الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن رُشْد وابن محرز: تجب للمرأة بكونها من المحضون ذا رحم محرم، فلا حضانة لابنة خالة أو عمة أو أخت لرضاع ولا تجب بإرث، فلا حضانة لزوج ولا زوجة.
اللخمي: رواية ابن حبيب: لا حضانة لابنة خالة أو عمة، يريد مع العصبة، وهما أحق من الأجانب، وذكر الباجي رواية ابن حبيب قولا له، وقال أشهب في كتاب ابن سَحنون: عماته أولى من بنات خالاته، فأوهم أن لبنات الخالة حقَّا في الحضانة.
[باب في مستحق الحضانة]
ومستحقها أبوا الولد زوجان هما، وفي افتراقهما أصناف:
الأول: الأم ونساؤها، من لها عليه أمومة ولادة بسببها ولو بعدت، وأول فصل منها فيها: الخالة أحق من الجدة للأب.
محمد: وخالة الخالة كالخالة، ذكره الصقلي قولا له، والباجي رواية له، وثاني نقل ابن الحاجب في إلحاق خالة الخالة بها، قولان؛ لا أعرفه لغير قول ابن شاس، وقول الجلاب: الخالة أخت الأم أحق من أبيه.
ابن رُشْد: إسقاط ابن حبيب بنت الأخت بعيد.
ابن محرز: قول ابن حبيب هذا ليس بموجود لغيره، والصواب أن لها حقا كبنت الأخ؛ بل هي أولى كالخالة مع العمة.
المتيطي: نحو هذا للشيخ ذكره عنه عبد الحميد الصائغ.
الثاني: نساء الأب من له عليه أمومة كما مر وأول فصل لمن هي له عليه فتخرج
الأخت للأب.
اللخمي: روى المدنيون: لا حضانة لها، وقاله ابن القاسم.
وتلحق بنت الأخ، وفي تقدمها على بنت الأخت ثالثها: هما سواء يرجح بقوة الكفاية لابن رُشْد وابن محرز ونقل ابن رُشْد.
الثالث: الوصي فيها من قبل أب أو قاض لقولها في إرخاء الستور: إن لم يكن لليتيم وصي، فأقام له القاضي خليفة كان كالوصي في جميع أموره.
اللخمي: الوصي مقدم على سائر العصبة والموالي.
الرابع: العصبة، روى محمد: الأخ: ثم الجد ثم ابن الأخ ثم ابن العم، وهو نقل أهل المذهب، ويأتي لابن بشير خلافه.
اللخمي: في حضانة الأخ للأب خلاف.
ابن رُشْد: في كون مراده الجد ولو بعد، كالإرث أو الأدنى، وفصله أولى من أصله احتمال، فعلى الأول الجد وإن علا أحق من ابن الأخ ومن العم، وعلى الثاني الأحق من العصبة الأخ، ثم الجد الأدنى، ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم وإن سفل الأقرب فالأقرب، ثم أبو الجد ثم عم العم، ثم ابن عم العم، وإن سفل الأقرب فالأقرب، ثم جد الجد، ثم ولده ثم والد جد الجد، ثم ولده على هذا الترتيب، فترتيب الحضانة في العصبة لا تجري على ميراث المال، ولا ميراث الولاء والصلاة على الجنائز؛ لأن الجد وإن علا أرفع مرتبة في الإرث من الأخ إذا لا ينقص معهم من الثلث، ويسقط بني الإخوة والأعمام وبنيهم، وإن علا في إرث المال، وابن الأخ في إرث الولاء أحق من الجد.
وفي ثبوتها للمولى قول المشهور، ونقل ابن بشير، والأعلى أحق من الأسفل.
ابن محرز: لا حضانة لمولاة النعمة إذ لا تعصيب فيها كالذكر.
قُلتُ: الأظهر تقديمها على الأجنبي.
والمقدم الأم ثم أمها: اللخمي وابن رُشْد: اتفاقًا، وقراباتها أحق من قرابات الأب إجماعًا.
وفي كونه أحق من قراباتها سوى الأم، قولان لرواية ابن وَهْب: أن الأب أحق من
الخالة، والمشهور.
فإن لم تكن أم أو تزوجت أجنبيًا، فأمها، فإن لم تكن فأم أمها أو أم أبيها، فإن اجتمعا فأم الأم أحق من أم الأب، فإن لم تكن واحدة منهما فأم أم أمها، أو أم أم أبيها وأم أبي أبيها، أو أم أبي أمها، فإن اجتمع الأربع فأم أم الأم، ثم أم أبي الأم، وأم أم الأب بمنزلة واحدة، ثم أم أبي الأب، وعلى هذا الترتيب أمهاتهن ما علون، فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الأم الشقيقة، ثم أختها للأم ثم أختها للأب، فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الجدة، وهي خالة الخالة كما مر في أخت الأم، فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الجد للأم، وهي عمة الأم وعمة الخالة كما مر، وعلى هذا الترتيب ما بعد النسب عن الأم.
فإن لم تكن قرابات الأم ففي تقديم الأب على قراباته وعكسه، ثالثها: الجدات من قبله أحق منه، وهو أحق من سائرهن لنقل القاضي، ولها، وعزاه في البيان لابن القاسم.
اللخمي: في تقديمه على النساء سوى الأم وأمها وعكسه، ثالثها على الأخت لما بعدها، ورابعها تبدى الخالة عليه وهو على أمه لرواية محمد، وما في الواضحة ولها.
ابن القاسم في كتب المدنيين.
ولابن رُشْد في سماع عيسى من كتاب العدة في تقديمه على الخالة، ثالثها: إن كانت نصرانية، وعزا أبو عمر في الكافي الثاني للأخوين.
وفي المقدمات ترتيب قراباته من النساء كترتيب قرابات الأم، فإن لم تكن أمه أو كان زوج أجنبي فأم أمه وأم أبيه، وأم أمه أحق من أم أبيه، فإن لم تكن واحدة منهما فأم أم أمه أو أم أم أبيه، أو أم أبي أبيه أو أم أبي أمه كما مر، فإن لم تكن واحدة منهن فالعمات الشقيقة، ثم التي للأم ثم التي للأب ثم عمات الأب كذلك ثم خالاته كذلك ثم بنات الإخوة وبنات الأخوات، وتقدم حكم اجتماع بنت الأخ وبنت الأخت ثم العصبة وتقدم ترتيبها.
اللخمي: لا نص في الجد للأم والأظهر حضانته؛ لأنه أب ذو حنان كتغليظ الدية عليه.
قُلتُ: قول ابن الهندي: الجد للأب أولى من الجد للأم، دليل حضانته.
اللخمي: إن علم جفاء الأحق لقسوته أو لما بينه وبين أحد أبويه ورأفة الأبعد قدم عليه.
قُلتُ: إن كانت قسوة ينشأ عنها إضرار الولد قدم الأجنبي عليه، وإلا فالحكم المعلق بالظنة لا يتوقف على تحقيق الحكمة.
أحضنه وأنفق عليه من مالي؛ وأبت جدته لأمه وأرادت بيعها ولا حاضن غيرها فالقول قول الجدة ابن عات: عن بعض المفتين: لو قالت جدته لأبيه وليس له إلا دار وقيمتها عشرون دينارا: لأبيه، وقال المشاور: ينظر إلى الأرفق بالصبي.
قُلتُ: في كون الحضانة حقًا للحاضن أو للمحضون، ثالثها: لها لروايتي القاضي، واختيار الباجي مع ابن محرز، فعلى الثاني تقدم الجدة للأب.
ولكل حاضن على الأب قبض نفقة محضونه وكسوته وغطائه ووطائه:
ابن عات في المجالس: إن ادعت في كسوة الولد أنها خلعت عنه أو أتلفها في خروجه عنها حلفت وكانت من الأب المشاور هي منها وبه العمل.
قُلتُ: الأول على أن الحضانة حق له، والثاني على أنها لها، وهذا ما لم تقم قرينة على صدقها كوقوع نهب في محله.
وفيها: لحاضنة الولد قبض نفقته.
ابن فتوح: إن مات الولد قبل انقضاء مدة نفقته المقبوضة رجع الأب بحصة ذلك من النفقة والكسوة وإن ورثت، كذا في النسخة الكبرى من وثائق ابن الهندي، وفي الوسطى إن بعد عهدها وخلقت فلا شيء للأب ككسوة الزوجة.
اللخمي: إن قال الأب تبعثه إلي يأكل عندي ثم يعود إليك لم يكن ذلك له لأنه ضرر على الولد وحاضنه.
وسمع القرينان من طلق امرأته وله منها بنت، بنت أربع سنين، فقال: ما عندي ما أنفق عليها أرسلها تأكل عندي، نظر في قوله فإن كان غالبًا معروفًا، قيل لها: أرسلها تأكل معه وتأتيك، فإن كان لا يزال يأكل اللحم ويكتسي الثوب فذلك وجه.
ابن رُشْد: إن ادعى أنه لا يقدر على ذلك نظر في حاله، إن بان صدقه وعدم إرادته الضرر كان ذلك له وإلا فلا.
