المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول: أصل الكتابة وتطورها - اللغة

[جوزيف فندريس]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌المقدمات:

- ‌تصدير: اللغة وأداة التفكير

- ‌مقدمة:

- ‌الجزء الأول: الأصوات

- ‌الفصل الأول: المادة الصوتية

- ‌الفصل الثاني: النظام الصوتي وتغييراته

- ‌الفصل الثالث: الكلمة الصوتية والصورة اللفظية

- ‌الجزء الثاني: النحو

- ‌الفصل الأول: الكلمات والأصوات

- ‌الفصل الثاني: الفصائل النحوية

- ‌الفصل الرابع: اللغة الانفعالية

- ‌الجزء الثالث: المفردات

- ‌الفصل الثاني: كيف تغير الكلمات معانيها

- ‌الفصل الثالث: كيف تغير الأفكار أسماءها

- ‌الجزء الرابع: تكون اللغات

- ‌الفصل الأول: اللغة والغات

- ‌الفصل الثاني: اللهجات واللغات الخاصة

- ‌الفصل الثالث: اللغات المشتركة

- ‌الفصل الرابع: احتكاك اللغات واختلاطها

- ‌الفصل الخامس: القرابة اللغوية، والمنهج المقارن

- ‌الجزء الخامس: الكتابة

- ‌الفصل الأول: أصل الكتابة وتطورها

- ‌الفصل الثاني: اللغة المكتوبة والرسم

- ‌خاتمة: تقدم اللغة

- ‌المراجع

- ‌أولا: المجلات

- ‌ثانيا: الكتب

- ‌الملاحق:

- ‌الملحق الأول:

- ‌الملحق الثاني:

- ‌الملحق الثالث:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌الفصل الأول: أصل الكتابة وتطورها

اللغة وسيلة للعمل كانت لها غاية عملية، فيجب إذن أن ندرس الروابط التي تصلها بمجموع النشاط الإنساني، بالحياة نفسها لندركها تمام الإدراك.

أشرنا فيما سبق إلى "حياة اللغة"، وأبنا ما تحتمل هذه الاستعارة من بعد عن الصواب ومن إيقاع في اللبس، ولكن برغم ذلك يمكننا استعمالها على أنها فرض يوجه البحث ويجعل العرض التعليمي سائغا. ولكن المسائل التي جعلناها موضوع بحثنا حتى الآن ليست إلا تجريدات خلقها عقول علماء اللغة، وإنه لمن سوء التعبير، أو يكاد، أن نعبر بحياة اللغة عما هو خال من الحياة، عن الأصوات والأشكال النحوية والكلمات. فالحياة التي نحن بصددها الآن إن هي إلا مجموعة الظروف التي بين حدودها تموج الإنسانية، ما هي إلا الحقيقة الواقعية في تطوراتها التي لا تنتهي. واشترك اللغة في الحياة بهذا المعنى أمر بين، بل أكثر من البين. ولكن ليس أمامنا في هذه الحال نظام نظري يتكون من مبادئ تجريدية. بل نرانا أمام لغات تتكلم على سطح البسيطة بصور متنوعة.

الفرق بين اللغة LANGAGE واللغات، أن اللغة هي مجموعة الإجراءات الفسيولوجية والسيكولوجية التي في حوزة الإنسان لتمكنه من الكلام. أما اللغات "الألسن" LANGUES فهي استعمال هذه الإجراءات بصورة عملية. فيجب إذن، للوصول إلى تعريف كلمة لغة "بمعنى اللسان LANGUE" أن نخرج من محيط الفصول السابقة وأن ندرس الدور الذي تقوم به اللغة بمعنى LANGAGE في المجتمعات الإنسانية المنظمة.

أول فكرة تتبادر إلى الذهن هي فكرة الربط بين اللغة والجنس. بل إن المتن الكبير الوحيد الذي ألف في علم اللغة العام. ونعني كتاب فريدرش ملر Friedrich Muller1 ينبني على هذه الفكرة. ففيه تستعرض لغات الشعوب المجعدة الشعر واحدة فواحدة ثم لغات الشعوب الملساء الشعر، فهو يصنف اللغات وفقا للمميزات الإتنولوجية. ولا شيء أشد غرابة على القارئ من هذا الترتيب، ولكن المبدأ الذي يقوم عليه، وهو أمر أكثر خطورة، لا يثبت طويلا أمام

1 رقم 185، وانظر أيضا بيرن Byrne: رقم 131، مجلد 1، ص45.

ص: 297

البحث إذ أن الأحكام التي تطلق على الأجناس يجب أن تؤخذ دائما بكثير من التحفظ1 فمهما قيل في الدور الذي تلعبه التغيرات التي تصيب الجنس في تلك التي تصيب اللغة، فلا نستطيع أن نقول بوجود روابط ضرورية بين هاتين الفكرتين إذ لا ينبغي الخلط بين المميزات الجنسية المختلفة التي لا يمكن تحصيلها إلا بالدم وبين النظم من لغة ودين وثقافة التي تعد أعيانا قابلة للنقل، تعار وتتبادل2. ونحن نرى بمجرد إلقاء نظرة على خريطة لأوربا اللغوية في العصر الحاضر أن وحدة اللغة تظل تحتها أخلاطا من الأجناس. فالزنجي أو الياباني الذي يربى في فرنسا في ظروف واحدة مع الأطفال الفرنسيين يتكلم الفرنسية كأنه أحد أبنائها. وهذه الحقيقة تكفي لجعل كل محاولة تعمل للتوحيد بين اللغة والجنس عبثا لا طائل وراءه.

أفنذهب على الأقل إلى القول بأن كل لغة تقابلها عقلية معينة؟ الواقع أن علم النفس يتكلم عن عقلية فرنسية وعقلية ألمانية، فلا بد أن تعبر اللغة عن الفرق الذي يفصل بينهما، إذا صح أن اللغة ليست في الواقع إلا التعبير عن العقلية. هذا المنطق الذي لا غبار عليه من حيث المبدأ عسير التحقيق لأنه يصطدم باعتراضات عديدة.

أول ما يجب تجنبه الحكم باختلاف العقلية باختلاف الدماغ. لأننا إن فعلنا ذلك أقحمنا من جديد فكرة الجنس في مسألة سيكلوجية. فحتى في حالة المقارنة بين الزنجي والأبيض لا نجد أي دليل على أن لون البشرة أو شكل الشفتين يقابله دماغ خاص ينتج تفكيرا مختلفا عن تفكيرنا.

هذا المنطق، على أية حالة، لا يمكن تطبيقه على أفراد كلهم من الجنس الأبيض ليست بينهم اختلافات جنسية أساسية وإننا نعرف أن لون العينين أو البشرة أو شكل الجمجمة كلها لا تقدم لنا مقياسا يصلح للتمييز بين الألماني والفرنسي من الوجهة الجنسية نفسها. فمن باب أولى من الوجهة اللغوية. ومع ذلك فليس من شك في أن كلا من الشعبين له عقلية خاصة، وأذواق وعادات وأمزجة وطنية، ولكن

1 ا. رينان رقم 111.

2 هويتني WHITNEY رقم 129، ص231.

ص: 298

هذه الأمزجة الوطنية ومثلها اللغات عليها طابع النتائج لا طابع الأسباب. كذلك من التحكم أن تعتبر اللغة وليدة العقلية أو العقلية وليدة اللغة؛ لأن كلتيهما وليدة الظروف ونتائج الثقافة والمدنية.

لم نرد بالوصول إلى تلك النتيجة أن تثبط من هم أولئك الذين يحاولون ربط الفكرتين معا. إذ من الجائز أن تكون اللغة والعقلية نتاجا لأسباب واحدة وأن تكون المميزات التي تميزها واحدة دون أن يترتب على ذلك صدور إحداهما عن الأخرى. فإذا كانت اللغة علامة مميزة لصورة من صور التفكير. كان من الممكن أن نصل بتحليل مقارن للغات إلى سيكولوجية للأجناس. وهذه كانت فكرة هردر HERDER في مؤلفه عن أصل اللغة، وفكرة غليوم فون همبولت WILHELM VON HUMBOLT وشتينتال STEINTAL أيضا. وفي أيامنا هذه عاد العالم اللغوي الألماني ف. ن. فنك1 F. N. FINCK إلى فكرة هردر محاولا تكميلها وفي رأيه أنه لا يجب علينا أن ننظر إلى اللغات إلا بوصفها آثارا معبرة عن عقل الشعوب. وأن اللغات ليست إلا تصويرات، لا تقدم أمام عين العالم السيكولوجي أية حقيقة واقعية ملموسة. وأن من الخداع لأنفسنا أن ندرسها على أنها حقائق واقعة فيجب أن تطبق عليها طريقة ذاتية محضة بألا نبدأ من اللغة التي ليست إلا نتيجة، بل من العقل الذي يخلق اللغة. هذه الطريقة خير الطرق لدراسة بعض نتاج النشاط النفساني PSYCHIQUE كالمعتقدات الشعبية. وهي نفس الطريقة المتبعة في دراسة الخوف أو الحلم أو الإيمان فها نحن أولاء بهذا الرأي قد ابتعدنا عن علم اللغة.

ويمكننا أن نجيب فنك بأن اللغة حقيقة واقعة مهما كانت الحال2. فاللغة بصوتياتها وبكيانها الصرفي لها وجود خاص مستقل عن استعدادات المتكلم النفسية واللغة تفرض بنفسها عليه في صورة نظام قد أعد من قبل، في صورة آلة وضعت في يده. وهو يستخدمها لغايات شتى، فيستعملها في حاجات سوقية أو يستخرج منها آثارا تدل على الحدق وتدعو إلى الإعجاب. ولكنها في كل الحالات آلة

1 رقم 155.

2 نفسه رقم 2 مجلد 1، ص664.

ص: 299

واحدة بعينها، ومهمة العالم اللغوي هي بالضبط أن يدرس ما في هذه الآلة من جوهري ومن دائم. ومن ثم كانت الطريقة الموضوعية التي يحاربها فنك صالحة للتطبيق في علم اللغة تمام الصلاحية، واللغة في وسعها أن تدرس مستقلة عن العقلية.

فضلا عن ذلك فليس من المؤكد أن الأسباب التي تؤثر على اللغة تحدث في العقلية آثارا مماثلة. فالأجزاء الجوهرية الدائمة في اللغة تتحول وفقا لقواعد ليس للعقلية فيها أي نصيب. وهذا بالذات هو ما أدى إلى الافتراض بأن للغة حياة مستقلة عن كل حياة نفسية أو فسيولوجية أو اجتماعية. والواقع أن الفروق التي نلاحظها في فترة ما من التاريخ بين لغتي شعبين، حتى ولو كانتا من أصل واحد، يمكن تفسيرها بظواهر لغوية خاصة بتطور كل واحدة من اللغتين، وبالتالي لا تسمح لنا بحال أن نصدر حكما ما على عقلية الشعبين.

هذه الملاحظة تنطبق على أوضح الصفات التي يمكن أن تميز بين لغتين فترتيب الكلمات في الجملة مثلا عملية لها دلالاتها الفائقة، لأن جذوره، على ما يظهر، ناشبة في أبعد أعماق الشعور اللغوي، إذ إنه هو الأصل في تحضير الصورة الكلامية. ومع ذلك فنحن على تمام المعرفة من أن بنية الجملة في الألمانية أو الإرلندية أو الأرمينية الحديثة ناتجة من تطورات صرفية خاصة بهذه اللغات "انظر ص190" وكلما أوغل المؤرخ في الرجوع إلى الماضي، اكتشف في بنية التنظيمات الشديدة الاختلاف أثر قوانين داخلية يفسرها تطور كل لغة من هذه اللغات.

كذلك دأب العلماء، وهم على حق، على مقابلة اللغات التي تمارس التركيب باللغات التي تلجأ إلى الاشتقاق، إلى مقابلة الإغريقية باللاتينية أو الألمانية بالفرنسية مثلا. فالذي يبدو لأول وهلة أن هذين النوعين يمثلان نوعين مختلفين من العقلية، إذ أن العقل في الحالة الأولى بعد أن يحلل التصور يعبر بالتفصيل عن العناصر التي تنتج من هذا التحليل، بينما لا تشير الحالة الأخرى إلا إلى مظهر واحد من مظاهر التصور تاركة للسامع البحث عن المظاهر الأخرى. ولكن الواقع أن هذين المسلكين ينتجان من عادات قد تطورت إن قليلا وإن كثيرا، هذا إلى أنهما لا يتنافيان بل يستعملان معا في كل لغة بدرجات مختلفة. إذ يكفي في إحدى

ص: 300

اللغات أن يتغلب نوع ما على غيره في فترة من الفترات، ليتضاعف استعماله بعد ذلك في العصور التالية. فهذا أثر مباشر لتنافس الطرق الصرفية، لا يتوقف بأية حال على اختلاف العقلية.

لأن العقلية في الحالتين واحدة، وإنما تختلف العبارة فقط. فكون إحدى اللغات تقول Liber petri "كتاب بطرس" والأخرى تقول: le livre de pierre "الكتاب "بتاع" بيير" لا يحتم أن يكون الشعبان اللذان يتكلمان هاتين اللغتين يختلفان في تصور علاقة الملكية، وإنما يختلفان فقط في التعبير عنها. ولهذا الاختلاف أسباب تاريخية. فنسعى إلى معرفة عقلية الشعب من خصائص لغته مشروع فاشل إذا راعينا وسائل البحث التي نملكها في حالاتنا الراهنة. بل إن المفردات نفسها لا تعكس العقلية إلا في صورة جزئية. فالفرنسية مثلا ليس فيها إلا كلمة واحدة louer "يؤجر" و"يستأجر" لترجمة الفعلين الألمانيين miethen "يستأجر" و vermiethen "يؤجر" ومعنى كل منهما على عكس معنى الآخر. وفي هذا ما فيه من لبس غير مستحب في اللغة الفرنسية، ولكن الألمانية بدورها لا تملك غير فعل واحد Lehnen للتعبير عن الفعلين الفرنسيين preter "يعبر" emprunter "يستعير" ونعرف لغات أخرى تعبر بكلمة واحدة عن "البيع" و"الشراء" معا1. فهل في ذلك ما يشير إلى الصورة التي تدرك عليها هذه الشعوب الإجارة والإعارة والبيع؟ كلا. فالمفردات في أية لغة لا تعرض مطلقا وجوه التفكير كاملة. بل يوجد دائما من الكلمات أقل مما يوجد من الأفكار، والاستعمال الجاري يكتفي دائما بالعبارات التقريبية، لأن لديه من الوسائل ما يجنبه الوقوع في اللبس. إذ إن السياق يوضح معنى كل كلمة، وإذا لم يكف السياق، لم تعدم اللغة أن تجد وسيلة لتجنب هذه النقص. فالفرنسية في الواقع لا تشكو غموضا في كلمة louer ولا الألمانية في

1 تقول الصينية مثلا mai و mai، ولا فرق بين هاتين الصيغتين إلا في التنغيم "جبلنتس Gabelentz؛ Chinische Grammatik؛ 1888، فقرة 230، أخذناه عن اقتباس لجسبرسن، رقم 134، ص84-85".

ص: 301

كلمة lehnen، كما لا تشكو البريتانية من كونها لا تملك إلا كلمة واحدة "glas" للتعبير عن "الأخضر والأزرق" وتستعمل نفس الكلمة لتقول:"السماء زرقاء" و"الفاصولية خضراء".

يبدو إذن أننا نخطئ حينما نرى في أي جزء من أجزاء اللغة صورة لعقلية بعينها. ولا يعني هذا أنه لا توجد أية رابطة بين العقلية واللغة، بل إن اللغة تستطيع في بعض الأحيان أن تعدل من العقلية وتنظمها. فعادة وضع الفعل في مكان بعينه دائما، يمكن أن تؤدي إلى صورة خاصة في التفكير وأن يكون لها أثر في طرق الاستدلال. والتفكير الفرنسي أو الألماني أو الإنجليزي خاضع للغة إلى حد ما. فإن اللغة إذا كانت مرنة خفيفة مقتصرة على الحد الأدنى من القواعد النحوية، سمحت للفكرة بالظهور في وضوح تام وأتاحت لها حرية الحركة. وعلى العكس من ذلك تختنق الفكرة من التضييق الذي يصيبها من لغة جامدة ثقيلة. ولكن عقلية المتكلمين تتصرف لتعتاد أي شكل من أشكال اللغة. لذلك كان من المحال تحديد اللغة بمزاج الأمة التي تتكلمها. فدراسة الدور الاجتماعي الذي تقوم به اللغة هي خير ما يعطينا فكرة عن ماهية اللغة.

أصبح تكرار القول بأن الإنسان كائن اجتماعي أمرا مبتذلا. لعل من أول السمات على الطبيعة الاجتماعية في الإنسان تلك الغريزة التي تدفع على الفور والأفراد المقيمين معا إلى جعل الخصائص التي تجمعهم مشاعة بينهم، ليتميزوا بها عن أولئك الذين لا توجد لديهم هذه الخصائص بنفس الدرجة.

هذه الغريزة في غاية القوة، نعثر عليها في كل الأقسام التي تنقسم إليها أية هيئة اجتماعية، وترجع في أصلها إلى حقيقة التجمع نفسه. فإذا التقى فرنسي وفارسي في جزيرة مهجورة نسي كل منهما الفروق التي تفصل بينهما وسعيا بطبعهما إلى الاتحاد، لأن المساواة في العزلة تنمي الزمالة بينهما. ولكن لو أن فارسيا جاء إلى فرنسا زائرا ووجد نفسه في مكان ككور لا رين COURT LA REINE، ورآه بعض الفرنسيين، لأوحت إليهم على الفور عاطفة الوطنية التي من شأنها أن تقوي وجود الجماعة بهذه الجملة المشهورة. كيف يمكن لإنسان أن يكون فارسيا؟ وإذا

ص: 302

قابل جندي منعزل من جنود الخيالة جنديا آخر من جنود المشاة تآخى الجنديان دون عناء، مع أننا نعرف أن المدن التي تضم ثكنات لكلا السلاحين كثيرا ما تكون ميدانا لمشاحنات ناجمة من هذا الاختلاط حتى تضطر السلطات أحيانا إلى التدخل لحفظ الأمن. بل لسنا في حاجة إلى التمثيل بسلاحين مختلفين قد يفترقان أحيانا في العمل وفي التقاليد وفي الاختيار. فكثيرا ما تشتد المنافسات في داخل فرقة واحدة بين كتيبة وكتيبة أو جماعة وجماعة أو غرفة وغرفة، لا لشيء إلا لاختلافهما في ساعات العمل أو القيادتين أو في رقم "العنبرين"، فأتفه الفروق تزكي نار المنافسة. فكأن الناس إذا ما تجمعوا بحثوا عن أتفه الأسباب التي تقدمها لهم الظروف لإثبات تجمعهم بمعارضة غيرهم.

في هذه الحالة لسنا في حاجة إلى الاحتجاج بوجود باعث من الزهو الذي يبعث عليه الشعور بوجود تفوق ما، وإن كانت روح الجماعة تصطحب غالبا برضاء داخلي. إذ إنها تنطوي على شعور بالعزة يدفعها إلى استثارة الآخرين وإذلالهم. ولكن هذه العواطف تنتج من روح الجماعة ولا تخلقها. والذي يقوي من روح الجماعة هو وجود التجمع، وهذا التجمع نفسه ليس فيه شيء شخصي ولا تدخل في حسابه قيمة الأشخاص منفردين. إذ يكفي لأي دخيل أن يحتل مكانا في الجماعة لتعترف له بالحقوق التي للآخرين، وكل ما تفعل به لدى دخوله أن تفرض عليه نوعا من البلاء التأديبي الذي لعله بقية باقية من الرياضة الصوفية القديمة. وأخيرا لا تقوم الجماعة التي من هذا القبيل على نظم شرعية. والرباط الذي يجمع بين أعضائها لا يرجع إلى اتفاق سابق ولا إلى إرادة مقصودة، وإنما ينحصر في الاتفاق في العمل والمصالح والحاجات، وتزداد قوة الجماعة إذا وجدت بحانبها جماعات أخرى تختلف عنها في الأعمال والمصالح والحاجات.

تلعب اللغة دورا ذا أهمية عظمى في الجماعة الاجتماعية مهما كانت ومهما كان مقدار امتدادها. فاللغة أوثق العرى التي تجمع بين أعضاء هذه الجماعة. وهي على الدوام رمز ما بينهم من تشارك وحارسه الأمين. وأية آلة أفعل من اللغة في توطيد وجود الجماعة؟ فاللغة بمرونتها وتنوع حياتها ولطف سريانها واختلاف

ص: 303

استعمالها وسيلة للاتفاق بين الجماعة وعلامة لأعضاء هذه الجماعة، بها يعرف بعضهم بعضا ويهرع بعضهم إلى بعض.

كل عضو في الجماعة يشعر بأنه يتكلم لغة معينة ليست لغة الجماعات المجاورة. فللغة إذن وجود مستقل في الشعور المشترك بين أولئك الذين يتكلمونها جميعا. وهذا التعريف، وهو ذاتي محض في مظهره، يستند إلى كون هذا الشعور بالاشتراك في اللغة يضاف إليه شعور آخر في وجدان المتكلمين بوجود مثل لغوي أعلى يسعى كل منهم من جهته إلى تحقيقه1.

فكأن هناك عقدا ضمنيا أقامته الطبيعة بين أفراد الجماعة الواحدة ليحافظوا على اللغة في الصورة التي توجبها القاعدة. وكثيرا ما ترجع هذه القاعدة إلى الاستعمال، وهذا لا يخلو من الصواب. ولكن الاستعمال غير التحكم، بل هو ضده على خط مستقيم لأن الاستعمال خاضع لمصلحة الجماعة، وهي هنا حاجتها إلى أن تكون مفهومة. فكل فرد يدأب بغريزته وعن غير شعور منه على الوقوف في سبيل ما هو تحكمي حتى لا يدخل في الاستعمال. وإذا وقعت مخالفة من جانب فرد منعزل، أصلحت على الفور، والسخرية اللاذعة كفيلة بإمساك الجاني عن التفكير في المعاودة. ولا يمكن أن تصير للمخالفة قوة القانون إلا إذا كان أعضاء الجماعة كلهم على استعداد لارتكابها، أي أن يشعروا بها على أنها قاعدة، وفي هذه الحالة لا تصبح مخالفة.

والصرامة التي بها تفرض القاعدة نفسها في غاية القوة، يستوي في ذلك كل الجماعات اللغوية وفي كل اللغات. قد نسمع في بعض الأحيان أشخاصا، وأشخاصا مثقفين، يظهرون دهشتهم من أن يكون للغة الفلاح قواعد ونحو. فهم يتخيلون أن القواعد لا توجد إلا في الكتب التي توزع على تلامذة المدارس، وهذا خطأ. لأن الكلام الريفي، أو اللهجات كما يسمونها، فيها قواعد أشد صرامة في غالب الأحيان مما في اللغات التي تتلقن من كتب النحو. وفي اللغات المكتوبة دون

1 انظر عن المثل الأعلى للسلامة اللغوية نورن Norren: رقم 23 مجلد 1 "1892"، وسيتالا setala: رقم 28، مجلد 4 "1924" ص2-79.

ص: 304

سواها يوجد التردد ونقاش العلماء، وكما يقول هوراس Horace؛ "Grammatici certant". ولكن الذين يتكلمون اللهجات لا يترددون. انظر إلى فلاح يتكلم عن لهجة القرية المجاورة، تجده يكتشف فيها فروقا لا يكاد يحسها الغريب عنها، وتسمعه يؤكد بخيلاء أنه هو وأهل قريته وحدهم هم الذين يتكلمون صحيحا، وأن الصحة تنعدم بمجرد أن تعبر إلى الشاطئ الآخر من النهر أو أن تنتقل إلى سفح الوادي الآخر.

فالطبقات الشعبية على العموم عندها عن لغتها فكرة محددة، ويحسون في إرهاف نادر المثال أقل مخالفة للقاعدة. وقد وجد مالرب Malherbe أدق حس لغوي عند طغام البور أو فوان port-au-foin، حتى كان يتخذهم أساتذة له1.

ونحن نعرف أخبار المغامرة التي وقعت في سوق أثينا ليتوفراست وكان من لسبوس. كان يسأل عن ثمن إحدى السلع، ففطنت امرأة من الشعب إلى أنه غريب على لغتها2. فالشعب هو الذي يجب أن يستشار عند التردد في حالة من حالات الاستعمال، والمجامع اللغوية هي التي تستطيع أن تناقش وأن تقرع الحجة بالحجة لتعرف ما إذا كانت كلمة "أوتومبيل" automobile مذكرة أم مؤنثة، وكل ذلك من الأمور النظرية. أما من الناحية العملية، فإن الشعب لم يتوان عن الحكم بتأنيث الكلمة. وإذا كانت قد مرت به فترة من التردد، فذلك لأن الجنس لا تبدو آثاره في كثير من الحالات "انظر ص131". ومعنى ذلك أن الكلمة لا جنس لها في بعض استعمالاتها، ولكن الشعب جدد جنسها في كل ما يحس فيها وجود الجنس مثل: une belle، une grande automobile

أو "سيارة جميلة، سيارة كبيرة" l'automobile est vetre ou grise

"السيارة خضراء أو رمادية".

فهذا التوخي للسلامة وتلك الثقة في تثبيت الاستعمال هما اللذان يقرران اللغة في مجموعة بعينها من البشر. ومع ذلك فلو بحثنا عن تحقيق كامل للغة لم نجده في

1 Memoires pour la vie de malherbe تأليف المركيز دي راكان Marquis de Racan: فقرة 47.

2 شيشرون: برونس، فصل 46، 172، كنتيليان quintilien؛ 8، 1.

ص: 305

أي مكان1. فكثير من الناس يتكلمون الفرنسية. ولكن لا يوجد شخص واحد يتكلم الفرنسية ويصلح أن يكون مثالا ومقياسا للآخرين، فما نسميه الفرنسية لا يوجد في لغة الكلام عند أي كائن إنساني. لذلك كان من اللغو أن نتساءل في أي مكان تتكلم الفرنسية في أسمى صورها. فالفرنسية الحسنى "فكرة" بالمعنى الذي يستعمل فيه لبرويير la Bruyere هذه الكلمة أي أنها خرافة، مثلها مثل حكيم الرواقيين الذي كان كاملا جميلا طيبا سليم العقل والجسم. إلا إذا انتابته نوبات البلغم. كذلك فرنسيتنا الحسنى نراها تحت رحمة زلة من زلات الذاكرة أو لحن أو خطأ. فهي مثل أعلى يبحث عنه ولا يمكن العثور عليه، إنها قوة فعالة لا يستطاع تحديدها إلا بالهدف الذي تتجه نحوه، هي حقيقة بالقوة لا تخرج إطلاقا إلى حيز الفعل، وصيرورة لا تصل أبدا إلى الاستقرار.

يمكننا أن نلخص ما تقدم بأن اللغة هي الصورة اللغوية المثالية التي تفرض نفسها على جميع الأفراد في مجموعة واحدة.

لكن يبقى علينا في هذه الحالة أن نعرف المجموعة. والواقع أن الفصول التالية في جملتها مخصصة لهذا الموضوع، لأن خصائص اللغة تتوقف على طبيعة المجموعة وعلى مقدار امتدادها. إذ يوجد في فرنسا إلى جانب اللغة الأدبية التي تكتب في كل مكان والتي يزعم المثقفون بأنهم يحققونها في كلامهم. مجموعة من اللهجات مثل الفرنش كنتيه والليموزنيه اللتين تنقسمان بدورهما إلى لهجات محلية عديدة. وهذه لغات أخرى يقابلها عدد مساو لها من التجمعات. هذا إلى أنه يوجد داخل مدينة واحدة كباريس، عدد من اللغات المختلفة تسير كلها جنبا إلى جنب. فلغة الصالونات مثلا ليست لغة الثكنات، ولغة الأعيان ليست لغة العمال، وهناك رطانة المحاكم والعامية الخاصة التي تتكلم في حواشي المدنية. وهذه اللغات يختلف بعضها عن بعض إلى حد أنه قد يعرف الإنسان إحداها دون أن يفهم الأخرى.

تنوع اللغات يرجع إلى تعقد الروابط الاجتماعية. ولما كان من النادر أن

1 مييه: رقم 93، ص357.

ص: 306

يعيش فرد محصورا في مجموعة اجتماعية واحدة، كان من النادر أيضا أن تبقي إحدى اللغات دون أن تنفذ إلى مجموعات مختلفة. إذ يحمل كل فرد معه لغة مجموعته ويؤثر بلغته على لغة المجموعة المجاورة التي يدخل فيها.

لا تتكلم أسرتان متجاورتان لغة واحدة إطلاقا. ولكن هذا الخلاف اللغوي الذي يفرق بينهما حاليا طفيف لا يكاد يحس حتى ولو كان يحمل في طياته جراثيم انفصال في المستقبل، لذلك كان لنا الحق في ألا ندخله في حسابنا في حالته الراهنة.

هذا إلى أن اللغة التي تتفاهم بها الأسرتان فيما بينهما تصير إلى الوحدة حتما، إذ إن الروابط المتبادلة تعمل منذ اليوم الأول على إضعاف الفروق بينهما وتكوين نواة مشتركة. ولنتخيل أخوين يعيشان معا ولكنهما لا يمارسان مهنة واحدة. فكل منهما يحتك في مصنعه بمجموعات مختلفة ويأخذ عنهم اللغة بالضرورة مع عادات. التفكير والأعمال وآلات المهنة. وبذلك ينشأ في كل يوم بين الأخوين اختلاف لغوي يؤدي بهما -إذا لم يريا أحدهما الآخر زمنا طويلا- إلى التحقق من أنهما يتكلمان لغتين مختلفتين، ولكن هذا الاختلاف يزول كل مساء بفضل عودة الصلة بينهما من جديد. وعلى هذا النحو يجدان نفسيهما خاضعين لتيارين متعارضين يتبادلان التأثير عليهما ولا يفصل أحدهما عن الآخر إلا بضع ساعات ويجدان أن اللغة التي يتفاهمان بها في حاجة دائمة إلى التطهير من عناصر التفرقة التي تفد عليها من الخارج.

هذا مثل طيب لصراع التوازن الذي هو قانون تطور اللغات جميعا. فهذان ميلان متعارضان يوجهان اللغة في طريقين متباينين1. وأحد هذين الميلين يتجه نحو التفريق. فتطور اللغة على نحو ما أجملناه في الفصول السابقة يؤدي إلى انفصالات تزداد مع الزمن تعددا، وتكون النتيجة تفتت اللغة تفتتا يزداد بازدياد استعمالها، إذ تضطرها إلى هذا التفتت مجاميع الأفراد التي تترك وشأنها دون احتكاك بينها. غير أن هذا التفريق لا يصل إطلاقا إلى تمامه، لأن سببا حيويا.

1 مييه: التوحيد والتفريق في اللغات "رقم 42، 1911، ص402".

ص: 307

يوقفه في الطريق، إذ أنه بإمعانه التدريجي في الحد من امتداد المجموعات التي تستخدم اللغة وسيلة للتفاهم بينها، ينتهي بحرمان اللغة من قيمتها الجوهرية، فتحطم اللغة نفسها وتصير غير قادرة على إيصال الناس بعضهم ببعض. لذلك يقوم ميل آخر يعمل دواما على مناهضة التفريق، وهو الميل إلى التوحيد الذي يعيد التوازن. ومن صراع هذين الميلين تنتج أنواع اللغات المختلفة، من لهجات ولغات خاصة ولغات مشتركة، تلك التي ستكون موضوع دراستنا منذ الآن.

ص: 308

‌الفصل الثاني: اللهجات واللغات الخاصة

1:

يمكننا دائما أن نحدد لغة ما من الوجهة المكانية بمقابلتها بلغات من فصيلة مختلفة. فنحن نعرف حدود الفرنسية في الأماكن التي ترتطم فيها بالألمانية أو بالبسكية أو بالبريتانية، هذه الحدود يمكن رسمها ما بين قرية وقرية، بل في داخل القرية نفسها، كثيرا ما يفصل بين اللغتين واد من الوديان أو جدول ماء أو مجرد شارع. فيمكننا إذن أن نتكلم عن لغة فرنسية أو ألمانية أو إيطالية أو مجرية أو صربية. كل هذه اللغات يتعارض بعضها مع بعض وتجدد بعضها بعضا على وجه الدقة.

