الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن شهد رجلان كل منهما لصاحبه بعشرة دنانير، على رجل عن مجلس واحد؛ جازت شهادتهما إن كانا عدلين.
ابن رشد: فى صحة شهادة الشهود لمن شهدوا له فى مجلس واحد وسقوطها.
ثالثها: إن كانت على رجلين، وإن كانت عن مجلسين؛ جازت على رجلين.
وفى جوازها على رجل واحد؛ فعلى قولين، ومضى الخلاف فى هذه مسألة فى نوازل سحنون.
اللخمى عن الأخوين: إن كانت على رجل واحد فى مجلس واحد؛ لم يجز؛ وإن كانت شيئا بعد شئ؛ جازت، ولو تقاربا ما بين الشهادتين، وإن كانت على رجلين؛ جازت، ولو كانت عن مجلس واحد، وأرى رد جميعها، ولو كانت على رجلين فى مجلسين لفظا، أو بكتاب لتهمتهما إلا أن يطول ما بينهما.
المازرى: إن شهد رجلان بدين على رجل لرجلين شهدا لهما بدين عليه عن مجلسين؛ جازت ولو تقاربا، وإن كانت عن مجلس واحد؛ ففى سقوطهما نص قول الأخوين، وظاهر قول أصبغ، ثم اختيار اللخمى، ولم يتعقبه.
[باب فيما تثبت به الحرابة]
وفيها: وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولا؛ إذ لا سبيل إلى غير ذلك شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن شهد مسلوبان على أن هؤلاء سلبونا هذه الثياب والدواب، وهى بأيديهم أقيم عليهم الحد بشهادتهما؛ ولم يستحقوا المتاع، ولا
الدواب إلا بشهيدين سواهما.
ابن رشد: قيل: هذه مخالفة لما فيها؛ إذ لم يقل: إنه يحلف كل منهما مع شهادة صاحبه، ويستحق حقه على قياس قوله فى السرقة منها: أنه يقام على المحاربين الح، ويعطون المال بشهادة بعضهم لبعض، وقيل: ليست مخالفة لها.
ومعنى السماع: أنهما شريكان فى المتاع والدواب؛ فلذا سقطت شهادة أحدهما للآخر، وقيل: يستحقان الدواب والمتاع، وإن كانا شريكين فيهما، وهو الآتى على رواية مطرف فى أن شهادة شهيدين من المسلوبين على من سلبوهم جائزة فى الحد، والمال لأنفسهما ولأصحابهما؛ لأنها إذا جازت فى الحد؛ جازت فى المال لأنفسهما ولغيرهما؛ إذ لا تجوز بعض الشهادة، ويرد بعضها، وقيل: لا تجوز فى حد، ولا مال لغيرهما إذا لم تجز لأنفسهما؛ لأن من اتهم فى بعض شهادة؛ ردت كلها، وهو قول أصبغ.
قلت: كذا هو فى غير نسخة عزو ردها لأصبغ خلاف ما نقل عنه فى أول سماع القرينين: أنه يجوز منها ما لا تهمه فيه.
قال: وهو قوله فى نوازله: قال: ففى صحتها فى الحد والمال، ولو لأنفسهما، وردها فيهما، ولو بالمال لغيرهما، ثالثها: فى الحد والمال لغيرهما لا لأنفسهما لرواية مطرف، وقول أصبغ وابن القاسم مع روايته فيها، وعليه إن كانوا أربعة؛ قضى لاثنين منهما بشهادة الباقيين، وللباقيين بشهادة الآخرين، وإن كانا اثنين؛ قضى لكل منهما بشهادة صاحبه مع يمينه، ورابعها: لا يجوز فى ذلك أقل من أربعة تجوز فى الحد، وفى أموال الرفقة لا فى أموال الشهداء، هذا كله إن كان ما شهدوا به لأنفسهم كثيرا، وإن كان يسيرا لا يتهمون عليه؛ جازت لهم ولغيرهم لا يدخل فيه الاختلاف الذى فى الوصية لموضع الضرورة، ولو شهدوا عليهم بالسلب دون المال؛ جازت عليهم فى الحد، وفى بعضهم لبعض بعد ذلك فيما وجد بأيديهم من المال اتفاقا فيهما، وتقدم ما لسحنون فى نوازله فى أكرية السفن.
قلت: لم يعز الرابع، وعزاه ابن الحارث لابن الماجشون، والمغيرة، وابن دينار.
المازرى: معروف المذهب: أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة؛ صحت في غيره
كمن شهد بوصية بعتق ومال لرجل تبطل فى العتق، وتصح للرجل مع يمينه.
ابن الحاجب: وما الرفع؛ فكشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل خطأ.
ابن عبد السلام: أطلقوا القول برد هذه الشهادة مع أن الفقير لا يلزمه أداء شئ، والمقدار الذى يلزم الغنى أداؤه يسير جدا على ما يذكر فى موضعه، فتأمل هذا، وقابله بقول ابن المواز قبل هذا.
قلت: ظاهر قوله: إن هذا الفرع مقول لغير واحد من أهل المذهب، ولا أعرفه إلا للمازرى، ووجيز الغزالى، وإياه تبع ابن شاس، والله أعلم، وما أشار إليه من مناقضته قول بقبول شهادة الشاهد لنفسه بيسير الدين كالوصية؛ يرد بأن فى الدين ضرورة ليست فى التجريح؛ لأن متعلق الشهادة فى التجريح، وهى الجرحة باق؛ فهو متيسر تحصيله ببينة أخرى، ومتعلق الشهادة بالدين؛ وهى عمارة الذمة متعسر بفوته بفوت وقته.
وسمع ابن القاسم: شهادة الرجل لرجل، وللشاهد على المشهود له حق؛ جائزة.
ابن القاسم: بلغنى عنه إن كان المشهود له موسرا؛ قبلت، وإلا لم تقبل؛ لأنه إنما شهد لنفسه.
قال سحنون: قال ابن القاسم: وكذا لو كان للمشهود له على الشاهد حق، إن كان مليا؛ جازت شهادته، وإن كان معدما؛ لو تجز.
ابن رشد: ما بلغ ابن القاسم من تفرقة مالك بين كون المشهود له مليا أو معدما، مفسر لما سمعه منه مجملا، وهذا إن كان الدين حالا أو قريب الحلول، وإن بعد؛ جازت شهادته، كما لو مليا وشهادته له فيما عدا الأموال جائزة، قاله بعض أهل النظر، وهو صحيح، وأما إن كان الدين للمشهود له على الشاهد؛ ففى سماع زونان لأشهب جوازه كان مليا أو معدما خلاف قول ابن القاسم فى هذا السماع؛ يريد: والدين حال أو قريب الحلول؛ لأنه يتهم على أن يوسع له فى الدين ويؤخره به، كانت شهادته له بمال أو غير مال، ولم ير أشهب هذه تهمة فى العدل، وإن كان الدين للشاهد على المشهود له أو بالعكس؛ لم يقدح في الشهادة.
الباجي: إن كان للمشهود له على الشاهد دين، فإن كان غنيا؛ قبلت، وإن كان فقيرا؛ ردت، قاله ابن القاسم وأشهب والأخوان قالا: لأنه كأسير بيده، وهذا إن كان الدين حالا، أو قريب الحلول، وإن بعد أجله؛ جازت على قول سحنون، وردت على قول ابن وهب، ومعنى الغنى عندى فى هذه المسألة: أن لا يستضر بإزالة هذا المال عنه، ولو كان عنده كفافه؛ فالضرر يلحقه بتعجيله منه فترد به شهادته، قال: وشهادة عامل القراض لربه.
قال سحنون فى العتبية وغيرها: جائزة إن كان شغل المال فى سلع، وإن كان غنيا؛ ردت.
سمع عبد الملك بن الحسن ابن وهب: إن كان غنيا؛ قبلت وإلا ردت.
ابن زوقون لابن القاسم وأشهب فى العتبية: جوازها مطلقا، ولو كان معدما، وفى شهادة رب المال له الثلاثة الأقوال.
ابن رشد: فى آخر سماع ابن القاسم فى جواز شهادة كا منهما للآخر: ولو كان العامل معدما ثالثها: إن كان شغل المال فى سلع لظاهر قول أشهب وسماع أصبغ.
ابن القاسم: والآتى على قول ابن وهب، والآتى على قول سحنون.
****: تهمة الحب لأصل أو عارض:
الشيخ: روى ابن نافع: يدخل فى قول عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، شهادة الأبوين، والولد، وأحد الزوجين للآخر.
ابن الماجشون: لا خلاف فى هؤلاء عند أصحابنا، ومنهم الجد، وفى إجماع ابن القطان: النكث، لا تجوز شهادة الوالد لولده، وبه قال فقهاء الأمصار، وعن عمر رضي الله عنه جواز ذلك، وقاله داود.
المازرى: ولا تجوز شهادة الأب، وإن علا لولده، ولو سفل، كان جدا من قبل الأب أو الأم، ولا شهادة بنى بنيهم لهم، وهو مشهور مذهب الشافعى.
وروى عن عمر قبول شهادة الأب لولده والولد لأبيه، وقاله شريح، والمزنى وداود.
وذكر بعض متأخرى الشافعيَّة عن مالك قبول شهادة الولد لأبيه دون الأب لابنه، وهذه حكاية مستنكرة عند المالكية، وربما كانت وهمًا من ناقلها.
ابن سَحنون عنه: شهادة الولدين أن فلانًا شج أباهما، وهما مسلمان، والأب عبد أو مكاتب مسلما أو نصرانيَّا؛ ساقطة.
وكذا لو شهدا لأبيهما، وقد مات نصرانيَّا بدين على فلان، وترك ولدًا نصرانيَّا، وكذا لو شهدا أن أباهما العبد جنى على رجل جناية، أو أن سيده باعه أو أعطاه أحدًا.
ابن عبدوس عن سَحنون: وكذا شهادة ابن الملاعنة لمن نفاه.
ولابن رُشْد فى نوازل سَحنون من كتاب الأقضية الخلاف فى شهادة الأب عند ابنه والابن عنده، وشهادة كل منهما على شهادة صاحبه، وشهادة كل منهما على حكم صاحبه، وشهادة كل منهما مع شهادة صاحبه واحد، قيل: كل ذلك جائز، وهو قول سَحنون؛ لأجل إجازته شهادة الأب على قضاء ابنه بعد عزله، وإجازته شهادته عنده إلا أنه شرط كونه مبرزًا، وهو تفسير لقوله فى سائر المسائل الأربعة، وهو قول مُطَرَّف؛ لإجازته شهادة كل منهما مع شهادة صاحبه، وشهادته على قضائه بعد عزله، وشهادته على شهادته بكذا شهادته عنده، وقيل: ذلك غير جائز، وهو قول أَصْبَغ؛ لمنعه شهادة كل منهما على شهادة صاحبه، وهو الآتى على مذهبه فى سائر المسائا المذكورة.
وفرق ابن الماجِشُون بين شهادة كل واحد منهما مع صاحبه، وشهادته على شهادته، وبين شهادته على حكمه بعد عزله؛ فأجاز شهادته مع شهادته، ولم يتهم الآخر منهما على إرادته إتمام شهاته ابنه أو أبيه، ولا على إرادة إخفاء شهادته، ولم تجز شهادته على حكمه بعد عزله، وهو تناقض، وتعديل أحدهما الآخر؛ ولم يجزه أحد من أصحاب مالك إلا ابن الماجِشُون قال: إن لم يكن التعديل نزعه، وليس له قام؛ وإنما نزعه، وقام به إحياء شهادته؛ فلا بأس أن يصفه بالذى تتم به شهادته من عدالته، وفيه بعد.
قُلتُ: وما أدركت قاضيًا حفظه من تقديم ولده أو قريبه إلا قاضيًا واحدًا جعلنا الله من علم الحق وعمل به.
ابن عات لبعض شُيُوخ الشورى بقرطبة: شهادة الأخوين فى حق واحد لرجل
جائزة، وليسا كالابن مع أبيه.
وفيها: لا تجوز لأحد الزوجين على صاحبه.
زاد فى كتاب سحنون: كان المشهود له حرا أو عبدا أو مكاتبا.
المازرى: ومنعها بينهما عام فى المال وغيره.
فيها مع غيرها: إن شهد لأمه بالعتق زوجها، ورجل أجنبى؛ لم تجز شهادتهما.
المازرى: إذا ردت شهادته؛ ففى جواز وطئه إياها قولان، ولو كان عبدا؛ لكان ولها فراقه لإقراره بحريتها، ولو رضيت بالبقاء؛ فهل يمكن من وطئها قولان، بناء على اعتبار لغو شهادته، وخوف إرقاق ولده، وعلى الأول قال بعض الشيوخ: ينبغى أن يستبرئها؛ ليفرق بين ولده الرقيق والعتيق.
ولأصبغ فى نوازله: من ثبتت شهادته عند قاض لامرأة؛ فلم يحكم بها حتى تزوجها الشاهد؛ لو تبطل شهادته، وأخبرنا بعض شيوخنا القضاة فى دراسه عند ذكر هذه المسألة: أن بعض شيوخ المفتيين المحصلين المشهورين كان وقف عن الشهادة بتونس بسبب أنه شهد فى استرعاء لامرأة بحق، ثم تزوجها، وفهمنا عنه بذكره ذلك زجر الطالب عن ترك التحفظ، ولو وافق بتركه قولا منصوصا فى مذهبه.
ابن شاس: قال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يجيزون شهادة الأب، والابن، والزوج، والزوجة على أنه وكل فلانا، ولا يجوز على أن فىنا وكله.
قلت: وفى اختصار الواضحة لأصبغ عن ابن القاسم: تجوز شهادة الأب لابنه على أنه وكل غيره لا على أن غيره وكله.
وفى شفعتها: ومن لا تجوز شهادته من القرابة لقريبه؛ لا يجوز أن يشهد له أن فلانا وكله على شئ، ويجوز أن يشهد عليه أنه وكل غيره.
عياض: هذا إن كانت شهادته عليه لا له، مثل أن ينكر التوكيل، أو يكون القائم به غيره لمنفعته لا لحقه هو، ومتى كان هو القائم بذلك لحق له أو لغيره؛ لم تجز.
قلت: ونحوه نقل الشيخ عن ابن سحنون عنه: لا تجوز شهادة ابنين على أبيهما أنه باع ثوبا من فلان، وفلان محجوز، ولو جحد الأب وادعاه فلان؛ جازت بذلك.