قُلتُ: ونقله ابن فتوح غير معزوًّ كأنه المذهب، ولابن زرقون، عن الباجي: قال سَحنون في الخالة: تجب لها الحضانة، فيقول الأب: يكون الولد عندي لأعلمهم وأطعمهم، فإن الخالة تأكل ما أرزقهم وهي تكذبه، للأب أن يطعمه ويعلمه، وتكون الحاضنة للخالة فجعل الحاضنة أن يأوي إليه وتباشر سائر أحواله مما لا تغيب عليه من نفقته.
قُلتُ: كذا النوادر، وهو خلاف الروايات أن إطعام المحضون إنما هو عند حاضنته من كانت حسبما يأتي، والعجب من الباجي وابن زرقون في قبولهما هذا وتصديق الأب على الخالة أنها تأكل رزقهم، ويأتي للشعبي نحو هذا.
وأمدها: قال الباجي: لابن حبيب عن ابن الماجِشُون: إذا قارب الاحتلام وأنبت واسود نباته فللأب ضمه إليه وحده.
ابن القاسم: بالاحتلام، ووجه الأول أن الإنبات هو الذي يمكن إثباته بالشهادة عليه، والاحتلام لا يعلم إلا بقول الصبي.
وفيها يترك الولد في حضانة الأم حتى يحتلم ثم يذهب حيث شاء، والجارية في الطلاق والموت حتى تبلغ النكاح، فإن كانت الأم في حرز وتحصين فهي أحق بها حتى تنكح وإن بلغت أربعين سنة.
الباجي: نهايتها في الذكور البلوغ، وروى ابن وَهْب الإثغار، ولم يختلف قوله في الإناث أنها دخول زوجها بها إلا أن يكون موضع أبيها أحرز وأمنع إذا شبت فيختار لها الأصون.
قُلتُ: ظاهره أنها تنزع بكون موضع الأب أصون، وإن كان موضع الأم صينا خلاف لفظ المدَوَّنة، وقوله: لم يختلف في الإناث، أحسن من قول المقدمات: اختلف في حد الحضانة، قيل: إلى البلوغ، وقيل: إلى الإثغار، وعزا اللخمي القول بالإثغار في الذكور لأبي مصعب.
قُلتُ: ففي حده بالإثغار أو الإنبات، ثالثها الاحتلام، وعزوها بين.
قال ابن القُصَّار: قول مالك أنه في الذكور الإثغار يملك به الوالد حضانة ولده يشبه قول الشافعي أنه يخير في أبيه وأمه كما لو بلغ.
اللخمي: قوله ليس ببين؛ لأن مالكا لم يقل يملك حضانة نفسه بالإثغار، إنما أراد أن للأب أخذه بذلك فيسقط حق الأم ولا يخير الولد؛ لأنه لم يرشد، غير أن التخيير في ذلك حسن لاختلاف حال الأولاد، منهم من يركن لأبيه ويتعلق به وفي منعه منه ضرر، ولا أرى أن تخير البنت؛ لأن أمها أصون لها، وقد تخير إن كانت عند غير الأم.
روى المدنيون في رجل أوصى بابنته لرجل وللبنت عمة وجدة لأب، فتركها عند عمتها فتزوجت قبل بلوغ الجارية، فطلبتها الجدة وأبت الجارية وأحبت المقام مع العمة تترك عندها، وهذا نحو قول ابن القُصَّار.
لما ذكر ابن رُشْد حديث الإسهام بين الأبوين في الولد، وحديث تخييره صلى الله عليه وسلم الولد فيهما، قال: وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم قال: «استهما عليه» فأبى الأب، فخير النبي صلى الله عليه وسلم الغلام.
قال: ذهب الطحاوي إلى الجميع بينهما، بأن يدعو الإمام أبويه إلى الإسهام، فإن أباه أحدهما قال: خيراه إن شئتما، فإن أبى أحدهما حكم به للأم، وهو وجه حسن.
قُلتُ: هذا من ابن رُشْد وما تقدم للخمي خلاف المذهب. وفي كون أم الولد تعتق كالحرة ونفي حضانتهاـ قولها، ونقل اللخمي عن ابن وَهْب.
ولو أعتقها على تركها حضانة ولدها ففي سقوط حضانتها:
نقل الباجي روايتي عيسى وأبي زيد عن ابن القاسم.
وفيها: إذا أعتق ولد الأمة وزوجها حر فطلقها فهي أحق بحضانته إلا أن تباع فيظعن بها إلى غير بلد الأب، فالأب أحق به.
اللخمي: هي هذا نظر؛ لأن غالب الأمة أنها مقهورة بأعمال سيدها، ومنعت الحرة إذا تزوجت لما يتعلق بها من حق الزوجية فكيف بالأمة؟!.
وتفريق ابن عبد السلام بأن حال الزوج مظنة البغض لبغضه ربيبة المحضون بخلاف حال سيد الأمة مع ولدها المحضون، يحسن إن يتسررها سيدها.
اللخمي: ولمالك في مختصر ما ليس في المختصر: إن عتق الصغير وأمه مملوكة وأمها حرة وتنازعاه فأمه دنية أحق به إلا أن يكون مضرَّا به، وقوله: مضرَّا به جنوح إلى النظر في من كان في الرق.
قُلتُ: ما ذكره عن مختصر ما ليس في المختصر هو سماع القرينين.
ابن رُشْد: إنما رآها أحق من الحرة؛ لأن سيدها هو المنفق عليه؛ لأنه أعتقه صغيرًا؛ لأن من قول مالك وغيره في المدَوَّنة وغيرهما أن من أعتق صغيرًا أمه أمة لا يبيعها إلا ممن يشترط عليه نفقته؛ ليكون مع أمه في نفقة سيدها، والقياس: أن تكون جدته الحرة أحق به من أمه لأجل سيدها، كما أنها أحق به من أجل زوجها، وحكم السيد على أمته أقوى من الزوج على زوجته، وما أدري لم أوجبوا على من أعتق صغيرًا ثم باع أمه أن يشترط نفقته على المشتري حتى يبلغ؟ وما المانع من أن يكون مع أمه عند المشتري، وتكون نفقته على البائع ورضاعه؛ إلا أن يقال: لا تلزمه نفقته إلا أن يكون عنده، فيكون معنى المسألة أنه إنما أوجب عليه ألا يبيعها إلا ممن يشترط عليه نفقته إذا لم يرد أن يخرج نفقته من عنده وهو عند المشتري، ويلزم على قياس هذا في من أعتق الصغير وأمه أمة عنده وله جدة حرة، أن تكون الجدة أحق به إذا رضي المعتق أن ينفق عليه وهو عندها، أو رضيت هي بالتزام نفقته، فالنظر في ذلك.
قُلتُ: قوله: لا تلزمه نفقته إلا أن يكون عنده يقوم منه أن من أوصى بعتق صغير لا يلزم الموصي نفقته في تركته.
وكانت نزلت أيام قضاء شيخنا ابن عبد السلام في مدبرة، ولم يوجد عنده ولا عند غيره فيه نص بعد البحث منه، وتوقف عن إيجاب نفقتها في ثلث مدبرتها، وذكر ابن عبد السلام قول ابن رُشْد: إنما رآها أحق من الجدة الحرة
…
إلخ، وقال: إنما يتم هذا أن لو كان زمن الحضانة هو الزمن الذي ينفق السيد فيه على عبده، زالزمن الذي لا يفرق فيه بين الأم وولدها المعتق وهي أزمنة ثلاثة؛ زمن الحضانة في الذكر الاحتلام، وزمن النفقة على هذا المعتق أقصر الأجلين بلوغه الحلم وبلوغه قدر ما يسعى ما يكفيه، والزمن الذي لا يفرق فيه بين الأم وولدها الإثغار.
قُلتُ: إن أراد بقوله: إنما يتم إذا كان زمن الحضانة هو زمن الإنفاق، وزمن عدم
التفرقة إنه لا يتم إلا باتحاد قدرهما فممنوع لتمامه بتغايرها مع كون زمن الإنفاق يستلزمهما، وإن أراد أنه لا يتم إلا بذلك أو يكون زمن النفقة هو كما ذكر وهو لا يكون عادة قبل الإثغار؛ بل معه أو بعده، وكلما كان كذلك فهو يستلزم زمن الحضانة وزمن التفرقة، وإذا استلزمهما لزم من وجوده وجود الحضانة، فوجب كونه في زمن الحضانة كائنًا في زمن نفقته وهو مدعى ابن رُشْد فتأمله.
ابن الحاجب: الوصي أولى من جميع العصبة على المنصوص.
قُلتُ: مقابل المنصوص هو مقتضى كلام ابن بشير، قال ما نصه: الوصي مقدم على سائر العصبة في نص الروايات ويتخرج تقديمهم عليه، وتقدم في صلاة الجنازة وفي ولي النكاح ما يقتضي الخلاف في هذا الأصل؛ لأنه مبنى على كون هذه الحقوق كالحقوق المالية، فلمالكها التصرف فيها بالنقل إلى غيره أو ليست كذلك؛ لأنه إنما ملك بسبب موجود فيه غير موجود في من نقل إليه والمنقول عنه أحق بذلك.