ولكنا نعاني بعض الصعوبة إذا حاولنا أن نرسم حدودا بين الفرنسية والبروفنسالية أو بين الألمانية العليا والألمانية السفلى أو بين الصربية والبلغارية. لأننا هنا لم نعد أمام لغتين من أصلين مختلفين وصلت بينهما مكانيا مصادفات التاريخ، بل أمام لغات منبعثة من أصل واحد وقد فرقت بينها ظروف تاريخية. فالانتقال بين إحداهما والأخرى انتقال غير محسوس، وليس هناك معارض جسيمة

1 عن مسألة اللهجات انظر أسكولي ASCOLI؛ L'ITALIA DIA LETTALE "اللهجات الإيطالية"، رقم 41، مجلد 8، ص99-120؛ ل. جوشا Gibt es: l'Gauchat Muandartgrenzen? "هل توجد حدود لهجية؟ "، رقم 25 مجلد 111 ص365-403. "1904"؛ تابولت Tappolet:"في أهمية الجغرافيا اللغوية" نشر في Festschrift Morf ص385 وما يليها؛ ي: هوبر J. Huber: "الجغرافيا اللغوية" رقم 3، مجلد1، ص89 وما يليها، وانظر خاصة مؤلفات الأساتذة جيليرون وبابرج وترنشيه.

أما عن "اللغات الخاصة" عامة فانظر لاش Lasch: نشرات جمعية علم الإنسان بفينا "Mitteilungen der anthrop، Gesellschaft"، فينا "1907"، فان جنيب Van Gennep رقم 14 "1908" مجلد 1، ص327، رقم 74.

ص: 309

بين لغتين وضعت إحداهما في مواجهة الأخرى، وزودت كل منهما بوسائل للتعبير مختلفة. والصعوبة تعظم وتعظم إذا أردناأن نضع حدودا بين اللهجات التي في داخل مجال لغوي واحد.

أصبح اليوم من المقرر أن الخصائص اللغوية لا ينسجم بعضها مع بعض من حيث التوزيع، وبعبارة اخرى، أن الخطوط التي تفصل بين خاصية وأخرى، ليست هي نفس الخطوط التي تفصل بين خاصيتين أخريين.

ويكفينا للتحقق مما نقول أن نرجع إلى إحدى الخرائط اللغوية لاستيضاحها. فأطلس فرنسا اللغوي1 يعطينا عن كل حالة بعينها حدودا مختلفة. ولنتخيل عددا من القرى، عشر قرى مثلا، مفرقة في إحدى المقاطعات الفرنسية في رقعة تتكون من بضعة أميال مربعة. فنرى أن سكان هذه القرى يتكلمون لغة واحدة، بمعنى أن لهجتهم تمثل مظهرا خاصا من اللغة الفرنسية، وقد نتجت تاريخيا، من تطور مستقل لنفس اللغة في مجال متصل. ولكنا نجد فروقا ذات بال بين قرية وأخرى، حتى ليمكننا أن نميز لهجةكل قرية منها بوصف مخالف لغيرها2 من حيث الصوتيات ومن حيث النحو ومن حيث المفردات. ومن النادر جدا ألا تمتد إلى حد ما خصائص إحدى هذه القرى إلى القرى المجاورة. ولكن الحدود الجغرافية لكل واحدة من هذه الخصائص على حدتها، لا تكاد تتفق إطلاقا مع الحدود الجغرافية لأي خاصية أخرى تؤخذ على حدة أيضا. فنجد مثلا بين هذه القرى خمسا أو ستا تنطق "a""فتحة" حيث تنطق القرى الأخرى "e""فتحة ممالة"، ثم نجد خمس قرى أو ستا تنطق o "ضمة مفتوحة" حيث تنظق القرى الأخرى u "ضمة صريحة". ولكن الخط الذي يفصل بين أولئك الذين ينطقون a والذين ينطقون e ليس هو الخط الذي يفصل بين من ينطقون o وبين من ينطقون u؛ فالقرى التي تمارس التغيير ليست واحدة، ومعنى ذلك أن التوزيع يختلف.

1 الأطلس اللغوي لفرنسا، وانظر جيلبيرون وروك: رقم 76.

2 جوشا: "الوحدة الصوتية في عامية إحدى القرى" نشرت في: Festschrift Morf، ص175-232.

ص: 310

يوجد مثلا في مقاطعة اللاند1 Landes بالنسبة لنطق كلمة joug "نير" أربع مناطق غير متساوية تماما، وموزعة على هذا النحو:

والتقسيم يقوم أولا على نطق "j""جـ" بدلا من y "ي" التي في أول الكلمة وثانيا على نطق iw بدلا من u. ومناطق هذا الظواهر الصوتية لا تساير بعضها بعضا. ولكنها لا تساير ظاهرة أخرى صوتية مثل ظاهرة تبادل d "د" و z "ز" التي تشطر المنطقة إلى شطرين متقاربين2: laide laize ولا تساير ظاهرة صرفية مثل ظاهرة الاقتصار على واحد من الزمنين الماضيين دون الآخر. إما الماضي البسيط "il ecrasa" وإما الماضي المركب "Il a ecrase"، تلك الظاهرة التي يكون حدها الفاصل خطا متعرجا يقطع المقاطعة بصورة غريبة3.

وإذا درسنا مفردات المقاطعة نفسها، وجدنا لاسم المستنقع "etang" أربع كلمات مختلفة "Gourgue، pesque، clote، estan" 4، وثلاثا لاسم الغراب "croque، corbe، courbas" 5" ومناطق اسم الغراب لا تساير مناطق اسم المستنقع. وإذن فتوزيع حالات المفردات فيها نفس الشذوذ الذي في توزيع الحالات الصوتية أو الصرفية.

كانت نتيجة هذه الحال أن كثيرا من علماء اللغة ذهبوا إلى أن اللهجات لا وجود لها فعند هؤلاء العلماء أن الحالة اللغوية التي تنتج من تطور اللغة لا يمكن أن تتصور إلا في مظهرين: مظهر اللغة، تلك الوحدة الشاسعة التي تئول إليها

1 مييرديه: رقم 102، ص245.

2 المرجع السابق: ص249.

3 نفس المرجع: ص199.

4 نفس المراجع: ص208.

5 نفس المرجع: ص175.

ص: 311

صور التكلم المحلية جميعها، ومظهر صور التكلم المحلية التي إليها تتفتت اللغة. هذا بصفة عامة رأي علماء اللغات الرومانية الذي قام بعرضه في صورة فائقة جاستون باريس وبول ميير منذزمن. يقول الأول:"لا يوجد أي حد حقيقي يفصل بين فرنسي الشمالي وفرنسي الجنوب، فصور التكلم الشعبية عندنا تمتد على أرض الوطن من طرف إلى آخر كأنها بساط نضحت ألوانه المتنوعة في كل نقطة منه بعضها على بعض وأصبحت درجات لا يكاد يتميز بعضها من بعض"1.

هذا أيضا هو الرأي الذي تصير إليه "نظرية الأمواج" wellentheorie ليوهان شمت johann schmidt2. فهو يقرر أن كل ظاهرة لغوية تمتد على سطح القطر امتداد الأمواج، وأن كل موجة في تقدمها التدريجي غير المحسوس ليس لها حد معين. ويستند في نظريته على دراسة اللغات الهندية الأوربية حيث الخطوط التي تفصل بين كل خاصية لغوية وأخرى لا تنطبق على الخطوط التي تفصل بين خاصيتين لغويتين أخريين، وذلك كما هي الحال في اللغات الرومانية: ولكن الأستاذ مييه قد دافع بحق عن اللهجات الهندية الأوربية2. فأبان أنه يمكننا أن نقوم بتقسيم لهجي، حتى في زمن الهندية الأوربية. وهذا التقسيم يقوم على المبدأ القائل بأن من حقنا أن نتكلم عن وجود لهجات كلما رأينا عددا كبيرا من الخطوط التي تفصل بين الخصائص، ينطبق بعضها عن بعض ولو بشكل تقربي. فهناك لهجة محددة في كل منطقة يلاحظ فيها وجود خصائص مشتركة. وحتى عندما لا يمكن رسم خطوط دقيقة للفصل بين منطقتين متجاورتين فإنه يبقى أن كلا منهما تتميز في مجموعها ببعض السمات العامة التي لا توجد في الأخرى. فالبروفنسالية والفرنسية ليستا في حقيقة الأمر إلا لهجتين من لغة واحدة. وإذا لم يكن في وسعنا أن نرسم على الخريطة خطا محددا يبين أين تنتهي الفرنسية وتبدأ البروفنسالية، فإن كلا من اللهجتين في مجموعها قد اشتملت على خصائص عديدة واضحة إلى حد يجعلنا في مأمن من الخلط بينهما.

1 دوزا: رقم 65، ص217 وما يليها، مع إشارات بالرجوع إلى شوخارت وأسكولي وجاستون باريس وب ميير. وقارن جاستون باريس: رقم 106، ص334.

2 رقم 199؛ وقارن برجمان: رقم 31، مجلد1، ص226 وما يليها.

ص: 312

يمكننا أن نوجد في داخل المجال الفرنسي نفسه تقسيما لهجيا باختيار بعض السمات الخاصة التي تكفي لتمييز اللهجة. فالفرنسية البيكاردية تمتاز عن فرنسية الإبل دي فرانس باحتفاظها بالـC الانفجارية "ك" التي صارت صوتا صفيريا "ش" في المجال الفرنسي. فتقول البيكاردية kar، kamp، keval بدلا من cher champ، cheval. نعم إن هذا المقياس النافذ في التمييز بين البيكاردية والفرنسية ليس صالحا كما أبان بول ميير، للتمييز بين البيكاردية وبين جارتها الشمالية أعني الفرنسية البلجيكية "الولونية wallon" أو بينها وبين الترمندية جارتها الغريبة ولكن يوجد بين البيكاردية والفرنسية البلجيكية أو النرمندية خصائص أخرى مميزة تمكننا من وضع حدود إجمالية بين هذه اللهجات.

لذلك لا يقع المتكلمون في الخطأ. فالتقسيم اللهجي يرجع إلى إحساس حقيقي لدى سكان الإقليم الواحد، إحساس بأنهم يتكلمون بصورة ما ليست هي الصورة التي يسير عليها سكان الإقليم المجاور. والبيكارديون القدماء كانوا يشعرون بأن فرنسيتهم البيكاردية لهجة تختلف عن فرنسية الإيل دي فرانس بقدر ما تختلف النرمندية عن الولونية "الفرنسية البلجيكية". وذلك لأن البيكاردية في مجموعها بالرغم من اختلاف صورها في المجال الواسع الذي تتكلم فيه، فيها سمات مميزة غالبة تميزها في أذهان الذين يتكلمونها بالنسبة للهجات المجاورة. وهذا يفسر لنا وجود مؤلفات أدبية مكتوبة بالبيكاردية1.

أغلب الظن أن اللغات الأدبية التي تعتمد على إحدى اللهجات أي التي تقوم على أساس لهجي لا تمثل، كما سنرى فيما بعد "ص342"، تمثيلا صادقا صورة التكلم لأي بلدة من بلدان المنطقة. وهذا يصدق على فرنسا في العصور الوسطى كما يصدق على بلاد الإغريق القديمة. ولكن لا ينبغي أن نستنتج من ذلك عدم وجود اللهجة. بل إنها توجد بقدر ما توجد اللغة المشتركة فلها نوع من الوجود المثالي. ففي الفرنسية لا يكتب سان ألكس Saint Alexis في نفس اللهجة التي يكتب فيها سان ليجيه Saint leger أو ال كانتيلين دي سانت أولالي la la Cantilene de Saint Eulalie.

1 رقم 97.

ص: 313

وفي بلاد الإغريق كانت لهجة الملحمة غير لهجة القصيدة الغنائية، وفي الدرامة كانت تستعمل لهجتان مختلفتان، واحدة للحوار والأخرى للغناء الجماعي. فأساس هذه اللهجات من حيث الأصل لغة أحد الأقاليم الإغريقية سواء أكان ذلك الإقليم في الجزر أم في القارة، وسواء أكانت هذه اللغة واسعة الانتشار أم محصورته. وكان في كل منهما من السمات الخاصة المميزة ما يكفي لتسميتها لهجة. ولكن استعمال الشعراء لها صيرها لغات أدبية، واللغات الأدبية التي من هذا النوع لا تختلف عن اللغات الخاصة إلا قليلا.

بعد أن عرفنا اللهجة على هذا النحو يجدر بنا، قبل أن ندرسها في صلاتها باللغة المشتركة، أن نقول كلمة عن اللغات الخاصة. واللغات الخاصة نتيجة للانفصال الاجتماعي، مثلها في ذلك مثل اللهجات ولكن من وجهة نظر أخرى.

نعنى باللغة الخاصة تلك اللغة التي لا يستعملها إلا جماعات من الأفراد وجدوا في ظروف خاصة. ومثال ذلك حالة "المحضر" أو حالة القاضي. فهذان الموظفان يستعملان في تسبيب حيثياتهما أو في تحريرها لغة بعيدة جدا عن اللغة الجارية، هي اللغة القانونية. ولدينا مثال آخر في لغة الطقوس الدينية: فكثيرا ما يستخدم المؤمن في خطابه لله لغة خاصة، كالكاثوليك إذ يستعملون اللغة اللاتينية. فيجب أن نسلك اللغات الدينية بين اللغات الخاصة. وأخيرا أنواع الأرجو les argots "اللغات العامية الخاصة" كلها لغات خاصة، فطلبة المدارس والصناع والأشقياء يستعملون فيما بينهم لغة متفقا عليها. ومن اللغات الخاصة أيضا تلك اللغات التي تتميز من اللغة الجارية ويستخدما عدد محصور من الأفراد للتفاهم الذي فيه شيء من السرية وكل هذه اللغات تشترك في كونها خاصة بالنسبة للغة مشتركة بعينها، وباختبار تكونها يتضح لنا أنها تنشأ جميعا عن ميل واحد، وهو ترويض اللغة على مشاغل المجموعة التي تستعملها.

تعتبر بعض هذه اللغات الخاصة لغات مختلفة عن اللغة العادية. ومنها اللاتينية التي ظل العلماء زمنا طويلا يستخدمونها في علاقاتهم الدولية فهم قد اختاروا

ص: 314

لغة ميتة للتفاهم مع غيرهم من العلماء، وفعل قسيسونا مثلهم في مخاطبة الله. وظلت اللغة السنسكريتية في الهند لغة البنديتيين، أي لغة المثقفين. ويمكننا أن نعد من لغات العبادة التي تختلف عن اللغة الحية اللغات الإغريقية والسلافية القديمة والأرمينية، أو القبطية التي ظلت اللغة الدينية لقوم يتكلمون في شئونهم العادية اللغة العربية، وهي لغة من أسرة أخرى. وهذا يفسر ببواعث خاصة، بالحاجة إلى إمكان التفاهم مع أناس من أقطار مختلفة في حالة اتخاذ اللاتينية لغة للعماء، أو باتباع التقاليد وأكثر من ذلك بالحاجة إلى تمييز القدسي من الدنيوي، وذلك كما في حالة اللغات الدينية "انظر ص321".

وعلى الجملة فإن اللغات الخاصة تقوم على الرصيد المشترك للغة حية

ولكن بعضها لغات ميتة موت اللاتينية، ومن ذلك لغة المحاكم. فكل مصطلح فيها اتخذ له دلالة نهائية، على رجال المحاكم أن يحفظوها وأن يتبوعها دون أن يغيروا شيئا منها. فهي ليست في نهاية الأمر إلا لغة فنية كلغة الأطباء عندما يحررون نشرة طبية وعلى العموم، كلغة العلماء من كل نوع عندما يعالجون مادة علمهم. واللغات الفنية تدين بوجودها إلى الحاجة للدلالة على أشياء أو أفكار لا أسماء لها في الاستعمال الجاري، ولكنها أيضا ترجع إلى الحاجة للدلالة "بصورة علمية" أي بمصطلح دقيق يرفع كل لبس، على أشياء مما تعبر عنه اللغة العادية تعبيرا جيدا. لذلك نراها أحيانا تخترع كلمات خاصة وأحيانا تستعمل كلمات اللغات العادية في معنى خاص، كما يفعل علماء الطبيعة حين يتكلمون عن "الكتلة" أو "السرعة" أو "القوة" وبهذا تنجو اللغات الفنية نحو اللغات العامية الخاصة1.

صارت كلمة "عامية خاصة""argot" في الأيام الأخيرة مصطلحا غامضا. والواقع أنها ليست إلا اسما آخر للغة الخاصة. ويوجد من العاميات الخاصة بقدر ما يوجد من جماعات متخصصة. والعامية الخاصة تتميز بتنوعها الذي لا يحد، وأنها في تغير دائم تبعا للظروف والأمكنة. فكل جماعة خاصة وكل هيئة من

1 انظر عن العامية الخاصة ف. ميشل: "دراسات في الفلولوجيا المقارنة عن العامية الخاصة". باريس 856، سينبان: رقم 119 ومؤلفات مارسل شفوب ودورا.

ص: 315

أرباب المهن لها عاميتها الخاصة. فهناك عامية التلامذة الخاصة، وهي غير واحدة في كل المدارس بل وتختلف أحيانا باختلاف الفصول في المدرسة الواحدة، وهناك عامية الثكنات الخاصة التي تختلف باختلاف الأسلحة بل وباختلاف الثكنات أيضا، وهناك عامية الخياطات الخاصة وعامية الغسالات وعامية عمال المناجم وعامية البحارين.

وأخيرا هناك عامية الأشقياء الخاصة. وهذه هي التي أطلق عليها كلمة "عامية خاصة""Argot" لأول مرة. فقد كان يوجد عندنا حتى بداية القرن التاسع عشر هيئة منظمة حقة للأشقياء وكانت لها لغتها الخاصة المتفق عليها والتي كان يعمل كل عضو من أعضاء الهيئة على المحافظة عليها. هذه هي العامية الخاصة "argot" ومن قبل كانت تسمى jargon لأن الكلمتين كانتا في الأصل بمعنى واحد. وتسمى بالإنجليزية cant وبالألمانية Rotwelsch أو Gaunersprache وبالإيطالية Furbesche وبالإسبانية germania وبالبرتغالية calao وبالرومانية smechereasca، إلخ. والذين يدرسون اللغة الخاصة ما زالوا يتخذون لغة الأشقياء أساسا لدراستهم، ولكنها أرض لا يوجد أقل منها تحديدا. وذلك لأن الأشقياء لا يكونون الآن جماعة مغلقة يستطيع أعضاؤها أن يفرضوا على أنفسهم وحدة لغوية تامة. فالذين يتكلمون العامية الخاصة الآن ينتسبون إلى جميع الآفاق الاجتماعية. وما يسمى عالم الأشقياء يشتمل على ممثلين لكل الأقاليم وكل الطبقات وكل الأوساط. وإذا اجتمع المجرمون، اجتمعوا في وحدات منعزلة لحاجات عابرة، لا يعترفون برئيس يستطيع، كما استطاع ملك تون roi de Thunes أو كوسر الكبير grand cosere أن يفرض عليهم إرادته. وليس يميزهم أي شيء خارجي، بل يختلطون بحياة الجميع، بالرغم من أنهم يعيشون على هامش المجتمع الشرعي. فكيف يوجد في هذه الظروف لغة للمجرمين محددة تحديدا دقيقا؟

تنحصر خصائص العامية الخاصة في اختلاف مفرداتها بوجه خاص. والواقع أنها تنشأ من تخصص اللغة المشتركة، ولما كانت لا توجد إلا بمعارضتها لهذه اللغة المشتركة، وجب أن تحس الصلة بين اللغة العامة والعامية الخاصة بصفة

ص: 316

دائمة ما دامت العامية الخاصة مستعملة والتشويه الصوتي أو الصرفي مهما قل ينتج عنه قطع الرباط الذي يصل العامية الخاصة باللغة المشتركة التي خرجت منها.

هذا إلى أن الصرف والأصوات يكونان نظامين لا يستطاع مسهما بشيء دون تغييرهما من أساسهما. فلا عدوان للعامية الخاصة عليهما. طبعا قد يقع للعامية الخاصة أن تتبع بعض عادات في النطق تساعد على تمييزها. فالعامية الخاصة المستعملة في الأطراف الباريسية تحتوي على بعض الخصائص الصوتية التي تكفي للتعريف بطبقة المتكلم الاجتماعية. ولكنا هنا أمام حقيقتين مختلفتين يجب علينا أن نميز بينهما، إذ أن النطق الطبيعي في الأحياء الباريسية المتطرفة ليس هو النطق الفرنسي المعتاد. فالأطراف لها أصوات خاصة لا علاقة لها بالمفردات. وقد نسمع بعض العمال يتكلمون فرنسية لا شائبة فيها بتنغيمات أهل الأطراف، وأناسا من علية القوم يتكلمون كلمات من العامية الخاصة مع نطق لا يعلو عليه نطق. فإذا اجتمع نطق الأطراف ومفردات العامية الخاصة في متكلم واحد، فمعنى ذلك اجتماع نوعين مستقلين من الخصائص بطريق الاتفاق.

يمكننا إذن أن نحصر الفوارق التي تميز العامية الخاصة في المفردات. ولكن يبقى علينا أن نبين كيف تنشأ تلك الفروق بين المفردات. فايسر الوسائل أن تستعمل كلمات اللغة الجارية استعمالا خاصا. وقد قلنا سابقا إن الكلمات العامة التي مثل Travail "عمل" و ouvrage "مشغل، عمل، صنعة، تصنيف

إلخ".

و operatiou "عملية" تتخذ بالضرورة معنى خاصا في أفواه الذين يستعملونها وفقا لنوع المهنة التي تستخدمها فيها هذه الالفاظ. فظاهرة التخصص المعنوي ذلك هي أساس العامية الخاصة "انظر ص256".

الاستعمال الاستعاري من الوسائل المحببة إلى العامية الخاصة، وكذلك استعمال اسم العلم في وظيفة الاسم المشترك. وهاتان الخطتان معروفتان في اللغة الجارية "انظر ص287"، فهما لا يميزان العامية الخاصة من اللغة الجارية في شيء ولكن طريقة تطبيقهما قد تسمح بشيء من التمييز؛ فالواقع أن الاستعارة والنقل يستعملان في العامية الخاصة بتواتر خاص، إذ أن الاستعارات فيها تبلى بسرعة

ص: 317

وتحتاج إلى كثيرة التجديد، حيث أن الغرض من استعمالها هو توسيع شقة الخلاف التي تفصل بين العامية الخاصة واللغة المشتركة والمحافظة على بقاء هذا الخلاف، فلا يدهشنا إذن أن تستهلك العامية الخاصة من الاستعارات أكثر مما تستهلك أية لغة أخرى. كذلك كثيرا ما تكون هذه المبتكرات شعورية وعرضية. وهنا نلمس عن كتب أكثر الخواص تمييزا للعامية الخاصة عن اللغة الجارية. إذ أن العامية الخاصة مع كونها لغة طبيعية من حيث مبدؤها ومن حيث تكوينها فإنها تقارب اللغات الاصطناعية وتتزود من المبتكرات الفردية. فتفوق عضو من الجماعة يفرض على الآخرين تسمية ناجمة من ظروف خاصة في حياة الجماعة، وهكذا يشاطر الهوى الفردي في خلق كلمات جديدة.

وهذا كله غير كاف. فوسائل اللغة العادية لا تكفي، مهما شد من أزرها فعل الأفراد الخاص، لتزويد العامية الخاصة بذلك التيار الدائم من الكلمات التي تحتاج إليها. وهنا تتدخل المفردات الأجنبية بمد يد المساعدة. ويجب أن نفهم كلمة أجنبية هنا بمعناها الواسع الذي يشمل كل ما ليس من اللغة المشتركة التي ترتكز عليها العامية الخاصة. وهكذا تستطيع المساهمة في تكوين العامية الخاصة وتجديدها صور التكلم المحلية المنتشرة في جميع أرجاء القطر، وكذلك اللهجات ولهجات اللهجات التي تعتبر بدورها لغات مشتركة صغيرة خاضعة للغة القطر العامية، بل واللغات الأجنبية التي تتكلمها الأقطار المجاورة. "فعامية ألمانيا الخاصة" ROTWELSCH مثلا ملأى بالكلمات اليهودية الألمانية والجرمانيا GERMANIA "في أسبانيا" فيها عناصر غجرية هامة جدا، والـSMECHEREASCA تضيف إلى أساسها الروماني عناصر مجرية وروسية ويهودية ألمانية وغجرية، ونقابل هنا وهناك في الـcant كلمات إرلندية، مثل twig "الفهم" من "الإرلندية twigin "أفهم"". وفي العامية الخاصة بمدرسة البوليتكنيك توجد كلمة ألمانية هي Schiksal "مصادفة، قدر"1. والعامية الخاصة الفرنسية على وجه العموم تحتوي على كلمات أجنبية قليلة العدد "عربية، غجرية، يهودية ألمانية"؛

1 مارسل كوهين: رقم 6، مجلد 15، ص170.

ص: 318

أما أساسها فمستعار من عناصر أهلية، ولكن اللهجات الإقليمية ممثلة فيها بأكثر من الفرنسية المشتركة1.

يترتب على هذا التنوع في تكوين العامية الخاصة، أننا نجد فيها كثيرا من الكلمات الحوشية، إذ الواقع انه إذا دخلت كلمة في العامية الخاصة بواسطة التخصص المعنوي أو مجرد الاقتباس، حافظت التقاليد في غالب الأحيان على بقائها فيها حتى بعد انقراضها من اللغة الجارية. وقد يدهش الإنسان مثلا حين يعلم أن الكلمة الألمانية القديمة lutt "صغير" تستعمل في عامية الألمانية الخاصة بدلا من كلمة "klein" أو أن الفعل occire "يقتل" الذي اختفى من الاستعمال منذ قرون ما يزال يستعمل في العامية الخاصة الفرنسية بدلا من الفعل tuer. وهذه حوشية. ومثل هذه الحالات لا تكون في كثير من الأحيان حوشية إلا في مظهرها فحسب إذ هي في حقيقة الأمر مستعارة حديثا في نصوص أدبية، ومن العسير في بعض الأحيان أن نميز بين الخطتين.

والأخذ عن الكتب أمر فردي في غالب الأحيان، وهو إحدى الوسائل الاصطناعية التي تدخل في تكوين العامية الخاصة. وهذه الوسائل على درجة كافية من التنوع. وتنحصر مثلا في تشويه مظهر الكلمات الخارجي. وهكذا يستعيضون عن لاحقة من لواحق اللغة الجارية بلاحقة خاصة بالعامية، وذلك كقول العامية الخاصة الفرنسية epismar بدلا من epicier "بدال" و auverpin بدلا من Auvergant بدلا من Aurergnat "أو فرني" وكقول الألمانية في عاميتها الخاصة kofmich بدلا من kaufmann "تاجر". وبعض التشويهات الأخرى ليست إلا توسعا في التغيرات الصوتية المطردة. وإن الأسباب المذكورة في صفحة 89 لتفسير المبالغة في العوارض الصوتية لتجد مجالا خصبا في العامية الخاصة. ففيها يستطيع المتكلم بوجه خاص أن يسمح لنفسه بنطق الكلمات في صورة مختزلة. لأنه يخاطب عددا محصورا من المتكلمين، كلها ممهد الذهن لفهمه،

1 انظر الدراسة القيمة التي كتبها الأستاذ إرنو عن العامية الخاصة البريتانية، رقم 8 مجلد 14 ص267.

ص: 319

وكلهم متفاهم معه مقسما. ومن ثم يجيء هذا العدد الضخم من حالات الحذف والإسقاط والتبسيط وحذف النهايات، هذه العوارض الصوتية التي تجعل العامية الخاصة لا يفهمها إلا العارفون. ومن جهة أخرى تجد ظواهر التشابه والتخالف والنقل المكاني في العامية الخاصة المتكلمة ميدانا خصيبا لا يعترض انتشارها أية عقبة من القواعد. وأخيرا نعثر في العامية الخاصة على تشويهات مصطنعة غير مرتبطة بظروف اللغة الطبيعية، ومثال ذلك le javanais، le loucherbeme الجافانية. ففي الحالة الأولى ينقل الحرف الأول منها إلى آخرها ويستعاض عنه بحرف ل "l" ثم يضاف إلى الكلمة بعد هذا التشوية لاحقة من اللواحق العامية الخاصة؛ وفي الحالة الثانية يقحم مقطع ما في داخل الكلمة "ar أو oc أو al أو am إلخ"، ولكن الغالب أن يكون المقطع المقحم av أو va ولعل هذا هو أصل الاسم الجافانية "javanais".

اللوشيربيم le loucherbeme حديثة العهد نوعا لأنها ترجع إلى بداية القرن التاسع عشر على الأكثر، أما الجافانية المستعملة بين طغام باريس فيظهر أنها أقدم منها عهدا، ولكن الطريقة التي تنبني عليها هاتان العاميتان الخاصتان أقدم منهما بكثير، إذ لا بد أنها قد استخدمت في كل زمن وفي كل مكان احتاج فيه قوم إلى تغيير لغتهم. ويوجد في البنجاب اليوم قبيلة من اللصوص خلقت لنفسها لغة إلى تغيير لغتهم ويوجد في البنجاب اليوم قبيلة من الصوص خلقت لنفسها لغة خاصة بإقحام المقطع ma في داخل الكلمة المستعملة في اللغة البنجابية1.

وهي طريقة من أبسط الطرق وفي متناول كل إنسان. فقد رأينا في ص293 أن خلق كلمات جديدة أمر في غاية العسر. فإذا لم يكن لدى القائمين بهذا الأمر منبع من المفردات المجاورة ينهلون منه ما شاءوا من كلمات جديدة، أمكنهم أن يعدلوا الكلمات الموجودة بالفعل تبعا لقاعدة مطردة. وهذه الطريقة التشويهية مستعملة في عدد كبير من العاميات الخاصة. فتلاميذ المدارس كثيرا ما يستعملون الجافانية، وقد شوهد استخدام هذه الطريقة في بعض المؤسسات التعليمية بالأقطار الجرمانية والسلافية.

1 T. G. Bailey on the secret words of the culuas "proceedinge of the Asiatic Society of Bengab، 1902".

ص: 320

هناك شخصية محوطة بالألغاز لا نعرفها إلا باسم مستعار ضخم الدلالة، هو اسم فرجيليوس مارو virgilius Maro النحوي الذي عاش على ما يظهر في القرن الخامس بعد الميلاد. يقال إن هذا الرجل اخترع لغة خاصة ظلت شائعة الاستعمال زمنا طويلا بين تلامذة المدارس الإيرلندية. وكانت تقوم هذه اللغة على تشويه الكلمات الجارية بأنواع من تضعيف المقاطع أو بترها أو نقلها. وبمضي الزمن تحورت وتمخضت عن لغة أخرى أمشاج سميت "لغة الشعراء" berla na filed بالإيرلندية. وهي عامية خاصة اختلطت فيها على غير قاعدة كلمات مستعارة من اللاتينية والإغريقية والعبرية وكلمات أهلية أهملها الاستعمال أو استمدت من النصوص العتيقة. وكلمات مأخوذة من الاستعمال الجاري بعد قلبها أو تشويهها. هذه اللغة، التي لا زالت تحت يدنا منها عينات عسيرة التفسير في غالب الأحيان، بقيت بقوة التقاليد زمنا طويلا تستخدم في المدارس الإيرلندية كلغة سرية. ولكنا نجهل إلى اي حد كانت تتكلم، ولعلها لم تكن إلا نظاما من نظم الرسم، كلغة السحرة وكتاب التعويذات.

الرقى السحرية التي نعثر عليها في قبور اليونان وإيطاليا وإفريقية مكتوبة على ألواح من الرصاص، تطبق في غالب الأحيان هذه الخطط نفسها: استعمال الكلمات الأجنبية أو تشويه الكلمات الأهلية1. ولكن الباعث هنا يختلف؛ إذ يبغون من وراء ذلك الاتصال بالعالم الآخر، ومن ثم يدخلون في تحرير النص اعتبارات لا صلة لها باللغة.

هذه الملاحظة تؤدي بنا إلى أن نقول كلمة عن اللغات الخاصة التي تنشأ عن بواعث خفية. السياح الذين طافوا بالأقطار البدائية وعلماء الأجناس الذين ينسقون أخبار السائحين يحدثوننا عن أهمية اللغات الخاصة غير المتحضرة. إذ يوجد في داخل اللغة الواحدة لأسباب دينية أنواع مختلفة من المفردات، ووجهة الخلاف فيها تنحصر في طريقة استعمالها وفي الأغراض التي تستعمل فيها، والواقع

1 أودولن Audollent؛ Defixiomumtabellae، باريس 1904.