وشهادة الأخ لأخيه بالمال: قال الباجى: إن كان الشاهد فى إنفاق المشهود أو يتكرر عليه معروفه؛ لم يجز شهادته له، وإلا ففى جوازها مطلقا، وإن كان مبررا، أو إن لم تنله صلته، رابعها: فى اليسير مطلقا.
وفى الكثير شرط التبريز: وخامسها: فى غير الربع المتهم يجره إليه أو إلى ابنه، كحبس مرجعه إلى بنيه؛ لرواية الأخوين مع رواية ابن القاسم، فى الموازية والمجموعة، وذكر المازرى خمسة منعها مطلقا، والثلاثة الأول، وخامسها فى اليسير دون الكثير لابن كنانة، وعزا الثالث لها كابن رشد: والثانى عزاه ابن حارث لسماع ابن نافع، وعزا ابن رشد الأول لرواية ابن وهب، قال: ولم يفرقوا بين كون الأب الذى به اخوتهما حيا أو ميتا، والآتى على قول ابن القاسم فى منع شهادة الرجل لزوجة ابنه، أو زوجة أبيه، أو لابن زوجته، أو لأبيها منعها لأخيها إن كن من به أخوتهما حيا أو أحدهما.
قلت: فالأقوال ثمانية: خمسة الباجى، وقولا ابن ناف وابن كنانة، ومخرج ابن رشد قائلا: لا خلاف فى جوازها فى الحقوق والأموال، إن لم يكن الشاهد فى عيال المشهود له.
اللخمى: لا تجوز له بحال فيما تدرك فيه الحمية والغضب، ولا إن كان إنفاق المشهود له، وفى عكسه خلاف تقدم إلا أن تكون نفقته عليه؛ لئلا تدركه معرة ضعته، ولا بإنكاحه امرأة يتشرف بمثلها، أو تعلقت نفسه بها أو موسرة، والمشهود له فقير، فإن عريت من هذه التهم، جرت على خلاف ابن رشد.
أجازها ابن القاسم له فى النكاح، ومنعها سحنون: إن نكح إلى من يتزين بنكاحه إليهم.
وفى كونه تفسيرا لقول ابن القاسم، أو خلافا، قولا ابن دحون وغيره، وليس بصحيح.
وجراح الخطأ وقتله كالمال: وفى لغوها فى جراح العمد وصحتها نقلا اللخمى عن معروف المذهب، وأشهب مع الموازية، وقول أصبغ هذا أحب إلى، وفيه اختلاف.
ابن رشد على سماع زونان: أشهب: تجوز فى جراح العمد، تجوز فى قتله والحدود.
اللخمى: لا تجوز فى أن فلانا قذفه، وفى كل ما تمتنع شهادته فيه له، بمنه تعديله من شهد له بذلك، وتجريحه من جرح شاهده، وتجريح من شهد عليه بما يؤدى إلى عقوبة الأخ.
ابن رشد: فى صحة تعديله إياه، ونفى التجريح عنه ومنعها ثالثها: يعدله ولا يجرح ومن جرحه؛ لظاهر قول ابن القاسم مع ظاهر قول الأخوين، وابن نافع مع أصبغ وأحد قولى ابن الماجشون، واختيار ابن حبيب هذا إن جرحه بالإسفاه، وبالعداوة يصح أن يجرح من جرحه، قاله سحنون فى نوازله، وهو صحيح على القول بجوار تعديله.
شهادة الصديق الملاطف: الذى تحت إنفاق من شهد له لغو، وإن لم يكن تحت إنفاقه، فطرق الباجى فى صحة شهادة الصديق الملاطف الذى يناله معروف من شهد له روايتان، وجه القبول: أن الغنى ذا المعروف لو لم يقبل له إلا شهادة من لا يناله معروفه؛ لردت له شهادات كثيرة، واقتضى ذلك منعه معروفه.
اللخمى: قال مالك: شهادة الصديق جائزة إن كان لا يناله معروفه ولا صلته.
وقال ابن كنانة: تجوز فى اليسير، ولا تجوز شهادة الملاطف للملاطف بمال، ولا غيره، وتجوز شهادة الملاطف للملاطف فى المال وغيره.
المازرى: مشهور المذهب قبول شهادته لصديقه إن كان ليس فى نفقته، ولا يشتمل عليه بره وصله، ثم ذكر قول ابن كنانة، ولم يتعرض لتفرقة اللخمى بين اسم الفاعل والمفعول فى الملاطف.
المتيطى: أجاز مالك شهادة الرجل لصديقه الملاطف، وإن ناله معروفه، ومنع منه فى رواية أخرى، وذكر قول ابن كنانة.
ولابن رشد فى أول سماع ابن القاسم: يشترط التبريز فى العدالة على مذهب ابن القاسم فيمن سئل فى مرضه شهادة؛ لتنقل عنه، فقال: لا أعلمها، ثم شهد بها، واعتذر بأنه خشى فى مرضه عدم تثبه فيها، ومن زاد فى شهادته أو نقص بعد أدائها، وشهادة
الأخ لأخيه، والأجير لمن استأجره إن لم يكن فى عياله، أو شهادة المولى لمن أعتقه، وشهادة الصديق الملاطف لصديقه، وشهادة الشريك المفاوض لشريكه فى غير مال المفاوضة.
اللخمى لابن القاسم فى العتبية: لا تجوز شهادة الرجل لزوج ابنته، ولا لزوجة ولده.
ولابن كنانة: لا تجوز فى امرأته، ولا لزوجة ولده إلا فى اليسير.
ولسحنون: تجوز لزوج ابنته، ولأبويه، ولابن امرأته ولأبويها، إلا أن تكون الزوجة؛ ألزم السلطان ولدها النفقة عليها لفقر الزوج، ووقف الشهادة فى جميعها أحسن إلا فى المبرز المنقطع فى الصلاح والخير، فتستحق فى أبوى امرأته، وأبوى زوج ابنته.
المازرى: حاصل هذا النوع أن ما تعلقت به الشهادة بالذات، وهو المضاف للمضاف للشاهد لا تهمة فيه على الشاهد من حيث ذاته، وتلحقه المعرة من حيث إضافته للمضاف للشاهد.
ففى قبول الشهادة فيه وردها: قولا سحنون وابن القاسم بناء على اعتبار تعلق الشهادة من حيث ذات المشهود له، أو من حيث إضافته للمضاف للشاهد.
ولابن رشد فى أول سماع ابن القاسن قوله: لا تجوز لابن زوجته، ولا لأبيها، ولا لزوجة ابنه، ولا لزوجة أبيه خلاف قول سحنون حسبما يأتى من اختلافهما فى سماع عيسى.
قلت: قول سحنون فى سماع عيسى هو ما تقدم للخمى عنه.
قال ابن رشد فيه: أما شهادته لابن وزج ابنته وأبويه؛ فلا يخالف ابن القاسم سحنون فى جوازهما لهم؛ لبعد التهمة، وإنما يخالفه فيما تقدم.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا تجوز شهادة الأب لابنه الصغير، أو السفيه على كبير؛ لتهمته بالجر لنفسه لمكان الذى فى حجزه وولايته، وإن شهد لكبير على صغير، أو لكبير على كبير؛ جازت إن كان عدلا، إلا أن يكون المشهود له ممن يتهم عليه؛ لانقطاع
منه إليه، والأثر له على غيره، وليس بمنزلته، أو عرف بفوته للمشهود له دون الآخر؛ فلا يجوز، ولسحنون عن ابن القاسم مثله.
وقال سحنون: لا تجوز شهادة الأب لابنه على حال، ولو لكبير على صغير.
ابن رشد: منعها لصغير أو سفيه على كبير، أو لمن له إليه انقطاع، أو على من بينه وبينه عداوة من بنيه متفق عليه.
وفى وفى **** لكبير على كبير، وعلى من فى حجره من صغير أو سفيه، ولمن فى حجره منهما على من فى حجره منهما:
قولا ابن القاسم وسحنون، ولابن عبدوس عنه جوازها، ورجع فى كتاب ابنه لمنعها.
اللخمى: منعها سحنون، ولو كانت لعاق على بار قال: لما جاء فى السنة من منع شهادة الأب لابنه، وقول ابن القاسم أحسن، ولا ترد شهادة العدل إلا لتهمة.
ابن رشد: ولا تجوز لولده على ولد ولده، وفى العكس جائزة اتفاقا.
فيهما: وله فى أول سماع أشهب فى شهادة الولد لأحد أبويه تفصيل.
قال فى هذا السماع: لا تجوز إلا فى اليسير إن كان عدلا منقطعا فى الصلاح جدا.
ولابن عبدوس عن ابن نافع: شهادته لأحد أبويه على الآخر جائزة، إلا أن يكون فى ولاية الأب، أو يكون الأب تزوج على أمه فأغارها، فيتهم أنه غضب لأمه؛ فلا تجوز.
قلت: كذا هو فى النوادر، وهذا على أن الولاية لا تمنع العدالة فى الشهادة قال: ولو شهد لأبيه على ولده أو لولده، وليس فى حجره على أبيه؛ لتخرج على الخلاف فى شهادته لأحد أبويه على الآخر، ولو شهد لأبيه على جده، أو لولده على ولد ولده؛ لانبغى ردها قولا واحدا.
وسمع عيسى ابن القاسم: شهادة الابن على أبيه بطلاق أمه، أو غيرها، وأمه ميتة جائزة إلا أن تكون عداوة.
سحنون: إن شهد بطلاق أمه، وهى طالبه للفراق؛ لم تجز، وإ كانت منكرة؛
جازت.
وقاله أصبغ ابن رشد: قول سحنون وأصبغ تفسير لقول ابن القاسم قال: وتحصيل شهادة الابن على أبيه بطلاقه أن شهادته عليه بطلاق أمه جائزة إلا أن تكون طالبة للطلاق، وبطلاق غير أمه جائزة إن كانت أمه ميتة، وغير جائزة إن كانت حية فى عصمته إلا أن تكون المرأة هى الطالبة للطلاق، والنظر عندى أن لا تجوز بطلاقها، وإن كانت طالبة للفراق، إن كانت أمه فى عصمته، وإن كانت حية فى غير عصمته؛ ففى شرط جوازها بكون المرأة طالبة للطلاق وجوازها مطلقا، وقول ابن القاسم فى هذا السماع مع الأخوين وأصبغ قال بعض أهل النظر على قول ابن القاسم فى هذه المسألة: لو شهد على أبيه بطلاق زوجتيه إحداهما أمه، والأم غير طالبه للطلاق، والأخر طالبة؛ جازت فيهما كانت شهادته مفترقة أو مجتمعة، ومقابله ساقطة فيهما، كانت مجتمعة أو مفترقة؛ لتهمته فى أمه بأن يشهد لها بما ترغب، وفى ضرتها بأن يشهد عليها بما تكره طلبا لرضى أمع، وإن كرهتا معا الطلاق؛ لم تجز إن كانت الشهادة واحدة؛ لسقوطها فى غير أمه؛ لتهمته بسبب أمه، وفى أمه باتهامه.
فى بعض الشهادة: وإن كانت الشهادة متفرقة؛ جازت فى أمه لا فى الأخرى، وإن كانتا طالبتين للفراق؛ بطلت إن كانت الشهادة واحدة؛ لسقوطها فى الأم بالتهمة، وفى الأخرى باتهامه فى بعض الشهادة، وإن كانت متفرقة؛ جازت فى غير أمه، فتطلق إن كان معه غيره، ويحلف أبوه إن لم يكن معه غيره، وتسقط لأمه؛ لأنه شاهد لها بما تطلبه.
قلت: قوله: والنظر عندى إلخ هـ؛ يقتضى أن ما اختاره لم يعرفه لمتقدم قبله نصا.
وقال اللخمى: إن قامت غير الأم بشهادة الولدين؛ والأم فى عصمة الأب، فأجازها أصبغ، ومنعها سحنون بعد أن أجازها، والقياس منعها كانت الأم فى عصمة الأب أو لا، حية أو ميتة؟ كانت الأجنبية منكرة أو قائمة بالشهادة لجرى العادة بالعداوة والبغضاء بين المرأة وربيبها، وإن كانت شابة؛ كان أبين؛ لأنه يخشى ما يكون من ولد يشاركه فى الإرث، أو يميل ماله إليها.
الشيخ لابن سحنون عنه: تجوز شهادته لامرأة طلقها، ولو كان له منها ولد، ولا
تجوز تزكيته إياها.
ولابن عبدوس عنه: إن كان مليا، ولا حاجة بولده لأمه؛ جازت إن كان عدلا، وإن كان عديما، وولده فى نفقة الأم، لم تجز، ونقلهما المازرى قولين غير معزومين.
الشيخ لابن عبدوس عن سحنون: لا تجوز لابن الملاعنة لمن نفاه.
قلت: مفهوم بعض ما تقدم من الروايات جوازها، الرابع: عداوة الشاهد للمشهود عليه معتبرة فى المانعية اتفاقا.
الشيخ فى المجموعة: وشهادة العدو على عدو أحب إلى طرحها.
زاد فى كتاب ابن سحنون: وهو مصارم له، ولو كان عدلا فى جميع الأمور.
وفى كافى ابن عبد البر: لا تجوز شهادة عدو على عدوه مصارما كان له أو غير مصارم.
وفى نوازل سحنون: إن كانت العداوة بين الشاهد والمشهود عليه فى أمر الدنيا فى الأموال والمواريث والتجارة ونحوها؛ سقطت شهادته عنه، وإن كانت غضبا لله لفسقه، وجرأته على الله لغير ذلك؛ لم تسقط.
ابن رشد: قوله مفسر لجميع الروايات؛ ولذلك لم تسقط شهادة القاضى على من أقام عليه حدا، أو ضربه فى أمر يوجب ضربه حسبما مضى فى سماع يحيى.
قلت: زاد فيه عن أصبغ: لو شهد المضروب عند وال غير الذى ضربه، فأعلمه ضاربه أنه غير عدل؛ لأنه ضربه حدا من حدود الله؛ سقطت شهادته بقوله وحده، وأما بعد عزله؛ فلا تجوز شهادته بجرحته بذلك؛ لأنه يريد أن ينفذ حكمه عليه بشهادته.
وقول أصبغ هذا نحو قول ابن الماجشون فى كتاب القاضى لقاض بعديل الشاهد من أهل عمله، معارض لرواية أصبغ عن ابن القاسم فى الأقضية.
