المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مرض الوفاة … كانت بداية مرضه في شهر رمضان عام 1417هـ لخمس - المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (رحمه الله) - جـ ٢

[عبد الأول بن حماد الأنصاري]

الفصل: ‌ ‌مرض الوفاة … كانت بداية مرضه في شهر رمضان عام 1417هـ لخمس

‌مرض الوفاة

كانت بداية مرضه في شهر رمضان عام 1417هـ لخمس وعشرين يومًا مضت منه، حيث بدأ معه المرض في ساقه الأيمن.

أخذ يشتكي من وجعٍ وانتفاخ فيه -رحمه الله تعالى-، وكان من أول شهر رمضان إلى الخامس والعشرين منه، يذهب كلُّ يوم إلى المسجد النبوي -على صاحبه أزكى الصلاة والتسليم- فيصلي فيه العشاء والتراويح مع الإمام الأول منها، ثم يعود إلى المنزل، وبعد العودة يتعشّى، ثم ينزل إلى مكتبته لاستقبال طلبة العلم وغيرهم إلى قُرب الساعة الواحدة ليلاً.

ثم أخذ الوجعُ والألم الذي في ساقه يؤلمُه أكثر فأكثر وتسبِّب في حمّى شديدة، جعلته لا يتحرّك من فراشه، مستلقٍ في غرفته الخاصّة به.

وقمنا في السادس والعشرين من شهر رمضان باستدعاء أكثر من طبيب، واستطاع أن يستعيد شيًا من نشاطه بسبب المُسكِّنات التي كان يتناولها، ولكن سرعان ما يزول تسكينها ومفعولها، فأصبح الوالد رحمه الله ملازمًا لغرفته، مستلقيًا على سريره، بادية عليه علامات الضعف والإرهاق والتعب الشديد، وكان يذكر الله سبحانه وتعالى، ويتحدّث مع مَن حولَه من أهل البيت، ويسأل عنهم حتى أوشك شهر رمضان على النهاية ومرضُه يزداد ولا ينقص، وهو مع ذلك صابرٌ محتسب.

وكان الأقارب وطلبة العلم ما بين سائل عنه هاتفيًّا وزائر.

ثم في مستهل شهر شوّال المبارك أشار علينا بعض محبِّي الوالد أن نَنْقله إلى مستشفى الملك فهد بالمدينة النبويّة، وسيقوم هو بعمل اللاّزم والاستعدادات لاستقباله.

وقمنا في الصباح الباكر من أول أيّام العيد بإحضار (كرسي متحرّك) ،

ص: 877

وأجلسناه عليه، وحملناه من الدور الأوّل إلى السيارة، وذهبنا به إلى المستشفى، وفي المستشفى قاموا بعمل أشعّة لمعرفة سبب الحرارة المرتفعة في جسم الوالد

-رحمه الله تعالى-، ثم عملوا أشعّة للساق، وشخّصوا المرض بأنه (جَلْطَة في الساق) ، وأخذوا يعالجونه من هذه الجلْطة المزعومة بمادّة طبيّة مذيبة للجلطة (هَبِرين) ، وأعطوه كميّة كبيرةً جدًّا من هذه المادة التي تُعطى في عُرْف الأطبّاء بكميّة مقنّنةٍ لا تتجاوز حدًّا معيّنًا وكميّة قليلة أيضًا.

فأخذت صحّة الوالد في التدهوُر الشديد والتناقص السّريع، حتىفقد الكلام في اليوم الثاني من دخوله المستشفى، وفقد أيضًا الحركة، وفقد التركيز.

واجتمعت عليه عائلته أغلبُها فأخذ يشيرُ بيده بحركات لم نفهمها، فكتبنا له على ورقة العبارة التالية: ماذا تريد؟، وأعطيناه قلمًا وأمسكنا ورقة ليكتب عليها، فكتب بكلّ صعوبة: هل ينقصكم شيء؟ أو نحوَها، فأخذنا الورقة منه وكتبنا: الحمد لله، وأعطيناه الورقة فكتب: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله ثلاث مرّات، وبعد هذه الحادثة لم يتكلّم الوالد بشيء حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى.

ثم بعد أن مكث في مستشفى الملك فهد بالمدينة النبويّة نحو أسبوع انتقل محمولاً بطائرة الإخلاء الطبي-التي أمر بها صاحب السموّ الملكي وزير الدفاع والطيران حفظه الله وأيّده- لتنقل الشيخ حماد الأنصاري إلى مستشفى التخصصي بالرياض، وصحب الوالد في هذه الطائرة بعض أبناءه.