هذا حكمه في الذكور وأما الإناث إذا كبرن فإن كن ذوات محارم منه فهو أحق، وإلا فهل له حق في حضانتهن قولان، وينبغي أن يكون خلافا في حال إن ظهرت أمارة الشفقة فهو أحق وإلا فلا.
اللخمي: قدم الوصي لأنه باجتهاد الأب، ومن اجتهد فيه الأب لولده أولى، ولو علم كونه لشنآن كان بينه وبين جد الولد أو أخيه لقدم على الوصي؛ لأن في تربيته غيرهما لولدهما معرة، ولو كان الشنآن بينه وبين عم الولد وابن عمه لقدم الوصي لتهمتهما في عداوته والإساءة إليه.
ولأَصْبَغ في سماعه ابن القاسم في النكاح: لو تزوجت أم الصبيان كان الوصي أولى بحضانتهم من أمهم، وإن كن جواري وقد بلغن أبكارًا، وإن كان لهن أخ أو عم أو ابن عم عدولا فالوصي أولى بحضانتهم، وإن انتقل إلى بلد آخر فله حملهم معه؛ لأنه بمنزلة أبيهم في كل شيء إلا تزويج الإناث قبل أن يبلغن.
ابن رُشْد: قيل: إنما يكون الوصي إذا تزوجت الأم أحق بحضانة بنيها الذكور، والإناث كونهن مع زوج أمهن؛ لأنه محرم منهن أولى من كونهن مع الوصي؛ إذا لا حرمة
بينه وبينهن إلا يخاف عليهن عند الأم غير الزوج فيكون أولى بهن، وكذا ابن العم بخلاف الأخ والعم هما أحق من الأم إذا تزوجت اتفاقًا، روى هذا المعنى محمد، هذا إن أراد الوصي أو ابن العم أن تكون الابنة معه ومع أهله بداره، وإن أراد أن يعزلها بموضع من يقوم عليها من ثقة النساء ولعلهن قرابات لهن فيكون أحق بها من الأم إذا تزوجت.
قُلتُ: ليست هذه حضانة للوصي؛ بل لمن ضمنت إليه الابنة، فإن كان من ذوي حضانتها فواضح وإلا فهي كمن لا حاضن لها فينظر بالأصلح لها في بقائها عند أمها، وتقدم أن مقدم القاضي كالوصي من قولها في إرخاء الستور، وهو نقل المقدمات هنا عن المذهب، وتقدم الترجيح عند اتحاد الدرجة بالمشاركة في الأبوين ثم الأم.
اللخمي: إن تساوت منزلتهم فكانوا أشقاء أو لأم، فأولاهم أقومهم فإن تساووا فأسنهم.
قُلتُ: الترجيح بالصلاح مقدم على السن، ولا يبعد الترجيح بالنسب في أخوة الأمومة، وقول ابن الحاجب: إن غاب الأقرب فالأبعد لا السلطان، هو نصها إن كانت الجدة للأم بغير بلدة الأب التي هو بها فالخالة أولاهما.
ولابن عات عن المشاور: حضانة أولاد السؤال والفقراء ومن لا قرار لهم ينظر في ذلك السلطان بالأحوط للأصاغر ومن يراه صلاحا من أحد الأبوين، وقول ابن الحاجب: شرط الحضانة العقل والأمانة والكفاية وحرز المكان في البنت يخاف عليها، هو مدلول قولها: إن لم تكن الأم في حرز وتحصين في موضعها، أو كانت غير مرضية في نفسها، فللأب أخذ ابنته منها، وكذا الأولياء والوصي إذا كانوا أهل أمانة وتحصين وكل من له الحضانة ليس له كفاية ولا موضعه بحرز أو لا يؤمن في نفسه فلا حضانة له وهي لمن فيه ذلك، وإن بعد رب والد يضيع ولده ويدخل عليهم رجالا يشربون فينزعون منه.
اللخمي: يراعى حفظ المسكن وتحصينه في الإناث إذا بلغن الوطء لا قبل ذلك ولا في الذكران، فإن كانت الصبية موصوفة بالجمال أو بموضع كثير الفساد فمراعاة حفظ المسكن واجب وإلا فمستحسن.
وصفة الحاضنة ألا تكون عاجزة عن القيام بالمحضون، لا يخشى إدخالها عليه ضررا ولا فساد طبع ولا بدن ولا معيشة، فمن بلغ بها ضعفها أن لا تتصرف إلا بمشقة فلا حضانة لها، والسفه في الدين أو العقل أو حفظ المال بتبذيره قبل تمام مدة فرضه يسقطها، والسفيهة المولى عليها ذات صون وقيام غير متلفة لما تقبضه حضانتها ثابتة:
المتيطي: اختلف في السفيهة قيل: لها الحضانة، وقيل: لا حضانة لها.
قُلتُ: نزلت ببلد باجة فكتب قاضيها لقاضي الجماعة حينئذ بتونس وهو ابن عبد السلام، فكتب إليه بأن لا حضانة لها فرفع المحكوم عليه أمره إلى سلطانها الأمير أبي يحيى أبي بكر بن الأمير أبي زكريا، فأمر باجتماع فقهاء الوقت مع القاضي المذكور لينظروا في ذلك، فاجتمعوا باقصبة وكان من جملتهم ابن هارون والأجمي قاضي الأنكحة حينئذ بتونس، فأفتى القاضيان وبعض أهل المجلس بأن لا حضانة لها، وأفتى ابن هارون وبعض أهل المجلس بأن لها الحضانة، ورفع ذلك إلى السلطان المذكور رحمهم الله، فخرج الأمر بالعمل علي فتوى ابن هارون وأمر قاضي الجماعة بأن يكتب بذلك إلى قاضي باجة، ففعل وهو الصواب، وهو ظاهر عموم الروايات في المدَوَّنة وغيرها.
اللخمي: خفيف جذام الحاضن وبرصه مغتفر، وفاحشهما مانع، وجنونه في بعض الأوقات بحيث يخاف رعب الولد حين نزوله أو ضيعته مانع، وإن كان الحاضن رجلًا روعي في نسائه حسن القيام بالمحضون ودفع مضرته.
وحاصل قولها: كل من له الحضانة وليس له كفاية، أو ليس في حرز وتحصين، أو ليس بمأمون في نفسه فلا حضانة له.
قول ابن الحاجب: شرط الحاضنة العقل والأمانة والكفاية وحرز المكان، وقوله في البيت يخاف عليها يقتضي تخصيص حرز المكان بالبيت حتى يخاف عليها.
وهو ظاهر قولها: أولا الأم أولى بالجارية حتى تبلغ النكاح ويخاف عليها، فإن كانت أمها في حرز وتحصين ومنعة كانت أحق بها حتى تنكح.
ثم قال: يترك الغلام والجارية عند الجدة أو الخالة إلى حد ما يتركان عند الأم، وقد وصفت لك إذا في كفاية وحرز.
وهذا نص في اعتبار حرز المكان في الولد، والحق أنه شرط فيهما وهو من البنت حين يخاف عليها آكد.
اللخمي: شرط حضانة الرجل وجود أهل زوجة أو سرية في الذكور ويطلب في الولي للإناث كونه ذا محرم، فإن لم يكنه فعدم أمنه مانع، فإن كان مأموناً ذا أهل فروى محمد: إن تزوجت أم الصبية ولها وصي بقيت عند أمها مع زوجها؛ لأنه صار ذا محرم، والوصي ليس بمحرم منها إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أولى، ولأَصْبغ في العتبية: الوصي أولى من الأم إذا تزوجت ومن العم والأخ بالإناث وإن كن قد بلغن أبكارًا، والولي إذا لم يكن بينه وبينها محرم كالوصي.
وقول مالك أصوب؛ لأنها في كفالته لابد أن يطلع منها على ما لا يحل لطول الصحبة والتربية وفي من لم تبلغ الوطء نظر يصح حضانتها الوصي والولي إلى بلوغ حد الوطء فتنزع، ومنعهما لمشقة نقلهما من قوم لقوم.
وفيها مع غيرها: تزويج الحاضنة أجنبيًا من المحضون يسقط حضانتها بدخولها لا قبله.
ابن حارث: اتفقوا في الحر يطلق امرأته وله منها ولد صغير فتتزوج أن للأب أخذه، واختلفوا في الولي العبد.
فسمع ابن القاسم: شأن العبد ضعيف لعله يذهب لبلد آخر فأرى أن ينظر للولد.
ابن القاسم: إن كان قيمًا بمال سيده تاجرًا له الكفاية فهو أحق، وإن كان وغدًا يباع ويسافر به فلا حق له.
ابن رُشد: قول ابن القاسم صحيح لا وجه للقول فيه.
قُلتُ: قال ابن عبد الغفور: قول ابن القاسم استحسان، وما نقله ابن حارث من الاتفاق هو ظاهر كلام غير واحد.
