذين تمتلئ لغتهم بالكلمات الإنجليزية نطقا صحيحا. فاستعارة المفردات، مهما اشتد أمرها، يمكن إذن أن تظل مسألة خارجة عن اللغة.
1 انظر مييه: رقم 42، مجلد 15، ص403.
ولكن هناك أنواع من الاستعارة تستلزم وجود توغل داخلي بين النظامين اللغويين وهي حالات النسخ التي قدمنا لها بعض الأمثلة "انظر ص263". ينتج النسخ عادة من اختلاط صورتين كلاميتين تنتمي كل واحدة منهما إلى لغة مختلفة، وقد اختلطتا على المتكلم. وقد يقع هذا الاختلاط في كلمات أو في تراكيب، ولكن السبب فيها جميعا واحد. فالتلميذ الصغير الذي يخطئ فيترجم donne-moi ma vache "أعطني بقرتي" بقوله da mihi mia vacca "وذلك برفع بقرة" أو PEIRRE EST LE ROI "بيير هو الملك" PETRUS EST REGEM، فإنه يكون متأثرا بكون كلمة MA VACHE "بقرتي" أو LE ROI "الملك" يستعملان في الفرنسية بصورة واحدة في حالتي المسند إليه والمسند أيا كان. وهذا عين ما يحدث عندما يترجم السلوفاني الجملة الإيطالية dammi la mia vacca بقوله: dajmi moja krava "باستعمال الرفع بدلا من النصب". وليس هذا ما يصح أي نسميه بالخلط بين الحالات، ذلك الخلط الذي تبقى فيه حالة الفاعل وحالة المفعول متميزتين مهما كان تركيب الجملة، بل هو خلط الصور الكلامية حيث نرى المتكلم يتكلم الإيطالية بالسلوفانية1. وهذا ما حصل، مع اختلاف طفيف، للكاتب السويسرى ك. ف. مير K. F. Meyer حين كتب Er ist kranker als du nicht denkst "حرفيا: "إنه أكثر مرضا مما لا تتصور"". فهذه الغلطة ترجع إلى أن الكاتب يتصور التفضيل في صورة سلبية على نحو ما يفعل الفرنسيون والإيطاليون عادة، فهو قد جمع بين تفكير روماني وتعبير جرماني.
هذا النوع من الخطأ واسع الانتشار. فقد ينسخ نظام الجمل، وبذلك ينتقل ترتيب الكلمات أحيانا من بعض اللغات إلى لغات مجاورة لها. فالألمانية النمساوية مثلا تسير على حرية كبيرة في ترتيب الكلمات، وذلك تحت تأثير اللغات السلافية إذ نراها لا تحجم عن وضع المسند أو المفعول في رأس الجملة فتقول Guten Morgen wusch'ich Ihnen "نهارا سعيدا أتمنى لك" أو Recht hat Er "حق عنده" و Gut ist's gegangen "بخير لقد مر ذلك"، إلخ، وذلك وفقا لما يقال في
1 نقلنا هذا المثال والأمثلة التالية عن شوخارت رقم: 203، ص90.
السلافية. وقد نسمع في بوهيميا من يقول: Schwester haben wir ganz kleine "أخوات لنا صغيرات جدا" وذلك على حد قول التشيكية sestru mama malickou. وفي جنوب النمسا يتجلى تأثير السلافية في موضع النفي بوجه خاص مثل: nicht scheut er sich ihn zu verleumden "لا يستحي من أن يغتابه"، وهذه ترجمة عن السلوفانية ne se sramuje gabroekovati.
إذا تعود إنسان على الكلام بلغتين مختلفتين تعرض عن غير شعور منه لاستعمال طرق التعبير الخاصة بإحداهما عند الكلام بالأخرى. ففي الغالية يعبر عن التفضيل المطلق في الصفات باستعمال iawn "حقيقي" التي تقابل الكلمة الإنجليزية very؛ ومن ثم كانت عبارة da iawn "حسن جدا" صورة من العبارة الإنجليزية very good واستعمال الظروف التي تضاف للفعل لتعديل معناه تعد صفة تتميز بها اللغات الجرمانية. ولكنها نجدها في الأقاليم المجاورة للإنجليزية والألمانية حيث ترجع إلى تأثير هاتين اللغتين. ففي الغالية نجد عبارة cael allan صورة من to find out وعبارة dy fodi fyny صورة من to come up، وعبارة torri i lawr صورة من to break down وعبارة rhoddi i fyny صورة من to give up. وفي جائيلية أسكتلندة cuir as ترجمة حرفية لعبارة to put out وعبارة cuir air ترجمة للتركيب "to put on"، إلخ. واللادينية Ladin وهي لهجة رومانية تتكلم في إقليم الجريزون بسويسرا، تقول متأثرة بالألمانية drizzer our "ينفذ" "من الألمانية: aus-richten" أو gnir avaunt "ينتج" "من الألمانية vor-kommen" أو vain aint "يختبر" "من الألمانية ein-sehen" وهنا نجد أنفسنا قد وصلنا إلى الحدود بين المفردات والنظام الصرفي.