ودخل مستشفى التخصصي في شهر شوّال عام 1417هـ، ومكث فيه إلى شهر جمادى الأولى عام 1418هـ، وهو خلال هذه الأشهر لم يزل في (غيبوبة) أو شبه غيبوبة، وكنا نحن أبناؤه نرافقه في هذا المستشفى حيث كنا

ص: 878

نتناوب في مرافقته والجلوس بجواره، وأنا الكاتب مكثت عنده شهرًا إلاّ خمس أيّام، وكان الوالد ينام ويستيقظ فَتُرىا عيناه مفتوحتان من غير تركيز ولا نطق ولا حركة ولا جلوس، وكان يأكل ويشرب عن طريق فتحة في أعلى الحلق، وكان شربه فقط لمعلّبات فيها شراب مصنوع لمن بهذه الحال. والله المستعان.

وقد شخّص أطباء هذا المستشفى حالة الوالد وأخبرونا بأنّ خلايا المخّ قد ماتت جميعًا بسبب مادّة (الهبرين) التي مُلئ جسده الضعيف منها، وقالوا لنا أيضًا أن نسبة استرداد الوعي: صفر، وأن والدكم أعطي هذه المادة وهو ليس في حاجة إليها، حيث لم يكن معه (جلطة) قطعًا. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وعملوا له عمليّة في الساق المنتفخ، واستأصلوا (خُرَّاجًا) من داخل الساق، وقالوا لنا: هذا هو سبب الحمّى والتعب.

وقد كان بعض أهل العلم يعودُ الوالد -رحمه الله تعالى- منهم الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-، وقد عاده مرّتين ورقاه، وعاده أيضًا الشيخ عمر بن محمد فلاّتة -صدِيق الوالد الحميم-، وكان الشيخ عمر أتى إلى المستشفى التخصّصي لعمل فحوصات طبيّة، وكانت غرفته بجوار غرفة الوالد.

وعاده أناس كثيرون من طلبة العلم وغيرهم، وحالة الوالد الصحيّة من سوء إلى أسوء.

ومكث في هذه المستشفى نحو سبعة أشهر وأيّام، ثم أعدناه إلى المدينة النبوية عن طريق الإخلاء الطبي –كذلك-، ودخل (مستشفى طيبة الخاص) ، ومكث فيه خمسين يومًا وحالته الصحيّة متدنّية جدًّا، وبعدَها غادر الحياة الدنيا بعد أن بقي في المرض والغيبوبة والجَهد والتعب ثمانية أشهر وعشرين يومًا متّصلةً لم يفق من الغيبوبة دقيقة واحدة -بل ولا ثانية واحدة-.

ص: 879

وحضرته المنية فجر يوم الأربعاء الموافق: / 6/ 1418هـ، وكان عندَه أخي عبد الحليم وعبد اللطيف، وكنت أنا عنده ليلة الأربعاء وآثار الموت بادية على وجهه وجسده.

وحضرتُ الساعة السابعة صباحًا إلى المستشفى وقد غادرت الروح الجسد، وحضر بعض إخوتي والشيخ عمر بن محمد فلاّته، حيث كشف الغطاء عن وجه الوالد وقبّله وأخذ يبكي بكاءً حارًّا، وقال:"رحمك الله يا شيخ حماد" وسكت، فأخذنا في تجهيز الوالد لنصلّي عليه صلاة العصر فنقلناه إلى بيته، وغسله الدكتور عمر حسن فلاتة وكنا معه، وحضر المكفِّن فكفنه، وحملناه إلى المسجد النبوي -على ساكنه الصلاة والسلام-، فصلى عليه الشيخ عبد الباري الثبيتي، ثم خرجنا به من المسجد النبوي -على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم-، وحملناه إلى (بقيع الغرقد) ، فرأيت جموع المشيّعين عددًا هائلاً وعظيمًا امتلأت به الساحة المؤدية للبقيع، ولا يكاد يمشي الناس إلاّ بكلّ صعوبة من الزّحام.

ودُفن -رحمه الله تعالى- بجوار بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يسار الداخل إلى المقبرة في بدايتها.

وبعد وفاته بأشهر قدّمنا شكوى ضدّ الأطبّاء في مستشفى المدينة النبوية الذين أشرفوا على مرض الوالد في بداياته إلى وليّ الأمر، وهذه الشكوى مضمونها باختصار: أنّ هؤلاء الأطباء -وهم اثنان- أخطأوا طبيًّا، وتسبّبوا في موت خلايا المخ في جسد الوالد، وحصل منهم تقصير وإهمال شديدان، وأثبتنا هذه الشكوى بحجج وبراهين من مستشفى التخصصي بالرياض.

وبعد مداولات وذهاب وإياب حكم قاضي المحكمة الكبرى الشيخ السديس ومعه لجنة طبية من جدّة بخطأ الطبيبين وإهمالهم وتقصيرهم وبالأخص طبيب المخ والأعصاب، وغرّمهم نصف الدية. والله المستعان.

ص: 880