وقال المتيطي: هو المشهور المعمول به عند مالك وأصحابه، وفي العشرة ليحيى بن سعيد، روى ابن القاسم: ليس للأب أخذهم من الأم، وإن دخل بها زوجها إن كان الابن في كفاية عندها، وعلى المشهور إن خلت عن الزوج بعد أخذ الولد منها، ففي رجوع حضانتها لها وعدمه رواية ابن خويز منداد مع دليل رواية المبسوط وقول ابن
نافع ورواية المدَوّضنة مع غيرها، وقيل: أخذه في بقاء حضانتها قولا ابن القاسم وابن شعبان مع قول بعضهم هو مقتضى المدَوَّنة.
ابن رُشْد: في سقوط حضانتها بدخول من تزوجها بها أو بالحكم بنزع الولد منها قولان، ولو علم الوالد بتزويجها ولم يقم بأخذ الولد حتى طالت المدة، ثم خلت من الزوج فليس له أخذه منها؛ لأنه يعد بذلك تاركا لحقه على في أن السكوت إقرار أو لا.
واختلف في ما يسقط من حضانتها بذلك، قيل: تسقط به جملة وهو ظاهر المدَوَّنة، وقيل: إنها تسقط في جهة من حضن المحضون حال تزوجها، وقيل: إنما تسقط في حال تزويجها، على هذه الأقوال تأتي مسائلهم، فعلى الأول: لا تعود لها حضانتها أبدًا ولو خلت من الزوج، وعلى الثاني: لا تعود لها وإن خلت من الزوج ما دام حاضن الولد على حضانته، فإن سقطت حضانته بموت أو شبهه، وهي فارغة من زوج رجعت لها حضانتها، وعلى الثالث: ترجع لها حضانتها بخلوها من الزوج، وهذه الأقوال بناء على أن الحضانة من حق الحاضن، وعلى قول ابن الماجِشُون إنها من حق المحضون لها أخذ الولد.
ومتى خلت من زوج فإن كان زوج الحاضنة ذا محرم من المحضون لم يمنع، وإن كان لا حضانة له كالخال والجد للأم وإن لم يكنه، فإن كان من ذوي الحضانة فهي أحق ما لم يكن للمحضون حاضنة أقرب إليه منها فارغة من زوج، وإن كان زوجها أبعد من الولي الآخر، وإن كان ممن لا حضانة له فإنه يسقط حضانتها مطلقًا كالأجنبي، وأسقط ابن وَهْب حضانتها بالزوج وإن كان ذا محرم.
قُلتُ: قوله: (وإن كان زوجها أبعد) متعلق بقوله: (فهي أحق)، وفيه نظر؛ لأن كون زوجها أبعد من الولي الآخر يوجب تقديم الولي الآخر على زوجها لقربه وعليها بتزويجها غير ذي محرم من المحضون.
اللخمي: إن تزوجت أمه عمه فأراد عم آخر أخذه، قيل: كونه مع أمه وعمه أولى من عم زوجته أجنبية، وإن تزوجته خالته فأراد أبوه أخذه، قيل: كونه مع خالته وعمه أحسن من كونه عندك وزوجتك أجنبية؛ لأن غالبها عليه الجفاء، وغالب الأب أن
يكله لها.
وإن تزوجت الأم ابن عم الصبية لم ينزع منها؛ لأن دخوله بها يصيره ذا محرم منها، بخلاف الخالة تتزوجه ينزع منها إن كانت حضانتها بعدها لخالة أو أخت لا زوج لها، أو لولي ذي محرم كالأب والجد والعم.
ويترك للأم ولو تزوجت أجنبيًا إن كان رضيعًا لم يقبل ظئرًا أو قبلها، وقالت: إنما أرضعه عندي؛ لأنه مع أمه، ولها زوج خير من الظئر لاسيما إن كان لها زوج أو كان في مستحق حضانته بعد الأم مانعها من عجز ونحوه أو لا حاضن له، فإن كانت وصية، فقال مالك مرة: إن جعلت لهم بيتًا ولحافًا وطعامًا وما يصلحهم لم ينزعوا إلا أن يخشى عليهم، وقال مرة: ما آمن أن ينزعوا منها؛ لأنها إذا تزوجت غلب زوجها على جل أمرها حتى تفعل غير الصواب، ويقول ولاته: ليس لها أن تدخل عليهم رجلًا فما أخوفني إن تزوجت أن ينزعوا منها.
قُلتُ: حاصله أن في لغو تزويج الحاضنة دون إيصاء ذا محرم للولد أو من الحاضنة له بعدها وإسقاطه إياها قولا المشهور وابن وَهب.
وسمع ابن القاسم في الوصايا: إن تزوجت الأم الوصي وجعلت الولد في بيت بنفقتهم وخادمهم لم ينزعوا، وروى محمد ولو قال في إيصائه إن تزوجت فانزعوهم؛ لأنه لم يقل: فلا وصيَّة لها.
ابن رُشْد: روى السبائي إلا أن يخاف ضيعتهم.
وفي سقوطها بالكفر قولا ابن وَهب، والمشهور فيها للأم الحضانة ولو كانت مجوسية إن خيف أن تعذيبهم بخمر أو خنزير ضمت لناس من المسلمين.
اللخمي: وقاله سَحنون في الجدة والخالة، واحتج ابن وَهب بأن المسلمة إن قيل عنها سوء ينزع منها فكيف بنصرانية وهو أحسن وأحوط للولد.
وسمع ابن القاسم: إن ردت مطلقة ولدها لزوجها استثقالًا ثم طلبته لم يكن لها ذلك.
ابن رُشْد: إلا على قول ابن الماجِشُون أن الحاضنة حق للمحضون، ولو ردته لعذر مرض أو عدم لبن كان لها أخذه إن صحت أو عاد لبنها على سماع أشهب في
الأيمان بالطلاق، ولو تركته بعد زوال عذرها السنة وشبهها فلا أخذ لها.
قُلتُ: هو نص سماع أشهب، قال: فيه سنة أو أكثر من ذلك وأشباه ذلك.
ابن رُشْد: واختلف إن مات هل لها أخذه ممن تصير له الحضانة بعده؟ ففي آخر رسم من سماع أشهب: لا أخذلها؛ لأن تركها لأبيه إسقاط لحقها، وقيل: لها أخذه؛ لأن محل تركها إنما هو للأب فقط، وكذا إن قامت الجدة بعد السنة لم يكن لها أخذه.
وقال ابن نافع: لها أخذه، ومثله لابن القاسم في المدينة: لها أخذه إلا أن يكون عرض لها فأبت، وهذا على الخلاف في كون السكوت كالإقرار والإذن أم لا، اختلف فيه قول ابن القاسم.
اللخمي: للحاضنة الرجوع في حضانتها بعد تركها لعذر بعد زواله كسفرها لحج فرضها أو لسفر زوجها بها غير طائعة، إلا أن يكون الولد ألف من هو عندها وشق عليه نقلته، وروى محمد: إن جهلت أن لها الحضانة فلها انتزاعه.
قُلتُ: فجعلها مما تعذر فيه بالجهل.
وسئل ابن رُشْد عن الحاضنة تسافر أم أو غيرها ثم ترجع من سفرها عن قريب أو بعد مما ليس لها حمل المحضون معها هل ترجع لحضانتها؟ وكيف إن كان خروجها إلى الصيفة؟
فأجاب: هي على حقها في حضانتها كما إذا تركته لمرض أو انقطاع لبن.
قُلتُ: جوابه سواء كان سفرها اختيارًا لقول السائل إن خروجها للصيفة، وإطلاق جوابه ومقتضى استدلاله بالمرض وانقطاع اللبن تقييد سفرها بأنه اضطرار، وهو ظاهر كلام اللخمي.
وفي إمضاء نقل ذي حضانة إياها لغيره على من أحق بها من المنقول إليه، نقل ابن رُشْد مع أخذه من قولها: إن صالحت زوجها على كون الولد عنده جاز وكان أحق به، ظاهره ولو كان له جدة، ونقله قائلا: كالشفعاء ليس لمن هو أحق بالشفعة تسليمها لشريك غيره أحق بها منه.
اللخمي: إن تزوجت الأم وأخذته الجدة ثم أحبت أن تسلمه لأخته فلأبيه منعها؛ لأنه أقعد منها، وإن أمسكته ثم طلقت الأم لم يكن له منعها من رده لأنه نقل لما
هو أفضل.
قُلتُ: إنما يتم هذا على أن تزوج الأم لا يسقط حضانتها دائمًا؛ بل ما دامت زوجة.
قال: وقال في الموَّازية: إن تزوجت الجدة وطلقت الأم أخذه الأب دونهما، وعلى القول الآخر الأم أحق به منه.
قُلتُ: هذا لا يلزم على القول الآخر؛ لأنه إنما قاله والجدة لم تتزوج وحقها باقٍ، ولا يلزم من إعمال نقلها وهي ذات حق إعماله بعد سقوط حقها.
وفيها: إن خرج ولي المحضون وصيَّا أو غيره لسكنى غير بلد حاضنته فله أخذ الولد إن كان معه في كفاية، ويقال لها: اتبعي ولدك إن شئت، ولا يأخذه في سفره لغير سكنى.