ص: 321

"أن مجال التقديس عند هؤلاء المتوحشين أوسع منه عندنا. إذ لا يوجد نشاط اجتماعي أيا كان دون أن يساهم وقتا ما في طقس من الطقوس السحرية الدينية، ويجب من الوجهة النظرية استعمال لغة خاصة كلما جدت مناسبة من هذه المناسبات. هذه اللغات الخاصة التي لا تستعمل إلا لوقت محدود، ذات طابع انفصالي في غالب الأحيان، أو على الأقل إنما تتكون "إلا في الحالات النادرة" من عدد يقل أو يثكر من العبارات المحرمة الاستعمال، أي من تابوهات TABOUS لغوية"1. فكل ما كان ذا صفة قدسية، وبالطبع كل ما مثل الألوهية في جميع صورها، وأيضا كل ما دل على الرؤساء والموتى والأشياء المخصصة لهم والحيوانات التي تمثلهم، إلخ، كل هذا يدعو إلى استعمال لغة خاصة. وتستعمل أيضا في الأفعال التي تعمل طابع التقديس عامة كالصيد البحري والبري والملاحة والحرب، وفي بعض الأفعال الخاصة التي تدين بطابعها التقديسي إلى أهمية مكانية أو زمنية. فيوجد في أندونيسيا لغات خاصة بالباحثين عن الكافور وبالباحثين عن الذهب.

من أكثر أنواع التخصيص شيوعا، ذلك التخصيص الناجم من اختلاف الجنسين. فالنساء لا يستعملن اللغة التي يستعملها الرجال، وحتى عندما يفهمن الكلمات التي يستعملها الرجال لا يكون لهن الحق في النطق بها فلا بد إذن من وجود نوعين من المفردات متوازنيين تماما حتى يصير لكل شيء اسمان تبعا لجنس المتكلم. فعند الكاريبيين مثلا يتكلم الرجال اللغة الكاريبية CARAIBE والنساء الأرواكية AROWAK2. وأحيانا يتعدد الاختلاف في الطبقة الاجتماعية. فعند سكان جاوا الأصليين يتكلم الرئيس إلى مرؤوسيه باللغة النجوكية NGOKA، ويجيبه المرؤوس باللغة الكرومية KROMO3.

1 فان جنب VAN GEMM، رقم 14، 1958، ص327 وما يليها؛ ور. لاش R. LASCH؛ MITTERI، DER ANTHROPOL GESELLSCH. فينا "1907".

2 ل. آدم. L. ADAM؛ DU PARLER DES HOMMES ET DU PARLER DES FEMMES DANS LA LANGUE CARAIBE.

3 فون در كابلنتس VON DER CABELENTZ، رقم 163، ص244.

ص: 322

وفي بعض الأحيان تختلف اللغات أيضا باختلاف الأعمار. فعند الماسيين MASSI في إفريقية الشرقية يقسم السكان الذكور بحسب أعمارهم إلى طبقتين، لكل طبقة منهما تقاليدها الصارمة التي تحرم عليها بعض الأطعمة وبالتالي استعمال بعض الكلمات1. ولا يجوز لمن هم أكبر سنا أن يمسوا ذيل حيوان مقتول أو رأسه، ويجب أن يستعملوا ألفاظا خاصة للدلالة على هذا الذيل أو هذا الرأس.

كما لا يباح لمن هم أصغر سنا أن يأكلوا من قرع الكوسة أو من القرع الأحمر. ومن أشنع الأخطاء أن ينسى أحدهم فيسمي أمام الآخر أحد الأفعال المحرمة على الأخير. وهذه التقاليد ناشئة من اعتبارات دينية: إذ ينظر إلى المجموعتين على أنهما شطرا وحدة سرية، هي مجموع أفراد القبيلة الذكور. فيبين الفرق بين الشطرين بالاختلاف في الأفعال وهذا يؤدي بالضرورة إلى الاختلاف في المفردات.

هذا الظاهرة تدخل مباشرة في دائرة الأعمال الترويضية التي لها أهميتها عند المتوحشين وهناك طقوس خاصة تصحب الانتقال من مرتبة من مراتب السن أو من المراتب الدينية إلى مرتبة أخرى. يقصد بها فصل المبتدئ من وسطه السابق لإدماجه في الوسط الجديد، ومن ثم يجيء استعمال اللغات الخاصة التي تبقي كلمة أو غير كاملة حتى بعد اندماج المريد في الوسط العام.

تعارض العالمين عالم الحقيقة وعالم الغيب، أو عالم الخير وعالم الشر يعد أساسا لعدد كبير من الأديان. وهذه المثنوية كثيرا ما تخلق انفصالا في اللغة. فيوجد في الأفستا عشرون كلمة بصورة مزدوجة، تستعمل واحدة من كل زوج عند الكلام على هر مزد، إله الخير والأخرى عند الكلام على أهريمان، إله الشر2. وقد يكون للفعل الواحد -في عالم الحقيقة أو في عالم الغيب- وجهان، فإذا دخل في عالم السحر دل عليه بكلمة متميزة جديدة. وموضوع التضحية التي

1 الكابتن مركر CAPIT، MARKER؛ DIE MASAI، ETHNOGRPHISCHE MONOGRAPHIE EINES OSTAFRIKANESCHEN SEMITENVOLKES "1910"، ص71 ينقل عنه س. فايست S. FEIST: رقم 24، مجلد 37 ص113.

2 انظر درمسنتير، رقم 64.

ص: 323

يقوم القسيس بتنفيذها هو المساعدة على العبور من عالم إلى عالم1. لذلك كانت تقتضي التضحية في كل الأقطار استعمال لغة خاصة، وهي التي نسميها اللغة الدينية. وإذن فاللغات الدينية في أوربا الحديثة تقوم في أصلها على أسباب سحرية، ترجع بنا إلى رياضات البدائيين وعقائدهم.

هذا إلى أنه يجب ألا نبالغ هنا في الفرق بين المتوحشين وبين المتحضرين. فالأسباب التي تدفع بهؤلاء وأولئك إلى خلق اللغات الخاصة، أسباب واحدة. وفي أعرق لغاتنا مدنية حالات من التخصيص لو وجدناها في إقليم الزمبيزي أو في سومطرة لما ترددنا في إرجاعها إلى العقلية الغيبية، وتحريم المفردات على ما له من أهمية في تكوين جميع المفردات الأوربية القائمة، خطة غيبية خالصة، وكم من أناس حولنا يتجنبون نطق هذه الكلمة أو تلك مخافة أن يحل بهم العارض الذي تدل عليه الكلمة، كما أن عبارة absit omen عبارة وحشية، وما القدرة التي تضاف للاسم إلا بقية من تلك العقلية الغيبية. بل لا نعدم أن نجد بيننا تلك اللغات الخاصة بالنساء. إذ يوجد في بعض الأحيان عند يهود ألمانيا الذين يستعملون اللغة اليهودية الألمانية، نوعان من المفردات لتمييز ما هو يهودي مما هو غير يهودي2.

ولكن هناك أيضا فروقا في استعمال اللغة تبعا لاختلاف الجنسين، فالرجل يلقي التحية أو يرد عليها بالعبرية، أما المرأة فتستعمل في ذلك الألمانية دائما.

من جهة أخرى يمكننا أن نتساءل عما إذا كانت اللغات الخاصة التي لا يزال يستعملها أرباب بعض المهن المميتة في الأقطار المتوحشة برهانا على عقلية غيبية. وكما أن سكان الملايو عندهم لغة الباحثين عن الذهب أو الباحثين عن الكافور، فعندنا أيضا تلك العامية المهنية الخاصة التي تستعمل في صناعاتنا على اختلافها. وفي بريتانيا تنوولت لغة الخياطين3 "longaje kemener" بالدرس، كما

1 هوبرت وموس Hubert et maus؛ Essai sur la nature et la fonction du secrifice في رقم 85، ص1-130.

2 إرنست ليفي Ernest levy: رقم 6، مجلد 18، ص333.

3 إرنو، رقم 8، مجلد 34، ص27.

ص: 324

تنوولت في إيرلندة وأسكتلندة لغة صانعي الصهاريج "shelta" ولغة غيرهم من أبناء المهن الأخرى1. فلعل هذه اللغات لغات غيبية قديمة مثل le berla na filed؛ ولكن بقاءها يفسر بتقاليد هذه الطوائف الخاصة وحاجاتها، وهي طوائف تعزلها أعمالها عن بقية الناس.

اللغات الخاصة تنشأ من الانفصال الاجتماعي، لذلك كانت -من حيث المبدأ- لغات طبيعية كاللهجات تماما. ولكنها تقوم دائما على مادة لغة مشتركة، وتظل عادة تستمد منها غذاءها.

1 انظر رول. بست R.L Best؛ Bibliography of lrish Philology and Literature.

ص: 325

‌الفصل الثالث: اللغات المشتركة

أشرنا في آخر الفصل الأول "ص307 و308" إلى أحد يعتبر توحيد اللغة ضرورة اجتماعية. ولولا مقاومة المجتمع للتفكيك اللغوي لأصبح العالم أمام حشد من صور التكلم التي لا تزيدها الأيام إلا تفرقا. ولكن الذين يتكلمون إحدى اللغات يميلون دائما إلى المحافظة عليها كما هي، وكذلك التبادل الكلامي الذي يحدث باستمرار بين أعضاء مجموعة اجتماعية واحدة يؤدي إلى توحيد اللغة. ومن هنا تنشأ اللهجات، وكذلك اللغات المشتركة التي تسير مع اللهجات جنبا لجنب.

ومع ذلك فهناك خلاف بين تكون اللغات المشتركة واللهجات. اللهجات تنشأ فجاءة من التعاون الطبيعي للأحداث اللغوية. إذ توجد اللهجة في كل مكان توجد فيه صور تكلم متجاورة ذات خصائص مشتركة وتشابه محسوس في المظهر العام لدى المتكلمين. فاللهجات لا يمكن تحديدها إلا على وجه التقريب. وقد قلنا إننا إذا جمعنا كل المعايير اللغوية، لم نستطع بها أن نخط حدودا للهجة من اللهجات.

فالعالم اللغوي لا يسير على قاعدة حين يختار الظواهر التي بمساعدتها يقسم الخريطة إلى أقسام لهجية. وشأن اللهجات كشأن الأقاليم الطبيعية التي ينقسم إليها قطر من الأقطار1. فإذا لم تستخدم هذه الأقاليم أساسا لتقسيم سياسي، بقيت حدودها دائما غير ثابتة. فسكان مقاطعة السين والمارن لا يزالون يتكلمون عن ألبري Brie والجاتينية Gatinais والمنتوا Montois ولكن هذه الأسماء المختلفة لا تمثل اليوم أي إقليم تحديدا دقيقا، وإن دلت على بعض الخصائص

1 قارن جلوا Gallois؛ Regions naturelles et noms de pays باريس، كولان 1908.

ص: 326

الجغرافية، ولكن كان يمكن الكلام فيما مضى عن حدود كنتية ألبري Comte de Brie، أما المنتوا -على الأقل- فلم تكن في يوم من الأيام أكثر من عبارة جغرافية.

كذلك اللهجة تتضح حدودها إذا كانت تطابق تقسيما سياسيا، وتبقى هذه الحدود في غالب الأحيان زمنا طويلا بعد زوال الظروف التي أدت إلى تحديدها1.

لذلك يلاحظ في بعض أقاليم ألمانيا الحالية، أن حدود الخصائص اللغوية تتطابق في بعض النقط التي تتفق فيها هذه الحدود مع الحدود السياسية السابقة لسنة 1789. وهذه الحدود ترجع في عمومها إلى القرن السادس عشر، بل إلى القرن الخامس عشر، وقد كانت حدودا دينية في نفس الوقت، حتى إن الأثر الديني يتعاون مع الأثر السياسي في تعيين حدود اللهجة. وكذلك الحال في بريتانيا الفرنسية، حيث تتفق حدود لهجات ليون Leon، وكرنواي Cornouailles وترجييه Treguier التي لا تزال واضحة في كثير من النقط، مع تقسيمات الإقليم الدينية والسياسية القديمة. ومما يلفت النظر أن نهر مرليه Morlaix الذي يفصل بين لهجة ليون ولهجة ترجييه هو الذي كان يفصل بين الإبرشيتين فيما مضى، وأن مدينة مرليه التي تقع على ضفتي النهر المسمى بهذا الاسم تنقسم لغويا إلى قسمين لهذا السبب. وهذا لا يعني أن سكان الضفتين لا يفهم بعضهم بعضا، ولكن هناك عددا من الخصائص المشتركة مجتمعة في منطقة تنتهي في تلك النقطة، والخطوط اللغوية التي تتطابق بعضها مع بعض تتطابق أيضا هنا مع تقسيم إداري قديم، كما هي الحال في اللهجات الألمانية.

ومع ذلك فمهما كانت أهمية العوامل السياسية والاقتصادية فإن اللهجة أولا وقبل كل شيء كيان لغوي. وحتى عندما نحسب حساب الظروف الخارجية في تكوين اللهجات، يبقى أن هذه الظروف تستند جوهريا إلى التطوير الطبيعي لعناصر اللغة.

1 ل. فيفر: Hisoire et dialectologie في مجلة Revue de la Synthese historique مجلد 12، ص429.

ص: 327

وهذا غير الحال في اللغة المشتركة. لأن الظروف الخارجية هي التي تحددها وتدين بوجودها إلى انتشار قوة سياسية منظمة، أو إلى تأثير طبقة اجتماعية غالبة أو إلى تفوق أحد الآداب، ومهما كان الأصل الذي تعزى إليه نشأتها، فهناك دائما أسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تبعث على استبقائها. "المدنية وحدها هي التي تستطيع أن تنشر اللغة بين كتل عظيمة من البشر"1. ولا تتفكك اللغة المشتركة وتتفتت إلا إذا تراخت العرى الاجتماعية التي كانت تمسكها. وإذن فمن الممكن أن ندرس على انفراد تكون اللغات المشتركة وأن نبين بأمثلة من التاريخ الأسباب التي تبعث على نشوئها وازدهارها وذبولها.

تقوم اللغات المشتركة دائما على أساس لغة موجودة، حيث تتخذ هذه اللغة الموجودة لغة مشتركة من جانب أفراد مختلفي التكلم. وتفسر الظروف التاريخية تغلب هذه اللغة التي اتخذت أساسا وتعلل انتشارها في جميع مناطق التكلم المحلي المختلفة. ولكن على العالم اللغوي أن يبدأ بالعمل لتحديد هذه اللغة.

1 ا. رينان: رقم 111، ص101.

2 مييه: رقم 93، ص243-244. وقارن كرتشمير kretschmer رقم 177؛ و Thumb رقم 213، وهفمان: رقم 168.

ص: 328

فقد كانت البونية منذ انتشارها على شواطئ آسيا الصغرى قد صارت لغة مشتركة، وهذه اللغة نعرفها من هيرودوت الذي يمثلها لنا خير تمثيل. فمع كوننا نعرف بشهادة هذه المؤرخ أنه كان يوجد في الدوديكابول Dodecapole عدد من اللهجات المحلية التي يختلف بعضها عن بعض، فقد كان فيها أيضا لغة مشتركة تظل اللهجات المحلية. ولكن الظروف السياسية لم تمكن هذه اللغة البونية المشتركة من الوصول إلى الأهمية التي وصلت إليها اللغة الأتيكية فيما بعد. فقد صارت الأتيكية في الفترة التي بين الحروب الميدية وقيام الإمبراطورية المقدونية في حالة تسمح لها بأن تمد العالم الهليني جميعه بلغة مشتركة، وذلك بفضل هذا التعاون الفائق الذي أنتجته عدة أسباب معقدة. ويجب أن نذكر بين الأسباب التي ساعدت لهجة الأيتكيين على هذا التغلب، ذلك الدور الأساسي الذي آل إلى أثينا بعد سقوط الإمبراطورية الفارسية. ولكن زاد من قون الأتيكية وإشعاعها شهرة شعرائها وفنانيها، فكان لأثينا -بوصفها مركزا سياسيا وأدبيا وفنيا على السواء- شرف تأسيس اللغة المشتركة التي ظلت منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن التاسع بعد الميلاد، أداة للتفكير عند جميع الإغريقيين. هذه اللغة خرجت من اللهجة الأتيكية كما كانت تتكلم في حدود الإقليم، فهي لا شيء أكثر من تهيئة اللهجة الأتيكية لاستعمال سكان ذوي لهجات بل ولغات مختلفة.

في إيطاليا القديمة تختلف الظروف بعض الشيء1. فاللاتينية التي صارت لغة إيطاليا المشتركة وأخيرا لغة العالم الغربي بأسره، كانت لغة روما أولا وقبل كل شيء، أي لغة المدينة في مقابلة لغة الريف المجاور واللهجات القاصية على السواء. وقد بدأت لغة المدينة Le sermo urbanus بالتضييق على اللغة الريفية le sermo rusticus قبل أن تحل محل اللهجات المجاورة بعد أن غزتها في عقر دارها، مثل السابية le sabin والمرسية le marse، ثم محل لغات إيطاليا الأخرى من أسكية l'osque وأمبرية l'ombrien وأترسكية l'etrusque

1 شتلتس Stolz، رقم 208.

ص: 329

وكلتية le celtique وإغريقية. وهنا أيضا نقابل أهمية المدينة بوصفها عاصمة سياسية.

من العاصمة أيضا خرجت الفرنسية المشتركة. فأهمية باريس السياسية والمنطقة الباريسية تفسر لنا بدرجة كبيرة انتشار لهجة الإيل دي فرانس l'Ile de france أي "الفرنسية" في الأقاليم المجاورة وذلك بانضمام هذه الأقاليم إلى المملكة، وصيرورتها في نهاية الأمر أداة للتبادل الذهني من دنكرك إلى بربنيان ومن برست إلى شامونكس. وفرنسية الإيل دي فرانس لم تمتد فحسب على اللهجات التي تشترك معها في أسرة واحدة، أي اللهجات المشتقة مثلها من اللاتينية، بل اتخذت أيضا لغة مشتركة لدى الفلمنكيين والبريتانيين، مع أن لغتيهما الطبيعيتين من أصل جرماني أو كلتي؛ كما نفذت بوصفها لغة مشتركة في إقليم الباسك في الجنوب الغربي من فرنسا، على أنها لم تقتصر على حدود فرنسا السياسية، إذ إن بعض الأجزاء البلجيكية والسويسرية يدخل في المجال الفرنسي من الوجهة اللغوية، وذلك دون أن نتكلم عن الجاليات القديمة أو الحديثة التي تعمل على انتشار الفرنسية فيما وراء البحار1. وتاريخ هذه الفرنسية المشتركة وتاريخ تكوينها وانتشارها الجغرافي يتصل اتصالا وثيقا بتاريخ فرنسا السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ فلا يستطاع فهم أحدهما دون معرفة الآخر. ولكن الفرنسية إنما خرجت من العاصمة، ومن طبقة اجتماعية بعينها من طبقات العاصمة، وهي البرجوازية. وهذه حقيقة أبان عنها برينو Brunot في وضوح بالغ2: إن لغتنا المشتركة على النحو الذي استقرت عليه في القرن السابع عشر، هي لغة البرجوازية الباريسية، برجوازية "المدينة"، وقد سلم بها القصر ثم الأقاليم، والكتاب الكبار باستعمالهم إياها زودوها بالقدرة على فرض نفسها نهائيا وعلى استمرارها. لذلك لا نكاد نحس فيها أثرا للهجات. الإسبانية المشتركة نشأت واستقرت قبل الفرنسية بزمن طويل. إذ كانت

1 انظر la langue francaise dans le monde "نشر الأليانس فرنسيز" باريس 1900.

2 رقم 57، مجلد 3 "La formation de la langue francaise". انظر أيضا روسيه Rosset، رقم 112.

ص: 330

شبه الجزيرة عند الفتح العربي "عام 711" ميدانا لثلاث مجاميع من اللهجات يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا: الغاليسية في الغرب والقسطلانية في الشرق ومجموعة وسطى تشغل منطقة شاسعة. والإسبانية المشتركة خرجت من لهجة من لهجات الشمال، لهجة قسطلة القديمة La Vieille- Castille القريبة من الأقاليم البسكية. اتجه انتشار القسطلانية نحو الجنوب، لأسباب يبررها التاريخ السياسي، وكان انتشارها في شكل هلال أخذ يزحف على لهجات المجموعة الوسطى شيئا فشيئا. ومع ذلك فقد بقيت عن يسار القسطلانية بمعناها الضيق وعن يمينها بقايا من هذه المجموعة تتمثل حتى أيامنا هذه في لهجتي الليون le leon والأرجون l'Aragon، اللتين تتشابهان تشابها غريبا. وقد صارت القسطلانية لغة أدبية في القرن الثالث عشر بفضل الملك ألفونس العاشر "1252-1284" الذي كان يحتل بالنسبة لأسبانيا الذي يحتله دانتي بالنسبة لإيطاليا. فالأسبانية المشتركة إذن نتيجة لتفوق قسطلة في السياسة والآداب. وهذا التفوق لم يمتد إلى البرتغال التي صارت دولة مستقلة منذ نهاية القرن الحادي عشر. واللهجات البرتغالية كانت تنتمي دائما إلى مجموعة الغربية. من ثم كانت البرتغالية القديمة تختلط بالغاليسية. ولكن الأهمية التي وصلت إليها لشبونة في القرن السادس عشر بوصفها العاصمة، وتأثير الشاعر الكبير كامونس "Camoens"؛ "1525-1580" جعلا الغلبة اللهجة المنطقة الوسطى في القطر الذي صارت فيه لغة البرتغال الأدبية المشتركة. أما اللهجة التي تتكلم اليوم في غاليسيا، فعليها سيما البرتغالية القديمة وقد توقفت عن التطور، ومع ذلك فهي مملوءة بالآثار اللغوية الأسبانية1.

إذا قارنا الإنجليزية المشتركة بالفرنسية أو الأسبانية، وجدناها تحمل منذ بدايتها آثار اللهجات المختلفة2. وهذا ناتج من وقع مدينة لندن التي نشأت فيها الإنجليزية المشتركة في نقطة تجعلها ملتقي لمختلف اللهجات. هذا إلى أن تكون اللغة

1 تدين بالمعلومات التي نوردها في هذه الفقرة إلى الأستاذ أمريجو كاسترو Amerigo castro الذي تفضل فبعث بها إلينا، وانظر ليني دي فاشكنشلوس leite de Vasconcellos رقم 127.

2 و. هورن W. Horn، رقم 169، 170؛ مرصباخ Morsbach رقم 183.

ص: 331

المشتركة صادف وقوعه فترة نمو لندن المفاجئ حيث أخذت تتلقى بين أحضانها طوائف المهاجرين على اختلافهم، يفدون عليها من كل الأقاليم ويمتزجون بالسكان السابقين. هذه الهجرات أدت إلى شحن اللغة المشتركة بآثار اللهجات، حتى لنجد نطق الإنجليزية في القرن السابع عشر لم يثبت بعد، وأنه يشتمل على كثير من وجوه الخلاف. ولا تزال بقايا منه موجودة حتى اليوم. ولكن هذه الهجرة الإقليمية أنعشت تبادل السكان بين العاصمة والأقاليم، ذلك التبادل المفيد الذي أدى أجل خدمة لانتشار اللغة المشتركة. وإذن فإنجلترا تدين أيضا بتوحيد لغتها توحيدا نسبيا إلى أهمية عاصمتها، ولكن ذلك كان في ظروف تختلف اختلافا محسوسا عن الظروف التي تكونت فيها الفرنسية. فهذه الأخيرة أقوى توحيدا.

نشأت في أيامنا هذه لغات مشتركة في شبه جزيرة البلقان، والمستقبل وحده كفيل بتعديل حدودها أو بتوسيعها، ولكنها أيضا نشأت من وجود عاصمة. فاللهجات الصربية الجنوبية كثيرة الاختلاف عن الصربية التي تكتب وتتكلم في بلغراد1. فالنبر فيها في غير موضعه في الأولى، والكم غير مرعي والإعراب مبسط للغاية. وتعتبر هذه اللهجات من وجهات شتى خطوات وسطى بين الصربية والبلغارية، إذ من المستحيل عمليا أن نخط حدا لهجيا بين اللغتين. ولكن توجد -منذ نهاية الحروب البلقانية- لغة صربية مشتركة تغير على اللهجات الجنوبية وتبتلعها داخل الحدود السياسية لمملكة الصرب. ونحن مثلا على علم تام بالطريقة التي بها تحل اللغة الأدبية المشتركة محل اللهجة المسماة بالإيكافية l'ikavien2. وينحصر التغير الأساسي في إحلال المجموعة الصوتية iye "إيبي" محل i "-ي" وييسر هذا الإحلال في بلاد الصرب وجود الوحدة

1 ا. بروخ O. Broch؛ Die Dialekte des sudlichsten serbiens فينا "1903" linguist-Abteilung "schriften der Balkan-Commission" مجلد 3.

2 هـ. هرت H. Hirt؛ Der ikavische Dialeket im konigreiche Serbien "رقم 39، phil. hist. klasseK، مجلد 146، 1903".

ص: 332

العائلية، ألا وهي الزدروجا la zadruga1. إذ يجب ألا يكون في داخل الزدروجا إلا لغة واحدة، ولكن التزاوج يدخل في الزدروجا باستمرار نساء أجنبيات عن الإقليم، يتكلمن لغات مختلفة، وبهذا تضعف مقاومة اللغة المحلية، وبمقدار ضعفها يزداد أثر اللغة المشتركة. وعلى هذا، تصير اللغة الأدبية لغة الكلام بين جميع الصربيين المقيمين بالمملكة.

وفي ألمانيا -حيث العاصمة حديثة العهد وليس لها أثر غير منازع على مجموع الأقاليم الألمانية- قام انتشار اللغة المشتركة على أسباب مستقلة عن كل وحدة سياسية. فالألمانية المشتركة أولا وقبل كل شيء لغة كتابة، تدين بنجاحها إلى أسباب دينية، كما تدين بأصلها إلى الرغبة في الاستعمار2. فبحركة الإصلاح انتشرت ألمانية لوثر في المنطقة الألمانية السفلى بأسرها؛ وفي نهاية القرن السادس عشر كان لا يستعمل في هذا المجال لغة مكتوبة أخرى غير اللغة الأدبية المشتركة. وكان الانتشار بطيئا في أقاليم جنوب ألمانية الكاثوليكية وفي سويسرة البروتستنتية. غير أن لوثر نفسه إنما استخدم آلة قد مهدت منذ زمن طويل. إذ كان يوجد منذ القرن الرابع عشر في مستشاريات المدن أو مستشاريات الإمارات الألمانية، ميل لاتخاذ لغة مشتركة تختلف عن اللهجات الإقليمية. والمستشارية الإمبراطورية هي الأولى التي سنت هذه السنة3. إذ أخذت على عاتقها أن تتجنب الخصائص اللهجية وأن تستعمل لغة واحدة في جميع الأقاليم التي تحت سلطانها. وهذا واضح في عهد الإمبراطور شارل الرابع في صميم القرن الرابع عشر. وقد استمدت لغة المستشارية قوة عظيمة من كونها لغة استعمار أولا وقبل كل شيء. إذ الواقع أن الألمانية كانت تحتل الأراضي السلافية قدما بقدم وتحل محل اللغات السلافية. فتكونت الألمانية المشتركة في مدن الاستعمار في ألمانيا

1 "الزواج إحدى الوسائط الإنسانية الدائمة بين اللغة والتاريخ المحلي". تراشيه Terracher، رقم 124، ص10 من التمهيد: وص228.

2 كلوجه kluge: رقم 175، 176؛ وجتياهر Gutjahr؛ Die Anfange der neuhochdeutschen schriftsprache vor Luther، هال "1910".

3 سوسن Socin: رقم 206، ص164، 203.

ص: 333

الشرقية، تلك اللغة التي وصلت بفصل الإصلاح الديني إلى أهميتها الأدبية، واستقرت بفضل اكتشاف المطبعة وصارت لغة الكتابة في ألمانيا المثقفة بأسرها.

وتاريخ الروسية يختلف عن ذلك اختلاف محسوسا1. فقد ظلت اللغة السلافونية -وهي التي استعملها مترجمو الكتاب المقدس الأقدمون- لغة الكتابة في روسيا طوال العصور الوسطى. هذه السلافونية وهي تقوم على أساس اللهجات السلافية الجنوبية "في إقليم سالونيك" قد أصابها في روسيا شيء من التأقلم، ولكنها لم تتحد إطلاقا مع الروسية نفسها. وإذا كان أناس من أنصاف المثقفين قد كتبوا بلغة أقرب إلى لغة الكلام، فإن اللغة الأدبية بقيت دائما لغة الكنيسة. ولم تأخذ اللغة في التخلص من هذا الأثر السلوفاني إلا منذ بطرس الأكبر، حيث حذت حذو لغات أوربا الغربية ولا سيما الفرنسية والألمانية، وسايرت الاستعمال السائد في روسيا الوسطى على النحو الذي كانت توجد عليه في العاصمة القديمة موسكو. فتكونت في غضون القرن التاسع عشر لغة أدبية فيها آثار سلافونية ولكنها تستند في جوهرها على لغة الكلام المستعملة.

اتخذت البولونية لغة أدبية منذ القرن الرابع عشر، ولكنها لم تزدهر بهذه الصفة إلا في القرن السادس عشر، في إقليم كراكوفيا "بولونيا الصغرى". ومع ذلك فإن البولونية الأدبية والمشتركة ليست لغة هذا الإقليم، وإنما خرجت من إقليم بوسن Posen ومن جنيسن Gnesen "بولونيا الكبرى" التي تعد مهد البولونيين الجنسي في القرن العاشر. فمن بيع مجاميع اللهجات الكبرى الأربع، المازوفية mazovien والبسنانية pasnanien والكراكوفية Cracovien ولهجة بولونيي رويتنيا Ruthenie2. اتخذت البسنانية وحدها أساسا للغة الأدبية

1 ا. بده E. Budde. تاريخ مجمل للروسية الأدبية المعاصرة من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر "بالروسية"، وهو ما تحتوي عليه الكراسة الثانية عشرة من Enciklopedija slavjonskoj filologif، بطرسبرج، 1908.

2 انظر كازيميرنتش Casimir Nitsch؛ Mova ludu polskiego: كراكوفيا "1911".

ص: 334

المشتركة، ولكن هذه اللغة تطورت في بولونيا الصغرى، وتم تكوينها في الجزء الشرقي من المنطقة، في روتينيا أي في أرض مستعمرة لم تكن تنتمي في الأصل إلى بولونيا الجنسية.

وأخيرا توجد لغات مشتركة من أصل أدبي محض. مثل الإيطالية1 التي استقرت لغة مشتركة ابتداء من القرن الرابع عشر بفضل هيبة الكتاب العظام وتأثيرهم، مثل دانتي وبترارك وبوكاشيو، وذلك في وقت لم يكن لإيطاليا فيه أية وحدة سياسية. وأغلب الظن أن هؤلاء الكتاب استعملوا اللغة التي كانت تتكلم حولهم، ومن ثم أطلق اسم اللغة التسكانية lingua toscana على اللغة الأدبية الإيطالية. ولكن هذه التسمية لا تفرض أن تكون إيطالية الكتب قد أتت من انتشار لهجة إقليمية. فاللغة التي رفعها دانتي إلى مرتبة اللغة الأدبية، والتي صارت لغة إيطاليا المشتركة، كانت أولا وقبل كل شيء لغة مدينة هي فلورنسا، ولغة المجتمع الراقي في هذه المدينة. واللغة التسكانية نفسها فيها خصائص لم تدخل في اللغة الأدبية، فهي مثلا الـC "ك" إلى SPIRANTE إذا وقعت بين حركتين فتقول FUOHO بدلا من fuoco و la hasa بدلا من la casa. ومع ذلك فمن الحق أن نلاحظ أن أسبانيا عديدة مختلفة النواحي جعلت من فلورنسا la terra promessa "أرض الميعاد" للغة الإيطالية المشتركة. فهذه المدينة فضلا عن نبوغ كتابها وأهميتها كمركز أدبي واقعة بين بولني Bologne وروما، مما رشحها لتكون همزة الوصل بين المدن الثقافية في إيطاليا. ولغة فلورنسا من جهة أخرى كانت مزاياها الذاتية ترشحها أكثر من غيرها للقيام بدور اللغة المشتركة، إذ كانت أقرب من غيرها إلى اللاتينية، وبذلك كانت تيسر لكل متعلم الانتقال من لهجته إلى اللغة المشتركة. وهذا كله مهد لانتصار التسكانية lingua toscana

1 دوفديو Dovidio؛ Lingua e dialetto "رقم 41، مجلد 1، ص564-583"، وج. اسكولي G. Askoli؛ Il toscano e il linguaggio letterarion degli italiani "رقم 41 مجلد 8، ص121-128"، وبيو راجنا pio rajna؛ Origine della lingua italiana "Manuale della letteratura italiana" تأليف دنكو D'Ancona وبتشي Bacci، مجلد 1، الطبعة الثانية "1908"، ص15-24".