المازرى: قال ابن كنانة: إن كانت العداوة خفيفة على أمر خفيف؛ لو تبطل الشهادة.
اللخمى لابن سحنون عنه: إن كانت العداوة غضبا لله لجرمه وفسقه؛ فالشهادة جائزة؛ لأنا نشهد على أهل البدع والملل وهذا حسن، إذا لم يعلم من الآخر عند
مهاجرته مقابحة بقول أو فعل، وعبر عنه المازرى بقوله: لكون من عودى أفرط فى إذاية معاديه، والوقيعة فيه، حتى صار المعادى يجب الانتصار لنفسه، ويحمله ذلك على قبول الباطل، فإن هذا يصير العداوة من الجانبين ليست من أسباب الدنيا.
ولسحنون: إن شهد رجل آخر، فبعد نحو شهرين، شهد المشهود عليه على الشاهد؛ لم تقبل شهادته عليه، فرأى أن الشهادة الأولى توجب عداوة فى نفس المشهود عليه، والشاهد الأول لم يبد منه ما يدل على العداوة؛ لكنه بدا من الثانى ما يستدل به عليها فى حق نفسه؛ فلذا ردت شهادته، وما قاله على الإطلاق قد يتعقب، ولا بد من اعتبار دين الشاهدين، وبروزهما فى العدالة، وكون الشهادة الأولى لم تقع بما يوجب حقدا؛ لاحتقار ما شهد به الشاهد الأول
قال ابن الحاجب إثر نقله رد الشهادة: لعداوة فى أمر دنيوى.
قال سحنون: ومثله لو شهد المشهود عليه على الشاهد، وهو فى خصومته.
عارض ابن عبد السلام مفهوم قوله: وهو فى خصومته بما تقدم للمازرى عن سحنون فى مسألة الشهرين، وما نقله ابن الحاجب عن سحنون لا أعرفه لغيره، ونقل المازرى كاللخمى.
قال ابن رشد فى أول سماع القرينين فى إيجاب مجرد الخصومة: ولو فى قليل سقوط شهادة أحدهما على الآخر، ولو بعد طول ما لم يصطلحا، وصحتها بينهما بعد الخصومة فى غير الأمر الجسيم، الذى يورث حقدا وعداوة وما تخاصما فيه.
ثالثها: يجوز بعدها مطلقا، ولو لم يصطلحا ما لم يقع بينهما فيها مشاتمة لهذا السماع وابن كنانة وغيره، وهو قول يحيى بن سعيد فى نوازله.
قلت: هو فيها من نقل ابن وهب عنه، وسياقه يدل على أنه قائل به.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من شهد على عدوه، وله شهادتين مفترفتين؛ جازت له لا عليه، وإن كانت شهادة واحدة؛ سقطت فيهما. انتهى.
ابن رشد: هذا على المشهور فى بطلان كل الشهادة ببطلان بعضها للتهمة، خلاف قول أصبغ فى نوازله: يجوز منها ما لا تهمة فيه.
ابن عات: قال الشعباني: تقبل شهادة القراء فى كل شئ، لا شهادة بعضهم على بعض؛ لأنهم يتحاسدون كالضرائر، والحسود ظالم لا تقبل شهادته على من يحسده.
المتيطى فى المبسوطة: لابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ يعنى العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسدا، وقاله سفيان الثورى، ومالك بن دينار.
قلت: العمل على خلاف ذلك، وشهادة ذوى القبول منهم مقبولة بينهم كغيرهم، ولعل قول ابن وهب فيمن ثبت تحاسد بينهم.
وفى نوازل أصبغ: من شهد لرجل على آخر، والمشهود عليه قائم يسمع، فلما فرغ من شهادته تحول للمشهود عليه، فقال له والقاضى يسمع: إنك تشتمنى، وتشبهنى بالمجانين وتهددنى، وشبه ذلك شهادته إلا بعداوة قديمة.
ابن رشد له الثمانية: إن قاله على وجه الشكوى والاستنهاء من الأذى لا على وجه طلب خصومة، ولا سيما الشتمة؛ فلا أراه شيئا، وإن سمى الشتمة، وهى مما فى مثلها الخصومة، أو كان ذلك منه على وجه الطلب لخصومته، وإن لم يسم المشاتمة؛ فشهادته ساقطة، وهو مفسر لقوله هنا.
ولابن الماجشون فى الثمانية: تبطل شهادته بهذا القول؛ لأنه أخبر أنه عدوه قال: ولو قال ما هو أدنى من هذا؛ سقطت شهادته، وقول ابن الماجشون أصوب.
قلت: لم يحك اللخمى غير قول أصبغ فى العتبية، وقال: وطرجها أحسن إلا أن يكون مبرزا فى حاله بعيد التغير عند الأذى؛ فذلك أخف، واختلف فيمن كانت له عنده شهادة، كان يذكرها على رجل، ثم عاداه، واحتيج للقيام بها، وقبولها هنا أخف إذا كانت قيدت، ونحوه قول المازرى اختلف المذهب فى شهادة العدو على عدوه، إن سمعت منه قبل زمن العداوة.
وقول اللخمى: قيدت أخص من قول المازرى: سمعت.
وسمع ابن القاسم: من شهد على رجل بينه وبينه عداوة، فاحتاج أهل الشهادة إليها؛ فليشهد عليه، ويخبر مع شاهده بعداوته إياه، ولا يكتم ذلك.
ابن رشد: مثله فى سماع عيسى خلاف سحنون ونوازله، وأصح القولين: أنه
لا يخبر بعداوته إياه؛ لأنه يبطل بذلك حقا يعلم صحته.
وفى نوازل سحنون عنه: قال ابن وهب: بلغنى عن يحيى بن سعيد أنه قال: من كانت بينهما عداوة، ثم اصطلحا بعد ذلك؛ جازت شهادة كل واحد منهما على صاحبة.
ابن رشد فى سماع القرينين: وقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ: وذلك إذا طال الأمر، واستحق الصلح، وظهرت براءتهما من دخل العداوة؛ لتهمته إذا شهد عليه بقرب صلحه أنه إنما صالحه؛ ليشهد عليه.
قلت: لم يحك جوازها بعد الصلح مطلقا إلا عن يحيى بن سعيد، والأولى عزوه للموازية لقول الشيخ فى الموازية: كل من كان بينهما عداوة، وهجرة ومصارمة، ثم اصطلحا؛ فشهادة أحدهما على الآخر جائزة.
وسمع القرينان: إن مكث المتخاصمان بعد خصومتهما سنين إن كان أمرهما صار إلى سلامة وصلح؛ فشهادة أحدهما على صاحبة جائزة.
ابن رشد: ظاهره: أن مجرد الخصومة، ولو فى قليل؛ يوجب العداوة بين المتخاصمينو ومثله فى سماع سحنون، ونوازل أصبغ: ولو سلم كل واحد منهما على صاحبه، ولم يعودا إلى ما كانا عليه قبل المخاصمة من التكلم؛ لم تجز شهادة أحدهما على صاحبه، ولم يخرجه ذلك من الهجران إذا لم يكن مؤذيا له على ما فى رسم باع شاة من سماع عيسى.
وقال الأخوان: إذا لم يكن بينهما خاصا؛ خرج بالسلام عن الهجرة، وجاز عليه شهادته إن ترك كلامه.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن أخذ صاحب السوق سكرانا فسجنه، وشهد عليه هو وآخر؛ لم تجز شهادته عليه؛ لأنه صار خصما حين سجنه، ولو رفعه لغيره قبل أن يسجنه؛ جازت شهادته.
ابن رشد: إنما جازت شهادته عليه، وإن رفعه ما لم يسجنه؛ لأن ما فعل من رفعه، وأخذه لازم له؛ لأنه موكل بالمصلحة؛ لأنه صاحب السوق، ولو لم يكن صاحب السوق يأخذ سكرانا، فرفعه إلى غيره؛ لم تجز شهادته عليه على ما قال في المسألة
التي بعد.
قلت: هي قوله في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فتعلقوا به، وأتوا به إلى السلطان، وشهدوا عليه: لا تجوز شهادتهم، وهم قذفة.
ابن رشد: إنما لم تجز شهادتهم عليه؛ لأن فعلهم وتعلقهم به ورفعهم إياه لا يجب عليهم؛ بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، ولو كانوا أصحاب شرطة موكلين بتغيير المنكر ورفعه؛ جازت شهادتهم.
وللأخوين وأصبغ: إن شهد أربعة بالزنا على رجل؛ جازت شهادتهم، وإن كانوا هم القائمين به مجتمعين جاءوا أو مفترقين، إن كان افتراقهم قريبًا ببعضه من بعض؛ لأن قيامهم لحق الله، فلم يكونوا خصماء، ولو كانت شهادتهم فيما يستدام فيه التحريم كالطلاق والعتق؛ جازت شهادتهما، ولو كانا هما القائمان بذلك؛ لأن قيامهم متعين.
وقال بعض المتأخرين: لا تجوز على قول ابن القاسم في هذه المسألة؛ لأن كل من قام في حق يريد إتمامه، فيتهم أن يزيد في شهادته؛ ليتم ما قام به، وهو بعيد.
قلت: فشهادة من رفع من شهد عليه؛ لأنه مولى على ذلك مقبولة، وفي غير المولى عليه، ثالثها: إن كان فيما يستدام تحريمه للأخوين، وبعض المتأخرين على قياس قول ابن القاسم فيما لا يستدام تحريمه.
وابن رشد: محتجًا بأن القيام به متعين عليهما.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن شهد شاهدان على صبي يجرحه إنساناً، وهما عدوان لوصيه، أو شهدا بدين على الميت؛ جازت شهادتهما، وشهادتهما على من هما عدو أبيه ساقطة، ولو كان مثل أبي شريح، وسليمان بن القاسم، ونقل ابن شاس، وابن الحاجب قول ابن القاسم هذا، ولم يتعرض شارحاه، ولا ابن رشد للتعريف بهذين الشيخين، فنظرت في رجال الصفوة، فلم أجدهما فيه، ولم يذكرهما أبو نعيم في «الحلية» ، ثم وجدت في اختصار رجال «تهذيب الكمال» للمزي يذكر في طبقة الثورى ومالك.
قال عبد الرحمن بن شريح: أبو شريح المعافري أخذ عن أبي قبيل، وأبي الزبير، روى عنه هانئ بن المتوكل، وابن وهب، وابن القاسم من الثقات، وللباجي في كتاب
سنن الصالحين قال: قال ابن القاسم: سمعت سليمان بن القاسم، وغيره ممن أثق به: بلغنى أن الرجل؛ يريد: أن يبلغ وجها من العبادة، فيمنعه الله إياها نظرا له، ولو بلغها كان فيها هلاكه.
قلت: فهما شيخان له.
ابن رشد: معنى إجازتها على الوصى إن لم يكن بيده مال يؤخذ منه دية الجرح، أو كانت ديته الثلث فصاعدا؛ لأنه ببلوغه الثلث على العاقلة؛ لأن عمد الصبى خطأ، ومعنى قبول شهادتهما بدين: أن المال لم يصل ليد الوصى، ولو كانت بعد وصوله له؛ ردت شهادتها؛ لتهمتهما على إخراج المال من يده، وقاله ابن حبيب عن الأخوين، وأصبغ؛ وهو تفسير لقول ابن القاسم.
قلت: قول اللخمى أجازها ابن القاسم ومنعها الأخوان؛ لأنه يخرج ما فى يد الصبى خلاف قول ابن رشد، وهو تفسير لقول ابن القاسم، ولا حارث؛ كاللخمى.
قلت: فى تفرقته بين وصوله وعدمه نظر؛ لأنه وإن لم يصل إليه متمكن من أخذه، وهذا إن كان الوصى ممن يمكن منه عادة تجره بمال اليتيم لنفسه لا لليتيم، ولو كان ممن يقتضى حاله التنزه من تجره به لنفسه، أو كان مال اليتيم ربعا ليس فى غلته، فضل يظن تجر الوصى به؛ لا نبغى قبول شهادتهما؛ لأنه حينئذ شهادة تنفع الموصى بالراحة من مؤنة حفظ المال والقيام به.
قال: وشهادته على ابن عدوه وأبيه بقتل أو حد؛ ساقطة اتفاقا.
وفى المال والجراح: ثالثها: فى الجراح لهذا السماع، ومحمد بن سحنون عن محمد بن رشيد وأبيه.
وفى المدارك: قال المالكى: محمد بنرشيد مولى عبد السلام بن الفرج الربعى؛ يكنى أبا زكرياء، كانت رحلته إلى الحجاز، وإلى ابن القاسم بمصر واحدة.
قال ابن سحنون: كان فقيها حسن البيان.
قال ابن الحارث: إذا تكلم ابن القاسم فى العلم أسرع ابن رشيد إلى فهمه، وكان سحنوه يتباطأ عنه غير أنه فهم رسيخ في قلبه.
قال ابن العرب: كان أهل الأندلس يسمعون منه أكثر مما يسمعون من سحنون، ثم رخص فى المعاملة بالعينة، فتركه كثير من الناس.
اللخمى: فى جوازها بمال، وما لا يلحق الأب معرة وردها مطلقا.
ثالثها: إن لم يكن فى ولاية أبيه.
ورابعها: إن مات الأب لمحمد، وابن القاسم قائلا ولو كان مثل أبى شريح، وسليمان بن القاسم، وأحد قولى ابن الماجشون وثانيهما.
الشيخ فى الموازية: تجوز شهادة العدو على ابن عدوه، وإن كان فى ولايته ما لم يكن بما عليه فيه حد أو عيب أوقتل؛ لأن فيه معرة للأب، وكذا الأم والجد، وأما الأخ وسائر القرابة؛ فبخلاف ذلك؛ ابن حارث اختلف فى منعها على أخى عدوه، لابن عبدوس فى منعه عليه قولا سنحون وابن الماجشون.
وسمع عيسى ابن القاسم: من هاجر رجلا، ثم بدا له، فسلم عليه، وهو مجتنب لكلامه، وإن كان مؤذيا له؛ فقد برئ من الشحناء.
ابن القاسم: فإن كان غير مؤذ له؛ لم يبرأ منها.
قلت: فهل تسقط شهادته عليه باعتزاله كلامه، وهو غير مؤذ له؟ قال: نعم. هـ.