اللخمي: بشرط بعد المنتقل إليه.
والقريب ما يجوز للحاضنة الانتقال بالولد إليه، وفي حده اختلاف:
فيها: البريد ونحوه قريب؛ حيث يبلغ الأب والولي خبره.
أصبغ: البريدان بعيد. أشهب: ثلاثة بردٍ بعيد.
مالك: مسيرة يوم قريب، وقال مرة: حد البعد مرحلتان، وقال مرة: ما لا يقطع خبرهم قريب من غير حد بأميال وهو أبين.
قُلتُ: في حد البعد سبعة أقوال متقدم نقل اللخمي ستة: قولها، وقولا أشهب وأصبغ، وثلاثة لمالك، وسابعها قول الباجي: قال محمد: أقرب ما للأب أن يرحل فيه بالولد ستة برد.
ابن زرقون: روى ابن وَهْب لا ينتقل بهم إلا إلى بلد بعيد كمصر من المدينة.
وروى أشهب نحوه.
المتيطي عن ابن الهندي وغيره من الموثقين وعليه يدل لفظها في إرخاء الستور: إن أراد الأب الانتقال لبلد غير بلده فله أخذ بنيه وليس البريد غير بلده.
قال ابن الهندي: وزعم بعض المفتين أن الأب إذا رحل للسكنى على رأس البريد أن له أخذ ولده خلاف ما تقدم.
اللخمي: ويمنع الانتجاع به لموضع غير مأمون وإلى غير قرار، وقال مالك: من أراد أخذ ولده الصغير من مطلقته لينتقل للبادية منع، وفي أخذ بذلك وإن كان رضيعًا إن قبل غير أمه، أو فطم واستغنى عن أمه، ثالثها إن أثغر.
للمتيطي عن أحد قولي ابن القاسم مع رواية محمد، له أخذه وإن صغر جدًّا وثانيهما وروايتها.
قُلتُ: لم أجدها فيها، إنما فيها: ما حد ما يفرق بين الأم وولدها في العبيد؟ قال: قال مالك: الإثغار ما لم يعجل بالصبي، وذلك أن يستغني عن أمه بأكله وشربه ولبسه وقيامه وقعوده ومنامه.
قُلتُ: أينهى عن التفرقة بين الأب والولد، كما ينهى عن التفرقة فيها بين الأم وولدها، قال: قال مالك: لا بأس أن يفرق بين الأب وولده وإن كانوا صغارًا، وإنما ذلك في الأمهات.
قُلتُ: وهذا كله إنما هو في العبيد؛ ولذا لم يذكره البرادعي.
الصقلي عن ابن أبي زمنين: كان بعض شَيُوخنا المقتدى بهم يفتون بوقف نقل الوالد ولده على ثبوت استيطانه عند الحاكم، وقال غيره: له أخذه ساعة ارتحاله، وعليه يدل لفظ الكتاب.
وعاب الأول بعض العلماء، وقال: أرأيت إن أراد الرحلة للعراق يمضي إليها ليمطنها ويشهد هنالك ثم يرجع ورجحه ابن الهندي، قال: وهو ظاهر قولها في إرخاء الستور إن أراد الأب أن ينتقل بولده لبلد آخر فله ذلك، فعلقه على مجرد إرادته.
المتيطي: ولسَحنون في أسئلة حبيب: أرى أن يكشف عن انتقاله كشفًا بينًا، فإن بان ضرره منع وإلا ترك.
ابن عات في مقنع ابن بطال قال: من أثق به لفقهاء بلدنا في ذلك اختلاف، منهم من وقفه على ثبوت استيطانه، ومنهم من دفعه له بالعزم على السفر، وبالأول حكم شُيُوخ قرطبة قديمًا.
ابن الهندي: والأحسن أن يصدق بيمين.
المتيطي عن بعض القرويين: هذا حسن في المتهم لا المأمون.
قُلتُ: ففي أخذه بمجرد دعوى الاستطان ووقفه على يمينه على ذلك مطلقًا، أو إن كان، رابعها على ثبوت تقرر استيطانه، وخامسها على عدم ظهور إراداته ضرر الحاضنة، للصقلي مع جماعة وابن الهندي وبعض القرويين وجماعة من الأندلسيين وسَحنون، ويرجع الأول بأنه ظاهرها، ورابعها بعمل أهل قرطبة، ولعله فيما لا يبعد جدًّا، وعلى اعتبار الاستيطان في الاكتفاء بثبوته مطلقًا وتحديده بعام نقلا المتيطي عن أكثر الموثقين وابن الطلاع.
وفي منع الانتقال بهم لوقفه على جواز البحر نقلا ابن الهندي مصوبًا الثاني.
المتيطي: قول الموثقين في وثيقة إثبات استيطانه ويعرفونه مع ذلك مأمونًا فيه نظر، والواجب حمله على الأمانة حتى يثبت نقيضها.
قُلتُ: لعلهم أخذوه من الرواية في نقل الزوج زوجته.
وفيها: مع غيرها الجد وغيره من الأولياء في الانتقال بالولد كالأب.
قُلتُ: انظر إن اختلف الأولياء في المحل المنتقل إليه هل يقدم الأقعد على الأبعدمطلقًا أو ما لم يكن محل الأبعد أرجح للولد من محل الأقعد، والأظهر الأول لعدم اعتبارهم ذلك في محل الحاضنة.
الباجي: الوصي كالأب إذا انتقل هو أحق ولو بالإناث، ليس لإخوتهم ولا لأجدادهم منعه، سمعه أَصْبَغ من القاسم.
اللخمي: للوصي الانتقال بمن في ولايته حين تصح حضانته مقيمًا، ويختلف إن كان مأمونًا وله أهل إلا أن تكون الصبية لا أهل لها إن خلفت، فيكون للوصي والولي السفر بها إن لم يكن له أهل أو كانت وصيَّة ولم تتزوج، ويختلف إن تزوجت؛ فعلى أحد قولي مالك لا ينزع منها في المقام يكون لها السفر به.
وقال أبو مصعب: إن تزوجت وهي وصيَّة لم تخرج به ولو لموضع قريب إلا بإذن الولي.
وفيها: ليس للأم نقل الولد من الموضع الذي فيه والدهم وأولياؤهم إلا لما قرب كالبريد ونحو حيث يبلغ الأب والأولياء خبرهم.
وسمع القرينان في النكاح لها أن تنوي بابنتها على قدر ميلين.
ابن رُشْد: هذا مثل قولها، وقد روي عن مالك أن لها الخروج بهم إلى مسافة الرحلة، ثم رجع فقال: لا أرى أن تضر بأوليائهم.
وسمع ابن القاسم في العدة: ليس أن تخرج بابنتها لسكنى مسكنها قبل نكاحها على مرحلتين إن منعها عمومتها.
ابن رُشْد: مثله لمالك وابن القاسم في الموَّازية، وعن مالك أن لها أن تخرج بها مسافة يوم، ثم رجع، وليس في ذلك شيء يرجع إليه في الكتاب أو السنة إنما هو الاجتهاد لقوله تعالى: لا تضار ولدة بولدها [البقرة:]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا اجتمع ضرران نفى الأصغر الأكبر» ؛ لأن منع المرأة الخروج بولدها إضرار بها، وإباحة ذلك لها إضرار بأولياء الصبي، فوجب الاجتهاد، ولذا وقع فيه الاختلاف.
ولابن عات في بعض الكتب عن ابن جماهر الطليطلي: إن خرجت الأم ببنيها المحضونين إلى الصائفة سقط عن أبيهم فرضهم مدة مقامهم في الصائفة.
وفيها: ليس العبد في انتقاله بولده كالحر، والأم أحق بهم كانت أمة أو حرة؛ لأن العبد لا قرار له، ونقلها الباجي وقال: قال في غيرها: إلا أن يكون للعبد ولي وتظعن الأم بهم حيث شاءت.
اللخمي: للأم الحاضنة الفقيرة النفقة على ولدها اليتيم الموسر، فإن كانت موسرة فقال مالك: لا نفقة لها، وقال مرة: هي لها إن قامت عليهم، وقال أيضًا: تنفق بقدر حضانتها إن كان لا بد لها من حاضن، فجعل لها في هذا القول الأجرة دون النفقة، لأنها لو تزوجت أتى من ينفق عليها، وإن لم تتأيم لأجلهم أو كانت في سن من لا تتزوج فلها الأجرة وإن كانت دون نفقتها، وإن كان لهم من يخدمهم أو استأجرت من يخدمهم وإنما هي ناظرة لهم فلا شيء لها.
وفي أجرة سكنى الولد أربعة منها على الأب: السكنى:
يحيى بن عمر: السكنى على قدر الجماجم، قال: وروي أيضًا لا شيء على المرأة في يسر الأب.
سَحنون: ذلك عليها ليس نصفين؛ بل على قدر ما يرى ويجتهد، وأرى إن كان الولد لا تريد سكناه على من يسكن معه من أب أو حاضن فلا شيء على أبيه، وإلا فعليه الأقل مما تزيد على أحدهما.