ص: 335

هذا الانتصار الذي تم حين راح Bembo البندقي نفسه يستعملها في مؤلفاته في القرن الرابع عشر. طريقة تكون اللغات التي قدمنا منها عدة صور تؤثر على العلاقة التي تكون بين هذه اللغات وبين اللهجات فإذا لم تكن اللغة المشتركة نفسها إلا لهجة أظهرتها الظروف على اللهجات المجاورة، سهل عليها ابتلاع هذه اللهجات في وقت وجيز لأن اللهجة التي اتخذت أساسا، لها من السلطان ما يفرضها على اللهجات الأخرى. وأغلب الظن أنها تفقد على وجه العموم ما فيها من صفات موغلة في الخصوصية، فقد تخلصت الأتيكية مثلا من بعض خصائصها البينة عندما صارت اللغة الهلينستية. ولكن اللهجات الأخرى من جانبها تبلى سريعا باحتكاكها باللغة المشتركة. فاللهجات تمحي حدودها شيئا فشيئا إلى أن تنتهي بالاندماج في اللغة العامة، اللهم إلا إذا أمدتها ظروف خاصة بحيوية تطيل في عمرها في صورة لغات خاصة أو لغات أدبية فلم يبق عندنا في فرنسا الشمالية لهجات بمعنى الكلمة، لم يبق هناك من وسيط بين اللغة المشتركة والتكلم المحلي الذي يسمى رطانة patois، والبيكاردي لم يعد في وسعه أن يتصور غير نوعين من اللغات: رطانته الخاصة واللغة الفرنسية المشتركة، وقد تعلم هذه الأخيرة في المدرسة وتطلع عليه كل صباح في صحيفته اليومية. هذا إلى أن طريقة التكلم المحلية تمتلئ يوما بعد يوم بالعناصر التي تستعيرها من اللغة المشتركة. ولكن إذا اتفق لبعض العناصر المحلية أن تدلف إلى اللغة المشتركة، فليس معنى هذا أننا نواجه بقايا لهجية أو أمام لهجة جديدة في سبيل التكوين، بل نواجه اللغة المشتركة نفسها في مظهر محلي. ويجب أن نرجع قرونا إلى الوراء لنعثر على نصوص مكتوبة بالبيكاردية. فاللهجة البيكاردية

قد انقرضت من يوم أن فقد المتكلمون بها الأحساس باستقلال اللهجة وهيبتها.

ص: 336

وتشربت اللاتينية في إيطاليا عددا من اللغات التي لا نعرف عنها اليوم شيئا يذكر، كما تشربت اللهجات المجاورة للهجة روما. وقد نجحت بعض الجهود التي بذلها فريق من علماء اللغة في أن يستخرجوا من مفردات اللاتينية ومن نظاميها الصوتي والصرفي بعض سمات لهجية، ولعل لهجات إيطاليا الحديثة تحتفظ ببعضها حتى الآن2.

توجد إذن بين اللهجات التي تدخل في إعداد اللغة العامة درجات يجب التمييز بينها. فأكثرها مبادرة بالاختفاء أقربها إلى اللغة التي اتخذت أساسا للغة المشتركة. هذه الملاحظة التي تبدو مبتذلة، لها أهميتها في دراسة احتكاك اللغات "انظر أواخر الفصل الرابع". ومن ثم كان هناك فرق محسوس بين الأثرين اللذين وقعا من الدنمركية ومن الفرنسية النرمندية على اللغة الإنجليزية3. فبنية الإنجليزية لم تتأثر بهذه الأخيرة إلا قليلا، أما الدنمركية فقد تركت فيها أثرا عميقا: فتمزيق النظام النحوي وتبسيطه قد وقعا في الأقاليم التي كان يقيم فيها الدنمركيون قبل وقوعهما في الأجزاء الجنوبية وهي الأجزاء التي نزل فيها النرمنديون قبل ذلك بقرنين من الزمان. نعم يجب أن نلاحظ أن عدد النرمنديين في إنجلترا كان قليلا

1 ثمب THUMB، رقم 213.

2 انظر دراسات ج. مول G. Mohi؛ Chronologie du latin vulgaire وأربو Ernout؛ رقم 70 ودي ريبزو de Ribezzo؛ Reliquie italiche mei dialetti dell italia meridionale في "Atti accad. Arch lett. Bell. arti، Napoli 1، 1908"،

3 جسبرسن 134، ص170-173.

ص: 337

نسبيا، وأنهم كانوا يكونون فيها طبقة خاصة، ولكن إذا صرفنا النظر عن هذه الظروف الاجتماعية والسياسية، وجدنا أن الاختلاف الذي أشرنا إليه آت من درجة القرابة بين اللغات التي نحن بصددها. فقد كان بين الإنجليزية والدنمركية من جهة النظام النحوي وجوه شبه لم تكن بين الإنجليزية والفرنسية النرمندية. واللغات المشتركة التي هي لغات كتابة قبل كل شيء كالألمانية والإيطالية تختلف في وضعها عن اللهجات اختلافا كافيا. فالقاعدة التي تقوم عليها اللغة المشتركة لا تتعارض مع اللهجات، إذ إنه لا تميل لهجة أيا كانت إلى الاعتداء على اللهجات الأخرى. وذلك لأنهما لغتان مختلفتان تسيران جنبا إلى جنب. والشعور بوجود وحدة لغوية أوسع من اللهجة المحلية وأضيق من وحدة اللغة المشتركة، يوجد في البلاد كلها دون أن يصاب بضعف يذكر. ففي بييمنت وفي اللمبارديا لا تتفق لغة الحديث ولغة الكتابة، وهذه الأخيرة تتسم بطابع الاصطناعية والحوشية، فهي حقا لغة ميتة لا تلقائية فيها، ولا Securezza كما يقول اسكولي1. كذلك في ألمانيا يمكننا حتى اليوم أن نتكلم عن اللهجات. وهي فيها تشغل مكانا وسطا بين الرطانة المحلية واللغة المشتركة، وتتمثل في الشعور الشعبي على أنها لغة مناطق على جانب من الاتساع وإن كانت حدودها غير بينة. ولهذه اللهجات مكانها في الآداب وفي الصحافة. واللغة المشتركة تتأثر بها لأن نطقها غير موحد في كل مكان وتختلف صورة التكلم بها باختلاف الأقاليم. وجدنا أن كل ألماني يتأثر في نطقه للغة المشتركة باللهجات إن قليلا وإن كثيرا. فالألمانية المشتركة تكتب بصورة واحدة في كل مكان، ولكنها تنطق بصور مختلفة إلى حد يسمح للسامع بتعيين أصل المتكلم من نطقه. أما الاختلافات التي تلاحظ في نطق الفرنسيين من أهل الأقاليم، فتعتبر تافهة إذا قورنت بآثار اللهجات في الألمانية.

ومع ذلك فقد سبق أن قلنا إنه لا يوجد فاصل مطلق بين الألمانية المشتركة، وهي لغة كتابة، وبين اللهجات الإقليمية. والواقع أنه يوجد، كما يتوقع، تبادل

1 اسكولي Ascoli، رقم 41، مجلد 8، ص126.

ص: 338

دائم بين هذه وتلك، فهناك تداخل من كلا الجانبين في الجانب الآخر. ومن نتائج هذا التداخل أنه يقلل من حدة الخصائص اللهجية، حتى ليحق لنا أن نتنبأ هنا، كما في الحالة السابقة باختفاء اللهجات. بعد زمن ما قد يطول وقد يقصر ولكن يجب علينا عند الكلام على تنافس اللهجات واللغات المشتركة ألا نسقط من حسابنا حقيقة جوهرية لم نقل عنها شيئا حتى الآن، وهي الثبات النسبي لكل منهما.

لما كنا سنفرد للغة المكتوبة فصلا خاصا فيما بعد، لم يكن لنا أن نتكلم عنها هنا إلا بمقدار اتصالها بتطور اللغات المشتركة. واللغة المكتوبة تمثل دائما تقاليد وقواعد محافظة. بالطبع قد توجد التقاليد دون الكتابة. فقد كان عند الجوليين، كما يروي قيصر، رسوم يفضي بها القسس شفويا إلى ذاكرة تلاميذهم، وعلى هذا

ص: 339

النحو كانت تنتقل من جيل إلى جيل. وفي الهند كانت النصوص الدينية، قبل وجود الكتابة، تنتقل بالطريق الشفوي دون أن تصاب بأدنى تغيير.

ولكن من البدهي أن التقاليد، إذا اعتمدت على الكتابة، ازدادت قوة وقدرة على المقاومة.

ينبغي ألا نخلط بين "لغة مكتوبة" و"لغة أدبية". فقد يجتمع المعنيان أحيانا في لغة واحدة. ولكنهما قد يتعارضان ويتضاربان. اللغة المكتوبة في غالب الأمر عبارة عن اللغة المشتركة، أما اللغات الأدبية فتتميز عن هذه الأخيرة في غالب الأحيان؛ لأن رجال الأدب في كثير من الأقطار، من شعراء وقصاص يكونون طبقة منعزلة لها تقاليدها وعوائدها وامتيازاتها، وفي هذه الحال كانت للغتهم كل خصائص اللغة الخاصة، وكانت تتطلب تهيئة وترويضا وتثقيفا مهنيا. بل كان يتفق أن يكون الدور الذي يقوم به الشاعر دورا شبه ديني، وأن تكون بعض اللغات الأدبية لغات دينية في نفس الوقت، وقد حفظت السنسكريتية مثلا هذا الطابع زمنا طويلا. ولعل الخصائص التي نعثر عليها في القصائد الغنائية الكبرى في بلاد اليونان ترجع إلى كونها تقوم على لغات دينية خاصة. بل لقد وجد في كثير من الأقطار لغات أدبية مقصورة على استعمالات معينة مع بعدها عن كل تأثر ديني، ولغة الملحمة اليونانية صورة من هذه اللغات الأدبية الخاصة التي تكونت بفعل الشعراء وانتهت بالاستقرار الدائم، فكان كل من يضع بين شفتيه بوق الفروسية في بلاد الإغريق ينفخ فيه لغة لا تتصل بأية واحدة من اللغات المتكلمة، وقد سار أبلون الرودسي وكونتوس الأزميري على تقاليد هوميروس. كذلك كان من المتواضع عليه في أثينا أن تستعمل لأجزاء الغناء الجماعي في التراجيدية لغة معينة مصبوغة بالأصباغ الدورية وإن لم تمثل في جوهرها لهجة دورية معينة. وفي الهند وجدت لغات أدبية على أساس ما من اللهجات، وكانت لا تستعمل إلا في أنواع أدبية معينة، ولا يستعملها من الشعراء إلا طوائف خاصة، وكانت تتميز عن اللغة المشتركة باختلافها عنها. وسكان الملايو الذين لا يتكلمون

ص: 340

لغة هندية أوربية عندهم لغة أدبية خاصة تسمى الكاوية Kawi، وهي مفعمة بالعناصر السنسكريتية1.

ولكنا نستطيع -حتى بغض النظر عن الحالات التي تستمد فيها اللغة الأدبية أصلها من اللغة الخاصة- أن نفهم بسهولة الفرق الذي يفصل بين اللغة الأدبية واللغة المشتركة، والواقع أن خاصية اللغة المشتركة الأساسية تنحصر في أنها لغة وسطى تقوم بين لغات أولئك الذين يتكلمونها جميعا، وإذا انتشرت اللغة المشتركة في قطر بأسره. أخذت العناصر المشتركة الداخلة في تكوينها في الازدياد، وأدى ذلك بالضرورة إلى النزول بمستواها، فبالرغم من الأثر البالغ الذي تقوم به النخبة العقلية، فإن العناصر التي تستعيرها اللغة من الطبقات السفلى من السكان تزداد بانتشار اللغة، وتصير بالتدريج كثيفة رتيبة لا لون لها، وعندئذ تتميز بالخصائص السلبية، أي بالضعف والسوقية.

ولكن الأديب في حاجة إلى أداة شخصية يعبر بها عما يوجد في ذكائه وحساسيته من عناصر خاصة، يقول موريس بريس M. Barres:"اللغة وقد قدت للاستعمال الشائع لا تستطيع التعبير إلا عن الحالات الخشنة". وكان لفلوبير في الكتابة طريقتان، تبعا لما إذا كان يحرر كتابا لصديق أو يكتب عملا أدبيا بأسلوبه المتوتر. "فالكتابة الفنية" رد فعل دائم ضد اللغة المشتركة، وهي إلى حد ما نوع مما يسمى بالأرجو "argot"، اللغة الخاصة الأدبية، وهي في كل حالاتها مغايرة للغة الكلام رغم تنوعها العديد ورغم اختلافها عند البرناسيين عنها عند الرمزيين وعنها عند كتاب عصور الانحلال. هذه اللغات الخاصة المنزوية في صوامعها المقصورة على عدد قليل من المريدين لا تعنينا هنا. وكل ما نستطيع أن نقوله عنها إنها في بعض الأحيان تغذي اللغة المشتركة ببعض التراكيب أو ببعض الكلمات. ولكن علينا هنا أن نبحث الحالة التي تكون فيها اللغة الأدبية واللغة المكتوبة شيئا واحدا، والتي فيها تعتبر اللغتان معا نواة للغة المشتركة.

1 انظر الكتاب الشهير تأليف و. فون هميولت v. von Humboldt؛ Uber die kawisprache auf der insel java، برلين 1836-1839.

ص: 341

النصيب الذي ساهم به الكتاب الفرنسيون في تكوين اللغة المشتركة عندنا كبير جدا، فاللغة التي نتعلمها في المدرسة ندين بها إلى المجهود المزدوج الذي قام به الأدباء والنحاة1، فهم الذين خلقوا لنا هذه الأداة الجميلة، وسهروا عليها بحدب شديد عاملين على ألا يعلوها الصدا، فيغير معالمها، وقد يبدو لنا أن تطهير اللغة الذي دام قرونا عديدة عمل جدلي رخيص، مغرق في الادعاء والتظاهر، ولكن الفوائد التي نجنيها من هذا العمل تحملنا على الاعتراف بالجميل لمن قاموا به.

فأصبح لدينا بفضل أساتذة المدارس الذين درجوا على دراسة الكتاب، خير قالب نصوغ فيه أفكارنا، وصارت لنا لغة كل كلمة من كلماتها لها معناها اللائق، وكل تركيب من تراكيبها قد انفرد بدقائق ولطائف لا تبارى؛ إذ إنهم أقصوا عن اللغة كل ما يجرح الطبع السليم والذوق الحسن، ودأبوا على إخضاعها لقواعد العقل واللياقة فجعلوا منها، على حد قول بوهور Bouhours، أداة قادرة "على إمساك أشد المواد قوة ورفع أشدها ضعفا"، وبالاختصار جعلوها منذ البداية قديرة على الاستجابة لكل مطالب العقل، وقد استفادت اللغة المشتركة أجل فائدة من الأعمال التي قاموا بها. استفادت الوضوح والأناقة والدقة مع التنوع، وكما قال ريفارول Rivarol "لقد استفادت تلك الأمانة المتصلة بعبقريتها".

كبار الكتاب يصنعون بالكلمات ما كان يصنعه الملوك القدماء بالنقود، يفرضون القيمة التي يريدونها ويحددون لها السعر الذي على كل فرد أن يقبله. وبذلك ينفذ فينا شيء من عقليتهم، وإذا تكلمنا الفرنسية فإن بسكال ولارو شفوكو ولا برويير وبوسويه ومنتسكيو وفولتير، هم الذين يملون علينا الكلمات التي نستعملها. وكل منا حين يكتب يعترف على غير شعور منه من ذكرياته المدرسية، مهما قل تعليمه. وهذا الكاتب المعاصر الذي نعرفه مثالا ليست لغته إلا نسخة من كتابنا الكلاسيكيين، فهو يصلح أن يتخذ مثلا يحتذى من كل من يحاول الكتابة بالفرنسية، لأنه يحقق على وجه الكمال المثل الأعلى للفرنسية

1 انظر برينو Brunot، رقم 57، مجلد 4، ص219 وما يليها، وراجع أيضا الكسيس فرنسوا Alexis francois؛ La grammaire du purisme et l'Academie francaise au 18 e siecle باريس "1905".

ص: 342

الأدبية، في صورتها العامة و"المشتركة"، والواقع أننا نتبين طابع أساتذتنا العظام بكل حذافيره في جميع مؤلفاته من طريقة استعماله للكلمات وكيفية وصلها بعضها ببعض وفي تركيب الجملة ووزنها. نعم يجب على من يتصدى لتقدير هذا الفن الخفي أن يكون ذا ذوق مدرب، ولكنها لذة كبرى تلك التي يشعر بها حين ينظر في هذا النسج الجميل اللامع فيستطيع أن يتبين كل خيط من خيوطه ويميز مصدره، ومن المؤلم حقا أن نفكر في أنه قد يأتي يوم لا يوجد فيه من يستطيع تذوق هذه اللذة، وذلك إذا تخلى التعليم، في تغيره طبيعة وغرضا، عن العناية بالنخبة المختارة، عندئذ نقصر الجلافة الشعبية عن فهم قيمة هذا النسج فتطأ بأقدامها محملا دقيق الصنع تناسقت ألوانه حتى كأنه لوحة رسمت "بالباستيل".

ذلك بالطبع لأن كل صورة فنية فيها شيء من الشخصية بعيد عن إدراك الجماهير، هذا إلى أن خلق صورة "مشتركة" مهما كانت درجة كمالها، ليس إلا فترة في تاريخ اللغة. وأن اللغة المكتوبة أيضا في تأخر دائم بالنسبة للغة المتكلمة.

تكوين اللغات المشتركة معناه فترة من التوقف في تطور اللغة. إذ تتبلور الصيغ والتراكيب وتتحجر، وتفقد طواعية الحياة الطبيعية، ولكنا نخدع أنفسنا إذا افترضنا أن اللغة تستطيع التوقف. والذي يحملنا على هذا الظن أنها لغة اصطناعية توضع بجانب اللغة الطبيعية، والبون بين اللغتين يكون ضئيلا في بادئ الأمر، ثم يعظم مع الزمن، حتى يأتي يوم يصير فيه هذا البون صدعا عميقا. ويمكننا أن نقارن خلق اللغات المكتوبة بتكون طبقة من الجليد على سطح نهر. فالجليد يستعير مادته من النهر، بل بعبارة أوضح ليس الجليد إلا ماء النهر نفسه، ومع ذلك فليس هو النهر. وإذا رأى الجليد أحد الأطفال ظن أن النهر غير موجود وأن تياره قد توقف عن المسير. وهذا خداع! فالماء تحت طبقة الجليد لا يزال يجري منحدرا في طريقه نحو السهل، وإذا تكسر الجليد رأينا الماء ينبثق فجأة ويتلاطم مزمجرا. هذه صورة من تيار اللغة، فاللغة المكتوبة هي طبقة الجليد التي فوق النهر، والماء الذي يتابع جريانه تحت الجليد الذي يحبسه هو اللغة الشعبية والطبيعية. والبرودة التي تنتج الجليد وتبغي احتجاز النهر، هي مجهود النحويين

ص: 343

والمربيين، وأشعة الشمس التي تعيد إلى اللغة حريتها هي قوة الحياةالتي لا تقهر، تتغلب على القواعد وتحطم قيود التقاليد.

الفرنسية الحالية تبرر التشبيه السابق بصورة مرضية. فالبون الذي بين لغة الكتابة ولغة الكلام لا تزيده الأيام إلا اتساعا. فالتنظيم والمفردات ليست واحدة في كلتا الحالتين. بل إن الصرف نفسه يحتوي على بعض الفروق، فالماضي المحدد "أو البسيط". PASSE DEFINI والماضي غير التام من صيغة التبعية IMPARFATI DU SUBJONCTIF لم يعد لها استعمال في لغة الكلام. ولكن اختلاف المفردات بوجه خاص هو الذي يكاد وضوحه يعشي العيون. فنحن نكتب لغة ميتة، تلك اللغة ترجع إلى كتاب القرن السابع عشر ويمثلها اليوم في أتم صورها ذلك الكاتب المعاصر الذي أشرنا إليه. ولكنا نتكلم لغة غير ذلك. ومفرداتنا الجارية قد تغيرت منذ القرن السابع عشر1. والفرق بين الكلمات التي تتكلم والكلمات التي تكتب يذكرنا بالفرق بين الكلمات السوقية وكلمات النبلاء، فنحن نأنف من كتابة معظم الكلمات التي تستعملها في المحادثة. والشخص الذي يتكلم كما يكتب يبدو لنا كأنه كائن متكلف، والأشخاص الذين من هذا القبيل في تناقص مستمر.

ظلت الطبقات العليا وقتا طويلا محتفظة بحوشية اللغة التي توحي بها استعمالات اللغة المكتوبة، وكانت الطبقات السفلى وحدها هي التي يشاهد فيها نشوء لغة فجائية تعمل على تحديد عناصر اللغة التعبيرية. واليوم نرى لغة الطبقات العالية التي كان وجودها غير طبيعي تختفي لتحل محلها اللغة الشعبية. والمتشددون جميعا ينعون هذا "السقوط"؛ ولكنها شكوى عقيمة2. لأن اللغة المكتوبة نفسها لم تصبح في مأمن من الإصابة، فالصحف اليومية التي يحررها على عجل أناس غير مثقفين في غالب الأحوال، أخذت تكثر شيئا فشيئا من استعمال عبارات اللغة

1 انظر ف. كوهين f cohen؛ les transformations de la langue francaise pendant la deuxieme moitie du 18 e siecle "1740-1789"، باريس "1903".

2 انظر خاصة E. Deschanel رقم 67، ب. ستايفر p. Stapfer. رقم 123.

ص: 344

المتكلمة، بل وصيغها، فالعبارة الخاطئة je m'en rapplle "استحضر منه في ذاكرتي" والتركيب المتبربر de facon a ce que "بصورة إلى أن" قد أصبحا فيها من الاستعمالات الجارية. وفي كل يوم تطالعنا فيها "أخطاء أخرى" ليست أقل خشونة من تلك. وقد أمكن لبعضهم أن يستخرج من إحدى الصحف الباريسية الواسعة الانتشار تراكيب مثل:"avec cette brusquerie dont il ne se depart pas" و"Cette affaire ressort de la prefecture de police" و"il demanda a ce que" و"au point de alors il s'enfuya"، "vue pecunier" إلخ. ونلاحظ أننا نجد في هذا الخليط المتبربر آثارا عديدة من اللغة المكتوبة، فمثلا عبارتا ressortir و se departir ليستا من استعمالات لغة الكلام، واستعمال الماضي البسيط، إحدى خصائص اللغة المكتوبة. فقد كان في عزم هذا الصحفي الذي ارتكب هذه الأخطاء وفي شعوره أن يكتب بلغة الكتابة، ولكن نقص ثقافته جعله يبني لغته المكتوبة من عناصر اصطناعية وزائفة في غالب أمرها. وعلى هذا النحو كان جرجوار دي تور Gregoire de tours -الذي كانت لاتينيته مشحونة بالأخطاء التي ترجع إلى اللغة المتكلمة حوله- لا يزال يستعمل الفعل اللاتيني المسمى deponert على الرغم من أنه كان قد اختفى من اللغة المتكلمة منذ زمن طويل، إذ إن الكثير من أفعال هذه الفصيلة لا يوجد في اللاتينية الكلاسيكية1.

ولكن يجب علينا، إنصافا للصحافة الفرنسية، أن نعترف بأن بعض الصحف الكبرى قد احتفظت باللغة الأدبية، حيث يتبع محرروها قواعد اللغة المكتوبة دون أن يحيدوا عنها قيد شعرة. وإذا كان عدد هذه الصحف في هبوط فإن تمسكها بالسلامة اللغوية لا يزداد إلا صرامة؛ وذلك رد فعل منها ضد تيار العامية الجارف، ومن ثم تزداد عنايتها بنقاء اللغة قوة على قوة. ولذلك السبب كانت الصحف الباريسية لا تكتب لغة واحدة بمعنى الكلمة. فالصحف الشعبية لا تكاد تكتب غير اللغة المتكلمة مصبوغة بالصبغة الأدبية إن قليلا وإن كثيرا. وعلى العكس من ذلك لا تستعمل الصحف الكبرى إلا اللغة التي كان

1 بونيه Bonnet، رقم 50، ص402.

ص: 345

يستعملها خير كتابنا في مؤلفاتهم: "اللغة الفرنسية الأدبية" النقية.

ولكن هذه الفرنسية الأدبية لغة تتعلم. فشدة اختلافها عن اللغة المتكلمة يتطلب مرانا كثيرا ما يطول زمنه، وممارسة على أكبر جانب من الحذر، وليس في مقدور أحد أن يقرر إلى متى ستظل المحافظة قائمة، وأعني بذلك المحافظة على تعلمها. وعلى كل حال يمكننا أن نتكهن للفرنسية الأدبية بمصير كمصير اللاتينية، أي أنها ستبقى ولكن بصفتها لغة ميتة، قد جمدت قواعدها ومفرداتها إلى الأبد. أما اللغة الحية فستتطور مستقلة عنها كما فعلت اللغات الرومانية. وكل ما يبقى للغة المكتوبة من عمل هو أن تصير مستودعا يزود اللغة المتكلمة بالمفردات "قارن ص291". وفي هذه الحالة تنشأ لغة أدبية تخالف اللغة العامية كما هي الحال في اللغة العربية حيث يوجد نوعان من اللغة يخالف أحدهما الآخر، وفي الصين حيث تخالف لغة المندريين mandarins اللغات المتكلمة1. ولو تحقق إصلاح الرسم عندنا لتجلى أمام أعيننا الفرق بين هاتين اللغتين الفرنسيتين جلاء تاما. فوجود الفرنسية الأدبية لا يمنع من أن تتكون تحت سطحها لغة مشتركة، فاللاتينية العامية التي منها خرجت اللغات الرومانية كانت تختلف عن اللاتينية الكلاسيكية التي كانت لا تزال تكتب في زمن أوزون Ausones وكلوديان Claudien. وكان إلى جانب الإغريقية المشتركة في العصر الهلينستي لغة أدبية اصطناعية، يختلف نظامها الصرفي عن النظام الصرفي للأولى فضلا عن اختلاف المفردات بينهما. الواقع أنه يمكن أن توجد عدة لغات مشتركة بعضها فوق بعض.

ففي الهند القديمة صارت السنسكريتية التي كانت في الأصل لغة دينية، لغة أدبية مشتركة في اليوم الذي جاءت فيه دولة دخيلة فأباحت استعمالها في الأمور الدنيوية. وهي اليوم لغة العلم، لغة الثقافة العالية والدين على السواء، فما زالت تقرأ في المعابد وتلقى نصوص بها مثل المهبهاراتا Le Mahabharata والبورانا les Puranas، كما لا يزال الكاثوليك يتمسكون بالنصوص اللاتينية في الكنيسة. ولكن لا حاجة بنا إلى القول بأن السنسكريتية تمتد إلى ما وراء منطقة اللغات

1 شتيننتال Steinthal، رقم 207، ص53.

ص: 346

الهندية، إذ إنها لا تضم شبه الجزيرة الهندية فحسب حيث يستعملها أناس مختلفو الأجناس واللغات، بل لقد حملها المبشرون البراهمة والبوذيون إلى جميع الأماكن التي وصلوا إليها في أداء رسالتهم.

وجود السنسكريتية لم يمنع من وجود لغات مشتركة أخرى. فقبل أن تتطور السنسكريتية إلى لغة أدبية بزمن طويل -وهي لم تصبح كذلك إلى حوالي ميلاد المسيح- وجدت لغات أحدث منها استعملت استعمال لغات مكتوبة مشتركة وكان الملك أسوكا Acoka قبل الميلاد بمائتين وخمسين عاما يستخدم هذه اللغات في كتاباته على أنها لغات رسمية، كما كانت تستخدم مع السنسكريتية نفسها لغات أخرى في كتابة النصوص البوذية على أنها لغات دينية، وذلك كاللغة البالية مثلا، وأخيرا كانت تستعمل في الدراسة بصورة عادية مع السنسكريتية بعض لغات أدبية "les prokrits" تذكرنا بما كانت عليه لغة الشعر الغنائي ولغة الملحمة في بلاد الإغريق1.

ولكن كان يوجد تحت سطح اللغات البركريتية2 منذ عهد سحيق، ولا يزال يوجد حتى الآن لهجات ورطانات محلية. وقد وصل بعضها إلى درجة من الأهمية جعلتها تستخدم في الحاجات الأدبية، وذلك مثل الهندية والبنغالية والماراتية. بل يوجد اليوم في الهند لغة مشتركة، وهي الهند ستانية التي لا تمثل في حقيقة الأمر أية لهجة حقيقية.

يمكننا أن نختتم هذا الفصل بذلك المثال من لغات الهند. فهو يوضح خير توضيح صلات اللغات المشتركة بعضها ببعض وباللهجات المحلية، وترينا مقدار الصعوبة التي يلاقيها من يحاول رسم حدود بين العناصر التي تكونها، وإلى أي حد يتداخل بعضها في بعض دون توقف. ذلك لأن تكون اللغات المشتركة وتطورها وتحللها تتوقف على أسباب تاريخية غريبة عن اللغة، أي على حركات المدنية نفسها.

1 ف. لكوت F. Locote؛ Essai sur Cunadhdya et la Brhatkatha ص40-59.

2 انظر جون بلك، Jules Bloch، رقم 49.

ص: 347

‌الفصل الرابع: احتكاك اللغات واختلاطها

1

تطور اللغة المستمر في معزل عن كل تأثير خارجي، يعد أمرا مثاليا لا يكاد يتحقق في أية لغة. بل على العكس من ذلك فإن الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات مجاورة لها كثيرا ما يلعب دورا هاما في التطور اللغوي.

ذلك لأن احتكاك اللغات ضرورة تاريخية، واحتكاك اللغات يؤدي حتما إلى تداخلها. وها نحن أولاء نرى تحت أعيننا وبالقرب ما أقاليم جمع فيها التاريخ على هويته شعوبا تتكلم لغات مختلفة، وفي الأقاليم التي من هذا القبيل يقتضي التوسع في التبادل التجاري وضرورة الاتصال معرفة لغات عدة معرفة جيدة. وكانت شبه جزيرة البلقان في كل عصورها ولا تزال حتى الآن ملتقى لكثير من اللغات، ومن الأجناس والجنسيات والأديان. ففيها اليوم أجناس مختلفة من سلافيين وإغريقيين وألبانيين ورومانيين وأتراك ويهود وأرمنيين. وكلهم يكونون جماعات كبيرة أو صغيرة. وهناك إغريق في تراقيا ورومانيون في مقدونيا وألبانيون في اليونان. والحدود السياسية لا تنطبق في أي مكان على الحدود الجنسية ولا على الحدود الدينية. فكل من الديانات الكاثوليكية والأرثوذكسية والإسلامية واليهودية تضم سكانا ينتبسون إلى أجناس مختلفة وجنسيات متباينة. واللغات التي

1 هـ. شوخارت: رقم 203 وا. وندش: Zur Theorie der Mischsprachen und Lehn worter، رقم 40، ليبترج 1897، ص101-126. وانظر عن المسائل النظرية. شوخارت: Kreolishe Studien "رقم 30 1882-1890" مجلد 101، 105 و116 و122"؛ ورقم 38، مجلد 12 و13 "ص476 و508". ومجلد 15، مجلد 6 "1912". وسايس: رقم 138، مجلد1، ص219، حيث توجد به أمثلة للغات المختلطة.

ص: 348

تساهم بنصيبها في تماسك الجنسية تضيف إلى كل هذا عنصرا آخر من عناصر التعقيد؛ فالصربية والبلغارية والإغريقية والألبانية والرومانية والتركية والأرمينية والأسبانية التي يتكلمها اليهود، تعيش كلها جنبا إلى جنب. ولكنا لا نشير هنا إلا إلى اللغات التي لا تتكلمها إلا المجاميع الكبيرة بصرف النظر عن اللهجات.

لا بد أن هذه الحالة التي تعتبر استثنائية في أوربا الحديثة كانت قاعدة يسير عليها التاريخ في غالب الأحيان. والنتائج اللغوية التي تنجم عنها كبيرة الخطر لأنه إذا احتكت لغتان إحداهما بالأخرى. أثرت كل منهما على صاحبتها. حتى ذهب بعض علماء اللغة بناء على هذه الحقيقة، إلى أنه لا توجد لغة غير مختلطة ولو إلى حد ما فعلينا إذن أن نناقش الظروف التي يمكن فيها اختلاط اللغات والنتائج اللغوية التي تنجم عن هذا الاحتكاك.

