الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تطبيقات على حجية مذهب الصحابي:
وهذه التطبيقات قسمان:
القسم الأول: مذاهب الصحابة في ابتداء حكم جديد.
المسألة الأولى: رفع اليدين في تكبيرات الجنائز، ثبت رفع اليدين في تكبيرات الجنائز عن ابن عمر، فدل على أنَّه سنة على أصحِّ القولين.
المسألة الثانية: ثبت عن ابن عباس عند الشافعي وغيره
(1)
أنَّه كان يمنع أن يدخل أحد الحرم إلا مُحرِمًا.
قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ولا يُعرف له مخالف»
(2)
.
فلذا على أصحِّ قولي أهل العلم يحرُم دخول مكة لغير المحرم.
المسألة الثالثة: ثبت في مسلم (192) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّه طلب من أهله أن يمكثوا عند قبره بعد دفنه قدرَ ما ينحر جزور ويقسم لحمها، قال:«حتى أستأنس بكم» .
(1)
مسند الشافعي (2/ 116)، وابن أبي شيبة في المصنف (4/ 364).
(2)
شرح العمدة (2/ 342).
القسم الثاني: أقوال الصحابة في تفسير النصوص من القرآن أو السنة.
المسألة الأولى: ثبت عند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع وابن عمر رضي الله عنهم أنَّهما مسحا في الوضوء بعض الرأس
(1)
. فدلَّ هذا على أنَّ مسح بعض الرأس مجزئ، وذهب إلى هذا جمهور أهل العلم.
المسألة الثانية: ثبت في البخاري (5892) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يأخذ من لحيته بمقدار القبضة، فدلَّ هذا على أنَّه سنة، وهو قول أحمد والشافعي.
المسألة الثالثة: ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من مات وعليه صيام صام عنه وليه»
(2)
.
ثبت عند أبي داود (2401) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه خَصَّصه بصوم النَّذر؛ فدلَّ هذا على أنَّه خاصٌ بالنَّذر.
قَوْلُهُ: «والأمرُ بالشيء نهي عن ضده» .
وذلك كأن يقال لرجل: اجلس، فإنَّه نهي عن كلِّ ضدّ، كالقيام والاضطجاع لذا الأمر بالشيء نهي عن ضده، سواء كان ضدًّا واحدًا أو أكثر من ضد.
(1)
أخرجهما ابن أبي شيبة (1/ رقم 154 - 155).
(2)
أخرجه البخاري (1952) ، ومسلم (1147).
قَوْلُهُ: «والنهي عن الشيء أمر بضده» .
فإذا قيل: لا تجلس، فهو أمر بالضد، لكن إن كان له أكثر من ضد، فهو أمر بأحد هذه الأضداد، كالمثال السابق؛ فإنَّه أمر بالقيام أو بالاضطجاع.
أما إذا لم يكن له إلا ضدٌّ واحد فهو أمر بهذا الضِّدِّ. كأن يُقال: لا تتكلم فهو أمر بالصمت.
تنبيه:
مذهب الأشاعرة أنَّ الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، وكذلك النَّهي عن الشيء هو عين الأمر بضده، وذلك أنَّهم لا يرون الكلام إلا نفسيًا، فلا يرون الكلام اللفظي، وبناءً على هذه البدعة عندهم جعلوا عين الأمر هو عين النهي.
أما أهل السنة فإنَّهم يقولون إن الأمر بالشيء يقتضي ويستلزم النَّهي عن ضدِّه
…
إلخ. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية
(1)
.
فإن قيل: إنَّه يوجد في كلام بعض أهل السنة كالعلامة السعدي في هذا المتن، يقول: إنَّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يوضح ذلك بقول: يستلزم ويقتضي.
(1)
مجموع الفتاوى (10/ 530 - 531).
فيقال: إنه قد يُحذف هذا عند أهل السنة لكونه معلومًا، ومن القواعد التي قررها ابن القيم:«أنَّه إذا تكلَّم الرجل بلفظ مجمل فإِنَّه يردُّ إِلى هديه وسيرته»
(1)
.
فكلام العلامة ابن سعدي يُردُّ إلى عقيدته وهي العقيدة السلفية.
قَوْلُهُ: «والتحريم إن رجع إلى ذات العبادة أو شرطها فسدت، وإن رجع إلى أمر خارج عن ذلك حرم ولم تفسد» .
إذن قرر أنَّ النَّهي يقتضي الفساد في حالين:
الحال الأولى: إذا رجع إلى ذات العبادة.
الحال الثانية: إذا رجع إلى شرط العبادة. وما عدا ذلك فلا يقتضي الفساد.
وقد أفاد شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ قول الصحابة والتابعين: أنَّ النَّهي يقتضي الفساد مطلقًا، وأنَّ الذي يقول بالتفريق بين ما يرجع إلى ذات العبادة أو شرطها أو وصفها الملازم فهو يقتضي الفساد وماعدا ذلك لا يقتضي الفساد، قال: إنَّ هذه التفصيلات هي تفصيلات المتكلمين، ثم بيَّن أنَّ النَّهي يقتضي الفساد إذا ورد في دليل واحد، كالنَّهي عن البيع بعد نداء الجمعة، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، فمثل هذا يقتضي الفساد، أما إذا كان مركبًا
(1)
مدارج السالكين (3/ 481).
كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة فلا يقتضي الفساد؛ لأنَّه لم يأت نصٌّ صريح بهذا، وإنَّما مستنبط من الأدلة، وبيَّن أيضا أنَّ ما كان راجعًا إلى حق العباد فلا يقتضي الفساد إذا تراضوا، وتصالحوا»
(1)
. والدليل على أن النهي يقتضي الفساد ما يلي:
الدليل الأول: أنَّ الشريعة سمَّت المعاصي فسادًا، فإذًا كل نهي يقتضي الفساد. قال سبحانه:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} . ذكر هذا ابن تيمية
(2)
، وابن القيم
(3)
.
الدليل الثاني: أنَّ الفساد يُعرف بمجرَّد النَّهي، لذلك لم يأتِ في الشَّريعة: إنَّ هذا النَّهي لا يقتضي الفساد، وإن هذا النهي يقتضي الفساد، فبمجرد النهي يُعلم أنَّه يقتضي الفساد.
الدليل الثالث: أنَّ الصحابة أبطلوا عبادات ومعاملات، كالمعاملات الربوية لمجرَّد النَّهي، ولم يأتِ عنهم أنَّ هذا نهيٌّ يقتضي الفساد، وهذا نهي لا يقتضي الفساد.
هذه الأدلة ملخصة من كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، وذكر بعضها ابن القيم في كتابه تهذيب السنن وإعلام الموقعين.
(1)
مجموع الفتاوى (29/ 281 - 285).
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى (7/ 83 - 84).
(3)
ينظر: تهذيب السنن (6/ 169).