واختلف في خدمته ففيها: إن كان لا بد لهم من خادم لضعفهم عن أنفسهم والأب يقوي على إخدامهم أخدمهم.
ولابن وَهْب: لا خدمة عليه به، قضى أبو بكر على عمر وأرى أن يعتبر في الخدمة مثل ما تقدم في الإسكان.
وعليه في غطاء الولد ووطائه وقت مبينه مع أمه قدر ما ينوبه، وإن كانوا بمعزل عنها أو بلغوا حد ما لا يبيت الولد معها متعريًا فعليه ما يكفي الولد منفردًا.
وتجب نفقة الوالد لفقره على الولد ليسره والكفر والصحة والصغر وزوج البنت وزوج الأم الفقير لغو.
ابن حارث: روي ابن غانم: لا نفقة للأبوين الكافرين.
المتيطي: بالأول العمل، وهو قول مالك المشهور.
اللخمي: إن قدر زوج أمه على بعض نفقتها لزمه تمامها، ورق الوالد أو الولد يسقطها لوجوبها على السيد وعدم استغلال ملك العبد لو رضيت الأم الفقيرة بترك زوجها الملي نفقتها ففي وجوبها على ولدها الملي قولا الباجي واللخمي قائلا: إلا أن تكون أسنت والزوج على غير ذلك وقام على صحة قوله دليل.
قُلتُ: وهما جاريان على من لأبيه الفقير زوجتان إحداهما أمه فقيرة في وجوب نفقتهما عليه أو على أمه فقط، نقلا الصقلي عن شُيُوخ القرويين مصوبًا الثاني قائلًا: هو أشبه بظاهر الكتاب.
قُلت: سقوطها ليسر زوجها هو ظاهر قول الجلاب: تجب عليه نفقة أمه وإن كانت ذات زوج إذا كان زوجها محتاجًا، وفي الكافي: تلزمه نفقة أمه وزوجها إن لحقه العدم بعد الدخول.
(
…
) يسر الولد ففي كونها على رؤوسهم، أو على قدر أموالهم، ثالثها: على فرض إرثهم ما داموا صغارًا:
اللخمي عن ابن الماجِشُون ومحمد مع أصْبَغ والصقلي مع الشَّيخ عن ابن حبيب مع مُطَرِّف ولم يحكيا عن أَصْبَغ إلا الأول.
اللخمي: إن اتحد قدر ما يفرض له في انفراد كل واجتماعهم فعلى عددهم، وإن اختلف فعلى الأموال مثل أن يكون فرضه على ذي مائة دينار، وعلى ذي مائتين ديناران، وعلى ذي ثلاثمائة دينار ثلاثة دنانير أو ديناران، وكذا إن كان فرضه على أحدهما لقلة ماله أو لأنه صانع نصف دينار وهو نصف نفقة الأب، وعلى الآخر دينار وهو جميع نفقته ولو اجتمعا.
الصقلي عن الشَّيخ لأبي الفرج: إن كان كل واحد تلزمه النفقة لو انفرد فهي عليهم بالسوية، وإن كان بعضهم لا يلزمه لو انفرد شيء فنفقته على باقيهم، وكان ابن الموَّاز أشار أن على كل واحد بقدر يسره وجدته.
الصقلي: وما لأبي الفرج أبين كالحمالة بدين وكل واحد حميل بصاحبه إن لقي أحدهم أخذه بجميع الدين، وإن لقيهم جميعًا أملياء أخذ كل واحد بمنابه، ووجه قول أصبغ: أن لكل واحد لو انفرد وجبت عليه النفقة كاملة صغيرًا أو كبيرًا أو أنثى، فإذا اجتمعوا وزعت عليهم بالسوية.
قُلتُ: قول أبي الفرج هو قول أَصْبَغ وظاهر قول الصقلي والشَّيخ: وأشار محمد إلى آخره؛ أنه يقول: أن من لو انفرد لم يجب عليه شيء يجب عليه في اجتماعه مع من يجب عليه وهو بعيد جدَّا فتأمله في نوازل ابن رُشْد: من استلحقه رجلان وأنفقا عليه حتى كبر ثم افتقرا لزمه نفقة رجل واحد يقسمانها، وإن افتقر أحدهما لزمه نصف ذلك له.
قال: ومن أنفق على أبيه المعدم فلا رجوع له على إخوته الأملياء بشيء مما أنفق ليس لأجل ما ذكر أنه يحمل منه على الطوع؛ بل لو أشهد أنه إنما ينفق عن أبيهم فرضهم مدة مقامهم في الصائفة، وفيها ليس عليه على أن يرجع على إخوته بمنابهم لما وجب له الرجوع عليهم بشيء؛ لأن نفقته لم تكن واجبة عليهم حتى يطلبوا بها بخلاف نفقة الزوجة.
قُلتُ: ويؤيده ما في سماع أَصْبَغ من كتاب العدة: من تغيب ويحتاج أبواه وامرأته ولا مال له حاضر أترى أن يتداينوا عليه ويقضى لهم بذلك، أما للزوجة فنعم،
وأما الأبوان فلا؛ لأنهم لو لم يرفعوا ذلك حتى يقدم فأقر لهم غرم للمرأة لا للأبوين.
وفيها: تلزمه نفقة خادم امرأة أبيه لقول مالك: تلزمه نفقة خادمه؛ لأن خادمها تخدم أباه، ولو لم يكن لها خادم كانت الخدمة من النفقة التي تلزمه.
المتيطي عن بعض القرويين: انظر هذا مع قولها في البكر لها خادم ورثتها على الأب نفقة ابنته دون نفقة دون خادمها، وفي الزكاة منها: من له عبد فهو مال يسقط نفقته عن أبيه، ففرق بعضهم بأن الأب محتاج لخدمة خادمة أو وطئها فهي كالزوجة والولد لا حاجة له إلى الخدمة، فإن احتاج إليها لزم الأب النفقة عليه وعلى خادمه، فلا فرق بينهما إذا اتحد السؤال.
قال: وهذا لم يتأمل مسألة البنت؛ لأنه قال فيها: إن البكر لا بد لها ممن يخدمها، وفرق بعض شُيوخنا بأن الأب أحوج إلى الإخدام من الولد، قال: وهذا أيضًا استئناس.
المتيطي عن سَحنون: لا يلزمه لابنته ولا لخادمها نفقة؛ لأنها ملية بالخادم، الشَّيخ في مختصره: وفي الزكاة نحوه.
اللخمي: إن كانت البنت لا بد لها من خادم، فقال ابن القاسم: نفقة البنت على أبيها ونفقة الخادم على الابنة، وقال أشهب: على الأب نفقتها وهو أبين كنفقة الابن عليه وعلى خادمه التي لا بد له منها، ويلزم على قول ابن القاسم إن كان الأب معسرًا أن تباع تلك الخادم للإنفاق على الأب؛ لأنه جعل البنت موسرة بها.
وسمع ابن القاسم في العدة: لا يجبر الولد على إحجاج أبيه ولا إنكاحه.
ابن رُشْد: هذا على أن الحج على التراخي، وعلى الفور يلزمه ذلك، كما يجبر على شراء الماء لغسله ووضوئه، وروى أشهب جبره على إنكاحه وهذا ينحو لقولها بإيجاب النفقة على زوجة أبيه، وقول مالك هنا ينحو لقول المغيرة وابن عبد الحكم أنه لا يحب عليه نفقة زوجة أبيه ولو تحققت حاجته للنكاح لا نبغى أن لا يختلف في إيجابه، لا لروايته.
اللخمي: أرى إن كان للأب من يخدمه أو فيه بقية لقيامه بشأنه، وهو ممن يتولى
ذلك، ولا مضرة عليه في عدم الزوجية لم يكن عليه إنكاحه، وإن عجز عن القيام بأمره أو كان ممن لا يتكلف ذلك كان إنكاحه حسنًا، وكان عليه إن لم يزوجه أن يستأجر له من يخدمه، وإن احتاج للإنكاح أنكحه، وقول مالك: أن ليس على الأب أن ينفق على زوجة ولده، والقياس أن ذلك عليه قياسًا على زوجة الأب، ولأن الابن أحوج إلى الزوجة منه.
قُلتُ: يرد بأن نفقة الابن تسقط ببلوغه، وإن فرض كونه بلغ زمنًا فالزمانة مظنة عدم الحاجة للزوجة.
وفيها: ينفق على امرأة واحدة لأبيه لا أكثر.
اللخمي: وإن لم يكن محتاجًا لإصابتها لاحتياجه لم يقوم به، ولأن عليه في فراقها بعدم النفقة معرة.
فإن كانت له زوجتان نفقتهما مختلفة فدعا الأب التي نفقتها أكثر وخالفه الولد، فلا أعرف فيها نصًا، إحداهما ومقتضى أصول المذهب أن القول قول الأب إن كانت من مناكحه، وتقدم للصقلي حكم كون أمه وهي فقيرة، ومثله لعبد الحق.