تبدو بعض حالات من النسخ أقرب إلى النظام الصرفي من تلك الحالات المتقدمة، بل منها ما يؤثر في هذا النظام. فقد نشأ في بعض اللهجات المحلية البولونية المعرضة للاحتكاك بالألمانية، نوع من الماضي غير المحدد يصاغ بمساعدة فعل الملك
حيث يقال: ja to mom sprezedane "بالفرنسية j'ai vendu "بعت"" من الألمانية: ICH HABE VERKAUFT وذلك بدلا من الصيغة البولونية الصحيحة SPRZEDATEM1.
يوجد في إقليم كمبوبسو CAMPOBASSO مستعمرة صربية كرواتية أقبلت من إليريا حوالي القرن الخامس عشر، ولا تزال حتى اليوم تتكلم لهجة من نوع الاستكافيه stokavien، وقد لوحظ عليهم استعمال الأداة الإيطالية في جملة سلافية كلها: da mi kaze le pute "كي يريني الطرق".
والسلوفانية لم تستعر من الألمانية أفعالا وظروفا وأدوات وأسماء أعلام فحسب. بل لقد خلقت لها أداة تعريف، وكثيرا ما تستعمل المبني للمجهول على مثال الألمانية2.
ويبدو في برتغالية مينجالور Mangalore في الهند ميل إلى الدلالة على الملكية باستعمال S متأثرة في هذا باللغة الإنجليزية. حيث بدءوا بقولهم governor's casa على مثال governor's house ثم قالوا governador's casa، وهكذا أصبح في حوزة البرتغالية دالة نسبة إنجليزية.
ونحن نعرف أنه كثيرا ما لوحظ في لغات مختلفة أصلا ومتجاورة جغرافيا، وجود خصائص صوتية مشتركة "انظر ص81، 82". وكذلك الحال بالنسبة للنظام الصرفي. فاستعمال مفعول الآلة استعمال المسند الذي يوجد في الفنلندية، قد انتشر في اللغات الهندية الأوربية "السلافية والبلطية" التي احتكت باللغات الفنلندية3. وهذا لا يمنع من اختلاف اللغات السلافية عن اللغات الفنلندية من جهة النظام الصرفي. ومع ذلك فمثل هذا النوع من الاستعارة يمس سلامة هذا النظام وما دامت الاستعارة مقصورة على عدد قليل من التراكيب أمكن اعتبارها من استعارة المفردات، أما إذا صار التركيب المستعار مثالا يحتذى وفرض على
1 كازمير نيتش casmir nitsch؛ Mova ludu polskiego كراكوفيا "1911" ص136.
2 فيست Feist: رقم 26، مجلد 36، ص323.
3 مييه: رقم 4، مجلد 12، ص76.
العقل صورة كلامية معينة، كانت اللغة في هذه الحال قد أدخلت في نظامها وسيلة صرفية جديدة.