من الخطأ أن نتصور كون المنافسة بين لغتين متماستين تحدث دائما على وتيرة واحدة في كل الحالات، لأن قوة اللغات ليست واحدة، ومن ثم كانت تختلف قدرتها على المقاومة.

لنفرض أننا بصدر لغتين من ذوات المدنية العظيمة كالألمانية والفرنسية. فاللغتان كلتاهما قويتان، تستويان في القوة. وبينهما اختلافات في البنية على جانب من الأهمية. فإذا ما تعرضتا للمنافسة، لم يكن لهذه المنافسة آثار لغوية، وإنما تكاد تنحصر آثارها في الميدان الاقتصادي. والمدرسة هي المكان الذي يهيأ فيها الكفاح بينهما، لذلك نسمع أن الألمانية قد طردت الفرنسية من هذه القرية، أو تلك المدينة من المدن السويسرية أو أن العكس قد حدث في قرية كذا أو كذا1. وليس هنا موضع بحث مزايا اللغتين في ذاتهما فسكان هذه القرى كان في متناول

1 تسمرلي zimmerli؛ Die deutsch-franzosische Sprachgrenze in der Schweiz "الجزء الأول رسالة في جونتجن، 1891، والجزء الثاني، جنيف وبال 1895 و1899".

ص: 349

أيديهم أداتان متساويتان في المتانة والصلاحية، فاختاروا من بينهما أصلحهما لحاجات أعمالهم. ذلك بأنه ينشأ هناك ميل إلى نقل الحدود اللغوية بحسب الجهة التي ترد منها العلاقات الاقتصادية فالمصلحة العملية هي وحدها الحكم في مثل هذه الحالة، وهي التي تحكم لهذه اللغة أو لتلك، وقد تبقى اللغتان زمنا طويلا في حالة تعادل.

فضلا عن الظروف الاقتصادية يجب أن ندخل في حسابنا الموقف السياسي. فبعض الشعوب تتمسك بهذه اللغة دون تلك ويرخى لها عمدا عنان التفشي مدفوعا في ذلك بعاطفة وطنية أو بقصد إظهار استقلاله أو بنفوره من دولة مجاورة. ومن المؤكد مثلا أن مركز كل من الفلمنكية والفرنسية في بلجيكا لا يتوقف على الظروف الاقتصادية فحسب، بل تضاف إليها بواعث سياسية ينبغي للعالم اللغوي ألا يسقطها من حسابه. ومنذ عشرين سنة تتمشى في إيرلندا حركة تتجه إلى إحياء اللغة الوطنية القديمة يقوم أصلها على بواعث سياسية، وهي التخلص من لغة الإنجليز، أعدائهم التقليديين، والفرنسية لم تتكلم يوما في الألزاس بقدر ما كانت تتكلم في فترة انضمامها إلى الأمبراطورية الألمانية. أما حينما كانت مقاطعة الألزاس جزءا من فرنسا قبل سنة 1871، ولم تكن مضطرة إلى اتخاذ لغة بعينها، فلم يكن لدى الألزاسيين باعث قوي على ترك لهجاتهم المحلية الجرمانية.

كذلك تخضع المنافسة اللغوية في الأقطار البلقانية لأسباب سياسية إلى حد كبير، ولكن الدين بدوره يقوم فيها بدور هام. واللغة الأرمينية تدين بقسط كبير في حيويتها إلى وجود كنيسة أرمينية مستقلة. فالشعور المنبعث من وجود جماعة دينية يزيد مقاومة اللغة قدرة. وفي مستعمرة الكاب، كان المهاجرون الفرنسيون من البروتستانت في سنة 1688 يكونون ربع سكان المستعمرة، ولما كانت الهولندية وحدها هي اللغة المسموح بها في الأمور العامة والسياسية والدينية، فقد اختفت الفرنسية بعد مضي قرن واحد.

هناك أيضا عامل عاطفي آخر له قوته العظيمة في المحافظة على سلامة الكثير من اللغات وبقائها، هو عامل الهيبة. فما كان للاتيني أن يرضى بتعلم إحدى اللغات

ص: 350

المتبربرة "Quorum nomina uix est eloqui ore Romano "Pompon Mela III،3". لذلك قضت اللاتينية في إيطاليا نفسها على الأترسكية والأسكية والأمبرية. وقد وصلت هيبة اللاتينية إلى حد جعل بلاد الجول بعد فتحها بقرن على الأكثر ترسل من لدنها أساتذة للخطابة إلى روما.

وإرادة الإغريق في ألا يضحوا لغتهم أمام لغة فاتح يحتقرونه، هي التي حفظت الإغريقية خلال العصور، فلم تستطع التركية يوما أن تحل محلها، أو حتى أن تنال منها. كان الإغريق يتكلمون لغة الفاتح في حاجاتهم الإدارية، ولكن لم يحدث إطلاقا أن la lingua del cuore سلمت لـla lingua del pane كما يقول الإيطاليون.

كثيرا ما يكون لهيبة اللغة ما يبررها من قيمتها الذاتية، وهذه القيمة في حالة اللغة الإغريقية تعتبر شيئا كبيرا لأنها تفوق بكثير كل ما يمكن أن يضاف للغة التركية من فضل فالتركية، وهي لغة الفاتحين، ليست بأية حالة من لغات الحضارة، وما كانت تستطيع الكفاح ضد اللغة الإغريقية التي تمثل ثقافة من أعرق الثقافات.

نستبين ما لقيمة لغة في ذاتها من أهمية في كثير من المواضع. ويمكننا على وجه التقريب أن نقدر لكل لغة درجتها في هذا الصدد. فالأرمينية تتقهقر أمام الروسية في أوربا، ولكن البولونية صمدت للروسية في غرب الإمبراطورية القيصرية، فهما لغتان متساويتان في القوة وليس في وسع إحداهما أن تتغلب على الأخرى. والقدرة على الانتشار التي نشاهدها في بعض اللغات الهندية الأوربية أو السامية كاللغة العربية مثلا ترجع بلا شك إلى أسباب معقدة، ولكن القيمة الذاتية للغة لها في ذلك نصيب.

إذا بذرت لغوية منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها بعض الطوائف الجنسية في الولايات المتحدة للاحتفاظ بسلامة لغاتها أمام اللغة الإنجليزية، وحتى الألمانية المتكلمة هناك قد سارع إليها العطب، إذا أصبح المتكلمون بها يقولون مثلا

ص: 351

Milch gleicht der Onkelnit وهي ترجمة حرفية للعبارة الإنجليزية Uncle does not like milk "العم لا يحب اللبن"1. وحوالي منتصف القرن الثامن عشر نزلت بأسبانيا جالية شوابية واستقرت في سفح السيرا مورينا Sierra Morena. واليوم لا نجد في هذه البقاع أثرا للألمانية اللهم إلا في بعض أعلام الأسر2. كذلك لم تستطع الفرنسية التي كانت يتكلمها الفرنسيون الذين نزحوا إلى ألمانيا أو إلى الأقاليم المنخفضة بعد العدول عن مرسوم نانت أن تقاوم تأثير اللغة المحيطة بها زمنا طويلا. وفي شمال فرنكفورت توجد بضع قرى -كان سكانها من الفرنسيين ولا يزالون- ولكنهم يتكلمون اليوم لغة القرى المجاورة، أعني الألمانية، وعلى العكس من ذلك لا تزال الألمانية صامدة منذ القرن الرابع عشر في وادي الحتشية Gottschee أي في قلب المجال السلوفاني3، وليس من شك في أن الظروف الاقتصادية قد ساعدت على بقاء الألمانية، هذا فضلا عن تلك الهيبة التي شد من أزرها العصبية الوطنية للألمان أمام التيار السلافي. غير أنه يضاف إلى كل هذا أن الألمانية من حيث الحضارة أقدر على الإشعاع من السلوفانية. فاللغتان لا تستويان في القدرة على الكفاح. نعم يمكننا أن نفهم بسهولة كون السلوفانية التي تملك جميع الأراضي المحيطة لم تتأثر بألمانية الجتشية، ولكن احتفاظ الألمانية بمراكزها لا يمكن أن يفسر إلا بضعف السلوفانية من وجهة النظر التي نحن بصددها.

لنتجه الآن إلى بحث الأثر الذي يمكن أن تحدثه لغة مشتركة تمثل مدنية منظمة تنظيما قويا على مجموعة من اللهجات المحلية لا وحدة لها ولا تماسك بينها. وتتمثل لنا هذه الحالة في مركز البريتانية والفرنسية في مقاطعة بريتانيا. فالمنافسة بين البريتانية والفرنسية لا تشبه بحال منافسة الفرنسية والألمانية في سويسرا.

1 بومجرتنر Baumgartener؛ Die deutsche sprache in amerika نقله عنه مييه في رقم 4، مجلد 18، ص116.

2 س. فيست S. Feist: رقم 26، مجلد 36، ص344 هامش.

3 أد. هوفن AD. Hauffen؛ Die deutsche Sprachinsel Grammatik der Gottscheer H. Tschinkel Gottschee، graz "1875" Mundart، Halle "1908".

ص: 352

إذ في هذه الحالة الأخيرة تتقدم اللغتان وتتقهقران على نحو ما يفعل جيشان متجابهان فتأخر إحداهما أو تقدمها معناه انتقال في الحدود. ذلك أن الناس إما أن يتكلموا الفرنسية أو الألمانية. أما الحدود اللغوية بين البريتانية والفرنسية فلم تكن تتغير منذ قرون، رغم التقدم الأكيد الذي ربحته الفرنسية في بريتانيا1. وقد لوحظ أن البريتانية في القرن الحادي عشر الميلادي لم تكن تتعدى الحدود الجغرافية التي تحدها في يومنا هذا. وهي تتكون من خط يكاد يكون مستقيما يتجه من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ويبدأ من بلوها Plouha على الشاطئ بين بميول Paimpol وسان برييه Saint-Brieuc ويسير حتى مصب الفيلين مارا بكنتان من أسفل وبالفن من أعلى. وعن يمين هذا الخط لا تكاد تتكلم إلا اللهجات الفرنسية المسماة "gallots" وحدها منذ تسعة قرون أو عشرة. ولنرجع الآن إلى تشبيه الجيشين المتجابهين الذي أشرنا إليه. فليس أمامنا هنا معركة منظمة ولا أرض يكسبها الغالبون باضطرارهم المغلوبين إلى التقهقر. وإنما يوجد فقط انضمام دائم لعدد كبير من عناصر إحدى اللغتين إلى الأخرى، حتى ينتهي الحال بأن تفقد إحداهما كل جنودها الوطنيين. وهذا توغل سلمي، لا حرب فيها ولا غزو.

ولنحاول لبيان ذلك أن نبحث الموقف في غرب الخط الذي رسمناه منذ قليل. فهناك قد توغلت الفرنسية في كل اللهجات البريتانية دون استثناء. ولغة المدينة تحمل معها تيارا جارفا من الكلمات الجديدة التي تمثل أشياء وأفكارا وعادات جديدة. كما أن الآداب والدين قد ملآ البريتانية بالكلمات الفرنسية، وذلك منذ نهاية القرن الخامس عشر. وهذا آت من أن الفرنسية هي التي تقدم للبريتانيين بالطبع نماذج لكتب العبادة والتهذيب فظلت البريتانية تنحصر شيئا فشيئا في الاستعمالات الزراعية والخاصة. وأخذت الخدمة العسكرية وتعليم الفرنسية في المدارس يعجلان هذه الحركة منذ نصف قرن. وفي نفس الوقت حصل شيء من التطور في ظروف المنافسة بين اللغتين.

1 انظر بول سبلو paul sebillot؛ Revue d'Enthnographie يناير عام 1886، ج. لوث رقم 8، مجلد 24، ص295 ومجلد 28 ص374.

ص: 353

ظل التوغل زمنا طويلا يقوم على نوع من التسرب غير المحسوس، إذ كانت البريتانية تتلقى على غير شعور منها عددا من الكلمات الفرنسية يزداد يوما بعد يوم، ولكن البريتانيين كانوا يوالون الكلام بالبريتانية، ولو طعمت بالكلمات الفرنسية. أما اليوم فقد أصبحت غالبية البريتانيين العظى تتكلم اللغتين، ومن ثم انتقل ميدان المنافسة بين اللغتين إلى أذهان المتكلمين أنفسهم على شكل ما.

وفي هذه المنافسة خطر على البريتانية. إذ إن الفوائد التي يمكن الحصول عليها من معرفة الفرنسية تفوق كثيرا تلك التي يمكن الحصول عليها من معرفة البريتانية وحدها، ولكون الفرنسية لغة برجوازية وتستعمل دون سواها في مجتمعات المدن فإنها تغري بنات الحقول بالتكلم بها، كما تغريهم ثياب الطبقة الراقية بلبسها.

ولكن يضاف إلى ذلك أن روابط السكان البريتانيين بالمجتمع البرجوازي تزداد يوما بعد يوم. فمنهم الموظفون في كثير من الأعمال وخدم المنازل الذين يتكلمون الفرنسية مع مخدوميهم، واتساع السياحة قد جعل من الأجنبي ومن البرجوازي مورد رزق للمواطنين، وهذا يجعل التكلم بالفرنسية ميزة وضرورة في آن واحد.

ونوع الحياة يؤثر كذلك على اللغة. فيلاحظ أن البريتانية على الشواطئ أقل منها ثباتا في الداخل، وذلك لأن البحارين يشتغلون بالطبع بعيدين عن محل إقامتهم، ولأنهم يجدون أنفسهم كل يوم في علاقات مع أفراد يتكلمون إما لغات أخرى وإما لهجات مخالفة بعض الشيء. فكان من مصلحتهم أن يستعملوا في هذه العلاقات لغة مشتركة كالفرنسية. وأخيرا لأن الجزء الساحلي من بريتانيا هو الجزء الذي تمر به طرق المواصلات الكبرى وتقع عليه المدن الرئيسية، وبالتالي هو الجزء الذي يقوم فيه التبادل التجاري ويرتاده السائحون بصورة دائمة1.

وهكذا صارت الفرنسية لغة مشتركة بالنسبة لمقاطعة بريتانيا في حين أن البريتانية بلهجاتها المتعددة لم تصل يوما إلى هذا المركز. فالتناحر بين البريتانية والفرنسية يرجع إذن في نهاية الأمر إلى فعل الأسباب الاقتصادية، ولكن قوة كل من اللغتين هي التي تحدد ظروف التناحر الخاصة.

1 La Basse - Bretagne: Camille Vallaux، باريس 1907.

ص: 354

يمكن أن تتنبأ باندثار البريتانية ولكن يجب ألا تتعجل القول به. لأن البريتانية ما زالت متماسكة وازدياد السكان -وهو كثير في بريتانيا المتكلمة بالبريتانية- له أثره القوى في بقاء اللغة، هذا فضلا عن تمسك البريتانيين بتقاليدهم القومية. كما أن ميزة التكلم بلغتين قد تشجع البريتانيين على استعمال البريتانية فيما بينهم. فهي لغة خاصة جاهزة تصلح ضمانا للاستقلال، وبوصفها لغة خاصة يمكنها أن تعيش زمنا طويلا للاستعمال بين طوائف معينة مثل صيادي "السردين" أو عمال الملاحات البحرية أو قاطعي الأردواز أو تجار الخيل، وفي هذه الصورة لا يستطيع إنسان أن يتنبأ لها بمقدار الزمن الذي يمكن أن تعمره، لأنها تستطيع حينئذ أن تتجدد وأن تقوى، على شرط أن تكون هناك جماعة عديدة من الناس تعمل على الاحتفاظ بسلامة اللغة الخاصة.

ومع ذلك فهناك بعض الأركان التي اندثرت منها البريتانية. فجماعات العمال في إنبون Hennebont لا تتكلم اليوم غير الفرنسية. وأكثر دلالة من ذلك حالة شبه جزيرة Guerande التي لا نرى فيها اليوم من يتكلم البريتانية من البريتانيين إلا تلك القرى الأربع التي تكون بلدة باتز Batz، وسكانها عامة من عمال الملاحات. وحتى في هذه القرى نرى أن حالة البريتانية قد أصبحت في سوء لأن محيط هذه الدائرة اللغوية يضيق شيئا فشيئا من جهة، ومن جهة أخرى نرى عدد الأفراد الذين يتكلمون البريتانية في داخلها في قلة مستمرة: حتى أنها صارت لا تستعمل الآن بين الأفراد الذين تقل سنهم عن خمسين عاما، وأصبح الأطفال لا يفهمون والديهم فنستطيع أن نتنبأ باللحظة التي تختفي فيها البريتانية نهائية من هذا الركن من الأرض.

ونحن نعرف لغات أخرى انتهت إلى هذا المصير. فالصربية أو الفندية وهي لهجة سلافية، تتكلم اليوم في شيريفالد "lusace" Spreewald؛ في حين أن أختها البولابية Polabe التي كانت تتكلم في وادي الألب الأسفل قد ماتت منذ القرن الثامن عشر. واليوم لا نرى أي أثر للبروسية، وهي لهجة بلطية كانت تحيا على الشاطئ بين دانتسج وكينجر برج في نهاية القرن السادس عشر

ص: 355

واختفت عمليا في إنجلترا الكرنوالية، وهي لهجة كلتية، كانت تحتل في العصور الوسطى شبه جزيرة كرنوول Cornwall كلها بما فيها ديفون Devon المعروفة الآن، وتصل حتى في مجال اللغة الغالية عبر قناة برستول. إذ إن السيدة التي قيل إنها آخر من تكلم الكرنوالية، واسمها دللي بنتريث Dally Pentreath، قد توفيت في السادس والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1777 في سان بول بالقرب من بنزانس Pensance في سن الثانية بعد المائة. ولكنه قد أمكن للباحثين في قلب القرن التاسع عشر أن يتلقفوا من أفواه الفلاحين بقايا أدعية وشتائم وأطرافا من جمل بالكرنوالية، وفي سنة 1875 كان يوجد من بين الشيوخ من يستطيع أن يعد حتى العشرين بالكرنوالية1.

وهنا نتساءل عما يقصد بموت لغة من اللغات وإلى أي درجة يسمح لنا بتحديده.

ذابت البولايية في الألمانية، كما ذابت الكرنوالية في الإنجليزية وفي عهدنا الحاضر تذوب البريتانية شيئا فشيئا في الفرنسية. وقد بقيت في إنجليزية كرنوول آثار كثيرة من لغة الإقليم القديمة، وذلك بغض النظر عن الكلمات الكرنوالية القديمة ومجاميع الكلمات التي أبقت عليها التقاليد.

كذلك نجد أثر البريتانية في الفرنسية المتكلمة في بريتانيا وأثر الإرلندية في الإنجليزية المتكلمة في إيرلندة2، ففضلا عن كون المفردات مشربة بكلمات وتراكيب مأخوذة من اللغة المحلية. نجد هذه اللغة تفعل فعلها في النظام الصوتي بل في بعض تفاصيل النظام الصرفي أيضا، كترتيب الكلمات واستعمال حروف الجر مثلا. وهكذا نرى النبر في كثير من الأحيان يوضع في الفرنسية المستعملة في المدن البريتانية على الطريقة البريتانية ويحتفظ بالشدة التي يتميز بها في البريتانية. فعندما يتكلم الفرنسية أهل كمبير Qumper ينبرون المقطع السابق للأخير نبرا قويا، ويقلبون الحروف المجهورة في آخر الكلمة ولا سيما الرخوة منها إلى مهموسة

1 رقم 8، مجلد 3، ص289.

2 Joyce: الإنجليزية كما نتكلمها في إيرلندة. لندن، الطبعة الثانية "1910".

ص: 356

فيقال: "une chemisse، neuf un fromache""حيث قلبت الزاي والفاء والـ ج إلى س، وف، وش على التوالي"؛ ويستعملون الفعل faire "يعمل" فعلا مساعدا حقيقيا على نحو ما يستعمل ober في البريتانية فيقال: pour que le diable s'irrite بدلا من faire le diable s'irriter، ويدخلون على معمول الفعل المبني للمجهول الحرف Avec "بالبريتانية gant" فيقال tue avec son voisin "بدلا من: par"، إلخ. كذلك يقال في إنجليزية إيرلندة اتباعا للاستعمال الإرلندي "I will take it of you" بدلا من "from you" أو "he went against his father" بمعنى "to meet his father" أو "what way are you?" بمعنى "كيف حالك؟ " أو "on the head of it" "بمناسبة ذلك"، وهما ترجمة للعبارتين الإرلنديتين ann a cheaun و cad chaoi bh-fialu tu? وهكذا نرى البريتانية والإرلندية مع تشربهما للعناصر الفرنسية والإنجليزية، تؤثر كل منهما في اللغة التي تغير عليها.

هل يأتي يوم تتوغل فيه الفرنسية في البريتانية حتى تصير الأخيرة كأنها لهجة متأخرة لا تكاد تبدو أكثر تخصصا من غيرها وإن احتفظت بخصائص مختلفة؟ لو صح هذا لكان من المستحيل تحديد تاريخ لموت لغة؛ لأن في هذه الحال يبقى دائما من اللغة المندثرة أشياء من النطق وتراكيب نحوية، وعلى الأخص تبقى كلمات منعزلة تبدو كأنها استعارات أخذتها الفرنسية من البريتانية، وهي في الحقيقة بقايا من اللغة البريتانية تحيط بها عناصر فرنسية مستعارة، حتى يأتي حين لا يعرف المتكلم ما إذا كان يتكلم البريتانية وقد أشبعت بالفرنسية أو الفرنسية وقد بقيت فيها آثار من البريتانية. ولو أن البريتانية قد ذابت في الفرنسية كما تذوب قطعة السكر في مقدار من الماء، لربما جاز لنا أن نقول إن البريتانية لم تعد توجد. ولكن ألا يكون ذلك حكما على ظاهر الحال فحسب؟ إذ الواقع أن البريتانية قد تعتبر موجودة ما دامت بعض العناصر المستعارة منها باقية في الاستعمال ولكن لا يصح في هذا الحال أن تعتبر اللغة الجولية لغة ميتة لأن الفرنسية فيها قليل من

ص: 357

الكلمات الآتية منها، ويجب أن نقول إننا نتكلم إلى جانب اللاتينية عددا من اللغات الأخرى، معروفة أو غير معروفة، وهي اللغات التي اختلطت باللاتينية أو الفرنسية.

تفسير الوقائع على هذا النحو يتفق مع النظرية القائلة إن كل اللغات تعتبر لغات مختلطة ولو إلى حد ما ولكن هناك نظرية أخرى1 تذهب إلى أن الإنسان لا يتكلم مطلقا في الوقت الواحد إلا لغة واحدة، وأن وحدة اللغة المتكلمة تستقر بكل بساطة في شعور المتكلم، ولا عبرة بعد ذلك لما يكتشفه التحليل في هذه اللغة من عناصر أجنبية، نعم، من الممكن أن تذوب لغة في أخرى، ولكن هذا لا يمنع من أن المتكلم إذا أراد الانتقال من هذه إلى تلك وجد أمامه خطوة يجب عليه أن يخطوها، ولا بد من أن تقابله لحظة يشعر فيها بأنه يترك اللغة الأولى ليتخذ الثانية. فالفرنسية لغة لاتينية والإنجليزية لغة جرمانية، مهما كانت التأثيرات الخارجية التي أثرت عليهما، لأننا نشعر بأننا نتكلم لغة أسلافنا، ولأننا إذا رجعنا بالتاريخ إلى الوراء حتى نصل إلى اللاتينية المشتركة أو الجرمانية المشتركة، وجدنا سلسلة متصلة الحلقات من الناس كان في عزمهم وشعورهم أنهم يتوارثون لغة واحدة بعينها.

هاتان نظريتان متعارضتان. فإذا أردنا أن نوفق بينهما، وجب علينا أن نبحث إلى أي حد تستطيع العناصر الأجنبية أن تفسد وحدة اللغة التي تضاف إليها.

لندع جانبا استعارة المفردات التي تتبادلها اللغات فيما بينها، فمن خصائص هذه المستعارات أنها لا تحتم كون المتكلم يتكلم اللغة التي استعيرت منها أو حتى معرفته بها، وشباننا الرياضيون الذين تمتلئ لغتهم بالكلمات الإنجليزية نطقا صحيحا. فاستعارة المفردات، مهما اشتد أمرها، يمكن إذن أن تظل مسألة خارجة عن اللغة.

1 انظر مييه: رقم 42، مجلد 15، ص403.

ص: 358

ولكن هناك أنواع من الاستعارة تستلزم وجود توغل داخلي بين النظامين اللغويين وهي حالات النسخ التي قدمنا لها بعض الأمثلة "انظر ص263". ينتج النسخ عادة من اختلاط صورتين كلاميتين تنتمي كل واحدة منهما إلى لغة مختلفة، وقد اختلطتا على المتكلم. وقد يقع هذا الاختلاط في كلمات أو في تراكيب، ولكن السبب فيها جميعا واحد. فالتلميذ الصغير الذي يخطئ فيترجم donne-moi ma vache "أعطني بقرتي" بقوله da mihi mia vacca "وذلك برفع بقرة" أو PEIRRE EST LE ROI "بيير هو الملك" PETRUS EST REGEM، فإنه يكون متأثرا بكون كلمة MA VACHE "بقرتي" أو LE ROI "الملك" يستعملان في الفرنسية بصورة واحدة في حالتي المسند إليه والمسند أيا كان. وهذا عين ما يحدث عندما يترجم السلوفاني الجملة الإيطالية dammi la mia vacca بقوله: dajmi moja krava "باستعمال الرفع بدلا من النصب". وليس هذا ما يصح أي نسميه بالخلط بين الحالات، ذلك الخلط الذي تبقى فيه حالة الفاعل وحالة المفعول متميزتين مهما كان تركيب الجملة، بل هو خلط الصور الكلامية حيث نرى المتكلم يتكلم الإيطالية بالسلوفانية1. وهذا ما حصل، مع اختلاف طفيف، للكاتب السويسرى ك. ف. مير K. F. Meyer حين كتب Er ist kranker als du nicht denkst "حرفيا: "إنه أكثر مرضا مما لا تتصور"". فهذه الغلطة ترجع إلى أن الكاتب يتصور التفضيل في صورة سلبية على نحو ما يفعل الفرنسيون والإيطاليون عادة، فهو قد جمع بين تفكير روماني وتعبير جرماني.

هذا النوع من الخطأ واسع الانتشار. فقد ينسخ نظام الجمل، وبذلك ينتقل ترتيب الكلمات أحيانا من بعض اللغات إلى لغات مجاورة لها. فالألمانية النمساوية مثلا تسير على حرية كبيرة في ترتيب الكلمات، وذلك تحت تأثير اللغات السلافية إذ نراها لا تحجم عن وضع المسند أو المفعول في رأس الجملة فتقول Guten Morgen wusch'ich Ihnen "نهارا سعيدا أتمنى لك" أو Recht hat Er "حق عنده" و Gut ist's gegangen "بخير لقد مر ذلك"، إلخ، وذلك وفقا لما يقال في

1 نقلنا هذا المثال والأمثلة التالية عن شوخارت رقم: 203، ص90.

ص: 359

السلافية. وقد نسمع في بوهيميا من يقول: Schwester haben wir ganz kleine "أخوات لنا صغيرات جدا" وذلك على حد قول التشيكية sestru mama malickou. وفي جنوب النمسا يتجلى تأثير السلافية في موضع النفي بوجه خاص مثل: nicht scheut er sich ihn zu verleumden "لا يستحي من أن يغتابه"، وهذه ترجمة عن السلوفانية ne se sramuje gabroekovati.

إذا تعود إنسان على الكلام بلغتين مختلفتين تعرض عن غير شعور منه لاستعمال طرق التعبير الخاصة بإحداهما عند الكلام بالأخرى. ففي الغالية يعبر عن التفضيل المطلق في الصفات باستعمال iawn "حقيقي" التي تقابل الكلمة الإنجليزية very؛ ومن ثم كانت عبارة da iawn "حسن جدا" صورة من العبارة الإنجليزية very good واستعمال الظروف التي تضاف للفعل لتعديل معناه تعد صفة تتميز بها اللغات الجرمانية. ولكنها نجدها في الأقاليم المجاورة للإنجليزية والألمانية حيث ترجع إلى تأثير هاتين اللغتين. ففي الغالية نجد عبارة cael allan صورة من to find out وعبارة dy fodi fyny صورة من to come up، وعبارة torri i lawr صورة من to break down وعبارة rhoddi i fyny صورة من to give up. وفي جائيلية أسكتلندة cuir as ترجمة حرفية لعبارة to put out وعبارة cuir air ترجمة للتركيب "to put on"، إلخ. واللادينية Ladin وهي لهجة رومانية تتكلم في إقليم الجريزون بسويسرا، تقول متأثرة بالألمانية drizzer our "ينفذ" "من الألمانية: aus-richten" أو gnir avaunt "ينتج" "من الألمانية vor-kommen" أو vain aint "يختبر" "من الألمانية ein-sehen" وهنا نجد أنفسنا قد وصلنا إلى الحدود بين المفردات والنظام الصرفي.

تبدو بعض حالات من النسخ أقرب إلى النظام الصرفي من تلك الحالات المتقدمة، بل منها ما يؤثر في هذا النظام. فقد نشأ في بعض اللهجات المحلية البولونية المعرضة للاحتكاك بالألمانية، نوع من الماضي غير المحدد يصاغ بمساعدة فعل الملك

ص: 360

حيث يقال: ja to mom sprezedane "بالفرنسية j'ai vendu "بعت"" من الألمانية: ICH HABE VERKAUFT وذلك بدلا من الصيغة البولونية الصحيحة SPRZEDATEM1.

يوجد في إقليم كمبوبسو CAMPOBASSO مستعمرة صربية كرواتية أقبلت من إليريا حوالي القرن الخامس عشر، ولا تزال حتى اليوم تتكلم لهجة من نوع الاستكافيه stokavien، وقد لوحظ عليهم استعمال الأداة الإيطالية في جملة سلافية كلها: da mi kaze le pute "كي يريني الطرق".

والسلوفانية لم تستعر من الألمانية أفعالا وظروفا وأدوات وأسماء أعلام فحسب. بل لقد خلقت لها أداة تعريف، وكثيرا ما تستعمل المبني للمجهول على مثال الألمانية2.

ويبدو في برتغالية مينجالور Mangalore في الهند ميل إلى الدلالة على الملكية باستعمال S متأثرة في هذا باللغة الإنجليزية. حيث بدءوا بقولهم governor's casa على مثال governor's house ثم قالوا governador's casa، وهكذا أصبح في حوزة البرتغالية دالة نسبة إنجليزية.

ونحن نعرف أنه كثيرا ما لوحظ في لغات مختلفة أصلا ومتجاورة جغرافيا، وجود خصائص صوتية مشتركة "انظر ص81، 82". وكذلك الحال بالنسبة للنظام الصرفي. فاستعمال مفعول الآلة استعمال المسند الذي يوجد في الفنلندية، قد انتشر في اللغات الهندية الأوربية "السلافية والبلطية" التي احتكت باللغات الفنلندية3. وهذا لا يمنع من اختلاف اللغات السلافية عن اللغات الفنلندية من جهة النظام الصرفي. ومع ذلك فمثل هذا النوع من الاستعارة يمس سلامة هذا النظام وما دامت الاستعارة مقصورة على عدد قليل من التراكيب أمكن اعتبارها من استعارة المفردات، أما إذا صار التركيب المستعار مثالا يحتذى وفرض على

1 كازمير نيتش casmir nitsch؛ Mova ludu polskiego كراكوفيا "1911" ص136.

2 فيست Feist: رقم 26، مجلد 36، ص323.

3 مييه: رقم 4، مجلد 12، ص76.

ص: 361

العقل صورة كلامية معينة، كانت اللغة في هذه الحال قد أدخلت في نظامها وسيلة صرفية جديدة.