وقال اللخمي: إن كانت أمه وأجنبية أنفق على أمه دون الأخرى، إلا أن تكون أمه أسنت والأخرى شابة، وفي الأب بقية؛ فعليه أن ينفق عليهم.
ابن عيشون: وقيل على الولد نفقة زوجات أبيه ولو كن أربعًا.
وقول ابن عبد الحَكم ليس عليه أن ينفق على زوجة أبيه جملة يحسن فيمن أسن ولا يشق عليه فراقها.
اللخمي: ملك الأب دارًا وخادمًا لافضل في ثمنهما لا يرفع فقره، وإن كانت لغير سكناه وهو في غيرها بكراء لم تجب على ابنه نفقته إلا بنفاذ ثمنها، وإن كان للأب صنعة تكفيه وزوجته جبر عليها، وإن كفت بعض نفقته أكملها ولده وليس له إتلاف ماله بعطية وتعود نفقته على ولده، وللولد رد ذلك.
ابن عات عن أحمد بن نصر: إن تصدق من تجري الحضانة على بعض ولده بجل ماله جاز إن ترك لنفسه شيئًا، ويفرض عليه على قدر ما بقي عنده، فإن لم يترك شيئًا فسخت صدقته.
المشاور: لا تجوز الصدقة على ذلك؛ وكأنه اتهمه، ونقل الباجي أن نفقة الوالدين المعسرين تلزم الولد ولو قويا على العمل.
قُلتُ: قولا اللخمي والباجي كالقولين في الفقير القادر على العمل هل يعطى الزكاة أم لا، وإن أنكر الولد فقر أبيه دون إثبات غناه فعلى الأب إثبات عدمه ثم في تحليفه السلطان استبراء للحكم نقلا المتيطي عن ابن لبابة وغيره، قال بعض الموثقين: وبهذا القول القضاء وبه العمل.
قُلتُ: هو نقل ابن عبد الغفور.
(
…
) الولد بماله: اللخمي: وبصنعة فيها فضل عن نفقته، فإن ادعى الفقر ففي لزومه إثباته وإلزام الأب إثبات غناه نفلا المتيطي عن ابن أبي زَمَنَيْن مع غيره من الموثقين وعن ابن الفخار عن ابن العطار، قال بعض الموثقين: هذا إن لم يكن له ولد سواه، فإن كان وجب على الابن المدعي العدم إثبات عدمه لمطالبة أخيه بالنفقة معه، فلا ترجع جملتها على الواحد إلا بالحكم بعدم الآخر.
قُلتُ: تعليل ابن الفخار أن قبول قول الابن بأن نفقتة الأب إنما هي في فاضل ماله لا في ذمته بخلاف الديون يقتضي أن لا فرق بين انفراد الولد وتعدده.
وفي سماع أَصْبَغ من كتاب العدة قال أصبغ: نفقة الأبوين لا تجب إلا بفريضة سلطان حين يجدهما يستحقانها ويجد له مالًا يعديهما فيه.
ابن رُشْد: مثله في الموَّازيَّة وهو يدل على أنه محمول على العدم حتى يثبت ملاه على ما ذهب إليه ابن الهندي خلاف ما ذهب إليه ابن العطار.
اللخمي: نفقة الأب فيما فضل للولد عن نفقته ونفقة زوجته، واختلف إن كان للولد ولد فقيل: يتحاص الجد وولد الولد، وقال ابن خويز منداد: يبدى الابن.
وأرى أن يبدى الابن إن كان صغيرًا لا يهتدي لنفعه، وسواء كان الأب صحيحًا أو زمنًا.
وإن كان الولد كبيرًا ترجع القولان، وكذا الولدان يبدى الصغير على الكبير والأنثى على الذكر، وكذا الأبوان تقدم الأم على الأب.
وفيها: (بعد ذكر لزوم نفقة الأبوين الولد ويعدى على الغائب في بيع ماله للنفقة
على من ذكرنا) حياته وأن لا دين عليه يغترب ماله، ونفقة الزوجة واجبة حتى يعلم سقوطها بذلك، وهذا من باب استصحاب الحال من ذلك الفرق بين أكل شاكَّا في الفجر وشاكَّا في الغروب، وبين من أي، وسئل ابن رُشْد عن قول ابن سهل: لاتباع أصول الغائب لنفقة أبويه فقال: إنما حكاه عن ابن عتاب وهو صحيح؛ لأن نفقة أبويه كانت ساقطة فلا تجب عليه حتى يطلباه بها، فإذا غاب عنهما لم يصح الحكم بها عليه، وبيع أصوله لاحتمال كونه في ذلك الوقت قد مات وعليه ديون يستغرقها بخلاف نفقة الزوجة؛ لأن نفقة الأبوين ساقطة حتى يعلم وجوبها بمعرفة حياته وأن لا دين عليه يغترف ماله، ونفقة الزوجة واجبة حتى يعلم سقوطها بذلك، وهذا من باب استصحاب الحال من ذلك الفرق بين من أكل شاكًّا في الفجر وشاكًّا في الغروب، وبين من أيقن بالوضوء وشك في الحدث، ومن أيقن بالحدث وشك في الوضوء.
ومسألة كتاب طلاق السنة في المفقود يموت بعض ولده في تفرقته بين أن يفقد حرًّا أو يعتق بعد أن فقد ومثله كثير.
وقوله: إن الحاكم يضمن إن فعل؛ لأنه من الخطأ الذي لا يعذر فيه ــ غير صحيح ــ وإن قاله ابن عات؛ فإنما قاله إغراقًا لمخالفة من خالفه من أصحابه، وأفتى بيع أصوله في ذلك.
وإنما قلنا أنه غير صحيح؛ لأن محمدًا حكى الإجماع في ذلك وإن وجد في بعض المسائل في ذلك خلاف فهو شذوذ خارج عن الأصول.
وما في إرخاء الستور منها، وسماع أصبغ: من بيع مال الغائب في نفقة أبويه يحمل على ما عدا الأصول استحسانًا؛ لأن القياس ألا ينفق عليهما في مغيبه من ماله لاحتمال موته وإحاطة الدين بماله، ولذا قالوا: لا تؤخذ من ناض ماله زكاة.
وعسر الأب فقره كأخذ الزكاة: فيها: (ينفق على من له خادم من الأبوين، وكذا إن كانت له دار لا فضل في ثمنها كما يعطي الزكاة).
اللخمي: إن كانت له دار لغير سكناه وهو في دار بإجاره لم تجب نفقته على ابنه إلا بعد نفاذ ثمنها، وكذا الخادم إن كان غنيًّا عنها.
قُلتُ: يريد بغير سكناه أنها أزيد مما يليق بسكناه ولو كانت قدرها لم يضره ترك
سكناها بسكناه غيرها بكرًا فتأمله.
اللخمي: لابن القاسم في كتاب ابن سَحنون: إن كان الأب لا دار له وللابن دار يسكنها لم يكن عليه بيعها للإنفاق عليهما، ولو كان في غلتها ما ينفق على الابن فقط لبيعت لحق الابن في الإنفاق، ولما نقل ابن عبد السلام ما في كتاب ابن سَحنون، قال: وقيل: بل تباع، فعليه تباع دار الأب لينفق منها عليه أولى.
قُلتُ: وهذا لا أعرف من نقله سوى ما ذكر اللخمي من اختياره؛ بل نقل ابن عات عن المشاور والداودي: لا تباع دار الأب في حضانة بنيه، قال غيره: إلا أن يكون فيها فضل، وتقدم نقل ابن رُشْد عن المذهب أن شرط تقرر وجوبها على الولد الحكم عليه بها، وهو مقتضى قولها في الزكاة الأول: إن أنفق الأبوان وصغير ولده وهو موسر ثم طلبوا ذلك لم يلزمه.
قال ابن الحاجب: وتسقط عن الموسر بمضي الزمان بخلاف الزوجة إلا أن يفرضها الحاكم أو ينفق غير متبرع.
ابن عبد السلام: يعني إن فرضها الحاكم وتعذر أخذها لغيبة من وجبت عليه أو لم تتعذر فأنفق على الأب أو على الولد من لم يتبرع بها فله الرجوع، ونبه بقوله: وفرضها القاضي على الجمع بين قولها في الزكاة الأول، وقولها في النكاح الثاني: إن أنفقت الزوجة على طعامها نفسها وصغار ولده وأبكار بناته من مالها أو سلفًا والزوج غائبا فلها اتباعه إن كان في وقت نفقتها موسرًا، فجمعوا بينهما على أن ما في الزكاة قبل فرض القاضي وما في النكاح بعد فرضه.
قُلتُ: في زكاتها أيضًا مثل ما في نكاحها وهو قوله: ويعدي الولد والزوجة بما تسلفا في يسره من النفقة.
وقول ابن الحاجب: إلا أن يفرضها أو ينفق غير متبرع، يقتضي أن نفقة الأجنبي غير متبرع كحكم القاضي بالنفقة وليس كذلك، إنما يقضي للمنفق غير متبرع إذا كان ذلك بعد الحكم بها، فلو قال: إلا أن يفرضها فيقضى بها لها أو لمن أنفق عليهما غير متبرع لكان أصوب.