وقد يصل الأمر باللغة إلى إقصاء وسيلة سابقة إقصاء تاما. لنفرض مثلا أن البرتغالية اتخذت التركيب homem's casa على طول الخط بدلا من a casa do homem فلن يغير هذا بطبيعة الحال من النظام الصرفي العام للغة، لأنه لم يتغير فيه إلا عجلة واحدة، إلا قطعة واحدة دخلت عرضا في آليته. ولكن إذا أصيب النظام الصرفي البرتغالي بعدد من هذه التغيرات، أفلا يمكن أن يأتي وقت لا يستطيع فيه المتكلم أن يحس تماما ما إذا كان يتكلم الإنجليزية أم البرتغالية، ولا يستطيع العالم اللغوي في هذه الحالة أن يحكم بهذا أو بذلك؟
كان يمكننا أن نستمد من دراسة بعض اللغات المختلطة معلومة قيمة تساعدنا في الإجابة عن هذا السؤال. ومثل هذه اللغات موجودة بالفعل، ولكنها بكل أسف توجد في ظروف تقلل من قيمة الاستشهاد بها. فقد ذكرنا مثل اللغة الغجرية الأرمينية التي اتخذت نظام الأرمينية الصرفي بأكمله مع استبقائها لمفرداتها، أي أنها الأن ليست إلا الأرمينية بمفردات غجرية. وهذا المثل يجد له ما يعضده في غجرية إنجلترا. ففي التاريخ القديم كان الغجر في إنجلترا يتكلمون لغة غجرية محضة، وبعد ذلك احتفظوا بمفرداتهم الغجرية وأخذوا يركبونها في الجمل مستعملين دوال النسبة الإنجليزية. فمثل هذه الجملة kowova te jal adre mi Duvelesko keri kana merova "أتمنى أن أذهب إلى بيت الله عندما أموت". صارت في الغجرية الحديثة1 l'dkom to jal adre mi Duvel's ker when manbi mer's هاتان الحالتان تتطابقان ويجب أن يفسر بطريقة واحدة. ولكن غرابتهما تجعل الناظر يرتاب في كونهما اصطناعيتين ولو جزئيا على الأقل. وقد تظننا أمام تعمية يراد بها جعل الإنجليزية والأرمينية بكلمات غير مفهومتين وذلك بالاستعاضة عن الكلمات الإنجليزية والأرمينية بكلمات غجرية وإذا صح ذلك لم يجز لنا أن نقول: إن الغجر قد اتخذوا النظام الصرفي للغة
1 بيشل Pischel وينقله عنه شوخارت: رقم 203، ص8-9.
غير لغتهم، بل إنهم شوهوا الإنجليزية أو الأرمينية. وعندئذ يكون من المجازفة أن تخرج من هذه الحالة بنتيجة نهائية.
ولكن من خصائص اللغات المختلطة أن تكون أيضا لغات بالية على وجه العموم وهذه الحقيقة تساعدنا على أن نفهم تكوينها فهما دقيقا.
تبادل التأثير الذي تخضع له اللغات المحتكة بعضها ببعض ينشأ عنه تبادل البلى. لأن حاجة الأفراد إلى إيجاد وسيلة عاجلة للتفاهم تدفعهم إلى القيام بتضحية مشتركة، وذلك بأن يبعد كل فريق من لغته ما هو خاص بها وحدها وألا يبقي إلا السمات العامة التي تشاركها فيها اللغات المجاورة.
بلاد القوقاز في وقتنا الحاضر كجزيرة البلقان ميدان لاختلاط اللغات فالتترية والأرمينية والجرجية والشركسية تغمرها باللهجات المتنوعة، تلك اللهجات التي يختلف بعضها عن بعض إلى حد يعجز اللغويين أحيانا عن تحديد ما بينها من قرابة. والسبب الأساسي في التغير السريع الذي يطرأ على هذه اللغات يقوم على تأثير اللغات المجاورة فيها. وهذه الحال تقدم لنا خير المثل على البلى الذي يحدثه الاحتكاك فنقابل في الجزء الجنوبي الشرقي من الداغستاني، على ضفتي نهر السامور، سلسلة من اللهجات التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الكورينية. وتعمر هذه اللهجات اللغتان الأرمينية والتترية شيئا فشيئا، فتضيفان من مجالها تدريجيا، وحتى في داخل الدائرة الضيقة التي تتكلم فيها هذه اللهجات، نرى هاتين اللغتين المتجاورتين قد نالتا من سلامتها، وليس البلى على درجة واحدة في كل مكان ولكنه محسوس على كل حال، ويذكر أ. در A. Dirr -وهو خير من درس هذه المسألة1- أن تبسيط النظام الصرفي أظهر نتائج هذا العمل.
أكد جريم Grimm منذ 1819 أن فقدان النحو2 نتيجة حتمية لصراع اللغات. والواقع أن هذه النتيجة ليست حتمية. ولكنا نشاهد وقوعها في كثير