وقد يصل الأمر باللغة إلى إقصاء وسيلة سابقة إقصاء تاما. لنفرض مثلا أن البرتغالية اتخذت التركيب homem's casa على طول الخط بدلا من a casa do homem فلن يغير هذا بطبيعة الحال من النظام الصرفي العام للغة، لأنه لم يتغير فيه إلا عجلة واحدة، إلا قطعة واحدة دخلت عرضا في آليته. ولكن إذا أصيب النظام الصرفي البرتغالي بعدد من هذه التغيرات، أفلا يمكن أن يأتي وقت لا يستطيع فيه المتكلم أن يحس تماما ما إذا كان يتكلم الإنجليزية أم البرتغالية، ولا يستطيع العالم اللغوي في هذه الحالة أن يحكم بهذا أو بذلك؟

كان يمكننا أن نستمد من دراسة بعض اللغات المختلطة معلومة قيمة تساعدنا في الإجابة عن هذا السؤال. ومثل هذه اللغات موجودة بالفعل، ولكنها بكل أسف توجد في ظروف تقلل من قيمة الاستشهاد بها. فقد ذكرنا مثل اللغة الغجرية الأرمينية التي اتخذت نظام الأرمينية الصرفي بأكمله مع استبقائها لمفرداتها، أي أنها الأن ليست إلا الأرمينية بمفردات غجرية. وهذا المثل يجد له ما يعضده في غجرية إنجلترا. ففي التاريخ القديم كان الغجر في إنجلترا يتكلمون لغة غجرية محضة، وبعد ذلك احتفظوا بمفرداتهم الغجرية وأخذوا يركبونها في الجمل مستعملين دوال النسبة الإنجليزية. فمثل هذه الجملة kowova te jal adre mi Duvelesko keri kana merova "أتمنى أن أذهب إلى بيت الله عندما أموت". صارت في الغجرية الحديثة1 l'dkom to jal adre mi Duvel's ker when manbi mer's هاتان الحالتان تتطابقان ويجب أن يفسر بطريقة واحدة. ولكن غرابتهما تجعل الناظر يرتاب في كونهما اصطناعيتين ولو جزئيا على الأقل. وقد تظننا أمام تعمية يراد بها جعل الإنجليزية والأرمينية بكلمات غير مفهومتين وذلك بالاستعاضة عن الكلمات الإنجليزية والأرمينية بكلمات غجرية وإذا صح ذلك لم يجز لنا أن نقول: إن الغجر قد اتخذوا النظام الصرفي للغة

1 بيشل Pischel وينقله عنه شوخارت: رقم 203، ص8-9.

ص: 362

غير لغتهم، بل إنهم شوهوا الإنجليزية أو الأرمينية. وعندئذ يكون من المجازفة أن تخرج من هذه الحالة بنتيجة نهائية.

ولكن من خصائص اللغات المختلطة أن تكون أيضا لغات بالية على وجه العموم وهذه الحقيقة تساعدنا على أن نفهم تكوينها فهما دقيقا.

تبادل التأثير الذي تخضع له اللغات المحتكة بعضها ببعض ينشأ عنه تبادل البلى. لأن حاجة الأفراد إلى إيجاد وسيلة عاجلة للتفاهم تدفعهم إلى القيام بتضحية مشتركة، وذلك بأن يبعد كل فريق من لغته ما هو خاص بها وحدها وألا يبقي إلا السمات العامة التي تشاركها فيها اللغات المجاورة.

بلاد القوقاز في وقتنا الحاضر كجزيرة البلقان ميدان لاختلاط اللغات فالتترية والأرمينية والجرجية والشركسية تغمرها باللهجات المتنوعة، تلك اللهجات التي يختلف بعضها عن بعض إلى حد يعجز اللغويين أحيانا عن تحديد ما بينها من قرابة. والسبب الأساسي في التغير السريع الذي يطرأ على هذه اللغات يقوم على تأثير اللغات المجاورة فيها. وهذه الحال تقدم لنا خير المثل على البلى الذي يحدثه الاحتكاك فنقابل في الجزء الجنوبي الشرقي من الداغستاني، على ضفتي نهر السامور، سلسلة من اللهجات التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الكورينية. وتعمر هذه اللهجات اللغتان الأرمينية والتترية شيئا فشيئا، فتضيفان من مجالها تدريجيا، وحتى في داخل الدائرة الضيقة التي تتكلم فيها هذه اللهجات، نرى هاتين اللغتين المتجاورتين قد نالتا من سلامتها، وليس البلى على درجة واحدة في كل مكان ولكنه محسوس على كل حال، ويذكر أ. در A. Dirr -وهو خير من درس هذه المسألة1- أن تبسيط النظام الصرفي أظهر نتائج هذا العمل.

أكد جريم Grimm منذ 1819 أن فقدان النحو2 نتيجة حتمية لصراع اللغات. والواقع أن هذه النتيجة ليست حتمية. ولكنا نشاهد وقوعها في كثير

1 Mitteilungen der anthropol. Gesellschaft in wien، ص301، ومجلد 40، ص22.

2 Deutsche Grammatik ص32 من المقدمة، ص177.

ص: 363

من الأحيان. فاللغات التي تنتقل تفقد على وجه العموم خصائصها الفردية بأسرع من غيرها وذلك لأنها معرضة لتأثيرات متعددة ومتنوعة تقع عليها من لغات تختلف عنها كثيرا في غالب الأحيان. والانتقال في غالب أمره سبب في التحلل اللغوي. وهذا يفسر لنا الاختلاف المشاهد بين اللهجات الإغريقية في المستعمرات واللهجات الإغريقية في بلاد الإغريق نفسها. إذ يجب أن نضيف إلى الأسباب الوجيهة حقا التي ذكرت لتفسير هذا الاختلاف "انظر الصفحات الأخيرة من الخاتمة" تأثير اللغات غير الإغريقية التي كانت مستعملة في الأقطار التي مد الإغريق إليها نشاطهم. فيمكننا أن نسلم بأن تبسيط النظام الصرفي نسبيا وتحطيم بعض السمات الصوتية في لهجات هذه المستعمرات يرجعان إلى مجاورة تلك اللهجات للغات مختلفة، حتى ولو لم نسلم بأن تلك اللغات قد أثرت في بنية اللهجات نفسها. ذلك أن الناس الذين كانوا يتكلمون هذه اللغات قد أخذوا يتكلمون الإغريقية، ففرضوا على الإغريق عادات جديدة اطمأن إليها الإغريق أنفسهم بمضي الزمن، ولا سيما وقد كانوا قليلي العدد.

1 ا. فنديش E. WINDISCH المرجع السالف الذكر، ص104 وص113.

ص: 364

اللغة المسماة PIDGIN-ENGLISH التي تعد لغة مشتركة في مواني الشرق الأقصى واللهجة التي يطلق عليها BROKEN-ENGLISH "الإنجليزية المكسرة" التي يتكلمها سكان سيراليون الأصليون، تعد كل منهما أيضا لغة مختلطة كالسبيرية1. وأساس البدجن إنجلش، اللغة الصينية التي تتميز بضآلة نحوها. وما هي في حقيقة أمرها إلا اللغة الصينية بمفردات إنجليزية. فقد تمكن القائمون بهذا الأمر أن يكونوا من المفردات الإنجليزية -وهي خير ما يصلح لهذا الغرض- جملا تسير في ترتيب الكلمات على مثال الجمل الصينية. وينتج من ذلك في غالب الأمر مركب عجيب يبرهن على وجود تشابه محسوس بين اللغتين. فعندنا في هذه الحالة لغة تقوم على أساس المزج، ولكن خلو هذه اللغة من النحو خلوا يكاد يكون تاما قد رشحها بصورة عجيبة للقيام بالدور الذي ألقي على عاتقها.

ولغات المولدين أيضا يمكن أن تعد أمثلة للغات المختلطة. وهي تستند على لغة أوربية إما الفرنسية أو الأسبانية أو الإنجليزية، ولكن هذه اللغات قد تجردت من خصائصها الصرفية فأصبحت في حالة تشبه حالة الغبار فهي رمال ذهبت عنها المادة الجيرية، وأحجار لا ملاط بينها، ومادة متحللة لا قوام لها. ذلك لأن حاجة السكان الأصليين في معاملتهم التجارية إلى التكلم مع التجار الأجانب قد دفعتهم إلى تعلم اللغة الأجنبية التي حلت بمضي الزمن محل لغتهم الأصلية. ولكن هذا التعلم لم يكن كاملا على الإطلاق؛ بل كان يقتصر على السمات السطحية للغة، وعلى العبارات التي تدل على الأشياء الشائعة الاستعمال والأفعال الضرورية للحياة. أما عنصر اللغة الداخلي بما فيه من تعقيدات دقيقة، فلم يهضمه إطلاقا المواطن الأصلي.

يمكننا أن نقول إن لهذه الظاهرة عللا اجتماعية. فكلام المولدين كلام قوم منحطين ومرءوسين، لم يعمل رؤساؤهم يوما على جعلهم يتكلمون لغة صحيحة ولم يريدوا

1 هناك مثل من لهجة أل. pidgin-eng في "C. G.":Leland Pidgin-english، singsong in the China-english dialect. الطبعة الخامسة "1900". وعن "الإنجليزية المكسرة" انظر: F. w. H. Higeod: رقم 136، وعن عربية مدغشقر انظر G. Ferrand رقم 6، مجلد 13، ص413.

ص: 365

أن يعملوا ذلك إطلاقا. فتعتبر لغاتهم من اللغات الخاصة إلى حد ما، على النحو الذي كانت عليه اللغات الغجرية الآنفة الذكر، ولكن مع اختلاف الأسباب، ولكن يبقى أن لغات المولدين تعتبر لغات مختلطة كالسبيرية والبدجن إنجلش والإنجليزية "المكسرة"، وقد نتجت من اختلاط لغتين أو أكثر، ولما كانت خالية من نظام صرفي مميز لها، لم يكن في وسع واحدة من اللغات الداخلة في تكوينها أن تدعيها لنفسها. فهذا مثل حقيقي من الخلاسية اللغوية. وسنرى النتائج التي تنجم عنها في الفصل التالي.

ص: 366

‌الفصل الخامس: القرابة اللغوية، والمنهج المقارن

1:

استعمال عبارة "القرابة" في مسائل اللغة يؤدي إلى لبس كبير، وكثيرا ما أوقع في الخطأ أشخاصا من غير العارفين بالأمور اللغوية. بل أخطر من ذلك أن بعض علماء اللغات أنفسهم قد أخذوا أحيانا هذا التعبير المجازي، على علاته وراحو يضعون القوائم بأنساب اللغات على طريقة أوزييه Hozier. وظن بعضهم منذ ذلك الحين أنه في حل من القول بأن اللاتينية قد ولدت الفرنسية أو الإيطالية، ومن الكلام عن اللغات الأمهات واللغات البنات واللغات الأخوات. وكلها مصطلحات سيئة لأنها تعطي فكرة زائفة عن علاقة اللغات بعضها ببعض. إذ لا شيء من الشبه بين قرابة اللغات وبين التتابع أو التولد بالمعنى الفسيولوجي لهذه المصطلحات.

لا يتأتى لإحدى اللغات أن تلد لغة أخرى، وليس في وسع أي عالم لغوي أن يحدد الساعة التي وقع فيها هذا الميلاد. فإذا قلنا إن الفرنسية قد خرجت من اللاتينية، فمعنى ذلك أن الفرنسية هي الصورة التي صارت إليها اللاتينية خلال العصور في إقليم من الأقاليم. وإذن فليست الفرنسية في كثير من الوجوه إلا اللاتينية نفسها. وكلما أو غلنا في تاريخ اللغة الفرنسية، وجدنا حالات متنوعة يتلو بعضها بعضا وتقربنا شيئا فشيئا من اللغة اللاتينية. ومع ذلك فمن المحال أن نعين الحد الذي تنتهي عنده اللاتينية وتبدأ الفرنسية. وتاريخ اللغة الفرنسية

1 انظر مييه: le probleme de al parente des langues "رقم 42، مجلد 15 "1914" ص403؛ ومؤلفات شيوخارت المذكورة في الفصل السابق.

ص: 367

مشحون بالثغرات، فهناك فترات لا نعرف عنها إلا القليل، وكانت ذات أثر حاسم في تكوين هذه اللغة. ومن جهة أخرى لم تكن الحركة التي ابتعدت بالفرنسية عن اللاتينية متماثلة الأجزاء، ومع ذلك فبين اللاتينية والفرنسية، رغم تنوع الأحوال التي تقلبت على الفرنسية، استمرار تاريخي هو الذي يكون القرابة بين اللغتين. وهذا هو الوجه الأول من وجهي المسألة، ويمكننا أن نسميه بالتتابع.

وهناك وجه آخر يجب أن يحسب حسابه، وهو الوجه الوضعي Synchronisme. يمكننا بسهولة بناء على ما قلناه في الانفصال الطبيعي لإحدى اللغات، أن نطلق مصطلح القرابة اللغوية أيضا على لهجتين خارجتين من لغة واحدة. فقد يحدث في بعض المناطق أن تنقسم لغة من اللغات، التي يتكلمها أصحابها في صورة واحدة لا اختلاف فيها، إلى عدد من مجاميع اللهجات تتميز كل منها ببعض الخصائص التي تمتد إلى عدد من المجاميع المجاورة. عندئذ يقال بأن هذه المجاميع ترتبط بصلة القرابة، وتظل كذلك مهما كانت التغيرات التي تصيب كل واحدة منها. ومهما عظم البون بين اللغة المشتركة المبدئية وبين اللهجات التي خلقها الانقسام، فإنه يجب التسليم بوجود القرابة ما دامت ثابتة تاريخيا.

ولا ينبغي لنا أن ندخل في حسابنا هنا تلك الفوارق التي تفرضها الحالة السياسية أو الاجتماعية على اللغة فالقرابة اللغوية تضم دون أي تمييز اللهجات التي نزلت إلى طبقة اللغات المحلية. أو الرطانات أو العاميات الخاصة بأرباب الصناعات وتلك اللهجات التي ارتفعت إلى مصاف اللغات المشتركة. فالبيكاردية والبواتية والنورماندية كلها قريبة بعضها من بعض، وقريبة أيضا للفرنسية، لهجة الإيل دي فرانس التي صارت لغة مشتركة لأقاليم مترامية الأطراف. وإذا كان من يتصدى لتأريخ اللغة الفرنسية يهتم بتمييز جميع الفروع التي تنطوي عليها هذه اللغة، فإن من حق من يريد أن يشمل تطور اللغة بنظرة عامة أن يعتبرها وحدة متحركة خلال العصور التي مرت بها. والواقع أن التغيرات التي أصابت اللغة

ص: 368

ترجع في معظمها إلى تطورها الذاتي. أما تفتت اللهجات وتكوين اللغة المشتركة وامتدادها إلى اللغات المحلية حتى تتوغل فيها شيئا فشيئا، ذلك العمل الواسع الذي أجملنا تاريخه فيما تقدم، فكل هذا قد وقع داخل اللغة الفرنسية نفسها دون أن يقلق إطلاقا صلات القرابة التي بين لهجاتها1.

ومع ذلك فالقرابة درجات. فالبروفنسية le provencal مثلا لغة مشتركة تضم عددا كبيرا من اللهجات المحلية التي تسير معها جنبا إلى جنب. ونحن نعرف أن هذه البروفنسية نشأت من توحد لهجات محلية، وهذه اللهجات نفسها خارجة من المصدر نفسه الذي خرجت منه لهجات شمال فرنسا، أي أنها هي الأخرى من اللاتينية. فمما لا يحتاج إلى بيان إذن أن تكون صلة القرابة بين اللهجات البروفنسية المحلية بعضها وبعض أوثق من القرابة التي تجمع بين أية واحدة من هذه اللهجات نفسها وبين إحدى اللهجات الفرنسية المحلية. ذلك لأن الفرنسية والبروفنسية تجتمعان في طور بعينه من أطوار اللغة يعد سابقا عليهما. فهما حالتان مختلفتان من لغة واحدة. وقد ظلتا على اختلافهما في خلال العصور، وهذه اللغة الواحدة يمكننا أن نسميها لاتينية الجول العامية. وإن كانت التسمية لا تعنينا كثيرا. ومعنى ذلك أننا إذا أردنا تحقيق القرابة بين اللغتين، اضطررنا إلى أن نؤلف بين الوجهين اللذين أشرنا إليهما فيما تقدم، الوجه التتابعي والوجه الوضعي.

ولكن هذا التأليف قد يمتد بنا إلى ما وراء ذلك، قد يتسع في الزمان والمكان حتى يشمل جميع اللغات الرومانية الصادرة عن اللاتينية أيضا. فاللغة التي سميناها لاتينية الجول العامية ليست إلا صورة خاصة قد لا تختلف إلا قليلا عن اللاتينية العامية العامة التي أخرجت الإيطالية في إيطاليا والأسبانية في أسبانيا والبرتغالية في البرتغال والرومانية في رومانيا ولغات أخرى أقل أهمية من هذه اللغات. كل هذه اللغات تعتبر لغات مشتركة صقلتها التقاليد الأدبية، وعملت

1 انظر مير لوبكه Meyer Lubke رقم 181؛ وبورسييه Bourciez رقم 51 وتسونر zauner: رقم 224.

ص: 369

الظروف السياسية على بقائها وتعميمها وكل منها تضم عددا كبيرا من اللهجات وفروعها وقرابة هذه اللهجات جميعا بعضها ببعض "بغض النظر عن اختلاف اللغات المشتركة" وقرابة اللهجات المحلية كلتاهما على درجات كثيرة. إذ إن بعضها لا يزال أكثر اقترابا من البعض الآخر، لأن اختلاف كل منها عن صواحبها لم يتحقق إلا منذ عهد قريب. ولكن فريقا منها، قد انفصلت لهجاته منذ عهد بعيد، فلم يبق بينها تشابه كبير. وذلك كما لو قارنا رطانة برتغالية برطانة رومانية مثلا. ويقوم التباعد على وقوع تطورات مستقلة، وذلك بغض النظر عن التأثيرات الخارجية التي لا نتكلم عنها الآن، ومع ذلك فليست البرتغالية والرومانية في نظر العالم اللغوي إلا صورتين من لغة واحدة هي اللاتينية.

ونحن نعرف هذه اللاتينية. فيجوز لنا إذن أن نقدر الطريق التي قطعته حتى وصلت إلى اللغات الرومانية المستعملة اليوم، وأن نحدد درجات القرابة على ضوء التغيرات التي وقعت وعلى أهمية كل منها. ولسنا في حاجة إلى بيان المعونة الهامة التي تقدمها للباحثين في هذه اللغات معرفتهم بالتاريخ السياسي والاجتماعي، فهي رقابة دائمة ووسيلة قيمة لتحديد التاريخ الدقيق لكل تقلب من التقلبات التي مرت بها الشعوب واللغات في آن واحد، ولكن الوثائق التي في متناول يدنا تقف عند اللاتينية؛ فلسنا نعرف شيئا عن حالات اللاتينية السابقة للقرن الثالث قبل الميلاد أو حوالي ذلك التاريخ، وبهذا نفقد خير وسيلة للتحديد وخير ضمان نستند عليه في تحقيق قرابات تقوم على ظروف اللغة والتاريخ معا.

ومع ذلك ففي وسعنا أن نرقى في بحثنا إلى ما قبل اللاتينية بفضل المنهج المقارن الذي يجب علينا الآن أن نحدد مداه1.

ليس المنهج المقارن إلا امتدادا للمنهج التاريخي في أعماق الماضي السحيق.

1 انظر مييه sur la methode de la grammaire comparee رقم 1، 1913 ص1-15، والنتائج الأساسية يعرضها بوضوح برتستنكي porzezinski رقم 192 ص39-80.

ص: 370

وينحصر في نقل منهج التفكير الذي يطلق على العهود التاريخية إلى عهود لا نملك عنها أية وثيقة.

رأينا أن اللغات الروماية الحالية إنما نتجت من تطور اللهجات الخارجية من اللاتينية تطورا مستقلا وإن كان متوازيا. وتقوم وحدة اللغات الرومانية على مجموعة من السمات المشتركة بين كل هذه اللغات، ومن هذه السمات نعرف قرابتها، ومعظم هذه السمات كانت توجد في اللاتينية نفسها على اختلاف بينها في درجة الظهور، وبعضها ناتج من حالات تجديد مشتركة، ولكن هذا السمات التي نعثر عليها في كل اللغات الرومانية يمكن -إذا لم يوجد لها نظائر في اللاتينية نفسها- أن تعتبر بقايا من تلك الحالة اللغوية غير المعروفة لنا تماما والتي تسمى باللاتينية العامية، وهي الواسطة بين اللاتينية الكلاسية واللهجات الرومانية، فهناك إذن نحو مقارن للغات الرومانية، وهذا النحو لا يمكننا من إقامة صلات مباشرة من التتابع بين هذه اللغات وبين اللاتينية فحسب، بل يسمح لنا أيضا بإقامة البنية النحوية لحالة لغوية تقل الوثائق التي لدينا عنها أو تنعدم تماما.

ولكن اللاتينية نفسها ليست لغة منعزلة لا رابطة بينها وبين لغات أخرى. بل يحتوي نحوها على سمات مشتركة بينها وبين الإغريقية. سمات لفتت أنظار القدامى أنفسهم. وأدرك المحدثون أن الإغريقية واللاتينية تتصل بمجاميع أخرى من اللغات تشمل أراضي واسعة وتمتد من السنسكريتية في الهند إلى أقصى طرف أوربا الغربية. وأطلقوا على هذه اللغات اسم اللغات الهندية الأوربية لما لم يجدوا لها اسما آخر. وبالطبع يجب أن تفهم هذه "اللغات" بالمعنى الذي أعطيناه لهذه الكلمة فيما سبق. فهي مجموعات لغوية أمكن لكل منها أن تصل في فترة من فترات التاريخ إلى نوع من الوحدة، ولكنها جميعا قد انقسمت وتباينت خلال العصور على النحو الذي أشرنا إليه.

تمكن العلماء بجمعهم للسمات المشتركة بين هذه اللغات أن يكونوا ما يسمى

ص: 371

بالنحو المقارن للغات الهندية الأوربية1. ذلك النحو الذي يضم إلى سلسلة طويلة من أنحاء مقارنة أضيق منه دائرة، ونعني نحو اللغات الرومانية المقارن، ونحو اللغات السلافية المقارن ونحو اللغات الجرمانية المقارن، إلخ. وينتهي كل واحد من هذه الأنحاء المقارنة إلى إعادة تكوين حالة لغوية في صورة إجمالية غالبا. وهذه الحالات اللغوية المبعوثة التي تسمى بالجرمانية المشتركة2 والسلافية المشتركة مثلا، وكل منها تعتبر في منطقتها نظيرة اللاتينية العامية "أو الرومانية المشتركة". التي انتهى إليها نحو اللغات الرومانية المقارن. وعلماء اللغات الرومانية يجدون في بقاء اللاتينية سنادة قوية يعتمدون عليها في استنباط نتائجهم، لذلك يحق لعلماء اللغات الجرمانية والسلافية أن يندبوا سوء حظهم لعدم وجود وثائق من الجرمانية المشتركة أو السلافية المشتركة يقابلون بها نتائج بحثهم. ولكن ينبغي لنا ألا نبالغ في فقر العالم اللغوي الجرماني أو السلافي بالنسبة للعالم الروماني. فهذا الأخير لا يرجع إلى اللاتينية إلا للتثبت من نتيجة وصل إليها، ولكنه يقيم فروضه دون رجوع إليها، وأحيانا يسره أن يبين بالبرهان أنه على حق في استنتاجه رغم معارضة اللاتينية الكلاسية الموجودة في النصوص. أما اللاتينية نفسها فلا يستعملها علماء اللغات الرومانية إلا للاستعانة بها على إعادة بناء هذه اللاتينية العامية التي تعد نقطة البدء في عملهم ونقطة الانتهاء أيضا.

ولما كان علماء اللغة الذين يعيدون بناء الهندية الأوربية لا يشتغلون بوجه عام إلا في لغات مشتركة أعيد بناؤها بطريق الفرض أيضا، كانوا مضطرين إلى إبراز عمل أكثر إجمالا من عمل سابقيهم. فالهندية الأوربية التي عملها علماء اللغات ليست لها حقيقة واقعية: بل ليست كما قيل فيها إلا "نظاما من المقابلات".

1 انظر خاصة برجمان Brugmann ودلبروك Delbruck، رقم 15، ومييه رقم 94. ومؤسس النحو المقارن في اللغات الهندية الأوربية العالم الألماني فرنستس بوب FRANZ BOPP، رقم 145. ومن بعده شليشر رقم 195. وانظر أيضا دي سوسير F. de Saussure رقم 121، وهيرت Hirt رقم 166، 167، وبشتل Bechtel رقم 143؛ وهبشمان Hubschmann، رقم 171، وشريدر Schrader، رقم 200، 201، وفيست رقم 158 و159.

2 ف. كلوجه F. Kluge رقم 174.

ص: 372

ويترتب على ذلك أن أعلم العلماء بالهندية الأوربية لا يستطيع أن يعبر بها عن جملة بسيطة من قبيل "الحصان يجري" أو "البيت كبير". وأقصى ما يصل إليه في الحذق بها ينحصر في قواعد البنية النحوية، فلا يوجد إذن من يستطيع أن يتكلم الهندية الأوربية. ولكن على العالم اللغوي أن يعرف ما هي فصائل هذه اللغة وكيف كانت تعبر عنها، وماذا كانت قيمة اللواحق والخواتم فيها.

وهذا هو المهم لأنه يسمح لنا بإقامة الروابط التاريخية التي تجمع هذه اللغات بعضها ببعض على وسائل لغوية. فمع أن المنهج المقارن يولي وجهه شطر الماضي السحيق، فإنه في الواقع لا يؤتي ثمرته إلا في اتجاه عكسي، لأنه يوضح تفاصيل اللغات الثابتة بالوثائق. وأظهر نتيجة لنحو اللغات الهندية الأوربية المقارن تنحصر في تحديد صلات القرابة بين هذه اللغات1. فكل اللغات الفارسية واللغات السلافية والجرمانية والرومانية والكلتية، إذا اعتبرت من الوجهة الزمنية، تبدو للعالم نتيجة لسلسلة متتابعة من التباين لحالة لغوية واحدة سابقة عليها جميعا، وتسمى بالهندية الأوربية.

هل يمكننا أن نرجع بالتاريخ إلى أبعد من هذا؟ لا شيء يمنع من الاعتقاد في إمكان ذلك. بل إن بعض علماء اللغة المحدثين مقتنع به تمام الاقتناع. ونحن نعرف كيف تكون نحو اللغات الهندية الأوربية المقارن بضمه إلى عدة أنحاء مقارنة أخرى. وإذن فإننا إذا ثابرنا على تفتيش تاريخ اللغات واستخراج القواعد العامة التي تبنى عليها. فقد نصل إلى أن نعيد بناء لغات مشتركة أخرى تكون بالنسبة للهندية الأوربية كالسلافية المشتركة بالنسبة للجرمانية المشتركة أو اللاتينية بالنسبة للإغريقية. أو كالفرنسية بالنسبة للإيطالية إذا لم نرد التوغل في الماضي.

لوحظ منذ زمن طويل وجود بعض مواضع من الشبه بين الهندية الأوربية والفينية الأجرية، وقد وجدت في ميدان السامية -حيث قطع البحث المقارن

1 عن اللغات الهندية الأوربية الجديدة التي اكتشفت بعض وثائقها في أوائل القرن الحالي في آسيا الوسطى، انظر خاصة: مييه وسيلفان ليفي، رقم 5، "1910-1913" ورقم 6 مجلد 17 و18؛ وجوتيو: رقم 5 "1911" ورقم 72 مكرر. وترى عرضا لمجموع النتائج كتبه مييه في مجلة Revue du Mois أغسطس عام 1912.

ص: 373

مرحلة لا بأس بها- بعض سمات خاصة فيها وجوه شبه غريبة بالهندية الأوربية؛ حتى استنتج بعض اللغويين من ذلك إمكان وجود أسرة لغوية تضم اللغات السامية واللغات الهندية الأوربية1. فتكون كل منهما تمثل مجموعة لغوية واحدة، وتكون الفرنسية في حقيقة أمرها هي العربية أو الحبشية كما ثبت بالبرهان أنها هي نفس الروسية والفارسية والإرلندية. ولا ينبغي أن تثنينا عن هذه المحاولة تلك الخلافات الصارخة الموجودة بين هذه اللغات، لأنه إن كان في افتراض أسرة هندية أوربية سامية شيء من الجرأة، فليس مبعث هذه الجرأة أن ذلك الفرض يرجع إلى أصل واحد لغات مختلفة تمام الاختلاف. فالحقيقة الواقعة أن السامية تظهر منذ الآن أقرب إلى الهندية الأوربية من سائر المجاميع اللغوية التي حددت معالمها حتى الآن. أفيمكن لهذه بدورها أن تتداخل شيئا فشيئا حتى تنصهر في وحدات واسعة يضاف بعضها إلى بعض؟ 2 إن هذا السر في ضمير المستقبل؛ إذ إن هناك عددا كبيرا من اللغات التي لم يطبق عليها المنهج المقارن بعد أو التي لم يقل فيها كلمته الأخيرة.

من ذلك نرى مقدار المدى الذي يستطيع المنهج المقارن أن يصل إليه، ولكنا نرى أيضا مقدار النقص الذي ينطوي عليه، فهو يستند على مبادئ لغوية فحسب، ولا يستطيع أن ينتظر من العلوم المجاورة إلا معونة ضئيلة. إذ يجب علينا أن نحذر الخلط بين القرابة اللغوية كما نستخرجها من المنهج المقارن، وبين القرابة الجنسية وقرابة المدنية. فهذه ثلاث مذاهب من الدراسة مختلفة.

يشتغل في ميدان ما قبل التاريخ ثلاث طوائف من العلماء، وكل طائفة منها تعمل مستقلة عن الأخريين. وهؤلاء هم: علماء الأنتروبولوجيا وعلماء الآثار وعلماء اللغة، فالأولون تحت يدهم الهياكل العظمية والجماجم، وأصحاب الطائفة

1 هرمان مولر: رقم 184 وكتابه Indo - europaeisk - semitisk Sammenlignende Glossarium; كوبنهاجن "1909"، وبدرسن: رقم 30، مجلد 22 ص341؛ كوني: رقم 13.

2 ترومبتي Trombetti رقم 228.

ص: 374

الثانية أمامهم أدوات الحضارة من حلي وأسلحة وآنية وآلات متنوعة في أشكالها ومواد صنعها، وبالاختصار كل ما بقي من عدد ما قبل التاريخ وعتاده؛ أما اللغويون فيشتغلون بمقارنة الأصوات والكلمات، والطوائف الثلاث جميعا يعنون بجمع الأشياء التي يشتغلون فيها جمعا منهجيا. وترتب كل طائفة أشياءها في سلاسل تحاول إن استطاعت أن تقيم بينها روابط تاريخية أو نسبية. ولكنهم لم يصلوا حتى الآن إلى شيء يذكر في التنسيق بين سلاسلهم وسلاسل أصحابهم. فليس هناك مقياس مشترك.

يقدم لنا النحو المقارن نظاما تصنف فيه اللغات في أسرات تبعا لخصائصها، فبمقارنة الأصوات والصيغ تتجلى ضروب التجديد الخاصة بكل لغة في مقابلة البقايا الباقية من حالة قديمة. وقد نجح اللغويون في أن يحددوا ما قبل تاريخ اللغات الهندية الأوربية، ولكنهم لم يصلوا إلى معرفة من كانوا يتكلمونها، ولم يستطيعوا أن يحددوا أسلاف الإغريق أو الجرمان أو اللاتينيين أو الكلتيين، وإنما يعرفون فقط التغيرات التي مرت بها الجرمانية والإغريقية واللاتينية والكلتية حتى وصلت إلى الحالة التي تكشف عنها النصوص. أما الأسماء التي أطلقوها على اللغات التي أعادوا بناءها فتحكمية، قد اتفقوا عليها مجرد اتفاق، فكلمة "الهندية الأوربية" إذا خرجت من الاستعمال اللغوي لم يبق لها أي معنى، ومثلها الكلمات "إيطالية مشتركة" و"كلتية مشتركة""وجرمانية مشتركة". فهذه الكلمات إنما تمثل دلالات لغوية، ولا معنى لها إلا في ذهن العالم اللغوي.

كذلك المصطلحات التي يستعملها علماء الآثار لا يصح لها أن تخرج من ميدان علم الآثار. فالعالم الأثري الذي يكون مجموعة من الزهريات أو من الحراب ذات الطابع المعين ويحدد منطقتها الجغرافية، يحار كيف يجيب إذا ما سئل عن اسم المدينة التي تنتسب إليها. فالعدد أشياء عديمة النسب، عديمة النسب إلى حد اضطر العلماء إلى الاصطلاح على تسميتها باسم المكان الذي يكشف عنها فيه. وعلماء الآثار يتكلمون عن دلاء هلشتات أو عن حراب التين أو عن الزخارف الفلانوفية أو عن أثاث أونيتتس. كذلك يتكلم علماء الأنتروبولوجيا عن الإنسان النياندرتالي

ص: 375

أو جمجمة الشايل -أو- سان. ويقارنون في شوب الأرض المختلفة بين ذوي الجماجم المستطيلة وذوي الجماجم المستديرة دون أن يستطيعوا تعيين اللغة التي تقابل كل قسم من أقسامهم الأنتروبولوجية.