ابن رشد: معنى قول مالك، وابن القاسم: إن المسلم يخرج من الشحناء إن كان المسلم عليه مؤذيا للذى ابتدأ بالسلام، ولا يضر البادئ بالسلام تركه كلام المؤذى، وإن كان المسلم عليه غير مؤذيا للبادئ بالسلام؛ فلا يخرج البادئ بالسلام بسلامه من الشحناء حتى يكلمه؛ إذ لا عذر له فى ترك كلامه، فإن كان مؤذيا له؛ جازت شهادته عليه إذا سلم عليه، وإن لم يكن مؤذيا؛ لم تجز شهادته عليه حتى يرجع لكلامه.
ولابن حبيب عن الأخوين: إن كان ما بينهما خاصا؛ لم يخرج من الهجران، ولم تجز شهادته عليه حتى يرجع إلى كلامه، وإن لم يكن ما بينهما خاصا؛ برئ من الهجران بالسلام، وإن لم يكلمه، وجازت شهادته عليه.
الشيخ فى المجموعة عن ابن كنانة: هجرة المتهاجرين إن كانت خفيفة، وقعت عن أمر خفيف؛ جازت شهادة أحدهما على الآخر، وأما المهاجرة الطويلة؛ فلا.
الشيخ عن محمد ابن عبد الحكم: تجريح العدو عدوه مردود، وتعديله إياه مقبول.
اللخمى: كل موضع ترد فيه شهادة الأخ لأخيه؛ رد فيه تعديله من شهد له، وتجريحه من جرح من شهد له، أو جرح من شهد عليه بما إذا ثبت أدى إلى عقوبة الأخ، أو حده، أو قتله.
وفى صحة تعديله أخاه؛ خلاف، ومنعه أصوب.
قلت: تقدم فى فصل شهادة الأخ أن فى تعديله قولا ابن القاسم وأشهب.
اللخمى: وهذا إذا شهد بما إن ردت شهادته؛ لم يعاقب، ولو كانت فيما إن ردت؛ حدا أو عوقب كشهادته بزنا أو غيره؛ لم تجز، ولا يجرح من جرح أخاه؛ لأنه يدفع به معرة بخلاف التعديل.
محمد: إن جرحه بهجرة أو عداوة؛ جاز؛ يريد: بخلاف الجرحة بالإسفاه.
محمد: ولا يجرح من جرح عمه، وأجاز بذلك فى الأخ وابن العم، وأرى أن لا يجوز تجريحه فى أخ، ولا عم ولا ابن عم، وإن كانت الجرحة بعداوة أو هجران؛ لأن رد شهادة الشاهد، وصم عليه، وهو مما تدرك فيه الحمية، ولأن رد شهادة الشاهد لعداوة؛ فهو لتهمته أنه شهد بزور لأجل ما بينهما.
ولابن رشد فى نوازل سحنون: قول سحنون: للشاهد أن يجرح من جرح أخاه بعداوة صحيح القول أنه يعدله، وعلى أنه لا يعدل لا يجرح من جرحه بعداوة، ولا بإسفاه، وقيل: يجرح من جرحه بعداوة، وإسفاه على القول أنه يعدله، وهو ينحو لقول من يجيز شهادته له فيما سوى الأموال مما فيه العصبية، والحمية كالقتل والحدود.
فقول سحنون هذا فى تفرقته بين أن يجرح من جرحه بعداوة، أو أسفاه قول ثالث؛ فلا يجوز على مذهبه لمن جرح أخوه بفسق، ولا عداوة أن يجرح من جرحه بعداوة، ويجوز لمن جرح أخوه بعداوة أن يجرح من جرحه بفسق وبعداوة، وله أن يجرح من جرح عمه بعداوة اتفاقا، وإنما يختلف فى تجريح من جرحه بإسفاه على قولين، وإنما الثلاثة الأقوال فى تجريح الرجل من جرح أخاه.
وقال ابن دحنون مفسرا لقول سحنون: إذا جرح عمك، أو أخوك بفسق؛ لم يجز
لك أن تجرح من جرحه بفسق، ويجوز أن تجرحه بعداوة، وإن جرح عمك أو أخوك بعداوة؛ جاز أن تجرح من جرحه بفسق وعداوة، وهو غير صحيح فى المعنى، فتدبره.
قال ابن الحاجب: ومن امتنعت له؛ امتنعت فى تزكية من شهد له، وتجريح من يشهد عليه، ومن امتنعت عليه؛ امتنعت فى العكس.
قلت: وأقل من شطر عدد كلماته قولنا: والتزكية فى كل شئ كشهادة به، والتجريح فيه؛ كشهادة بنقيضه، وعلة الجميع جر نفع، أو نفى ضرر.
الخامس: التهمة على إزالة نقص عرض، أو تخفيف معرة بمشارك فيها.
فيها: إن شهد صبى، أو عبد، أو نصرانى عند قاض، فردها لموانعهم؛ لم تجز بعد زوالها أبدا.
المازرى والشيخ لابن سحنون عنه: أجمع أصحابنا على أن الشهادة إذا ردت لظنه، أو تهمة، أو لمانع من قبولها، ثن زالت التهمة، أو الوجه المانع من قبولها أنها إن أعيدت؛ لم تقبل.
الصقلى لمحمد عنن أشهب: من قال لفلان: يشهد لى فلان العبد، أو النصرانى، أو الصبى فلان، فقال: لا أقبل شهادتهم، ثم زالت موانعهم؛ قبلت شهادتهم؛ لأن قوله ذلك فتيا لا رد.
وعن ابن القاسم: إن جهل القاضى، فأجاز شهادتهم فى شهادتهم الأولى نقض ما قضى به من شهادتهم، وإن أسلم الذمى، وعتق العبد، واحتلم الصبى وحسنت حالتهم؛ جازت شهادتهم.
قال بعض القرويين: وينبغى أن يعيدهم؛ ليشهدوا بها بعد العتق والإسلام، وقد قال ابن القاسم فى عبد حكم بشهادته يظن أنه حر، ثم علم بذلك بعد عتقه: أن الحكم الظاول يرد، ثم يقول بها الآن، فيشهدوا له.
وفى كتاب ابن سحنون عنه وعن مالك وأصحابه: إن شهد العبد والصبى والنصرانى عدولا على شهادتهم، ثم انتقلوا إلى حالة جواز شهاداتهم؛ أنها لا تقبل؛ لأنهم أشهدوا على شهاداتهم فى وقت لا تقبل فيه شهاداتهم.
الصقلي: ففي هذا دليل على أنهم إذا شهدوا فى الحالة الأولى، فلم ترد شهادتهم حتى زالت موانعهم، وحسنت حالهم؛ أنها لا تجوز حتى يعيدوا الشهادة الآن، وكذا العبد يحكم بشهادته لظن أنه حر، ثم يعتق لا بد من إعادة شهادته.
وفى نوازل سحنون: فى حر وعبد شهدا، وحكم الحاكم بشهاتهما، وجهل العبد، ولم يعلم به، حتى عتق العبد، وجازت شهادته؛ أعاد شهادته، ومضى الحكم بها؛ لأنها لم ترد أولا.
ابن رشد: هذا خلاف سماع أبى زيد من أن الحق يرد، ولا تقطع وهو أظهر؛ لأن الحكم بشهادة العبد خكم مردود، فإن أعاد شهادته بعد عتقه؛ اتهم فى أن يريد إجازة شهادته، التى قد وجب ردها، ونقض الحكم الذى وقع فيها وكل من حد فى قذف أو غيره وتاب؛ جازت شهادته فى غير ما حد فيه، وقاله ابن حارث فى القاذف اتفاقا.
وفى صحتها فيما حد فيه قذف أو غيره نقلا ابن رشد رواية ابن نافع مع رواية ابن عبد الحكم، وقول ابن كنانة وأصبغ فى الثمانية، وظاهر دياتها، وقول سحنون مع رواية الأخوين، وأصبغ فى الواضحة، والمازرى عن الأخوين لا عن روايتهما.
قلت: وعبر عنه أبو عمر بالمشهور.
الشيخ عن الأخوين المحدود فى الزنا يتوب؛ شهادته جائزة فى كل شئ إلا فى الزنا، والقذف، واللعان، وكذا المنبوذ؛ لا تجوز شهادته فى شئ من وجوه الزنا لا قذف ولا غيره، وإن كان عدلا.
وفى نوازل سحنون: من اقتص منه فى جناية؛ لم تجز شهادته فى مثل الجرح الذى اقتص منه.
ابن رشد: هذا شذوذ أغرق فيه القياس.
قلت للشيخ عن الواضحة: قال الأخوان: من قتل عمدا، فعفى عنه، ثم حسنت حاله؛ جازت شهادته إلا فى القتل.
وفى كتاب ابن سحنون: قيل لابن كنانة: من ضربه الإمام نكالا أينتظر فى قبول شهادته توبته؟ قال: ليس ما ينكل فيه سواء نكل ناس بالمدينة لهم حالة حسنة لشيء
أسرعوا فيه إلى ناس، وشهادتهم فى ذلك تقبل ليس لأحدهم فيه مغمز، ومن ليس بحسن الحال إلا أن شهادته تقبل، وليس بمشهور العدالة يأتى بما فيه النكال الشديد، فلينظر فى هذا؛ وإنما يعرف هذا عند نزوله، وأما الشتم ونحوه وهو فى غير ذلك يعرف بالصلاح؛ فلا ترد شهادته.
وفى
…
الزنا طريقان:
المازرى: لم يختلف المذهب فى رد شهادته فى الزنا، وقبولها فيما سوى ذلك مما لا تعلق له بالزنا، وفرق الأبهرى بين عدم قبول شهادته فى الزنا؛ وقبول شهادة من حد فيما حد فيه بأن معرة إتيان الكبيرة ترتفع بالتوبة والورع والعفاف، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومعرة ولد الزنا لازمة لا، لا ترفع عنه بشئ، وأشار بعض الأشياخ إلى ضعف هذا الاعتذار، ورأى أن ولد الزنا الذى لم يأت جرما أولى من قبول الشهادة من زان تاب، أو سارق صلح حاله، واختلف عندنا فى صحة ولايته القضاء، وعلى صحتها اختلف على يصح أن يحكم فى الزنا؟
ابن رشد: شهادة ولد الزنا فى الزنا.
وفى
…
الرجل عن أبيه
…
على الخلاف فيمن حد فى شئ هل تجوز شهادته فيه أم لا؟
والمشهور من قول ابن القاسم: أنها مردودة، وهو قوله فى سماع أبى زيد من هذا الكتاب، وسماع عيسى من كتاب الحدود، وظاهر ما فى ديات المدونة؛ أنها جائزة.
قلت: الصواب أخذ الجواز من قولها فى الديات، كما قاله ابن رشد لا مما قاله ابن عبد السلام قال: قال مالك فى كتاب الشهادات والمحدود: إذا ظهرت توبته، وحسنت حاله؛ جازت شهادته فى الحقوق والطلاق، والظاهر عموم الخقوق التى لله وللآدمى.
قلت: ظاهر عطف الطلاق على الحقوق أنها الآدمية؛ إذا لو كانت عامة فى الحقوق التى لله لما افتقر إلى ذكر الطلاق؛ ولذا لم يأخذه ابن رشد إلا من كتاب الديات مع تأخره عن كتاب الشهادات.
السادس: طن عدم استيفاء واجب التحمل، أو ترك القيام بها، الواجب دوام
محرم، أو الحرص على قبول الشهادة.
قال ابن رشد فى رسم باع شاة: شهادة المختفى لا خفاء فى ردها، على القول بلغو الشهادة على إقرار المقر دون قوله: اشهد على، وهو أحد قولى مالك فى المدونة، وقول ابن أبى حازم وابن الماجشون وروايته، ورواية محمد إلا أن يكون قذفا.
قلت: أو غيره من حقوق الله؛ وإنما اختلف فى شهادة المختفى من يجيز الشهادة على المقر دون قوله، اشهد على منعها سحنون مطلقا، ومنهم من كره له الاختفاء ليتحملها، وقبلها إن شهد بها وهم الأكثر، وهو ظاهر قول عيسى هنا خلاف قول ابن القاسم فى تفرقته بين من يخشى أن يخدع لضعفه وجهله بما يقر به على نفسه، وبين من يؤمن ذلك منه لنباهته ومعرفته بوجوه الإقرار على نفسه، ولو أنكر الضعيف الجاهل الإقرار جملة؛ لزمته الشهادة عليه، وإنما يصدق عنده مع يمينه إذا قال: إنما أقررت لوجه كذا مما يشبه.
قلت: للشيخ عن الموازية: قال مالك: من أقعد له شاهدان من وراء حجاب يشهدان عليه، إن كان ضعيفا أو مختدعا أو خائفا؛ لم يلزمهو وحلف ما أقر إلا لما يذكر، وإن كان على غير ذلك؛ لزمه، قيل: فمن لا يقر إلا خاليا، قال: أخاف أن يسمع جوابه بسؤال، ولعله يقول له فى سر: ما الذى لى عندك إن جئتك بكذا وكذا، فيقول: لك عندى كذا، فإن قدرت أن تحيط بسرهم؛ فجائز، ولابن كنانة: شهادة السر بذلك مقبولة، ويسر ما صنعوا حين دخلوا ذلك المدخل، وجعل المازرى، ومن تبعه علة رد شهادة المختفى، الحرص على التحمل بعيد.
وسمع عيسى ابن القاسم: من ترك القيام بشهادته فى عقار أو مال يراه بيد غير ربه يبيعه ويهبه ويحوله عن حاله، ثم يقوم بها؛ لم تقبل.
ابن رشد: قال الأخوان: إنما تسقط شهادته إذا لم يكن عند رب الحق؛ علم بذلك، ولو علم بعلمهم، ولم يقم بحقهم؛ لم يضرهم، وهذا تفسير لهذا السماع؛ لأنها إنما تبطل بترك إعلام رب ذلك بذلك، وكذا الشاهد الواحد، ففى إبطالها بذلك، وفيها يستدام تحريمه من حقوق الله من حرية وطلاق وشبهه
ثالثها: في حقوق الله لابن وهب مع ابن القاسم، والأكثر وظاهر قول أشهب في المبسوطة وسحنون، وهو أظهرها.
الشهادات خمسة أقسام:
الأول: علي الحاضر تبطل بترك إعلامه، لا بترك رفعها للسلطان.
قلت: إلا أن يكون ربها ممن هو إلي نظر السلطان؛ كاليتيم المهمل.
الثاني: ما يستدام تحريمه تبطل بترك رفعه للسلطان؛ إلا علي ظاهر قول أشهب.