الشَّيخ عن الموَّازية: إذا رفع الأبوان إلى السلطان في مغيب الابن ولا مال له حاضر لم يأمرهما أن يتسلفا عليه بخلاف الزوجة؛ إذ لا تلزم نفقتهما إلا بالحكم.
وفيها: (ما أنفق على الوالدين من مال الولد فلا يتبعهما به إذا أيسرا).
وسمع عيسى ابن القاسم في الرجل يكون لابنه المال فيموت الأب، إن كان مال الابن ناضا فوجده مصرورًا كما كان لم ينفق منه شيئًا لم يحاسبوه بما أنفق أبوه عليه، والروايات واضحة بعدم اتباع الأب ولده بما أنق عليه.
فيها: (من أنفق على صغير لم يرجع عليه بشيء إلا أن يكون للصبي مال حين أنفق عليه فيرجع عليه بما أنفق عليه من ماله).
وسمع سَحنون ابن القاسم: من غاب أو فقد فأنفق رجل على ولده فقدم أو مات في غيبته، وعلم أنه عديمًا لم يتبعه بما أنفق عليه ولا ولده.
ابن رُشْد: لأن الولد إذا لم يكن لأبيه ولا له مال فهو كاليتيم النفقة عليه احتساب ليس له أن يعمر ذمته بدين ولا برضاه؛ إذا ليس ممن يجوز على نفسه رضاه وإن كان له أو لليتيم مال فللمنفق عليهما الرجوع عليهما في أموالهما إن كانت له بالنفقة بينة، وإن لم يشهد أنه إنما ينفق ليرجع بعد يمينه أنه إنما أنفق عليهما ليرجع في أموالهما لا على وجه الحسبة.
ويسر أبي الولد كماله، وروى محمد بن يحيى السبائي أن لا رجوع له في أموالهما إلا أن يكون أشهد أنه إنما ينفق ليرجع في ذلك، وهذا إذا أنفق وهو يعلم مال اليتيم أو يسر الأب، ولو أنفق عليهما ظانَّا أنه لا مال لليتيم ولا للابن ولا لأبيه ثم علم ذلك فلا رجوع له، وقيل: له الرجوع، والقولان قائمان منها.
قُلتُ: الأول ظاهر قولها في تضمين الصناع: ولا يتبع اليتيم بشيء إلا أن يكون له أموال فيسلفه حتى يبيع عروضه، فإن قضى ذلك عن ما أسلفه لم يتبع بالنائف وكذا اللقيط.
والثاني: ظاهر قولها في النكاح الثاني: من أنفق على صغير لم يرجع عليه بشيء إلا أن يكون له مال حين أنفق عليه فيرجع بما أنفق عليه في ماله ذلك، ونحوه في كتاب الولاء منها، والأولى تقييد مطلقها بمقيدها فيكون ذلك قولًا واحدًا، وإذا حاسب
الأب ابنه بما أنفق عليه مما بيده وطلب الابن يمينه ما أنفقت علي إلا لتحاسبني، ففي الحكم بحلفه له فتوى ابن العطار، ونقل الشعبي فتوى غيره.
وفيها: لا يلزم الجد نفقة ولد الولد كما لا يلزمهم نفقته ولا نفقة أخ ولا ذي رحم. ونفقة ذي الرق على سيده، في ثاني زكاتها ينفق السيد على عبده إن أبى جبر على أن ينفق عليه أو يبيع، وسمع القرينان في الأقضية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» ، قال مالك: على سيده أن لا يكلفه إلا ما يطيق يقضى بذلك عليه.
ابن رُشْد: يعني بالمعروف أي: من غير إسراف ولا إقتار بقدر سعة السيد وحال العبد ليس الوغد الأسود الذي للخدمة والحرث كالنبيل التاجر الفاره فيما يجب لها، وفيه دليل ظاهر على عدم لزوم مساواة العبد سيده في ذلك، وفعل أبي اليسر الأنصاري وأبي ذر ذلك محمول على ما يجب له عليه بالمعروف في مطعمه وملبسه بخلاف ما يملكه من البهائم فإنه يؤمر بتقوى الله في ترك إجاعتها ولا يقضى عليه بعلفها، وعن أبي يوسف يقضى عليه بعلفها كنفقة العبد؛ لما جاء أنه صلى الله عليه وسلم دخل حائط أنصاري فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رق له وذرفت عيناه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سروه وذفراه حتى سكن ثم قال:«من رب هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أفلا تتقي الله في البهيمة التي ملكك إياها، فإنه شكى إلي أنك تجيعه» .
والفرق بين العبد والدابة أن العبد مكلف تجب عليه الحقوق من الجناية وغيرها، فكما يقضى عليه يقضى له، والدابة كما لا يقضى عليه لا يقضى لها.
قُلتُ: تعذر شكوى الدابة يوجب أحروية القضاء لها، وقوله: مسح سروه أي:
ظهره، الجوهري: سراة كل شيء ظهره ووسطه والجمع سرواة، والذفرى بالذال المعجمة، الجوهري: هو الموضع خلف الأذن من البعير أول ما يعرف منه، وذكر أبو عمر في العبد مثل ما تقدم، وقال: ويجبر الرجل على أن يعلف دابته أو يراعاها إن كان في رعيها ما يكفيها أو يبيعها أو يذبح ما يجوز ذبحه ولا يترك يعذبها بالجوع.
قُلتُ: ولا زم هذا القضاء عليه؛ لأنه منكر وتغيير المنكر واجب القضاء به، وهذا أصوب من نقل ابن رُشْد، وفي ضحاياها: وقد روي في الحديث: «ولا بأس بالشرب منها بعد ري فصلها» .
ابن حارث اختلف في الأمة المستحقة تكون حاملًا ممن استحقت منه، فقال محمد بن عبد الحَكم: نفقتها على نفقة مستحقها، وقال يحيى بن عمر: بل هي على من هي منه حامل، وقول يحيى هو الجيد؛ لأن الجنين حر.
قُلتُ: الأظهر إن كان في خدمتها قدر نفقتها أنفق عليها منها، ونفقة العبد المشترك فيه على قدر الأنصباء والمعتق بعضه كشريك والمدبر والمعتق إلى أجل كالقن، وفي كون نفقة المخدم على سيده أو على ذي الخدمة، ثالثها: إن كانت الخدمة يسيره لنقل ابن رُشْد والمشهور عنده ونقله أيضًا، قال: وقال سَحنون هي في اليسيرة على ربه اتفاقًا وكون الأقوال ثلاثة أصوب، في وصاياها الأول نفقة الموصي بخدمته في الخدمة على المخدوم.
ابن العطار: يحتمل كونه بكسر الدال وفتحها، والذي تأولناه الفتح، قال غيره: هذا خلاف قولها في الزكاة الثاني.
قُلتُ: الموصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر على من زكاة الفطر عنه قال: عن من أوصى له برقبته إن قبل ذلك كما لو أخدمه سيده رجلًا مع قولها بعد ذلك لا يؤديها الرجل إلا عن من يحكم عليه بنفقته من المسلمين خلا المكاتب.
قُلتُ: قول ابن العطار كما زعم ابن رُشْد أنه المشهور، ومن أعسر بنفقة أم ولده فقال الباجي: في كتاب القزويني: تزوج ولا تعتق، وقاله جماعة من القرويين.
ابن اللباد: سألت عنها يحيى بن عمر فقال: تعتق.
قُلتُ: لم لا تنفق من عملها، قال: فإن لم يكن فيه كفاية وهو قول أشهب.
ابن عبد الرحمن: تعتق، وكذا إن غاب ولم يترك لها نفقة لا يزوجها الحاكم؛ لأنه مكروه.
ابن سهل: نزلت بقرطبة أيام ابن يبقي في أم ولد أثبتت أن سيدها غاب عنها منذ ثلاثة أعوام وأنها ضائعة ليس لها ما تنفق منه، فأتى ابن عتاب: يتلوم له شهر ونحوه وتعتق، وطول مدة الغيبة ثلاثة أعوام يسقط عنها الحلف أنه ما خلف لها ما تنفق منه، ولقول أشهب: من عجز عن نفقة أم ولده استحسنا أنها كالزوجة إن لم يقم بأمرها ولم يكن شيء مثله يستعمل فيه بما يكفيها تلوم له شهر وعتقت عليه، وأفتى ابن القطان: لا تعتق وتبقى حتى يقدم سيدها أو يثبت موته أو ينقضي تعميره، هذا الذي أراه على أصول ابن القاسم، ونزلت وأفتى فيها القاضي القرشي بإشبيلية أنها تعتق وخولف.
ابن سهل: الصواب عتقها وإن كان ابن العطار قال: لا تعتق وتسعى لنفسها، قال لي ابن عتاب: وتعتد بعد عتقها بحيضة ولا يمين عليها لطول أمد المغيب بخلاف الحرة.
الصقلي: عن بعض القرويين: إن لم يكن في خدمة المدبر ما يكفيه في نفقته وأعسر السيد بها عتق عليه، والله تعالى أعلم.