ذلك لأن وجود الجمجمة بين يدينا لا يستطيع بحال أن يعرفنا شيئا عما كانت تحتويه في صنوقها العظمي ولا عن أنواع الترابط بين الكلمات والأفكار التي كانت تتكون فيها، ولا عن الصور الكلامية التي كانت تنشأ في مراكزها المخية، وقد قلنا فيما تقدم "ص297": إن تحقيق الرابطة بين اللغة والجنس أمر مستحيل كذلك لا يمكننا أن نعرف أي الأدوات كانت تستخدم لدى الشعوب التي نعرف لغتها، ولا إلى أي حد توجد صلة بين مختلف اللغات ومختلف المدنيات. فالذي نعلمه علم اليقين وقامت في صحته البراهين شيء واحد فقط: هو أن اللغة الواحدة قد تتكلمها أجناس متباينة، وأن من الأقوام من يتكلمون لغات مختلفة ويستعملون جميعا أدوات واحدة. كما أن أي تقدم يحصل في ميدان العدد لا يبقى مقصورا على شعب واحد؛ حتى ليستحيل علينا حساب الحركات الجنسية بأوربا فيما قبل التاريخ وفقا للتتابع العصور الأثرية "العصر الحجري وعصر البرنز وعصر الحديد". فلم تكد المطبعة تخرج من يد المخترع حتى انتشرت في أقطار مختلفة الأجناس واللغات كألمانيا وإيطاليا وفرنسا. وإذن فليس التوفيق بين النتائج التي تقدمها فروع العلم الثلاثة التي تكلمنا عليها أمرا عسيرا من الوجهة العملية فحسب، بل يعد أمرا مستحيلا من الوجهة النظرية أيضا. فالقرابة اللغوية لا تستطيع أن تعول على عون يذكر من قبل علم الآثار أو علم الأنتروبولوجيا، وكل ما يستطيع أن يعلقه العالم اللغوي على فروع العلم المجاورة من أمل هو أن تمده بفرض يسير على هديه أو بوسيلة للتأكد من صحة بحوثه. وليس أمامه للبرهان على القرابة إلا الوسائل اللغوية.

ولكن المنهج المقارن إذا ترك لوسائله الخاصة، صار أحيانا عديم الجدوى؛ لأنه يفترض أن تطور اللغات قد وقع بصورة مطردة متصلة لم يصبها عارض خارجي، ومع أنه امتداد للتاريخ، فإنه يتحدى التاريخ، إذ لا يستخدم إلا مقررات نظرية

ص: 376

ويتخذ من التاريخ صورة مبسطة تنحصر في سلسلة متتابعة مطردة من الأسباب والمسببات عاطلة من كل ما يخلع على التاريخ طابعه الحقيقي، وهو التعقد والتنوع. وقد يكون هذا المنهج مدفوعا إلى ذلك بضرورة حتمية، لأنه في جهله بالظروف السياسية والاجتماعية التي فيها تطورت اللغة، يبنى ما قبل تاريخها بوسائل لغوية. وهو في هذا الميدان يشعر بقوته؛ لأن التجربة قد دلت على اتصال الرواية اللغوية. ولكن عدم وجود مقررات محددة عن ظروف التطور التاريخي يضعف كثيرا من النتائج التي نحصل عليها بوساطة المنهج المقارن والخاصة بتحديد القرابة اللغوية وهذا هو ما اضطرنا إلى تحديد هذه القرابة بواسطة وجوه الشبه الموجودة في اللغات، وتلك طريقة خطرة. فقد يوجد في الطبيعة أحيانا أقرباء يشبه بعضهم بعضا إلى حد يعجزنا عن التفريق بين الواحد منهم والآخر. ولكن المتماثلين ليسوا جميعا من الأقرباء، وكذلك الحال في المسائل اللغوية، فكثيرا ما تكون وجوه الشبه من عوامل الخداع.

يمكن للمفردات بتمامها أن تتغير، دون أن يغير ذلك من بنية اللغة الصوتية أو

ص: 377

النحوية تغييرا محسوسا. ومن المهم جدا أن نعرف مفردات اللغة التي نريد دراسة المدينة التي تمثلها وبذلك تكون المفردات جسرا بين اللغة وعلم الآثار، ولكن هذا الجسر يؤدي من كلتا ناحيتيه إلى طريق مغلق؛ لأننا لا نستطيع أن نستدل من المفردات على طابع اللغة، حتى ولا على الطابع الذي تنضوي تحته أدوات المدنية. ولنذكر المثل التالي من اللغات الهندية الأوربية التي نحن بصددها. نحن نعرف في غرب أوربا وجنوبها نوعين كبيرين من المفردات يرجعان إلى ما قبل التاريخ، ولكن الخطوط التي تفصل بينهما لا تطابق الخطوط التي تفصل بين اللهجات. وأحد هذين النوعين -ويسمى بالمفردات الغربية- يمتد في الميدان الإيطالي والكلتي والجرماني ويختلط في الميدان البلطي السلافي، ولا سيما في بلاد البلطيق، بمفردات شرقية بحتة، والثاني -ويسمى بمفردات البحر المتوسط- يمكن العثور عليه في الإغريقية على وجه

الخصوص ولكنه اصطدم بالمفردات الغربية وحل محلها جزئيا في أهم لهجة من اللهجات الإيطالية، وهي اللاتينية لذلك نجد في الكلتية والجرمانية وفي الإيطالية إلى حد ما عددا كبيرا من الكلمات المشتركة. ولكن هذه اللغات الثلاث تختلف في درجة القرابة بينها من وجهة البنية النحوية، فالصلة الصرفية1 وثيقة بين الكلتية والإيطالية، وثيقة إلى حد دفع بعض اللغويين إلى القول بوحدة إيطالية كلتية. أما الجرمانية فتختلف بنيتها النحوية عما في الكلتية اختلافا شديدا؛ وإذا كانت تقرب من الإيطالية في بعض الوجوه، فإنها أيضا تقرب من السلافية البلطية في وجوه أخرى. وقصارى القول أن الروابط الصرفية بين هذه اللغات لا تتفق مع الروابط التي بين مفرداتها.

وهذا القول يسري أيضا على الروابط الصوتية، بل قد يبدو غريبا أن ندخل الصوتيات في هذا المضمار. لأن التغيرات الصوتية تقع، على ما يبدو، بطريقة آلية مستقلة عن إرادة المتكلم، بل وعلى غير شعور منه، ولكنها أيضا تقع باضطراد محدود من حيث المبدأ وتنوع محير في نتائجه، إلى حد يجعل من العسير علينا أن نجد فيها خصائص لنوع معين من اللغات. يضاف إلى ذلك أنه لما كان الإطلاق

1 انظر دوتان Dottin: رقم 68، وهرت: رقم 167، وفيست: رقم 159.

ص: 378

من أظهر خصائص التغيرات الصوتية، لم يكن في إمكاننا هنا أن نقسم الصيغ إلى ضعيفة وقوية كما هي الحال في النظام الصرفي، والصيغ القوية كما نعلم شهود عدول على حالات قديمة قد تغيرت، فهذه البقايا هي التي تعلن عن أصول النظام الصرفي وتسمح لنا بمعرفة روابط القربى، ولكن النظام الصوتي لا يدع بقايا، ولذا لا يعرفنا بشيء من هذا القبيل.

ولا يكون الدارس في منأى من المصاعب حتى عندما يقصر دراسته على الظواهر الصرفية. لأن النظام الصرفي أيضا ينطوي على حالات من اللبس؛ لأن الدارس عندما يقيم القرابة على وجوه الشبه في البنية النحوية، يفترض أن هذه البنية تتغير بصورة مطردة مستمرة. ولكن ما الذي يضمن لنا هذا الاستمرار؟

نحن نعرف مقدار المؤثرات الخارجية التي يتعرض لها النظام الصرفي، فإذا لم تصب هذه المؤثرات إلا الأجزاء الثانوية والسطحية من النظام، بقي لنا عدد كاف من السمات المميزة التي تسمح لنا بتحديد القرابة. ولكن يمكننا أن نتصور حالة قصوى تصل فيها اللغة بعد أن يتكرر التأثير عليها، إلى أن يتركب فيها بدرجة متساوية مزيج صرفي من أسرتين متقاربتين، وهذه هي نفس الحالة التي تخيلناها من قبل وأطلقنا عليها اسم الخلاسية، وهي حالة شديدة الندرة، ونحن نعرف من ميدان التاريخ الطبيعي، وإن كانت ظروفه مختلفة جدا عن ظروفنا، مقدار الصعوبة التي يلاقيها العالم في تصنيف مادته إلى أسرات بسبب الخلاسية التي تعمل دون توقف على كسر النظام والوحدة. ففي حالة الخلاسية اللغوية يصير النظام الصرفي مقياسا غير ذي جدوي.

كذلك يصبح هذا القياس غير ناجع إذا كانت التغيرات الصرفية قد وقعت بسرعة خاطفة، أو إذا كانت الحالات التي نعرفها منها يفصل بعضها عن بعض آماد بعيدة حتى أصبحت اللغتان اللتان تنتسب إليهما هذه الحالات لا تشتركان في شيء من الوجهة الصرفية وإن كانتا ترجعان إلى أصل واحد، فلو أننا لا نعرف من الفرنسية إلا الحالة التي عليها اللغة المتكلمة في صورتها الحاضرة، وكنا فضلا

ص: 379

عن ذلك نجهل اللغات الرومانية الأخرى واللاتينية لكان من الصعب علينا أن ندلل على أن الفرنسية لغة هندية أوربية لأنه لم يبق في الفرنسية من الهندية الأوربية إلا بعض تفاصيل من البنية مثل المقابلة il est "هو يكون" ils sont "هم يكونون""في النطق Ison، ile" أو مثل -ولعل ذلك أدل- صيغ أسماء العدد أو الضمائر الشخصية، مع بعض المفردات كأسماء القرابة. هذا كل ما بقي في الفرنسية من الهندية الأوربية. ومن يدري لعلنا نجد فيها أدلة أقوى من تلك تبعث على وصلها بالسامية أو الفينية الأجرية.

وقد يوجد فوق سطح المعمورة لغات هندية أوربية لا نعرفها، إذ إنها فقدت كل قرينة تشير إلى أصلها، وذلك لأنها لا تاريخ لها، ولأن استعمالها مقصور على أقوام أميين. فإذا ما طبقنا عليها الطريقة الصحيحة لم نستطع الاستدلال على قرابتها للإغريقية أو اللاتينية أو السنسكريتية. ولكن هذه الطريقة تفرض علينا أيضا أن نقول باستحالة البرهان على عدم وجود قرابة ما بين لغتين من اللغات.

ويمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك. وذلك أننا إذا أردنا استخدام النظام الصرفي في الاستدلال على القرابة اللهجية، وجب أن يكون هذا النظام متميزا قاطعا في الدلالة وإلا فقد يستحيل الاستدلال، ومن ثم كان لا بد من تحديد القرابة اللغوية على درجات، وهذه الدرجات لا ترجع إلى الصلات التاريخية التي بين اللغات، وإنما ترجع فقط إلى درجة تميز البنية الصرفية. فهناك لغات معقدة النحو، فيها متاع عديد من دوال النسبة المتنوعة ومميزات الفصائل واللواحق التي ترتبط كل واحدة منها بمكان معين والتي تطبع الجملة بسلسلة من الخصائص المميزة، ومن هذا القبيل لغات المجموعة البنطية. ومثل هذه اللغات تتطلب مجهودا شاقا ممن يبغي إجادتها، ولكنها تمتاز بخصائص صرفية واضحة المعالم. فإذا صادفنا في كل مكان على وجه البسيطة لغة تحتوي بنيتها على نفس الخصائص الصرفية وتستخدم وسائل الإلصاق والتصنيف بعينها أو وسائل أخرى يرجع اختلافها عنها إلى تغيرات صوتية طبيعية، كان لنا الحق في أن نقرر انتساب هذه اللغة إلى العائلة البنطية وأن نستخدمها في النحو المقارن لهذه المجموعة اللغوية.

ص: 380

غير أنه توجد من جهة أخرى، لغات لا نحو لها، ينحصر نظامها الصرفي في وسائل غير ملموسة، من تركيب كلمات منعزلة. وقد ذكرنا من أمثلة هذا القبيل لغات السودان ولغات الشرق الأقصى فالخصائص الفردية تكون في هذه الحال أقل وضوحا، لأن الوسائل التي تقوم على ترتيب الكلمات فضلا عن كونها أقل تنوعا من دال النسبة الصوتية فإن قيمتها في الدلالة أقل من قيمة هذه الأخيرة. لأنه إذا كان الأمر إنما يدور حول وضع هذه الكلمة أو تلك في مكان ما من الجملة، كما هي الحال في الإيرلندية التي تضع الفعل على رأس الجملة، أو التركية التي تضعه في نهايتها، فقد يمكن اعتبار هذا الترتيب بصفة عامة نتيجة لتأثيرات آلية بعضها صرفي، ومن ثم يمكن تفسيرها بحالة اللغة العامة. أما إذا كان الأمر يتعلق باتجاه عام يخضع مكان الكلمات إلى الروابط التي توجد بين الأفكار المراد التعبير عنها، كما هي الحال في الصينية، كان هذا الاتجاه موسوما بشيء من العقلية والإطلاق يجعله ممتعا جدا في نظر من يسعى إلى تكوين نظرية عامة وإنسانية عن كليات العقل، ولكنه لا يساعد العالم اللغوي المؤرخ الذي يحاول أن يستخلص من لغة ما التفاصيل الخاصة التي تفصلها عن غيرها. وفي الوقت نفسه يستحيل تحديد القرابة اللغوية في مثل هذه الحالة المتطرفة، إذ يرى الباحث نفسه مضطرا في تحديدها إلى التعويل على المفردات، وهي كما رأينا خطة محفوفة بالأخطار. فالصينية تقول مثلا: WOO PU PHA THA وترجمته الحرفية بالفرنسية هي: moi pas craindre lui "بالعربية: أنا لا خوف هو" وهي فرنسية من نوع خاص تسمى فرنسية "الزنجي الصغير" le francais petit-negre. ولكنا نعرف من سكان إفريقية الغربية الأصليين من يتكلمون الفرنسية دائما على هذه الصورة، فلو أنهم تكلموا الصينية لتكلموها بهذه الطريقة عينها، دون اختلاف اللهم إلا في استعمالهم لكلمات أخرى، أي في حالتنا تلك في استعمالهم لأصوات أخرى، ففي "لغة الزنجي الصغير" قد تختلف المفردات فتكون فرنسية أو صينية مثلا، ولكن الصورة الكلامية فيها واحدة دائما لا تختلف، ولذلك

ص: 381

لا نستطيع أن نميز فيها طريقة التفكير الفرنسية عن طريقة التفكير الصينية.

كيف نعمل إذن عندما نريد أن نصنف في عائلات بعض اللغات التي تكاد تخلو من النحو كاللغات التي أشرنا إليها، ولا سيما إذا كانت مفرداتها قد تغيرت بفعل الأحداث الخارجية؟ وهذه هي الحال مثلا في لغات إفريقية الغربية المشار إليها التي تتنوع مفرداتها إلى أقصى حد بفعل الظروف التاريخية والتي تتفق كلها من حيث الفقر النحوي أو تكاد1. فلما كان لا نعرف الحالات السابقة لهذه اللغات ولا نعلم من تاريخها ما يتجاوز خمسين عاما، لم يكن في وسعنا تحديد أصل مفرداتها ولا تكوينها، إذ لا يوجد لدينا في هذه الحال أية وسيلة لتصنيف هذه اللغات في أسرات؛ أو إذا أقدمنا على تصنيفها كان عملنا ينقصه كثير من التحقيق والتدقيق. فنحن هنا ضحايا لانعدام الوثائق، وضحايا أيضا لطريقتنا التي تحرم علينا أن نطلب إلى فروع المعرفة الأخرى ما نستعيض به عن نقص الوسائل اللغوية.

يجب أن نستخلص من هذه الاعتبارات أن التدليل على القرابة اللغوية شيء نسبي. ويتوقف أولا وقبل كل شيء على وفرة الأدلة اللغوية التي تكون، بعد أن يشهد لها التاريخ السياسي أو الاجتماعي. مجموعة لها قيمتها من البراهين، ولكن هذا الاستدلال في حالة اللغات المجهولة التاريخ يتوقف أيضا على ثراء القواعد النحوية وتنوعها، وأخيرا كثيرا ما تضطرب القرابة في داخل الأسرة الواحدة من جراء تأثير اللهجات بعضها على بعض.

قد يجيب بعض النظريين من علماء اللغة بأن هذا أمر ضئيل الأهمية؛ لأن القرابة اللغوية في نظرهم موجودة بصفة مطلقة، بغض النظر عن كل استدلال، ويرجعون ذلك إلى شعور الأفراد وإرادتهم في أن يتكلموا لغة آبائهم، والواقع أن مبدأ الشعور بالاستمرار اللغوي هذا يكفي في معظم الحالات في تقرير وجود القرابة اللغوية في حد ذاتها، ولكن لا يمكننا أن نقطع باستحالة وقوع خطأ ما من جانب المتكلمين؛ لأننا إذا سلمنا بقيام الخلاسية التي تدمج خصائص لغتين مختلفتين

1 دلفوس: رقم 4، مجلد 16، ص386.

ص: 382

لتخرج منهما لغة واحدة، فقد يصادف أن ينتقل المتكلمون من نظام لغوي إلى آخر بصورة غير محسوسة، وبذلك يغير الجيل الجديد لغته دون إدراك منه. وهذه بالطبع حالة قصوى لا يمكن عادة أن تقع بين أمم متحضرة ولكنها غير مستحيلة الوقوع في بعض الظروف اللغوية والاجتماعية، فلا يمكننا هنا أن نغض النظر عنها، ويجب أن نعترف بسوء أثرها على القرابة اللغوية، إذ إنها لا تعمل على جعل الاستدلال على القرابة مستحيلا فحسب، بل أيضا تؤدي إلى طمس معالم هذه القرابة واختفائها.

من حسن الحظ أن معظم لغات الأرض. ولا سيما اللغات الثاتبة التاريخ، قد أمكن تحديد قرابتها بدقة مدهشة؛ حيث نجح العلماء في تكوين عائلات لغوية كبيرة، كالهندية الأوربية1 والسامية2 والفينية الأجرية3 والبنطية4 والملايوية اليولينزية5، إلخ. نعم قد تكون صلات القرابة داخل كل أسرة موضعا للجدل من جهة التفاصيل في بعض الأحيان، ولكن المبدأ الذي تقوم عليه لا يقبل الريب. وليس من شك في أن تقدم الفيلولوجيا المقارنة سيؤدي إلى ازدياد عدد الأسر اللغوية الصحيحة التكوين.

1 برجمان BRUGMANN، ودلبروك DELRUCK: رقم 150؛ مييه: رقم 94.

2 بروكلمان: رقم 148.

3 شينييه SZINNYEI: رقم 212.

4 مينهوف MEINHOF: رقم 179.

5 برند شتنر BRANDSTETTER؛ MONOGRAPHIEN ZUR INDONESISCHEN SPRACHFORSCHUNG، لوسبرن 1906 وما يليها. قارن أيضا ج. فران G. FERRAND: رقم 71.

ص: 383

الجزء الخامس: الكتابة

الفصل الأول: أصل الكتابة وتطوره ا 1:

إذا كانت مسألة أصل اللغة لا تنطوي على حل مرض، فإن الأمر على خلاف ذلك في مسألة أصل الكتابة؛ لأن هذه الأخيرة يمكن مواجهتها بطريق مباشر وفي وسع الباحث أن يحيط ويلم بها في مجموعها، وذلك لأن أصل الكتابة قريب منا نسبيا، ولم تعرف لنا اللغات القديمة إلا منذ سجلتها الكتابة، ولكنا نعرف الكثير منها منذ تلك اللحظة عينها؛ وكثيرا ما يكون أول نص منها يقع تحت أيدينا هو أول النصوص التي سجلته الكتابة، ولدينا من جهة أخرى لغات لم تكتب إلا في أيامنا هذه، بل وتحت أبصارنا، ومن ثم كان في وسعنا أن نضع يدنا على الوسائل التي بواسطتها تصير اللغة المتكلمة لغة مكتوبة، وهي في عنفوان حياتها، وأن نقدر نتائج عملها.

ومع ذلك يجب علينا لفهم مسألة أصل الكتابة، أن نتخلص من عوائدنا العقلية بوصفنا قوما متحضرين. فالذي في ذهننا هو أن القيمة الرمزية للكتابة

1 راجع عامة ف. برجيه ph. Berger: رقم 48؛ ودنتزل Dantzel: رقم 151؛ وليفي بريل: رقم 88؛ والفصل الأخير من كتاب: تاريخ شعوب الشرق لمسبيرو. وعن الوسائل المادية التي أدت إلى خلق الكتابة واستكمالها، انظر الفصل الخاص بتصوير الفكر في كتاب دي مورجان De Morgan: البشرية قبل التاريخ ص271 وما يليها، الذي يكمل بنصه وصوره التوضيحية محتويات فصل الكتابة الذي نحن بصدده.

ص: 384

أمر طبيعي. إذ لا يلزم لأطفالنا إلا بعض المران وشيء من التفكير ليفهموا أن ما يرونه مكتوبا بالمداد الأسود على الورق الأبيض ليس إلا صورة الكلمات التي تسمعها آذانهم، ولا يمر بهم وقت طويل حتى يتعودوا هذه الرياضة الذهنية التي تنحصر في التوفيق بين الرسم والصوت وفي الجمع في دائرة الإدارك بين التصورات البصرية والتصورات السمعية، والزمن الذي قضيناه في طفولتنا لإخضاع عقلنا لهذه الرياضة كان من القصر بحيث لم يبق منه شيء في ذاكرتنا. فالفكرة التي في أذهاننا عن اللغة المكتوبة، قد حصلناها دون مجهود، وبصورة قريبة من الطبيعة.

ومع ذلك فمن المؤكد أن هذه الفكرة ليست طبيعية بالنسبة للإنسان. فنحن نجني ثمار التحسسات العقلية التي قام بها أسلافنا الغابرون، فهم الذين سهلوا مهمتنا بتحضيرهم لعقليتنا. فما أكثر ما بذلوا من وقت ومن مجهود في تمرين الدماغ الذي ورثونا إياه، تمرينا جعلنا لا نشعر حتى بوقوع هذا التمرين.

نحن نعرف أن بني الإنسان بدءوا بكتابة الأفكار قبل أن يكتبوا الكلمات؛ لأن الصورة استعملت في أول الأمر علامة للأشياء، ولكنهم لم يعثروا على هذا الاستعمال نفسه في أول لفتة؛ لأنه يستلزم كون الإنسان قد أدرك القيمة العقلية للعلامة الكتابية، ولكنا نعرف أن بعض المتوحشين لا يزالون حتى يومنا هذا يوحدون توحيدا تاما بين الصورة والشيء، وهذا التوحيد الذي يبدو لنا غريبا لا يرجع إلى خداع أو إلى خلط فاحش، بل يرجع إلى أن المتوحش يدرك جميع الأشياء سواء في ذلك المواد وصورها بصورة غيبية، ففي غيبيته يتكون العالم الخارجي من سلسلة من الظواهر مزودة بصفات خفية، وليست الصفات المتبادلة بينها مما يخضع للتناقض، وكأن نشاطه هو مشتبك بسدى العالم الخارجي، فلا يقوم بفعل دون أن يكون له أثره في الكون المرئي وغير المرئي، وما نسميه بالخرافة -وهي تنحصر في إعطاء أتفه الأحداث معنى غيبيا وفي إيجاد صلة خفية

ص: 385

بين أشد الحوادث اختلافا- هي الحالة العادية لعقل المتوحش. وذلك على أعظم جانب من الأهمية بالنسبة لاستعمال العلامات.

لنفترض أن متحضرا علم طريقه بغصن شجرة أو خط صليبا على الرمال أو فوق صخرة ما، فإنه في هذه الحالة يكون مسوقا بباعث عقلي محض، كأنه يقصد إلى العثور على طريقه عند العودة أو إلى إعطاء إشارة ما إلى زملاء له يتبعونه. أما في ذهن المتوحش فإن مجرد رسم علامة ما يؤدي إلى تعقيدات غيبية ويوحي ببواعث مختلفة كل الاختلاف، فإذا ترك غصنا في طريقه مثلا، فذلك لتملك الأرض التي يطؤها أو لإفساد سحر ومنع تأثيره أو لاجتذاب روح أو إقصائها أو لتضليل عدو خفي بسد طريقه عليه، أو لإعطائه وسيلة يستفيد منها في الإضرار بك؛ وبالاختصار يرى في هذا العمل حدثا كبيرا يؤدي إلى نتائج حسنة أو سيئة ذات أصداء واسعة في هذا الكون الفسيح.

كذلك صورة الحمار أو صورة الكلب لا توقظ في أذهاننا بوصفنا متحضرين إلا فكرة الحمار أو الكلب دون شيء سواها، ولكنها بالنسبة للمتوحشين هي الحمار بعينه أو الكلب بعينه، فإذا كانت الصورة تمثل حيوانا ضارا أو عدوا عاديا بدل أن تمثل كائنا لا ضرر منه فما أثقل النتائج التي تؤدي إليها! عندئذ يجري على لغة العلامات جميع الأحداث السحرية التي للغة المتكلمة، من تحريم ومن كنايات مثلا فيصير من الخطر أن يرسم نمر أو فرس من أفراس البحر بقدر ما يكون من الخطر في تسميتها؛ لأن الصورة كالاسم تكون جزءا من ميدان الوجود الغيبي1 وقد تدفعهم عاطفة مضادة لتلك، ولكنها من أصل غيبي أيضا، إلى أن يعنوا بمعرفة تصوير العدو أو الحيوان المخوف لاستمالته والتلطيف منه أو لاتخاذه حليفا ثمينا. فنرى بعض المتوحشين يرسمون على أسلحتهم ثعبانا أو ببرا معتقدين أن هذا الحيوان أو ذاك يخلع على المادة التي يرسم عليها جزءا من قدرته، فما دام الرمح أو الطرس قد زينا على هذا النحو فقد اكتسبا قوة سحرية؛ فالببر مثلا يهبهما القوة والثعبان يمنحهما المكر الذي يفسد حيل الأعداء، وبهذه

1 دانتزل: رقم 151، ص67 وص72-73.

ص: 386

الطريقة تتكون مجموعة كاملة من الأحجبة والتمائم التي تترجم بواسطة الصور الرمزية عن إدراكات المتوحشين الغيبية.

من المبالغة الواضحة أن نحصر نشاط البدائيين العقلي في مثل هذه الحدود الضيقة. فلنترك له إذن شيئا من السعة ولنسلم بأنه في بعض الأحيان ينفض عن نفسه نير المشاغل الغيبية. فقد تكون العلامة عندهم أيضا نوعا من الانعكاس الخارجي تشهد بحاجتهم اللاشعورية إلى إظهار ما في باطنهم، إلى إبراز نفسيتهم ومن هذا القبيل مثلا ذلك العبث التافه الذي يقوم به العابر عندما يحفر اسمه على الجدران بسن مبراته، أو تلك الحركات التي يقوم بها المتنزه، وقد أثملته الشمس والهواء الطلق، عندما يقرع جزوع الأشجار بطرف هراوته فيسقط براعمها. بل لنسلم للبدائي بقابليته للمتع الفنية. ولم لا؟ فالرسوم التي خطتها على عظام الرنة أيدي أناس من عصر المغارات يذكرنا كمالها التام بفناني اليابان. فلنا أن نفخر بعمل هؤلاء الأسلاف الغابرين الذين سبقوا أوتامارو OUTAMARO وهكساي HOKSAI بآماد وآماد، فلماذا ننفي عنهم إحساسهم باللذة عندما قاموا بهذا العمل لا لشيء إلا لشعورهم بالارتياح لما هو جميل؟ فعندما نريد أن نحلل بدقة منابع النشاط العقلي عند البدائيين، يجب علينا بلا ريب ألا نسقط من حسابنا الأفعال التفكيرية والبواعث الفنية. ولكن هذا لا يمنع من وجود اختلاف جوهري بين البدائي والمتحضر. فقد يجوز لهذا الأخير أن يحيد عن القواعد التي يفرضها العقل، ولكنه عندما يثوب إلى نفسه ويعود إليه توازنه، فإن عقله يرجع بطبيعة الحال إلى الإدراك المعقول للأشياء، بل إنه لا يدرك حماقته إلا باستعمال عقله. أما البدائي فحالة عقليته الطبيعية هي الحالة الغيبية. فالغيبية تحيط بها من كل جانب وتغذيها وتسندها. وحتى عندما يبدو أنها قد خرجت منها لحظة ما، فإنها تبقى غائرة فيها بجذور عميقة.

فكرة البدائي عن العلامة تستبعد كل إمكان لكتابة ككتابتنا، لأن كتابتنا تقوم على مبدأ عقلي؛ فتاريخ نشوء الكتابة يفترض إذن كون العقلية المعقولة قد تخلصت من العقلية الغيبية، وهذا لا يقع دفعة واحدة، ولعل نقطة البدء تنحصر

ص: 387

في كون العلامة تحتمل في نفس الوقت تفسيرات عدة وتصلح لغايات كثيرة1 فكون العلامة تميمة محملة بالقوى السحرية لا يمنع من كونها صورة مادية لأحد الأشياء وأنها تظهر أمام العقل على هذا النحو. ففي هذه الحال يمكن أن تستبعد عن العلامة الخصائص السحرية شيئا فشيئا، وفي هذا إخضاع للتصورات الذاتية والغيبية للتصورات الموضوعية والمعقولة، وأخيرا الاستعاضة بهذه عن تلك.

فرأس الببر المحفور على خشب الرمح قد وضع عليه حقا ليزوده بقوة سحرية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لصاحب السلاح أن يتعرف سلاحه، إذا كانت أسلحة الجيران لا تحمل هذه العلامة، وبذلك يصبح الرأس علامة الملكية، وغصن الشجرة الملقى في الطريق لغاية سحرية يمكن أن يكون مفيدا في تعليم الطريق، فيصير عند اللزوم علامة للتذكرة. من ذلك نرى أن الحدث الغيبي يدخل فيه عنصر معقول يتدرج فيه نحو الغلبة شيئا فشيئا حتى ينتهي بالسيادة، ومن ثم كان أولئك الذين يرون في علامات الملكية وإشارات التذكرة مبدأ الكتابة على حق في رأيهم2.

ولكنا في حالة العلامات التذكارية لسنا من الكتابة إلا في منتصف الطريق لأنها إذا كانت تستخدم لتمثيل بعض صور الفكر، فإنها لا تعبر عن الفكر نفسه مطلقا. ولدينا مثل شهير على ذلك في عصا الرسل "Stick messages" المستعملة عند الأستراليين. فهذه العصا المغطاة بالحزوز تستخدم في إبلاغ تعاليم وأوامر، وأحيانا في إبلاغ سلاسل من الأوامر على جانب كبير من التعقيد. ولكن لا يستطيع تفسيرها إلا العارفون. فعصا الرسول لا يمكن فهمها دون الرسول نفسه. وهي أولا وقبل كل شيء وسيلة يتخذها المرسل لمنع الخطأ والخيانة. فهي بمثابة مرشد ومعين للذاكرة. إذ إن تركيب هذه الحزوز يقدم خطة رياضية مصورة للرسالة التي يجب أن تؤدي، وهيكلا عظيما للحديث. فهي تشير إلى

1 دنتزل. رقم 151، ص48.

2 ا. فان جنب: مجلة التقاليد الشعبية "1906"، ص73-78، ورقم 74 السلسلة الثانية، باريس 1909.

ص: 388

عدد الأفكار وإلى تسلسلها بعضها من بعض، ولكن الأفكار نفسها غير موجودة فيها.

الأفكار غير موجودة فيها بالنسبة لكثيرين من الناس على الأقل، إذ يمكننا أن نتصور دون عناء أن يقوم بين المتراسلين اتفاق سري لا يعلم به حتى الرسول نفسه، وبمقتضاه يمثل كل حز فكرة معينة، وفي هذه الحال نكون أمام كتابة حقة، كتابة بدائية محدودة الوسائل، ولكنها تسمح بإيصال فكرة بين شخصين في صورة مادية، وهذا على وجه التقريب هو تعريف الكتابة.