الثالث: مال الغائب في بطلان الشهادة بعدم الرفع للسلطان، اختلاف بناء علي القول بأن السلطان يوكل من يقوم بحقه، وهو أحد قولي ابن الماجشون، وقول أصبغ خلاف قول مطرف.
الرابع: ما لا يلزم القيام بما فيه إذا لم يدع إليها؛ وهي الشهادة علي ما مضي من الحدود التي لا يتعلق بها حق لمخلوق؛ كالزنا، وشرب الخمر؛ لا يلزم القيام فيه، ويستحب ستره إلا في المشتهر، ولا تبطل بترك القيام به، وإن كان مشتهراً اتفاقاً.
قلت: في سرقتها: ولا يحل للبينة الكف عن لشهادة علي السرقة إذا رفع السارق إلي الإمام.
قال الخامس: ملا يوجوز القيام بها، ولو ادعي إليها، وهي التي يعلم من باطنها خلاف ما يوجب ظاهرها؛ كالرجل يأتي للعالم فيقول: حلفت بالطلاق أن لا أكلم فلانً، فكلمته بعد ذلك بهر؛ لأني كنت نويت أن لا أكلمه شهراً، فإن دعته امرأته؛ ليشهد لها بما أقر به عنده من حلفه بالطلاق أن لا يكلمه، وأ، هـ كلمه بعد شهر؛ لم يجز له أن يشهد عليه بذلك.
وفي المجموعة عن أصبغ: لابن القاسم في رجلين شهدا علي جل أنهما رأياه سكراناً، أو يسرق، فجرحاه بذلك في شهادة شهدها: فليقم عليه الحد، ولا يضرهما تأخير ذلك، وهو ستر ستراً عليه.
وسأل حبيب سحنوناً عمن أدخل من زقاق المسلمين بيتاً في داره، فلم يرفع ذلك الجيران للحاكم إلا
بعد عشرين سنة لا يشهدون به: فهي جرحة.
المازري: ورد الشهادة بتهمة الحرص علي قبولها ما قد قيل، إذا حلف الشاهد على صحة شهادته إن حلفه قادح فيها؛ لأن حلفه كالعلم على التعصب والحمية.
قال: واختلف إذا قاموا الشهود، وخاصموا في حقوق الله، فأسقط ابن القاسم شهادتهم؛ لأن خصامهم علم على شدة الحرص على إنفاذ شهادتهم، والحكم بها، وشدة الحرص على إنفاذها قد يحمل على تحريفها أو زيادة فيها.
وقال مطرف: شهادتهم تامة؛ لأنه في أمور الآخرة، وقد قدمنا أن العداوة في حق الله لا تؤثر في الشهادة، وذكر الباجي في قول عمر: لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين من قام يطب حقاً لله؛ لم تقبل شهادته فيه، قاله ابن القاسم في العتيبة، وقال مطف: شهادته جائزة.
قلت: ونحوه لابن رشد، وتقدم ذكر كلامه في ذكر الخصومة، فجعل المازري المانع حرصه على القبول خلاف كونه الخصومة، وقول ابن الحاجب في مانعية الحرص على الشهادة في القبول، وفي القبول؛ كمخاصمة المشهود عليه في حق الآدمي، إن أراد بتوكيل من المشهود له، فهو نقل الباجي عن ابن وهب: الوكيل على خصومة لا تقبل شهادته فيما يخاصم فيه، وإلا فهو أحرى في عدم القبول.
السابع: المازري: تعرض التهمة من جهة الشذوذ في العادة، ومخالفة الشهادة، ومنه نقل ابن حبيب حديث أبي هريرة:((لا تقبل شهادة البدوي على القروي)).
قلت: خرجه أبو داود بلفظ: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) (1)، وصححه عبد الحق بالسكوت عنه، ولم يتعقبه ابن القطان.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: مالك: فتأويل ذلك في الحقوق إذا شهدوا في الحاضرة؛ لأنها تهمة إن شهد أهل البادية دون من معه من أهل الحاضرة، وأجازها في الدماء والجراح، وحيث تطلب الخلوات، والبعد من العدول، وروى نحوه ابن وهب.
وفي المجموعة: شهادة البدوي على القروي بالبادية؛ جائزة مثل أن يحضره بها الوفاة، فيوصي، أو يبيع فيها، أو يبتاع.
قال ابن القاسم في الكتابين: وتجوز شهادتهم في رؤية الهلال إن كانوا عدولاً، ورواه محمد.
ولابن رشد في رسم القبلة من سماع ابن القاسم حاصل هذا السماع، وما ذكره ابن حبيب عن مالك وأصحابه: أن شهادة البادية في ما يقصد إلى إشهادهم عليه دون الحاضرة فيما يقع بالحاضرة من عقود معاوضة، ووصية، وعتق، وتدبير، وشبهه؛ لا تجوز، فلا شهادة لبدوي في حضر على حضري، ولا على بدوي لحضري، ولا بدوي إلا في الجراح، والقتل، والزنا، وشب الخمر، والضرب، والشتم، وشبهه مما لا يقصد الإشهاد عليه، ويجوز فيما يقع بالبادية من ذلك كله على حضري أو بدوي، فعلى هذا لو حضر أهل بادية شيئاً مما يقع في الحاضرة بين أهلها، وغيرهم من معاملة، وغيرها دون أن يحضروا ذلك، أو يقصد إلى إشهادهمو فشهدوا بما حضروا؛ جازت شهادتهم إن كانوا عدولاً.
وقال ابن وهب: وروى ابن القاسم خلاف هذا: أنه لا تجوز شهادة البدوي على الحضري لما فيه من الظنة؛ يريد إذا شهد على حضرى لبدوي مثله في شئ من الأشياء في حضر أو بادية، ومن هذا المعنى شهادة العالم على العالم في المبسوطة من قول ابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ يعني العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغياً، وقاله سفيان الثوري، ومالك بن دينار.
وفيها: لا تجوز شهادة السؤال إلا في التافه اليسير إن كانوا عدولاً، ونحوه في سماع يحيي لان وهب، وفي فظه اضطراب.
ابن رشد: تبع من أدركناه من الشيوخ تأويل ابن حارث قول ابن وهب، فقالوا: المسألة العامة تبطل الشهادة اتفاقاً، والخاصة كذلك في أحد قولي ابن وهب غير مفرقين بين صريح السؤال والتعريض به، والتلطف فيه مع التستر، وتأويل المسألة عندي أن من عرف بالتصريح بالسؤال في خاص أو عام؛ ردت شهادته إلا أن يكون لسبب يعذر
به فلا ترد.
قال في المجموعة: من نزلت به مصيبة الحاجة، فسأل بعض إخوانه غير مشهور بالمسألة؛ لم ترد شهادته، وقاله ابن كنانة في المجموعة، وكتاب ابن سحنون، وكذا إن رزي برزية كدية وقعت عليه، ومن أخذ الصدقات بكل ما يقدر عليه من التعريض والإلطاف مع التستر عن السؤال؛ جازت شهادته، قلت: ذكر قوله.
قال في المجموعة إثر كلام لا يصلح معه عود ضمير قال: إلا على قول ابن وهب، وهو في النوادر لابن أبي حازم، لا لابن وهب.
اللخمي: اختلف في الفقير المتكفف، قيل: تجوز شهادته في اليسير.
وقال ابن وهب في الحسن الحال الظاهر الصلاح: يسأل الصدقة ممن يعطيها لأهل الحاجة، أو يسأل الرجل الشريف الصدقة، وهو معروف بالمسألة، ولا يتكفف الناس؛ ترد شهادته إلا أن يكون ممن يطلب الصدقة عند الإمام، أو إذا فرقت وصية، والمعترض لأخوانه؛ جازت شهادته، وأرى إن كان لا يسأل، وإن أعطى أخذ؛ جازت شهادته، ولا تجوز شهادة أحد من هؤلاء لمن عادته رفقه أو يرجوه منه.
قال: والفقير الذي لا يقبل الصدقة شهادته في اليسير جائزة، واختلف في الكثير قيل: يجوز.
وقال ابن كنانة: لا تقبل في الكثير كخمسمائة دينار؛ يريد: إن كانت بوثيقة؛ لأن العادة أن يقصد بالوثائق غير هؤلاء، ولو قال: سمعته أقر بذلك؛ رأيت قبولها، ولو كثر، وكذا إن كان منقطعاً في الصلاح، أو ممن اشتهر بالشهادة، ويقصد بالكتب للوثائق.
المازري: ظاهر المذهب قبول شهادته مطلقاً، وقول ابن كنانة: لا تقبل في الكثير إن لم يكن ظاهر العدالة قول انفرد به بعيد عن ظاهر الشرع وقاعده.
قد قال جماعة من العلماء: إن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، قد افتقر أبو بكر رضي الله عنه حتى تخلل بالعباء، وما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال متواليات (1).
قلت: ذكره أبو بكر في هذا المقام غير مناسب؛ بل كل من كان فقره بإخراجه ماله طوعاً في الله، الثقة بشهادته أكثر من الثقة بشهادة الغني الباقي ماله بيده، وما محل النزاع مع ابن كنانة إلا الفقير الأصلي.
ونقل المارزي قوله: لا تقبل في الكثير إذا لم يكن ظاهر العدالة أصوب من نقله.
اللخمي: لا يقبل في الكثير مطلقاً؛ لأنه في النوادر كما نقله المازري.
وجرحه الفسق تزول بالتوبة الشرعية: وهي مستوفاة في علم الكلام الذي هو أصل أصل الفقه.
المازري: لا تقبل شهادته بمجرد قوله: ثبت إنما تقبل بدلالة حاله، والقرائن على صدقه مع اتصافه بصفات العدالة، ولا توقيت في ذلك، ووقته بعض العلماء بسنة، وبعضهم بشطرها، والصحيح ما قلنا: قلت.
الشيخ في المجموعة عن ابن كنانة: من كان يعرف بالصلاح، فمعرفة توبته من قذف يطول ليس كمن كان معلناً السوء؛ لأن من عرف بالخير؛ لا يتبين تزيده فيه إلا بالترداد عليه، وقول ابن الحاجب: وقيل: لابد من مضي سنة، وقيل: ستة أشهر؛ ظاهره أنه في المذهب، وليس كذلك.
وفي الرجم منها مع المجموعة عن ابن القاسم وأشهب: لا ترد شهادة القاذف حتى يجلد، وقاله سحنون.
وقال عبد الملك: يقذفه سقطت، وثبوت توبته؛ يوجب قبولها، وتقدم فيه قول ابن كنانة.
المازري: المعتبر في توبته ما تقدم في غيره، فإن كان قبل قذفه عدلاً صالحاً زكياً؛ فتوبته بزيادة درجة في الصلاح عن ما كان عليه.
قلت: هذا إن كان حده بقذفه جرأة، أو سباً، أو غضباً، ولو كان في ذلك بانقلاب شهادته قذفاً؛ لرجوع أحد الثلاثة معه، أو اختلاله في وصف الزاني؛ فالأظهر عدم
اعتبار زيادة صالحه.
وفي شرط توبته بإكذابه نفسه في قذفه المازري عن القاضي إسماعيل كالشافعي، وقول مالك.
وفي سرقته: ما لو حد نصراني في قذف، ثم أسلم بالقرب؛ قبلت شهادته، فلم يقيدها الصقلي.
وقال الشيخ في مختصره عن سحنون: يتوقف في شهادته حتى يعلم صلاحه، وقد تقدم هذا.
ابن الحاجب: وزوال العداوة كالفسق.
قلت: لا أعرف هذا لغيره، وتقدم سماع أشهب في الرجلين يختصمان، ثم يشهد أحدهما على صاحبه بعد سنين.
قال: إن صار أمرهما إلى سلامة وصلح؛ فذلك جائز.
ابن رشد: صيرورة أمرهما إلى صلح هو أن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل الخصومة، ومثله في سماع سحنون، ونوازل أصبغ، وفي إجزائها.
ابن الحاجب: على رفع الفسق نظر؛ لأن ثبوت عدالة الشاهد شرط في قبول شهادته ينظر القاضي في ثبوتها ضرورة، وهو مستلزم لرفع فسقه أو بقائه، وأما العداوة؛ فلا نظر للقاضي في رفعها؛ لأنها مانع يبديه المشهود عليه، فإن أثبتها، ثم شهد عليه بعد ذلك؛ احتمل النظر في تكيفه إثباتها ثانياً؛ لاحتمال ارتفاعها، وعدمه؛ لاحتمال بقائها، والأظهر تخريجها على حكم من عدل في شهادة، ثم شهد شهادة أخرى هل تستصحب عدالته أو يستأنف إثباتها؟ وقد تقدمت.
وفي الرجم منها: إن علم بعد الجلد أو الرجم أن أحدهم عبد حد الشهود أجمعون اللخمي: إن ثبت أن أحدهم عبد نقض الحكم، قاله مالك وأصحابه ولو قيل بمضيه؛ كان له وجه؛ بل هو أولى من إمضائه إن ثبتت جرحته؛ لأن شهادة الفاسق مردودة اتفاقاً، والعبد أجاز شهادته علي، وأنس، وشريح، وزرارة بن أبي أوفي، وابن سيرين، وأجازها الحسن، وإبراهيم في اليسير.
وحكى ابن القطان عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود: أنها تقبل في كل ا?شياء كالحر.
وذكر ابن عبد السلام تخريج اللخمي، ورده إدراك الحاكم حرية الشاهد تحصل له بعلم أو ظن قريب منه، والعدالة خفية لا تدركها إلا بظن أضعف من ظن الحرية، فخطؤه في الحرية؛ كخطئه في أمر قطعي أو شبهه، فوجب نقضه وخطؤه في العدالة؛ كخطئه في أمر ظني؛ فلا يجب نقضه.
قلت: هذا الذي تعقب به كلام اللخمي أشار إليه المازري فقال ما نصه: ليس الأمر كما تصور؛ لأن الأصول تقتضي أن الحكم الثاني إذا لم يقطع فيه بالإصابة؛ لم ينقض به الأول؛ كالغالط في القبلة في الوقت، والغالط في الوقت يعيد أبداً؛ لأن الغلط في القبلة لا يؤمن من الغلط في الإعادة لأجله، كمالم يؤمن في أدائه، والغلط في الوقت؛ تعاد الصلاة لأجله أبداً؛ لأن الإعادة فيه بتحقق دخول الوقت فيه لأمن الغلط فيه، والتعديل والتجريح أمر يعول فيه القاضي على الظن والاجتهاد غالباً، فلا يأمن من الغلط فيه ثانياً، والعبد مقطوع بكونه عبداً؛ فلذا اتفق المذهب على نقض الحكم، وهو كنص ظهر بخلاف الاجتهاد.
