الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حياة الشيخ محمد عبد الله المدني
مدخل
…
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي وعليه اتّكالي
الحمد لله الذي يَقضي ولا يُقضى عليه، الجاعل لكل شيءٍ سببًا يُفضي إليه، المتفضِّل بالهداية على الراغب فيما لديه، سبحان من لا ينقضي فيَضانُ يديه.
والصلاة والسلام على سلالة معد وعدنان نبيِّنا محمد الذي قصم بالحق ظهور من خان، وهاجر من مرابض الكفر والأوثان حتى نصره الله على الأعداء بآيات القرآن، وعلى آله وصحبه المؤتسين بهديه، الرادعين كل غاوٍ عن غيِّه، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الجزاء عن الأديان.
وبعد:
فإني قد كنت عزمتُ منذ زمان على تنقيح خلاصة فيمن هاجر من الإخوان من مواطنهم التي استولت عليها يد العدوان، فلم يتيسّر ذلك حتى مضت أعوام وأنا مع ذلك في كل يوم من الأيام أقدِّمُ رجلاً وأؤخِّر أخرى لإعواز ذلك إلى من أحاط به خُبْرًا.
فلما رأيت أن جمع ذلك فيه إحياء أثر يقتدى، صمّمت على تحرير ما فكّرتُ فيها من المبتدى، فقلت مفوِّضًا إلى الله أمري، متوكِّلاً عليه في عسري ويُسري.
إنا كنا معشر ثواة الصحراء الكبرى في أفريقيا الغربية قبل حكم فرنسا الذين أذاقوا الناسَ مرًّا، كنا في غاية الراحة والطمأنينة، في بلادٍ مخصبة أمينة.
إلا أن لبعض جفاة البرابر فيها إغارات على البيادر، ينهبون ويغصبون كل مَن كانت لهم عليه قدرة، وليس في قلوبهم عليه شفقة ولا رحمة، إلى أنْ سلّط
اللهُ عليهم فرنسا عام 1336هـ فأذاقوا الكبير والصغير والحر والعبد التنكيل المرير، وكانت فرنسا قبل ذلك قد استولت على الصحراء استيلاءً ضعيفًا وليس لهم على الناس حينئذٍ إلا شيء تافه من المال، حصلت عليه هدنة بينهم وبين الناس، ولكنها هدنة غير مؤقتة، ومِن ثَمَّ لما منع البربري الحاكم على الصحراء فهر ابن الإنصار -بكسر الهمزة- لما منع ذلك المبلغ منهم، وأعلن بحربهم في السنة المتقدّم ذكرها هجمت فرنسا على الصحراء هجمة واحدة، حتى قتلت رجالَها ونساءها، وسبت عبيدَها وإماءَها، وأكثروا فيها الفساد إكثارًا هادمًا، واستعمروها استعمارًا ظالمًا فوق استعمار أيّة دولة أجنبية لأيِّ أمة أخرى، وجعلوا على الناس ضريبة سنويّة باهظة على النفوس، مستأصلةً لما معَهم من الفلوس، ومنعوهم من بيع الرقيق، ومن إقامة الحدود على أهل الفسوق، ولم يأذنوا لهم إلاّ فيما لم يصادم استعمارَهم الجائر كالصلاة والزكاة والصيام، وأما الحج فقد حظروه من يوم استيلائهم، بل سدّوا الطريق إليه، لِمَا فيه من صرف المال الذي وضعت تلك الدولة الملعونة يدَها عليه، اللهم إلاّ مَن تسلّل خفيَةً منهم مع الخطر الشديد لو اطلعوا عليه مِن سجنِه ومصادرة كل ما بيديه، وذلك لإحاطتهم بالصحراء من نواحيها الأربع لأجل نيل غرضهم الشنيع من استعمار الناس على غباوة وعزلة من العالَم، لأن الناسَ لو أمكنَهم الهروب منهم لهربوا، ولو علموا بما تريد لزاد ذلك في قلوبهم العداوة.
ولم يزل الناس معهم على تلك الحالة الخطرة من عام 1335هـ حتى منَّ الله عليهم بوصول الشيخ محمد عبد الله المدني بن المحمود الشريف التنبكتي من الحجاز عام 1357هـ فدعا الناسَ إلى العقيدة السلفية والعمل بالكتاب والسنة النبوية، وذلك لأنه أدرك ناسًا رُبُّوا على العقيدة الأشعرية الكُلاّبية وعلى التعصّب للآراء الرديّة والإذعان لسلطان الطرق الغوية، واجتهد في عمله ذلك غاية الاجتهاد، فصار الناسُ فيه بين قابل وراد، وبين متذبذبٍ لم يفهم المراد،