ومن هذه الفصيلة، فصيلة "عصا الرسل" ما يسمى بالكبوات البيروية quippos des pruviens والومبومات الإيروكوية Wampums des Iroquois. والقراء يعرفون ما يراد بهذين المصطلحين. فالكبوات حبال مصنوعة من خيوط الصوف المختلف الألوان تعقد عليها في أبعاد مختلفة عقد على جانب كبير من التعقيد فإذا ما ركبت ألوان هذه الحبال مع سمك العقد ومواضعها وجمعت كل الحبال بعضها مع بعض بطريقة متفق عليها، أمكن الحصول على وسيلة لتمثيل الأفكار تمثيلا رمزيا، ولبيان تسلسلها بعضها من بعض، هذه الكبوات قد لعبت دورا هاما في "خطابات إحدى البيرويات" لمدام دي جرافيني، لذلك كان لها الحق في أن تحتل مكانها بين الآداب الفرنسية. أما الومبومات فهي عقود القواقع المرصوصة بعضها فوق بعض، وتركيبها يكون أشكالا هندسية. ويقال إن بعضها يشتمل على ما لا يقل عن 6000 إلى 7000 حبة، وأطول واحدة عرفت منها تتكون من 49 صفا من القواقع، ونلاحظ أن الكبوات والومبومات تستخدم عنصرا جديدا، وهو اللون الذي يزيد الوسائل تنوعا ومن ثم يساعد على سهولة التعبير.

ومع ذلك فإن الكبوات والومبومات، مهما بلغت من درجات الكمال. لم تكن إلا وسائل للتذكرة. وحتى لو ثبت أنها كانت تستطيع الإيحاء ببعض الأفكار، فمن غير الممكن تشبيه تراكيبها بتراكيب أي نظام من نظم الكتابة؛ لأن هذه النظم تهدف إلى التعبير عن جميع الأفكار، والذي منع من تطور كتابة مشتقة من الكبوات والومبومات إنما هي المادة التي تكونهما. فهي لا تحتمل

ص: 389

أي استكمال من الوجهة العملية، ويؤكد بعض المؤلفين أن الكبوات على الأقل، تستطيع أن تنجح في تكوين مركبات أبجدية؛ ولكن من المحقق أنهم يقصدون محاولات متأخرة عملت قياسا على الأبجدية الأوربية، وعلى هذا النحو أنشئت في إيرلندة الأبجدية الأوجامية على نسق الأبجدية اللاتينية وذلك بواسطة حزوز تحفر على حواف أحجار مرفوعة، ولكن مثل هذه المحاولات كان نصيبها الفشل المحقق.

أما الكتابة فقد تدرجت في طريق آخر، وابتدأت من الصورة التي تجعل العين تحس بفكرة الشيء، ولا سيما الصورة المرسومة على الحجر أو الصلصال أو على لحاء السحر أو الرق.

اليوم الذي فيه اعتبرت العلامة تمثيلا موضوعيا هو يوم ميلاد الكتابة، فيمكننا أن نقول بأن أول نقش إغريقي هو المجذاف الذي نصبه أوليس على قبر البينور Elpenor "الأودسة 11/ 77 و12/ 25" فهذا المجذاف قد نصب لتعريف المارة بمهنة المتوفى، على نحو ما تشير لافتات الحوانيت عندنا وما هو من قبيلها إلى نوع التجارة وصفة السلع، وكما تشير لوحات النذور التي تعلق في الكنائس على بواعث عرفان أصحابها، فهذا المجذاف كان شعارا. وقد استخدمت الإنسانية زمنا طويلا هذا النوع من اللغة الشعارية حتى في العهود التاريخية إلى أن صرنا لا نرى فيها إلا نوعا من الدلالة الرمزية. تشهد بذلك تلك الرسالة التي يقول هيرودوت "ج4 ص131" بأن السيتيين بعثوا بها إلى دارا والتي كانت تتكون من طائر وفأر وضفدعة وخمسة سهام. فقد كان ذلك إعلانا مصورا أمكن للحكيم جبرياس Gabryas أن يفسر معناه.

وقد خطا الإنسان خطوة شاسعة نحو الأمام عندما عرف يرسم ويتخذ من الصورة شعارا للشيء فقد استطاع بتركيبه لسلسلة من الصور أن يصور حديثا متماسكا متتابعا، ولدينا بعض هذه الصور المتكلمة في النقوش المصورة التي اكتشفت على صخور إسكنديناوة والتي ترجع إلى عهد ما قبل التاريخ، ونجد منها أيضا ما يزال مستعملا حتى يومنا هذا بين سكان أمريكا البدائيين1. ويشبه

1 دي مورجان: المؤلف سالف الذكر، ص272-273.

ص: 390

هذا بعض صور مقاطعة الإبينال Epinal؛ ويمكننا أن نأخذ عن هذا النوع من الكتابة فكرة خيرا من كل ما تقدم إذا تصورنا حادثة يومية نراها تعرض في السينما بدلا من أن نقرأها في صحيفة.

من هذا كله نشأت الكتابة التصويرية ideographique، وهي أول كتابة نعرفها وإليها ترجع جميع نظم الكتابة المستعملة بين بني الإنسان، وتنحصر في تمثيل كل فكرة أو كل شيء بعلامة مساوية، ويمكننا أن نكون فكرة عما كانت عليه في بدايتها بفضل ثلاث كتابات نعرفها الآن معرفة تامة، وهي الكتابة الصينية والكتابة المسمارية والكتابة الهيروغليفية، ولكن ينبغي لنا أن ننبه إلى أن هذه الكتابات الثلاث جميعها لم تبق تصويرية محضة، وأن تصوير الفكرة أو الشيء لا يلعب في أقدم ما نعرفه فيها إلا دورا محصورا، ذلك بأن التصوير فيه وجوه كثيرة من القصور ويترك للعقل مجالا شاسعا للتكميل.

ولو فرضنا أن جميع الأفكار في لغة ما قد زودت اليوم بعلامات متساوية متميزة وهو ما لا يمكن تحقيقه عمليا فإن هذا النظام المعقد يصبح قاصرا في الغد، لأنه يتعذر عليه أن يصور جميع ألوان الفكر الدقيقة التي لا تحدد وأن يتبع تطورها الدائم، فالكتابة التصويرية عندما تستقر وتثبت نهائيا تصير ثوبا جامدا يسجن الفكر بين جوانبه، فلا يتوانى الفكر عن تحطيم العقبة وجعل حطامها غير صالحة للاستعمال. مثل هذه الكتابة لا تصلح على أحسن الحالات إلا لعلم من علوم الباطنية قد حدد على صورة لا يراد له التحول عنها قيد أنملة؛ لهذه الكتابة أن تكون نوعا من الرموز الجبرية لأعمال المعامل، ولكنها لا تستطيع بأية حال أن تكون أداة لتبسيط المعرفة وتعميمها ولا للتربية الشعبية ولا للتقدم الاجتماعي، والكتابة الصينية أو الهيروغليفية من خير الأمثلة على ما نقول، فنحن نعرف مقدار ما يوجه إليهما من نقد على الرغم مما تناولهما من إصلاح.

لعل المزية الوحيدة التي تستطيع الكتابة التصويرية أن تفخر بها، هي أن قراءتها في متناول أناس يتكلمون لغات مختلفة. فقانون الإشارات الملاحية يقرؤه جميع الملاحين بطريقة واحدة وإن فهموه بلغات مختلفة. والكتابة

ص: 391

التصويرية، وهي تمثل الأفكار لا الأصوات، لها نفس المميزات التي لقانون الإشارات، وذلك أنها تسقط وساطة الكلام وتصور لغة التفكير لا لغة الكلام.

ومن اليسير أن نبين تفاهة هذه الميزة. فقانون الإشارات لا يطبق بطبيعة وضعه إلا على عدد محصور من المعاني المهنية المحدودة، أي التي لا يعتريها التغيير، ويمكن لعدد من الناس ذوي المهنة الواحدة أن يصطلحوا عليها بسهولة، ولكن هذا القانون لا يمكن تعميمه بحال، ولأجل أن يكون للكتابة التصويرية قيمة عامة، يجب ألا تتكون إلا من علامات يمكن لكل إنسان قادر على التفكير أن يدركها على الفور، وهذا سراب خداع لأنه لا يمكن تحقيقه إلا بالنسبة للمعاني المشخصة، كمعاني الطائر والقلم والثور والعين والشمس، ولكن صعوبته تبدأ عندما يدور الأمر حول المعاني المجردة. لأننا إذا رمزنا لهذه المعاني بصور تحكمية، رأينا أنفسنا نبتعد عن مبدأ الكتابة التصويرية، وإذا استخدمنا في ذلك صور الأشياء المشخصة، بأن نتخذ مثلا من القلم رمزا للعدالة ومن الثور رمزا للغنى ومن العين رمزا لسلطة الملكية، كنا قد أوجدنا على الفور ما يوقع القارئ في اللبس.

وماذا يكون الحال بالنسبة للمعاني النحوية، والكتابة التصويرية لا تملك وسيلة التعبير عنها؟ نعم، قد يمكن لبعض اللغات ألا تتأثر بهذا النقص الخطير، وهي اللغات عديمة التصريف. فإذا كانت الروابط النحوية تنحصر في ترتيب الكلمات، أمكن للكتابة التصويرية أن تعبر عن النحو. إذ يمكننا أن نتصور بسهولة وجود علامة لكل من فكرة أنا، وإرادة، وأكل، ولحم؛ وفي هذه الحال يمكن للكتابة التصويرية أن تصور بسهولة جملة قصيرة مما يسمى لغة الزنجي الصغير على هذا النحو: أنا إرادة أكل لحم "moi vouloir manger viande". إذ لا يلزم حينئذ إلا تحديد الترتيب الذي يجب أن تقرأ عليه علامات هذه الكتابة، لأن النظام الصرفي في هذه الحال ينحصر كما قلنا في ترتيب الكلمات. ولكن ذلك لا يذهب بنا بعيدا، لأن اللغة مهما تجردت من النحو، فإنها تحتوي على معان نحوية أولية لا يمكن للكتابة التصويرية أن تعبر عنها بصورة طبيعية، مثل التمييز بين الفرد والجنس وبين الاسم والفعل والدلالة على زمن الفعل وصفته وعلى النفي،

ص: 392

إلخ. فإذا صورنا هذه المعاني بعلامة خاصة تضاف إلى علامة الفكرة. كالأس يضاف إلى الحرف الجبري، كنا قد أدخلنا في هذه الكتابة مبدأ جديدا، هو مبدأ التفريق بين العلامات الفارغة والعلامات المليئة، وبذلك تنعقد الكتابة التصويرية باتباعها نظامين مختلفين، لأننا إما أن نضيف إلى العلامة الدالة على الفكرة معالم خاصة تشير إلى القيمة الصرفية؛ وفي هذه الحال يكون عندنا نوع من الصور تتغير أشكالها تبعا للاستعمال الذي تتخذه في الجملة الكلمة التي تشير إليها هذه الصور والتي يضاف إليها عناصر جديدة، وهذا يعقد الصور ويجعلها لا تنتهي عددا فتصير الكتابة غير قابلة للاستعمال، وإما أن نتبع الصورة الأساسية بعلامة أو ببضع علامات يشار بها إلى القيمة النحوية، ووجه الصعوبة في ذلك يرجع إلى وجوب استعمال علامات عديدة يضاف بعضها إلى بعض للتعبير عن معنى واحد، والطريقة الأولى أنسب للغات ذات المقطع الواحد، والواقع أنها تستعمل بالفعل في كتابة لغات الشرق الأقصى كالصينية، ولكن الحقيقة أنها حتى في الصينية تمزج بالطريقة الثانية. وذلك لأنه من العسير حقا أن نكتب لغة لا نراعي فيها إلا مبدأ التصوير.

لا توجد كتابة تصويرية واحدة قد بقيت على ما هي عليه. ولعل ذلك يرجع إلى قصور هذه الكتابة قصورا بينا، ولكنه يرجع كذلك إلى ذلك التطور الضروري الذي جعل من اللغة المكتوبة وسيطا طبيعيا بين لغة التفكير ولغة الكلام.

العقل في متناوله وسائل متنوعة للترجمة عن التفكير، فكان لديه الإشارة والصوت، ثم خلق الصورة بعد ذلك سمحت له هذه الوسائل باستعمال العلامات الاصطلاحية التي كانت تطبق من قبل -بشيء من التحوير- على حالات مختلفة، ولكنها كانت تتداخل في غالب الأحيان، ولعل مرجع ذلك إلى أنه كانت توجد حالات تستطيع الإشارة فيها أن تعبر عن الفكرة خيرا من الصوت، وعن الصوت خيرا من الصورة. ومع ذلك فلم تلبث القيمة الرمزية للصوت أن تنجح في أن تصحب القيمة الرمزية للصورة على وجه العموم وأن تحل محلها عند الحاجة؛

ص: 393

حتى أصبحت الصورة والصوت بديلين متبادلين، وعندما وصلا إلى درجة التعادل، أمكن للعقل أن ينظر إلى الصورة على أنها شعار الصوت، ثم على أنها أداة لتثبيته بالكتابة، وعندما صار اسم الشيء بدوره مرتبطا بالشيء، انتهى أيضا بأن صار مرتبطا بالصورة التي أيقظت فكرة هذا الشيء. فالعلامة التي كانت تمثل الشيء صارت أيضا علامة الصوت الذي يعبر عن هذا الشيء، وبهذا نشأت الكتابة الصوتية.

لنفرض أن لدينا علامة كتابية، وأن هذه العلامة الكتابية صورة خنزير، وأنها لم تكن تدل في الأصل إلا على "الخنزير""بالفرنسية pore بَوُر" فلما كانت هذه العلامة تقرأ "بُور" فإنها قد تنتهي بتمثيل الاسم الذي يحمله هذا الحيوان في الفرنسية "بور" لا تمثيل الحيوان نفسه، وبالتالي بتمثيل الصوت الذي يكون هذا الاسم. ومن ثم فقد تستعمل في الكتابة الصوتية لكل كلمة تتكون من هذا الصوت، فتستعمل لكتابة الصوت "بور por" دون أي اعتبار آخر، سواء أكان ذلك للدلالة على الخنزير pore أم على الميناء port أم على ثقوب البشرة pores؛ بل أكثر من ذلك قد تستعمل في الكلمات التي تتكون من عدة مقاطع للدلالة على هذا المقطع por "بُور" بصفة عامة ودون اعتبار للمعنى؛ فنراها تدخل في كتابة "trans por" ter"""ينقل" و"col "por" teur""بائع متجول" و""por" nographe""صورة مخلة بالآداب"، إلخ، وهذه هي الطريقة التي تستخدم في المجتمعات التي تعقد للتسلية، فإذا أريد مثلا الدلالة على معنى كلمة "مألوف" رسمت صورة للماء وصورة لكوز من اللوف.

ولكن هذا الذي يعتبر تسلية وهوى تحكميا في هذا النوع من اللعب، ليس في الكتابة التصويرية إلا اصطلاحا محددا بقواعد صارمة. ومع ذلك فإن في هذه الكتابة وجهين من النقص خطيرين، وذلك أن عدد العلامات في مثل هذه الكتابة لا يمكن إلا أن يكون محدودا للأسباب التي ذكرنانها آنفا، في حين أن عدد الأفكار لا يمكن أن يحد، فعدد الأفكار يتجاوز بالضرورة عدد العلامات، لذلك يجب أن يصطلح على الدلالة بالعلامة الواحدة على أفكار عديدة، والمعتاد في هذه

ص: 394

الحالة ألا يجمع تحت العلامة الواحدة إلا الأفكار المتجاورة، مجازية كانت أو حقيقية. لذلك نرى الكتابة المسمارية لا تشير بالقرص إلى الشمس فحسب، بل أيضا إلى النور والبريق والبياض والنهار، وفي الكتابة الهيروغليفية تشير العين أيضا إلى النظر والسهر والعلم. ولما كان يدل على كل واحدة من هذه الأفكار في الكلام بصوت يخالف الصوت الذي يدل به على الأخرى، أصبح للعلامة من القيم الصوتية الجديدة بقدر ما تدل عليه من أفكار، فقد تمثل العلامة الواحدة في الكتابة المسمارية خمسة عشر صوتا أو عشرين صوتا مختلفا، وهذا ما يعبر عنه العلماء بقولهم إن العلامة الواحدة متعددة الأصوات Polyphone.

وعلى العكس من ذلك قد يقع في كل اللغات أن يعبر بصوت واحد عن أشياء مختلفة كل الاختلاف. ومن هذا القبيل في الفرنسية الصوت بور pore الذي تكلمنا عنه "por، pore، port"، وكذلك الصوت vin؛ " vainc،" vint، vingt، vin" والصوت sin؛ "sein، saint، seing، ceint، cinq" إلخ، فالكتابة التصويرية تدل بطبيعة الحال على كل واحدة من هذه الكلمات بعلامة مختلفة. أي أنها تدل على الصوت por بثلاث علامات وعلى الصوت vin بخمس علامات وعلى الصوت sin بست علامات، وقد عد العلماء ست عشرة علامة في الكتابة المسمارية للدلالة على المقطع تو tou. وهذا ما يعبرون عنه بقولهم، إن العلامات المتعددة تشترك في التعبير عن صوت واحد homophones.

فاشتراك عدة علامات في التعبير عن صوت واحد ودلالة العلامة الواحدة على أصوات عدة عيبان متضادان كان يمكن لنتائجهما أن تتعادل فيمحو بعضها بعضا. وهذا ما يقع في بعض الأحيان. ولكن الأمثلة التي ذكرناها تكفي للدلالة على الصعوبات المستعصية التي اعترضت سبيل القائمين بفك طلاسم هذه الكتابات1.

1 عن تاريخ فك طلاسم الكتابة المزمارية، انظر مينان: الكتابات المسمارية، باريس 1864، وأشهر الأسماء التي تذكر في هذا الصدد هي: جروتفند وبيرنوف ولاس وهـ. رولينسن وأوبرت. أما فك طلاسم اللغة الهيروغليفية فيرجع الفصل فيه أولا وقبل كل شيء إلى شامبليون المعروف بالصغير؛ ويأتي بعده ش. لينرمان، دي روجيه، سلفوليني، ليبسيوس، بيرسن، بروجسن ومسبيرو.

ص: 395

لما اتخذ الأشوريون الكتابة المسمارية أصلحوا عيوب الدلالة على أصوات عديدة بعلاقة واحدة وذلك باستعمال مكملات صوتية، فنراهم بعد أن يكتبوا الكلمة كتابة تصويرية يعينون نطقها بكتابة المقطع الأخير منها كتابة صوتية، وهذا المزج بين الكتابة التصويرية والكتابة الصوتية من خصائص الكتابة الأشورية ومن أسباب التعقيد فيها؛ وقد استلزمه ذلك النقص الأساسي الذي يرجع إلى التعبير عن أصوات مختلفة بعلامة واحدة polyphonie1.

واشتراك علامات عدة في التعبير عن صوت واحد يؤدي أيضا إلى عيب لا يقل خطورة عن العيب السابق، وذلك أنه يوقع في حيرة الاختيار بين عدة أفكار يعبر عنها بصوت واحد، وقد ابتكروا نظام المفاتيح لتلافي هذا العيب، والمفاتيح هي العلامات التكميلية التي تضاف إلى الصور الصوتية لتعيين معناها، فبدلا من أن يدل على النطق الحقيقي للصورة بتكملة صوتية، يستعمل المفتاح للإشارة إلى المرادف المطلوب من بين جميع المترادفات التي قد يتجه إليها الذهن، ولنرجع إلى المثل السابق لتوضيح ما نقول، فنفترض أن هناك صورة كتابية تدل على هذا الصوت por "بور" كما هو في الفرنسية فلكي يؤمن اللبس، تضاف إلى الصورة علامة خاصة يدل بها على أن المقصود هو الحيوان pore أو الميناء البحري port أو حمل شيء ما port أو انتصاب القامة port أو ثقب من ثقوب البشرة pore. فهذه العلامة هي مفتاح اللغز.

والصينية هي التي طبقت هذه الطريقة تطبيقا منهجيا كاملا. وقد قلنا بأن الصينية، وهي لغة لا تصريف فيها، أكثر اللغات قبولا للكتابة التصويرية. ولتلافي اللبس الناجم من التعبير بصور مختلفة عن الصوت الواحد، اخترعت الكتابة الصينية أنواعا من الأسس تركبها مع الصورة الصوتية لتعين بها معنى الكلمة، هذه الأسس كانت فيما مضى غير محدودة العدد، فقصر عددها في سنة 1616 على 214 أس، واستقر عددها على هذا الوضع منذ ذلك الحين، ويطلق عليها في الصينية اسم pou أي "أقسام" أو "طبقات". والواقع أنها مميزات

1 انظر فوسي Fossey: رقم 72، المجلد الأول.

ص: 396

ولكن الكتابة الهيروغليفية كان حتما عليها أن تصير كتابة صوتية بعد حين، وخاصة لأنها كانت تستعمل في تسجيل لغة ذات تصاريف.

وأول مرحلة أمكن الوصول إليها في هذا السبيل هي مرحلة المقطعية. وهي مرحلة على جانب من الأهمية لأنها تبرز لنا أهمية المقطع "انظر ص85"، ولكن لا ينبغي أن يغرب عن بالنا أن المقطعية كانت من مستلزمات تطور الكتابة التصويرية نفسه.

فهذا الأمر يوجد بطبيعته في اللغة الوحيدة المقطع، إذ إن كل كلمة من كلماتها تتكون من مقطع واحد، أما في اللغات الأخرى فإن الأمر ينتهي إلى نفس النتيجة بسبب أن كل صورة كتابية كانت تستعمل للدلالة على مقطع واحد "هو المقطع الأول على وجه العموم" من الكلمة التي تمثلها تلك الصورة. وهذا هو السبب في أن أسماء الحروف في الأبجدية السامية مثلا هي بعض أسماء الأشياء المختلفة التي يبدأ اسمها بالحرف المقابل، وكذلك الحال في الأبجدية الأجامية عند الإرلنديين. وفضلا عن ذلك تمتاز المقطعية بالاختصار؛ لأنها تسجل السواكن المبدئية للمقاطع بدقة ويمكن أن يكتفي بها على وجه الإجمال بالنسبة للغات التي ليس فيها مجاميع من السواكن والتي يمكن فيها تعيين نغمة الحركة بواسطة اعتبارات صرفية كما هي الحال في اللغات السامية. ومن ثم أمكن لهذه المرحلة الوسطى أن تكون مرحلة نهائية في كثير من الحالات. فلم تلجأ السامية إلى الإشارة إلى الحركات إلا في عصر متأخر، عندما بدأ يستعمل اللغة أناس لا يعرفونها معرفة تامة.

وجدت المقطعية مكانا لها في الشرق الأقصى أيضا، فقد استخرج اليابانيون من الكتابة الصينية الجارية، بعد محاولات كثيرة لا يعنينا أن نتكلم عنها في هذا المقام، أبجدية تتكون من سبع وأربعين علامة ويطلقون عليها اسم "كاتا-كانا". "kata-kana". ولكنهم لا يستعملونها بصفة مطردة، لأن نظام الكتابة الجارية عندهم مرحلة وسطى بين الكتابة الصينية والكتابة المقطعية. أما أهل كوبا فقد اتخذوا كتابة مقطعية من أصل آرامي وجعلوا منها كتابتهم الوطنية "انظر أواخر هذا الفصل".

ص: 398

تعتبر الكتابة القبرصية أيضا من الكتابات المقطعية، وقد نجح العلماء في فك طلاسمها بفضل استعمالها في تسجيل اللغة الإغريقية1؛ لذلك كان ما لدينا مسجلا بهذه الكتابة نصوصا إغريقية على وجه الخصوص. وأصل هذه الكتابة غير معروف، ولكن من المحقق أنها ابتكرت لتسجيل الإغريقية، وإن كانت لا تسجلها إلا بصورة ناقصة. وقد استعيض عنها في قبرص نفسها بالإنجليزية الإغريقية.

الأبجدية الحرفية آخر مرحلة في سبيل استكمال الكتابة، وقد أدت إليها الحاجة إلى رقم الحركات دون اضطرار إلى زيادة العلامات التي كانت تكون الأبجدية المقطعية. إذ أخذت الأبجدية المقطعية السامية في وقت من الأوقات تزود برموز لرسم الحركات نسميها matres lectionis "علامات الضبط" وذلك لتيسير القراءة. وقد أحسنت الأبجدية الإغريقية استغلال هذه الرموز حتى خلقت منها علامة لكل حركة، وقد كتب ربنان أن "الإبجدية الحرفية من خلق الساميين"2.

ولم تلبث الأبجدية الإغريقية، بعد استكمالها على أيدي اليونيين، أن انتشرت في كل بلاد الإغريق على وتيرة واحدة. وقد نقل الإغريق الأبجدية إلى جهة الغرب.

1 عن فك طلاسم النقوش القبرصية انظر بريال، Jurnal des savants أغسطس وسبتمبر 1877.

2 رقم 111، ص114.

3 les civilisations prehelleniques dans le bassin de la: Dussaud mer Egee. الطبعة الثانية، ص434.

ص: 399

ففي إيطاليا انتقلت الأبجدية إلى اللاتينيين وإلى الأترسكتين من كوميس Cumes، وهي مستعمرة من مستعمرات أوبين دي شالسيس Eubeens de chalcis ودخلت الأبجدية وادي الرون على أثر تأسيس مرسيليا، ولا زلنا نعثر فيه على نقوش جولية مكتوبة بالحروف الإغريقية وترجع إلى بدء التاريخ الميلادي.

أما من الناحية الشرقية فإن الآرامية هي التي قامت بدور نشر الأبجدية، وهو دور عظيم تبرره ظروف التاريخ، ولكن التغير الذي طرأ على الكتابة هو الذي ساعد على القيام بهذا الدور. فكما أن استعمال الأوراق البردية والحاجة إلى الإسراع في الكتابة قد أديا إلى تحول الكتابة الهيروغليفية في مصر إلى كتابة هيراطيقية ثم إلى كتابة ديموطيقية، فإن الكتابة الفينيقية قد أخذت عندما استعملت في الآرامية صورة جارية وعملية، إذ استدارت الزوايا وانمحت رءوس الحروف، وصارت الشرط المتطرفة تنتهي بنوع من الذيل يدور حول نفسه، وقد امتدت الأبجدية الآرامية إلى الهند، إذ إن معظم النظم الكتابية المستعملة في آسيا الوسطى مشتقة منها. هذا وقد أمكن لها أن تصل إلى الشرق الأقصى، فهي التي تكون الكتابة الكورية التي تستعمل حتى اليوم.

الكتابة الحرفية، وهي آخر مراحل التطور الكتابي، انتشرت في أوربا ابتداء من التاريخ المسيحي بفضل الإغريق والرومان، والذي يفسر هذا الحادث سبب تاريخي، وهو انتشار المسيحية، فإن الحواريين الذين لقنوا المسيحية للشعوب الوثنية علموهم أيضا قراءة النصوص المقدسة، واضطرهم ذلك إلى تكوين أبجديات على نسق الأبجدية التي كانوا هم أنفسهم يقرءون بها هذه النصوص، ومن ثم اتخذت الأبجدية الإغريقية مثالا للأبجدية القوطية بفضل فلفيلا wulfila. وللأبجدية السلافية بفضل سيريل Cyrille وميتود Methode. أما الألمانية القديمة والإنجليزية القديمة والإيرلندية القديمة فقد اشتقت كتابتها من الأبجدية اللاتينية.

نحن نعرف على وجه العموم الصورة التي تكونت بها هذه الأبجديات المختلفة ففلفيلا مثلا بدأ بأن أخذ من الأبجدية الإغريقية جميع الحروف التي تعبر عن أصوات موجودة في لغته، واحتفظ لها بقيمتها، وبالنسبة للأصوات الأخرى

ص: 400

ومهما يكن من شيء، فهناك خلاف جوهري بين الأبجديات المشتقة من الإغريقية والأبجديات المشتقة من اللاتينية. فالأولى قد وضعت بدقة تامة وقام بها أشخاص ذوو حس مرهف بالروابط الصوتية فأظهروا في تسجيلهم لفروق النطق الدقيقة مهارة فائقة، ومن كانت الأبجدية القوطية التي قام بها فلفيلا wulfila أداة لائقة وعلى جانب كبير من الدقة، والأبجدية السلافية التي وضعها سيريل وميتود تعتبر تحفة حقيقية. فما أوسع الفرق بينها وبين أبجدية الإنجليزية السكسونية أو الإيرلندية! فهؤلاء قد ظلوا قرونا طويلة يفتشون عن وسيلة يطبقون بها الأبجدية اللاتينية على لغتهم، ولكنهم لم ينجحوا قط في مسعاهم.

والحقيقة أن وسائل الأبجدية اللاتينية كانت تقصر على الغرض الذي هدفوا إليه، فالنظام الصوتي لكل من هاتين اللغتين يختلف عنه في اللاتينية أشد اختلاف إذ تحتوي اللاتينية على عدد هام من الأصوات الانفجارية، مجهورة كانت أو مهموسة؛ أما الإيرلندية فتمتاز بالأصوات الاحتكاكية، هذا إلى أنها أكثر تنوعا في الأصوات من اللاتينية. والكتابة الإيرلندية قامت شيئا فشيئا ممزقة وعلى فترات، تكونت بعد تحسسات طويلة وبعد سلسلة طويلة متتابعة من الإجراءات الناقصة غير المتصلة؛ لذلك كان تفسيرها يتطلب دائما مجهودا من القارئ، فهي عكس الكتابة القوطية على خط مستقيم، تلك الكتابة التي نشأت دفعة واحدة وبطريقة منهجية في ذهن مبتكرها. ولكن لا ينبغي لنا من ذلك أن نضيف إلى

ص: 401

هذا المبتكر فضل هذا النجاح كاملا، إذ إن المادة التي كانت موضع دراسته كانت أكثر قبولا للنجاح، فالقوطية كما عرفنا إياها فولفيلا، ذات اطراد نحوي جميل، يكشف عن لغة مشتركة قد سويت واستقرت؛ أما الإيرلندية فكانت على جانب لا يوصف من الفوضى في اللحظة التي حاول فيها أهلها أن يثبتوها بالكتابة، ويمكننا أن نقرر نفس الشيء بالنسبة للسلافية القديمة في مقابلة الألمانية القديمة أو الإنجليزية القديمة.

ص: 402

‌الجزء الخامس: الكتابة

‌الفصل الأول: أصل الكتابة وتطورها

تعبر على نحو ما عن الأفكار العامة والطبقات الاجتماعية والطبيعية والكليات العقلية، فعلى هذا النحو تتكون الحروف الصينية من عنصرين: الأولى صورة الفكرة ideogramme التي صارت صورة صوتية phonogramme، وتعبر عن الصوت المقطعي الذي يكون الكلمة، والثاني بمثابة مفتاح المشكلة ويعين معنى الكلمة.

اللغات التي من أجلها اخترعت الكتابة المسمارية والهيروغليفية أول ما اخترعت، كانت لغات تصريفية؛ لذلك لم تنجح فيها إلا بقدر ضئيل تلك الطريقة التي استعملت في تكميل الكتابة الصينية. ومع ذلك فإن المصريين باختراعهم للمميزات، قد أوجدوا ما يعادل الأقسام عند الصينيين، فالصورة الهيروغليفية التي تقرأ ankh تدل إما على "الحياة"، وإما على "الأذن" فإذا ما أريد بها أن تدل على هذا المعنى الأخير بالذات صحبت بصورة الأذن التي تؤدي وظيفة المميز، ومن ثم نعثر في الكتابة المصرية -حتى بعد أن صارت كتابة صوتية محضة- على بعض المميزات المتفرقة التي أبقت التقاليد على استعمالها أما الكتابة المسمارية فلم تخل يوما -حتى في أوج انتشارها- من بعض حالات اللبس، ولتسهيلها من الوجهة العملية اضطر أهلها إلى جعلها مقطعية، وعلى هذه الصورة نراها تستعمل في تسجيل إحدى اللغات الهندية الأوربية، وهي الفارسية القديمة وذلك في نقوش دارا. ولكنها على وجه العموم كانت أقصر الكتابات التصويرية عمرا، وسمارية الأشمينين كانت آخر مثال منها، إذا لم تلبث أن استعيض عنها في كل مكان بكتابات صوتية، ولا سيما بالكتابة الآرامية المشتقة من الأبجدية الفينيقية.

أما الأبجدية الفينيقية -نحو ما نراها على شاهد ميسا Mesa القبري "وهو اليوم في متحف اللوفر" ذلك الشاهد الذي يرجع إلى ما قبل المسيح بتسعمائة سنة فإن البعض يعدها صورة مشوهة من الكتابة الهيروغليفية، ولكن هذا التشويه قد وقع بالتدريج على خطوات عدة، وقد بينا فيما سبق كيف يصل التطور الطبيعي بالصورة الفكرية إلى أن تصير صورة صوتية، وقد استقرت بعض الكتابات كالصينية في منتصف الطريق بين الخطتين بفضل نظام من التراكيب العلمية؛

ص: 297