قلت: قوله (والعبد مقطوع بكونه عبداً) فيه نظر، والصواب على مأخذه الذي قرره أن تقول، والحر مقطوع بكونه حراً، فصار كدخول الوقت بعد الغلط فيه.
والعدل غير مقطوع بكونه عدلاً، فصار كجهة القبلة بعد الغلط فيها.
والروايات واضحة بأن ظهور كونهما صبيين أو أحدهما، ككونهما أو أحدهما كافراً.
وفي الرجم منها: إن حكم بمال، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته؛ حلف الطالب مع الباقي، فإن نكل؛ حلف المطلوب، واسترجع المال.
اللخمي: مختلف إن ثبت أنهما أو أحدهما مولى عليه، ففي كتاب ابن سحنون ينقض الحكم، وهذا أبعد منه في العبد، وقد أجاز مالك وغيره من أصحابه شهادته ابتداء، وهو أحسن، ولو ظهر بعد الحكم بشهادته أنه مسخوط؛ ففي نقض حكمه نقلا
الشيخ عن ابن القاسم، وسحنون في موضع مع أشهب محتجاً بقوله: قال مالك في بعض أقواله: المسخوط لوث يوجب القسامة، والعبد والنصراني ليسا بلوث.
اللخمي: إن ثبت تقدم جرحتهما، فقال مالك في كتاب الشهادات: ينقض الحكم.
وقال في كتاب الحدود: يمضي، وبه أخذ سحنون، وعلى هذا يجري ثبوت أن بينه وبين المشهود عليه عداوة، أو بينه وبين المشهود له قرابة.
وقا المازري إثر كلامه السابق: وهذا الذي أريناك هو التحقيق عندنا، فتجريه في القرابة والعداوة؛ وكون الشاهد مولى عليه، فموضع القطع بالغلط يجب به النقض، وموضع تجويز الغلط لا يجب النقض فيه، وهذا يمنع إجراء شيخنا الخلاف في القرابة من الخلاف في التجريح.
اللخمي: إن كانت القضية على غائب، فقدم وطلب تجريح البينة بإسفاه، أو شرب خمر أو غيره؛ فقيل: له ذلك، ومنعه ابن الماجشون، إلا أن يثبت أنهم كفار، أو عبيد، أو مولى عليهم، والأول أحسن.
الشيخ: في المجموعة لأشهب: إن شهدت بينة عند قاض، ثم جنت أو جنت خطأ؛ لم ترد شهادتها، وإن أحدثت بعد أدائها قبل الحكم بها بعد تعديها، أو قبل ما يمكن إسراره؛ كشرب خمر، أو زنا، أو سرقة؛ ردت شهادتها.
محمد: لأنه مما يظن أنه فعله قديماً، وليس مما يعلنه، وإن كان مما لا يمكن إسراره، قال عبد الملك: كقتل على نائرة، أو قذف، أو قتال من شهد عليه؛ ففي ردها بذلك نقلا الشيخ عن مطرف مع أشهب قائلاً: لو تأكلت المشهود عليه قبل الحكم عليه؛ لم تبطل به شهادتها عليه، وعن ابن الماجشون.
قلت: وعن ابن رشد في نوازل أصبغ: الأول له، ولابن القاسم.
وسمع سحنون ابن القاسم: من شهد وهو عدل، فلم يحكم الحاكم بشهادته حتى وقع بينه وبين المحكوم عليه خصومة؛ لم ترد بذلك شهادته، فلم يزد فيها ابن رشد شيئاً.
وفي نوازل أصبغ: من شهد لامرأة بشهادة عند القاضي فأثبتها، ولم يحكم بها حتى
تزوجها من شهد لها؛ لم ترد شهادته، وحكم لها بها.
ابن رشد: التهمة بالعداوة تحدث والظنة تقع، لا تؤثر في إجازة الشهادة إلا أن يعلم لذلك سبب قبل أدائها، كمن شهد لامرأة، ثم تزوجها، فشهد عليه أنه كان يخطبها قبل أن يشهد لها وشبه ذلك؛ فتبطل شهادته لذلك بدليل قول ابن القاسم في سماع حسين حسين ابن عاصم فيمن شهد على رجل أنه حلف بطلاق امرأة البتة إن تزوجها قبل أن يتزوجها، فشهد للمشهود عليه أن الشاهد؛ كان يخطب هذه المرأة قبل أن يتزوجها هو؛ أن شهادته باطلة.
ولأصبغ: إن خاصم الشاهد المشهود عليه بعد الشهادة؛ لم تبطل شهادته إلا أن يقر أن ما يطالبه به كان قبل إيقاع الشهادة.
وفي أول سرقتها: إن ارتد الشهود، أو فسقوا قبل الحكم؛ لم يحكم بشهادتهم وسقطت، وإن ظهر منهم فسق، أو أخذوا يشربون خمراً، وذلك بعد حكم الإمام بإقامة الحد أو القصاص، إلا أن ذلك لم يقم بعد، فإن ذلك ينفذ، ويقام الحد والقصاص، وكذا في الحقوق؛ لأنه حكم نفذ الأمر به، ومثله للشيخ عن ابن حبيب لابن القاسم، وأشهب، وقاله أصبغ في حقوق العباد.
قال: وأما الحدود؛ فلا تنفذ.
وقال مطرف وابن حبيب: قال عن ابن الماجشون: من أشهد على شهادته قوماً أو سمعوها منه قبل ذلك، ثم عاداه، فشهد عليه بعد العداوة؛ فشهادته جائزة، كما لو قام بها عند السلطان، فوقعت في ديوانه قبل العداوة، وكذا كل ما أحدث مما لا يستتر به؛ كالقتل والقذف، وقول مطرف أحب إلى، ومن حكم بقول ابن الماجشون: لم يخطئ.
وفي المجموعة لابن الماجشون: من شهد على رجل بالبتة، وقبله الحاكم، فأحلف المشهود عليه، ثم فسق الشاهد، ثم شهد آخر مثل ما شهد به؛ لم يقبل الأول عليه؛ لأنه يوم تضم شهادته غير عدل.
وفي الرجم منها: إن حكم بشاهدين في المال، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، حلف الطالب مع شهادة الباقي، ونفذ في الحكم، فإن نكل؛ حلف
المطلوب وأخذ المال، وإن شهد عليه بقطع يد رجل عمداً، فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته؛ لم يكن على متولي القطع شئ، وهذا من خطأ الإمام.
قال اللخمي: فيما يريد: إن لم يعلم الحر أن الذي معه عبد، واستشكل قولها: إنه من خطأ الإمام، ولم يقل: يحلف المقتضى له مع الشاهد الباقي، كما قال في المال؛ لأن قوله فيها: إن جراح العمد تثبت بالشاهد واليمين كالمال، ويجاب بأن المال يمكن رده، فكان المشهود له منتفعاً بيمينه؛ فصح حلفه، والقطع لا يمكن رده؛ فلا نفع للمشهود له بحلفه، فسقط، ويلزم عليه إن كان المشهود له من عاقلة الإمام أن يحلف؛ لأنه ينتفع برفع غرم ما يجب عليه مع العاقلة، فتسقط الدية بحلفه عنه وعنها، وفي المسألة اضطراب.
اللخمي عن ابن سحنون: إن كان أحدهم عبداً أو ذمياً، أو مولى عليه، فإن حلف المشهود له بالقطع مع الباقي، أو المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يميناً، ثم الحكم له، ونفذ، وإن نكل في القطع، ولم يعلم أن شاهده عبد لظهور حريته، وحلف المقتص منه في اليد أن ما شهد به عليه الشاهد باطل، ونكل المحكوم له بالقتل عن القسامة؛ انتقض الحكم كأنه لم يكن.
قال أصحابنا: ولا غرم إلا على الشاهد إن جهل شهادة العبد أو الذمي.
وقال بعض أصحابنا: ذلك على عاقلة الإمام، وقيل: إنه هدر لا غرم على الحاكم، ولا على البينة، ولا على المحكوم له، ولا خطأ على الإمام؛ إنما خطأه لو أجاز شهادة من لا تجوز شهادته، وهو يرى أن ذلك جائز؛ كإجازته شهادة العبد والذمي لظنه إجازتها.
قلت: القول بأنه هدر، عزاه الشيخ في نوادره لأشهب قال: ما أخطأ به من إجازة شهادة من لا تجوز شهادته؛ فهو هدر بعد أن قال: ما أخطأ به من حدود الله حملته عاقلته الثلث فصاعداً، وما لزم عاقلته من ذلك؛ ودي معهم.
قال: وقال ابن الماجشون: العقل على الإمام دون من تجوز شهادته، وقال سحنون: عقل اليد على المحكوم له إن لم يحلف مع الآخر.
قلت: فالأقوال خمسة، وتعيين ناقلها وعزوها واضح.
وسادسها: نقل الشيخ عن ابن القاسم في أربعة شهدوا بزنا من يرجم في شهادتهم، ثم ظهر أن أحدهم عبد أو نصراني، أو ولد زنى، أو زوج، ولم يلا عن؛ الدية على عاقلة الإمام إلا أن يكون من بقي من الأربعة علموا أن رابعهم عبد، فتكون الدية في أموالهم، قاله في كتاب الرجم، وكتاب الأقضية قال فيه: ولا شئ على العبد.
زاد اللخمي: وقال ابن سحنون: قيل: لا شئ على الحاكم، ولا على البينة إن لم يعلموا أن معهم عبداً، أو ذمياً، أو علموا، أو جهلوا رد شهادتهم مع العبد، وإن تعمدوا أن معهم عبداً، وأن شهادتهم معه لا تجوز؛ فالدية عليه، وإن علم العبد وحده أن شهادته لا تجوز، وجهل ذلك البينة؛ فكل الدية جناية في رقبته، وإن علمت البينة معه ذلك؛ فالدية على جميعهم أرباعاً، وهو قول أبي مصعب أن على العبد ربع الدية، وتقدم حكم ظهور خلل الشهادة بعد الحكم بها قبل نفوذه، ومن شهد بحق، وشهد به معه غير عدل؛ ففي وجوب إخبار العدل الحاكم بجرحة من شهد معه؛ رجوع سحنون إليه عن قوله: لا يخبره قائلاً: لا فرق: ألا ترى أنه لو شهد معه عبد أو كافر، والحاكم يجهل ذلك؛ أن على العدل إخباره بذلك، قاله اللخمي.
وفي سرقتها: ما بلغ من خطأ الإمام ثلث الدية؛ فعلى عاقلته كالطيب والمعلم والخاتن.
ابن القاسم: وأبى مالك أن يجيبنا في خطأ الإمام بشئ.
وفي رجمها: وإن أقر القاضي أنه جدل أو رجم أو قطع الأيدي تعمداً للجور؛ أقيد منه، ونحوه في النوادر عن الواضحة لأصبغ قائلاً: هذا قولنا، وقول جماعة العلماء، وإنه إن تعمد حداً بقتل، أو قطع، أو جرح بغير حق، ولا شبهة يخطئ بها إلا تعمداً للظلم؛ أقيد منه، وما أخطأ به في الدم، وما دونه، وما تعمد من إتلاف مال بلا شبهة؛ ففي ماله يأخذ به المظلوم القاضي أو المحكوم له به.
ابن شاس: والعدد شرط في كل شهادة؛ فلا يثبت بشهادة واحد حكم أصلاً،
فاختصره ابن الحاجب بقوله: لا يثبت حكم بشهادة واحد منفردة، ونقض قوله بالقول بقبول القائف الواحد، والشاهد الواحد على تجويز بينة استحقاق ربع الربع، والقول بقبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، وأجيب بأن القائف عند من قبله مخبر؛ ولذا الكشف وشاهد التجويز عن ما استأمنه عليه القاضي، وشهادة المرأة في الرضاع لابد فيها من زيادة عليها وهي الفشو.
وشرط بينة الزنا: كونها أربعة بنص التنزيل وحكم عمر.
المازري: ولا خلاف فيه.
اللخمي: هذا إن كانت بالإصابة طوعاً، وإن كانت على الإكراه؛ فكذلك على حد الرجل في الإكراه، والأصح في ذلك رجلان لما تستحقه المرأة من مهر على الواطئ، أو على مكرهه.
وفي شرط الشهادة على إقرار من أنكر إقراره بالزنا، ولا عذر له: يرجع به بأربعة، وصحتها باثنين قولان، وفي شرط حد من ثبت زناه.
وفيها: ووجه الشهادة في الزنا أن يأتي الأربعة الشهداء في وقت واحد يشهدون على وطء واحد، في موضع واحد بصفة واحدة بهذا تتم الشهادة، ومثله سمع عيسي، ابن القاسم مع قوله: وبلغني ذلك عن مال.
ابن رشد: وقيل: الشهادة تامة، وإن تفرق الشهود، ولم يأتوا معاً، وهو قول ابن الماجشون، وعليه أن يأتي قول ابن القاسم في سماع يحيى.
اللخمي: لأشهب في الموازية: تجمع شهادة الأربعة، وإن أتوا مفترقين، ويحد المشهود عليه، ولا ينبغي للإمام تأخير حد من شهد قبل تمام الشهادة، فإن هو أخره حتى تمت الشهادة؛ حد المشهود عليه.
وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم؛ وجب عليه إنظارهم، وجمعت الشهادة، وحد المشهود عليه، وهو أحسن.
ولا وجه لمبادرة حدهم، وهو ظلم عليهم.
قلت: سماع يحيي هو قوله: سألته عن ثلاثة شهدوا أنهم رأوا رجلاً يزني، فحدوا،
ثم جاء رابع عدل زعم أنه كان معهم؛ إذ راوه يزني، فقال: تقبل شهادتهم بعد الضرب، ويكونون عدولاً، وتشهر عدالتهم، ويعلم الناس أن سقط التجريح عنهم، وتمت شهادتهم بالرابع.
ابن رشد: هذا خلاف قوله في سماع عيسى، والذي يأتي على سماع عيسى: أن يحد الرابع، وهو قول محمد، ولو جاء الرابع على هذا السماع قبل حد الثلاثة؛ سقط حدهم، وحد المشهود عليه، ونص عليه ابن القاسم في الموازية.