1 Mitteilungen der anthropol. Gesellschaft in wien، ص301، ومجلد 40، ص22.
2 Deutsche Grammatik ص32 من المقدمة، ص177.
من الأحيان. فاللغات التي تنتقل تفقد على وجه العموم خصائصها الفردية بأسرع من غيرها وذلك لأنها معرضة لتأثيرات متعددة ومتنوعة تقع عليها من لغات تختلف عنها كثيرا في غالب الأحيان. والانتقال في غالب أمره سبب في التحلل اللغوي. وهذا يفسر لنا الاختلاف المشاهد بين اللهجات الإغريقية في المستعمرات واللهجات الإغريقية في بلاد الإغريق نفسها. إذ يجب أن نضيف إلى الأسباب الوجيهة حقا التي ذكرت لتفسير هذا الاختلاف "انظر الصفحات الأخيرة من الخاتمة" تأثير اللغات غير الإغريقية التي كانت مستعملة في الأقطار التي مد الإغريق إليها نشاطهم. فيمكننا أن نسلم بأن تبسيط النظام الصرفي نسبيا وتحطيم بعض السمات الصوتية في لهجات هذه المستعمرات يرجعان إلى مجاورة تلك اللهجات للغات مختلفة، حتى ولو لم نسلم بأن تلك اللغات قد أثرت في بنية اللهجات نفسها. ذلك أن الناس الذين كانوا يتكلمون هذه اللغات قد أخذوا يتكلمون الإغريقية، ففرضوا على الإغريق عادات جديدة اطمأن إليها الإغريق أنفسهم بمضي الزمن، ولا سيما وقد كانوا قليلي العدد.
1 ا. فنديش E. WINDISCH المرجع السالف الذكر، ص104 وص113.
اللغة المسماة PIDGIN-ENGLISH التي تعد لغة مشتركة في مواني الشرق الأقصى واللهجة التي يطلق عليها BROKEN-ENGLISH "الإنجليزية المكسرة" التي يتكلمها سكان سيراليون الأصليون، تعد كل منهما أيضا لغة مختلطة كالسبيرية1. وأساس البدجن إنجلش، اللغة الصينية التي تتميز بضآلة نحوها. وما هي في حقيقة أمرها إلا اللغة الصينية بمفردات إنجليزية. فقد تمكن القائمون بهذا الأمر أن يكونوا من المفردات الإنجليزية -وهي خير ما يصلح لهذا الغرض- جملا تسير في ترتيب الكلمات على مثال الجمل الصينية. وينتج من ذلك في غالب الأمر مركب عجيب يبرهن على وجود تشابه محسوس بين اللغتين. فعندنا في هذه الحالة لغة تقوم على أساس المزج، ولكن خلو هذه اللغة من النحو خلوا يكاد يكون تاما قد رشحها بصورة عجيبة للقيام بالدور الذي ألقي على عاتقها.
ولغات المولدين أيضا يمكن أن تعد أمثلة للغات المختلطة. وهي تستند على لغة أوربية إما الفرنسية أو الأسبانية أو الإنجليزية، ولكن هذه اللغات قد تجردت من خصائصها الصرفية فأصبحت في حالة تشبه حالة الغبار فهي رمال ذهبت عنها المادة الجيرية، وأحجار لا ملاط بينها، ومادة متحللة لا قوام لها. ذلك لأن حاجة السكان الأصليين في معاملتهم التجارية إلى التكلم مع التجار الأجانب قد دفعتهم إلى تعلم اللغة الأجنبية التي حلت بمضي الزمن محل لغتهم الأصلية. ولكن هذا التعلم لم يكن كاملا على الإطلاق؛ بل كان يقتصر على السمات السطحية للغة، وعلى العبارات التي تدل على الأشياء الشائعة الاستعمال والأفعال الضرورية للحياة. أما عنصر اللغة الداخلي بما فيه من تعقيدات دقيقة، فلم يهضمه إطلاقا المواطن الأصلي.
يمكننا أن نقول إن لهذه الظاهرة عللا اجتماعية. فكلام المولدين كلام قوم منحطين ومرءوسين، لم يعمل رؤساؤهم يوما على جعلهم يتكلمون لغة صحيحة ولم يريدوا
1 هناك مثل من لهجة أل. pidgin-eng في "C. G.":Leland Pidgin-english، singsong in the China-english dialect. الطبعة الخامسة "1900". وعن "الإنجليزية المكسرة" انظر: F. w. H. Higeod: رقم 136، وعن عربية مدغشقر انظر G. Ferrand رقم 6، مجلد 13، ص413.
أن يعملوا ذلك إطلاقا. فتعتبر لغاتهم من اللغات الخاصة إلى حد ما، على النحو الذي كانت عليه اللغات الغجرية الآنفة الذكر، ولكن مع اختلاف الأسباب، ولكن يبقى أن لغات المولدين تعتبر لغات مختلطة كالسبيرية والبدجن إنجلش والإنجليزية "المكسرة"، وقد نتجت من اختلاط لغتين أو أكثر، ولما كانت خالية من نظام صرفي مميز لها، لم يكن في وسع واحدة من اللغات الداخلة في تكوينها أن تدعيها لنفسها. فهذا مثل حقيقي من الخلاسية اللغوية. وسنرى النتائج التي تنجم عنها في الفصل التالي.