قلت: وقال ابن حارث: اتفقوا على أنه إن شهد ثلاثة بزنا رجل، فحدوا للقذف، ثم أتى ذلك أربعة شهدوا أنهم كانوا مع الثلاثة في ذلك المقام، رأوه يزني؛ أنه يحد المشهود عليه، وتسقط جرحة الثلاثة المحدودين قبل، وتظهر عدالتهم، واختلف إن لم يكن الجائي غير شاهد واحد، فصار رابع الثلاثة المحدودين.
فقال ابن القاسم في شهادات المستخرجة: يحد المشهود عليه، وينبغي للحاكم أن يظهر عدالة الشهود، ويسقط جرحتهم.
وقال ابن الماجشون: يحد الرابع، ولا يخرجهم من الجرحة إلا أربعة سواهم.
قلت: هذا خلاف ظاهر ما حمل عليه ابن رشد سماع يحيى على ظاهره، من أن ضم شهادة الرابع إلى متقدم شهادة الثلاثة؛ إنما هو في رفع جرحتهم فقط دون حد المشهود عليه.
قلت: ففي بطلان شهادة الأربعة بتفريقهم مطلقاً، فيحد كل منهم بنفس شهادته، ولا ترتفع جرحتهم بتمامهم، وصحتها مطلقاً، فيجب بسؤال الثلاثة إنظارهم؛ لإتيانهم برابع إنظار الحاكم إياهم لذلك.
ثالثها: وجوب تعجيل الحاكم حد من شهد منهم قبل تمامهم، فإن لم يعجله؛ صحت بتمامهم، وحد من شهدوا عليه.
ورابعها: إن حدوا قبل تمامهم، ثم تموا؛ صحت في رفع جرحتهم دون حد المشهود عليه.
وخامسها: فيهما لمشهور المذهب، واللخمي عن أبي الفرج مع ظاهر لفظ ابن
رشد عن ابن الماجشون، واللخمي عن أشهب، ولابن رشد عن فهمه سماع يحيى، وابن حارث عن ابن القاسم في العتبية.
وسادسها: نقل الشيخ رواية ابن حبيب عن الأخوين: إن كان افتراقهم قريباً بعضهم من بعض؛ جازت شهادتهم.
وفيها: ينبغي للقاضي أن يكشف بالزنا عن شهادتهم، كيف رأوه، وكيف صنع؟ فإن رأى في شهادتهم ما يبطلها أبطلها.
وللشيخ عن المجموعة: قال ابن القاسم: كل الشهود لا يفرقون، ولا يسألون إن كانوا عدولاً إلا في الزنا؛ فإنهم يفرقون ويسألون.
قلت: في سرقتها: وإذا شهدت البينة في الحدود؛ لم يفرقهم الإمام، إذا كانوا عدولاً بينة عدالتهم، واختصرها أبو سعيد عدولاً مبرزين.
وسمع عيسى ابن القاسم في الشهادات: الشهادة في الزنا لا تجوز حتى يشهد أربعة في موضع واحد، ويوم واحد، وساعة واحدة في موقف واحد على صفة واحدة.
ابن رشد: ليس من شرطها تسمية الموضع، ولا اليوم، ولا الساعة؛ إنما شرطها عند ابن القاسم: أن لا تختلف الأربعة في ذلك، فإن قالوا: رأيناه معاً يزني بفلانة عاينا فرجه في فرجها؛ كالمرود في المكحلة؛ تمت شهادتهم، وإن قالوا: لا نذكر اليوم، ولا نحد الموضع.
وإن قالوا: في موضع كذا، في ساعة كذا، من يوم كذا كان أتم.
وإن اختلفوا في المواضع أو الأيام فقال بعضهم: كان ذلك في موضع كذا، وقال بعضهم: في موضع كذا، وقال بعضهم: بل كان في يوم كذا، وقال بعضهم: بل كان في يوم كذا؛ بطلت شهادتهم عند ابن القاسم، وجازت عند ابن الماجشون.
قال: لأنهم اختلفوا فيما لو لم يذكروه؛ تمت شهادتهم، ولم يلزم الحاكم أن يسألهم عنه، فيحتمل أنه يريد لا يلزمهم أن يسألهم عنه إن اتفقوا على أن رؤيتهم إياه؛ إنما كانت معاً بزنى واحد، ويحتمل أن يريد أنه لا يلزمه أن يسألهم عن ذلك بحال إذا شهدوا عنده، فقال كل واحد منهم: إنه رآه يزني كالمرود في المكحلة، ويكون مذهبه أن
الأفعال تلفق في الشهادة؛ كالأقوال والأول أبين.
الشيخ: روي محمد: لا تتم شهادتهم حتى يقولوا: كالمرود في المكحلة في البكر والثيب، فإن نفوا هذا؛ فهو النكال.
محمد: على المشهود عليه، وذلك إن لم يكن في شهادتهم أنه زنا، ولا ذكروا زنا، وإنما شهدوا على ما وصفوا.
ولعيسى عن ابن القاسم: إن شهد شاهدان أنهما رأياه مع امرأة تحت لحاف، أو رأيا رجليها على عنقه، أو ما هو دون الزنا؛ لم يكن عليهما شيء؛ لأنهمالم يقذفا، ويعاقب الرجل والمرأة، ولو قالا: رأيناه يزني بها؛ كالمرود في المكحلة؛ حدا ثمانين.
وفي «الموازية» : إن قال أحدهم: زنا بها متكئة، وبعضهم مستلقية؛ بطلت الشهادة وحدوا للقذف.
قلت: قول ابن رشد هو لفظ الشَّيخ رواية محمد، ويجب حمله على الاكتفاء بمغيب الحشفة فقط كذلك.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن شهد أربعة بزنا رجل بامرأة شهد اثنان بأنها طاوعته، واثنان بأنه اغتصبها حد الأربعة، وسمعه أبو زيد إن شهد أربعة أنه زنا بامرأة، فأخذ الرجل، وهربت المرأة، فقال اثنان: رأيناه يزني بفلانة التي هربت، وقال الآخران: رأيناه يزني بامرأة، وشهادتهم معتدلة في موضع واحد، إلا أنهما لا يدريان أهي فلانة أو غيرها ولا يعرفان المرأة؟ حد الشهود؛ لأنهم قذفوا المراة.
ابن رشد: يحدون للرجل؛ لسقوط شهادتهم بقذفهم المرأة التي شهدوا أنها زنا بها؛ إذ لم يعينها منهم إلا اثنان، ولو عينوها جميعاً، أو لم يعينها واحد منهم، جازت شهادتهم في الزنا، وحد الرجل، وحدت المرأة إن عينوها جميعاً، وإسقاط شهادتهم في الزنا بقذفهم للمرأة خلاف المشهور أن شهادة القاذف لا تسقط إلا بإقامة الحد، والآتي في المسألة على المشهور في ذلك أن تجوز شهادتهم على الرجل؛ فيحد، فإن كان الاثنان منهم قاذفين للمرأة التي شهدا أنه زنا بها وعرفاها فهربت، فإن أتت، وقامت بحدها عليهما؛ حدا لها، ومضت شهادتهما قبل في الزنا على الرجل، وإسقاط ابن القاسم في هذه
المسألة شهادتهما قبل في الزنا بمجرد قذفهما معاً مثله لأصبغ وسحنون وابن الماجشون.
وحمل بعض أهل النظر قوله: (يحد الشهود)؛ لأنهم قدفه للمرأة على ظاهره، وتعقب المسألة فقال: انظر قوله: يحد الشهود، ومن أصله أن لا يحد في القذف لغائب، وهم إذالم يحدوا كيف يستجرحون؟ فتدبر ذلك، والمعنى في المسألة؛ إنما هو ما ذكرته.
قلت: ما ذكره لبعض أهل النظر هو نص قول الشيخ في نوادره من عند نفسه، وشهرة الاحتجاج في حكم الشهادة في الزنا بحكم عمر رضي الله عنه في نازلة المغيرة، يقتضي ذكر معرفتها.
قال الطبري: ما حاصل المحتاج لذكره أن المغيرة كان على البصرة والياً، وله مشربة تقابل مشربة لأبي بكرة، لكل منهما كوة تقابل كوة الأخرى، فكان مع أبي بكرة في مشربته نافع بن كلدة، وشبل بن معبد، وزياد أخو أبي بكرة لأمه يتحدثون، فصفقت الريح باب كوتة، فقام ليصفقها، فبصر بالمغيرة لفتح الريح باب كوة مشربته بين رجلي امرأة توسطها، فقال للنفر: قوموا انظروا واشهدوا، فنظروا فقالوا: من هذه؟ قال: أم جميل بنت الأفقم كانت تغشى المغيرة، وأشراف الأمراء، فلما تقدم المغيرة للصلاة منعه أبو بكرة، وبلغ الأمر عمر، فأشخصهم، وبعث أبا موسى والياً على البصرة، فلما حضروه قال المغيرة يا أمير المؤمنين سل هؤلاء العبد كيف رأوني، وهل عرفوا المرأة فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر؟ وإن كانوا مستدبري، فبأي شئ استحلوا النظر إلي على امرأتي؟ والله ما كانت إلا زوجتي، وهي تشبهها، فبدأ عمر بأبي بكرة، فشهد أنه رآه بين رجلي أم جميل، وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: مستدبر هما، قال: كيف استنبت رأسها؟ قال: تحاملت حتى رأيتها، ثم شهد شبل ونافع كذلك، وشهد زياد بأن قال: رأيته بين رجلي امرأة، وقدماها مخضوبتان تخفقان، وأستين مكشوفتين، وسمعت حفزاناً شديداً.
قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا قال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبهها، قاله له: تنح وأمر بالثلاثة؛ فجلدوا وتلا قوله تعالى: (فإذ لم يأتوا بالشهداء) الآية [النور: 13]، فقال المغيرة: اشفني من الأعبد يا أمير المؤمنين، فقال له:
اسكت أسكت الله نأمتك، والله لو تمت الشهادة؛ لرميتك بأحجارك
قال الجوهري: يقال: أسكت الله نأمته؛ أي: صوته.
قال الطبري: ورد عمر شهادتهم، ثم استتابهم، فتاب نافع وشبل، فقبل شهادتهما، واستتاب أبا بكرة فأبى، قال غيره: قال له: تب، واقبل شهادتك، فأبى، وكرر شهادته، وإلى هذه الإباية أشار ابن التلمساني في مسألة الإجماع السكوتي في شرح المعالم بقوله كقول علي لعمر رضى الله عنهما لما رأى جلد أبي بكرة: إن جلدته، فارجم صاحبك، فكان شخينا ابن عبد السلام يستشكل صحة الملازمة في قول علي مع قبوله عمر رضى الله عنهما، ويحكي استشكالها عن شيخه أبي الحسن البودري، وكانت له مشاركة حسنة في الأصلين، ولم يجيبا عنه بشئ، وكان يجري لنا جوابه بما اقوله، وهو أن القذف الموجب للحد قسمان: قدف صدر من قائله على وجه التنقص للمقذوف، وقذف طلب على وجه شهادة؛ لم تتم، وهو الواقع في النازلة، فما كرر أبو بكرة شهادته، أراد عمر جلده للقذف بقوله هذا، فقاله له علي: إن جلدته، فارجم صاحبك؛ أي: إن أردت جلده؛ لزم إرادتك ذلك رجم صاحبك؛ لأن إراده جلده؛ إما أن يكون لسابق شهادته من حيث كونه أحد الثلاثة، أو لشهادته لا من حيث كونه أحد الثلاثة، فإن كان الأول لم يحد؛ لأنه قد حد لها، وإن كان لا من حيث كونه أحد الثلاثة؛ لزم كونه من حيث كونه زائداً عليها، وكلما كان زائداً عليها كان رابعاً، وكلما كان رابعاً؛ لزم تمام النصاب، فيجب حد المغيرة، وهذا التقرير يدل عى صحة قول ابن الماجشون بصحة افتراق بينة الزنا في الأداء، وأن عليه، وتقدم ذكر الخلاف فيه.
وفي الشهادة بالزنا التزاماً لا نصاً اختلاف في إجرائه بعض المتأخرين على الخلاف في كون دلالة الالتزام مهجورة في العلوم تكلف، وإن كان في بعض أبحاث المازري مثله، حسب ما نبهنا عليه في غير هذا الموضع.
اللخمي: في ثبوت زنا من ثبت زناه عند قاض بأربعة شهداء بثبوت كتابه به بأربعة شهداء، أو باثنين فقط قولان لكتاب ابن سحنون، ومحمد مع اختياره.
قلت: واختاره ابن رشد، وجعله الجاري على قول ابن القاسم بثبوت حد من شهد عليه ثلاثة بالزنا مع نقل اثنين عن رابعهم.
قال: ومن قذف رجلاً، فأقام شهيدين يحده قاض في الزنا بأربعة شهداء في حده مع شهيديه ثالثها: القاذف فقط لرواية محمد معه، وأبي مصعب، ورواية ابن حبيب معه.
قائلاً: وكذا لو أقام القاذف أربعة شهدوا أن سيده إذ باعه تبرأ من زناه.
قلت: يريد: كان عبداً وعتق؛ إذ لا يباع حر، ولا يحد قاذف عبد، ولو شهد شاهدان على رجل بطلاقه امرأته معترفاً بوطئها، أو بعتقه أمته معترفاً بوطئها، أو بغصبه أمة معترفاً بوطئها؛ ففي حده قولان على القولين في حده بهما على إقراره بالزنا.
قلت: الأصوب قولان على القول بحده بهما في إقراره بالزنا؛ لأنها على إقراره أقوى منها على غيره ملزوماً له ضرورة قوة دلالة المطابقة على دلالة الالتزام.
قال: ولأشهب فى الموازية: لا يحد السيد؛ لإمكان نسيانه العتق، ولو شهد أربعة بطلاقه، وهو مقر بالوطء؛ حد.
وروى علي بن زياد: من شهد عليه أربعة بطلاقه امرأته البتة، وأنهم رأوه يزني بها بعد ذلك، أو أقر بالمسيس؛ فرق بينهما، ولم يحد.
سحنون: أصحابنا يأبون هذه الرواية، ويرون عليه الحد، ومحمل قول مالك على ما في الموازية: أنه يحتمل أنه نسي، والنسيان يحسن إن كان الطلاق والعتق بيمين، ويبعد في غير اليمين، واختلف إن أنكر العتق والطلاق والإصابة، وشهد عليه شاهدان بذلك، فقال عبد الملك: لا تصح شهادتهما؛ لأني أجزتها حددتهما، وشهادة المحدود لا تجوز، وصارت المرأة زوجة لحالها والأمة رقاً، ولأن من قذف رجلاً بامرأته أو أمته؛ لم يكن قاذفاً.
محمد: وفيه اختلاف؛ لأن من قول ابن القاسم شهادة القاذف مقبولة حتى يحد؛ يريد؛ أنه يقضي بالطلاق والعتق، ثم ينظر في القذف، فقد يوجب عليهما الحد، أو يسقطه؛ لإقراره الآخرين أن الزوجة والملك باق بحاله.
ولأصبغ في العتيبة: لا تجوز شهادتهما ويحدان.
محمد: ولو قال الزوج: طلقت وما أصبت، والسيد: أعتقت وما أصبت؛ حد الشاهدان.
وفيها: قيل: فإن شهدوا أربعة على رجل بالزنا، فقالوا: تعمدنا النظر إليهما؛ لنثبت الشهادة.
قال: كيف تشهد الشهود إلا هكذا، فناقضها ابن هارون بعدم إجازته في اختلاف الزوجين في عيوب الفرج، نظر النساء إليه ليشهدن بما رأين من ذلك، وكذا إذا اختلفا في الإصابة وهي بكر.
قال: تصدق، ولا ينظر النساء إليها، قال: والفرق بين ذلك مشكل.
وقال في كتاب الخيار: إن نظر المبتاع إلى فرج الأمة؛ فذلك رضي منه بها؛ إذ لا ينظر إليها النساء، أو من يحل له الوطء، فأجاز نظر النساء إليه، وأورده ابن عبد السلام وأجاب بقوله: إن طرق الحكم هنا منحصرة في الشهادة، ولا تقبل إلا بصفتها الخاصة، وطريق الحكم في تلك الصور غير منحصرة في الشهادة؛ بل لها غير ذلك من الوجوه التي ذكها الفقهاء في محلها، فلا ينبغي أن يرتكب محرم، وهو النظر للفرج من غير ضرورة.
قلت: يرد بأن صورة النقض؛ إنما هي إذا لم يمكن إثبات العيب لا بالنظر، وكان يجري لنا الجواب بثلاثة أوجه:
الأول: أن الحد حق لله، وثبوت العيب حق لآدمي، وحق الله آكد لقولها فيمن سرق، وقطع يمين رجل عمداً يقطع للسرقة، ويسقط القصاص.
الثاني: ما لأجله النظر؛ وهو الزنا محقق الوجود أو راجحه، وثبوت العيب محتمل على السوية.
الثالث: المنظور إليه في الزنا؛ إنما هو مغيب الحشفة، ولا يستلزم ذلك من الإحاطة بالنظر إلى الفرج ما يستلزمه النظر للعيب.
اللخمي: قوله: وكيف يشهد الشهود إلا هكذا؟ يريد: أن تعمد النظر لا يبطل
الشهادة لما كان المراد إقامة الحد، وهذا حسن فيمن كان معروفاً بالفساد، ومن لم يكن معروفاً به فيه نظر يصح أن يقال: لا يكشفون، ولا تحقق عليهم الشهادة؛ لأنهم لو تبين لهم ذلك؛ استحب لهم أن لا يبلغوا الشهادة، ويصح أن يقال: يكشفون عن تحقيق ذلك، فإن قذفه أحد بعد اليوم بلغوا الشهادة، فم يحد القاذف والستر أولى؛ لأن مراعاة قذفه نادر.
قلت: ولقولها: من قذف وهو يعلم أنه زنا حلال له القيام بحد من قذفه.
المازري: تعمد نظر البينة لفعل الزاني، ظاهر المذهب أنه غير ممنوع؛ لأنه لا تصح الشهادة إلا به، ونظرة الفجأة لا يكاد يحصل بها ما تتم به الشهادة، ومنع بعض الناس النظر للعورة في ذلك لما نبه الشرع عليه من استحسان الستر.
وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في قواعده: إنما يجوز للشهود أن يظروا من ذلك ما يحصل وجوب الحد، وهو مغيب الحشفة فقط، والنظر الزائد على ذلك حرام.
قلت: وهذا كله إن عجز الشهود عن منع الفاعلين إتمام ما قصداه، أو ابتداءه من الفعل، ولو قدروا على ذلك بفعل أو قول، فلم يفعلا؛ بطلت شهادتهما لعصيانهما بعدم تغيير هذا المنكر، إلا أن يكون فعلهما بحيث لا يمنعه التغيير لسرعتهما.
وروى محمد: معها الشهادة في اللواط كالزنا.
وفيها: قال مالك في الشهود في الزنا: ينبغي للإمام أن يسألهم عن شهادتهم.
قال ابن القاسم: كيف رآه وكيف صنع؟ فإن كان في ذلك ما يدرأ به الحد درأه.
وفيها: وينبغي أن يكون سؤاله إياهم سراً لا في جمع من الناس.
محمد: إن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة، أو ماتوا أقاموا الحد بشهادتهم.
اللخمي: يريد: إن كانوا من أهل العلم بموجب الحد؛ إذ قد يرونه عليها، فيشهدون بالزنا، وهو لا يوجب الحد.
قلت: وهو قول التونسي في كتاب السرقة إثر نقله قول محمد، قال: وفيه نظر إلا أن يكونوا من أهل العلم، ولا يخفى عليهم ما يجب به الحد.
ابن الحاجب: وينبغي للحاكم أن يسألهم.
وفي السرقة: ما هي وكيف أخذها ومن أين وإلى أني؟ وقال سحنون: إن كان ممن يجهل.
قلت: قول سحنون إنما نقله الصقلي وغيره عنه في السرقة.
الصقلي: قال بعض فقهائنا: ينبغي أن يكشفوا، وإن كانوا لا يجهلون؛ إذ قد يكون رأي الحاكم فيه نفي القطع أو ثبوته، ورأيه خلاف رأيهم.
قلت: سياق كلام سحنون أنه إنما يقوله حيث يكون الحاكم، والشهود أهل مذهب واحد، وقول ابن عبد السلام: رأى بعض الشيوخ أن غيبة أربعة منهم لا تمنع سؤال من حضر؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون إذا سئلوا ما يوجب الوقف عن شهادة الحاضرين والغائبين جميعاً لا أعرف هذا البعض من الشيوخ في كلامه، وسقوط تعليله واضح؛ لنقل الصقلي عن محمد ما نصه: إن كان الشهود أكثر من أربعة، فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر ولم يكشف، وكان الحد ثابتاً؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته؛ كان الحد ثابتاً بمن غاب، وكذا لو كانوا غابوا كلهم؛ فرجع بعضهم، وبقي أربعة؛ لم يسقط الحد.
قلت: فإذا كان تصريح من زاد على الأربعة بالرجوع لا يقدح في شهادة الأربعة، كيف يقبل قوله؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون ما يوجب الوقف عن شهادة الحاضرين والغائبين فتأمله منصفاً، وتقدم الخلاف في شهادة الاثنين في الإقرار.
ومتعلق الشهادة بالذات محكوماً به إن لم يكن مالاً، ولا زنا، ولا قرينه، ولا مختصاً باطلاع النساء، فشرط شهادته اثنان رجلان.
ابن شاس: المرتبة الثانية ما عدا الزنا مما ليس بمال، ولا يؤول إليه، كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتق، والإسلام، والردة، والبلوغ، والولاء، واالعدة، والجرح، والتعديل، والعفو عن القصاص، وثبوته في النفس، والأطراف على خلاف فيهما، والنسب، والموت، والكتابة، والتدبير، وشبه ذلك، وكذا الوكالة والوصية عند أشهب وعبد الملك، شرط كل ذلك العدد والذكورية، فاختصره ابن الحاجب، ولم يذكر في القصاص خلافاً، وتمام ذلك في فصل الشاهد واليمين.
قال ابن عبد السلام: عرف هذه المرتبة بقيدين عدميين ما ليس بزنا ولا مال، ولا ينقض تعريفه بدخول بعض ما في المرتبة؛ كالولادة وعيوب النساء؛ لأن المقسوم عنده؛ إنما هو مراتب البينة، ولا ندخل لما نقض به فيها.
قلت: يرد بعدم اقتصاره على كونها قسماً من مراتب البينة؛ لقوله إثر تمام عدها وشرطها اثنان ذكران، فإن سلم اندراج ما ذكر به النقض تحت لفظ منه كذب فيه قوله: شرطه اثنان ذكران، والأظهر جعل قوله: كالنكاح إلخ؛ تفسيراً لقوله: ما ليس زنا ولاء آئلاً عليه، وعد المازري في هذا النوع الإحلال، والإحصان، والإيلاء، والظهار، وتقدم عد ابن شاس فيه العدة.
قال المازري: يشهد بانقضائها أو ثبوتها، قال: وحد الخمر، والسرقة، والقذف، وعد فيها الرجعة؛ كالمعونة، ولم يذكرا فيها خلافاً.
وقال ابن حارث: اختلف في شهادتهن في الارتجاع، فسمع أشهب لا تجوز، وقال ابن نافع في غير المستخرجة: هي جائزة فيه، وما متعلقه مال أو آئل إليه تتم فيه برجل وامرأتين.
فيها: لا تجوز شهادة النساء في الحدود، والقصاص، والطلاق، والنكاح، والنسب، والولاء.
قال مالك: لا تجوز إلا حيث ذكر الله في الدين، وما لا يطلع عليه إلا هن، ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال، ويقضى له.
وفي شفعتها: وتجوز شهادتهن على أخذ الشفعة أو تسليمها، أو على أنه شفيع، وعلى إقرار المبتاع أن فلاناً شفيع هذه الدار.
الشيخ في الموازية: تجوز شهادتهن في المال، ولو كثر، وكذا في الوكالة على المال في رواية ابن القاسم، وقوله وقول ابن وهب، وقال أشهب وعبد الملك: لا تجوز فيها.
الشيخ عن ابن وهب: قال ابن الماجشون: لم يقل مالك، ولا أحد من علمائنا بجواز شهادتهن على الوكالة في المال، ولا على إشهاد الوصايا.
وروى ابن عبدوس في الموصي برقبة معينة، أو مبهمة لعتق: أن شهادة رجل
وامرأتين في ذلك جائزة، كما لو شهدوا أنه قال: بيعوا عبدي فلاناً رقبة.
وفي الموازية: إن شهدن مع رجل أنه أوصى بشراء رقبة بخمسين فتعتق؛ لم يجز؛ لأنه إذا اشترى؛ لم يعتق بشهادتهم، وإن كان عبد فلان؛ جازت على شرائه، وزيادة ثلث ثمنه لربه إن لم يسم ثمناً، ولا يعتق بقولهم.
ابن حبيب عن ابن الماجشون: لا تجوز شهادتهن مع رجل على وصية بثلث للمساكين، كما لا تجوز فيه يمين.
وسمع سحنون ابن القاسم: لا تجوز شهادتهن في جراح العمد، وتجوز في الخطأ جراحه وقتله.
سحنون: هي في جراح العمد جائزة، وأصل قولنا ما جاز فيه اليمين مع الشاهد؛ جازت فيه شهادتهن، وما سقط في اليمين مع الشاهد؛ سقطت فيه، فما جاز الشاهد واليمين في جراح العمد؛ جازت شهادة النساء فيه.
وقاله ابن الماجشون: ولو شهدت امرأتان ورجل بوصية للمساكين؛ لم تجز الوصية؛ لأنه ليس فيها يمين مع الشاهد.
ابن رشد: هذا الأصل الذي التزمه سحنون وابن الماجشون، لم يقله ابن القاسم؛ لأنه لم تجز في هذه الرواية شهادة امرأتين في جراح العمد؛ ويجيز القصاص فيها بالشاهد واليمين، واختلف قوله في إجازة شهادتهن في ذلك.
وقع في المجموعة، وكتاب ابن سحنون اختلاف قوله في ذلك، والذي رجع إليه سقوطها، فيحتمل أن يكون إجازته إياها، ومنعه على القولين إجازة الشاهد واليمين فيها، ومنع ابن الماجشون في الوصية للمساكين إغراق في طرد أصله ويبعد، وليس بثابت في جميع الروايات، والصواب إجازتها على أصله؛ لأن اليمين مع الشاهد إنما سقط؛ لأن رب الحق غير معين، لا لأن الوصية بالمال، لا تستحق باليمين مع الشاهد، فمذهب سحنون وابن الماجشون ملازمة جواز الشاهد واليمين؛ لجواز شهادة النساء، وتلازمهما في السقوط، وعلى مشهور قول ابن القاسم ما جاز فيه الشاهد واليمين؛ جازت فيه شهادة النساء، ولا ينعكس ما يجوز فيه شهادتهن أعم وأكثر مما يجوز فيه
الشهادة واليمين؛ لأن شهادة النساء تجوز عنده على الوكالة في المال، وعلى شهادة الشاهد بالمال، ولا يجوز فيها الشاهد واليمين، وإذا قلنا على مذهبه في هذه الرواية أنه يجيز القصاص باليمين مع الشاهد، ولا يجيز شهادة النساء في ذلك؛ فليس أيضاً كل ما تجوز فيه اليمين مع الشاهد؛ تجوز فيه شهادة النساء، فعلى هذا من الأشياء ما يجوز فيه الأمران، ومنها ما لا يجوز فيه واحد منهما، ومنهما ما يجوز فيه أحدهما دون الآخر وعكسه.
الشيخ في المجموعة: لأشهب: تجوز شهادتهن في كل عمد لا قود فيه، وإن انفردن حلف المجروح، ووجبت له ديته.
الباجي: إن شهد رجل وامرأتان أن الزوج اشترى زوجته من سيدها؛ ثبت الشراء، ولا يفسخ النكاح، وإن كانت شهادة النساء لا تجوز في الطلاق.
سحنون عن عبد الملك: إنما الشهادة في مال جر إلى الفراق.
سحنون: وكذا شهادتهن فيمن غر بحرية أنه مملوك لفلان، يحلف معهن، ويرق له، ويبطل حد من قذفه.
ابن الماجشون: ولو شهدن على أداء كتابة مكاتب؛ حلف وتم عتقه، ولو شهدن مع رجل فيمن حلف بطلاق، أو عتق على أداء حق إلى أجل بعد انقضائه؛ سقط الحق.
وفي سقوط حنثه عنه: روايتا اللخمي.
وفي الولاء منها: من مات وترك ابنتين، فادعى رجل أنه مولاه أعتقه، وأقرت البنتان أنه مولاه، وهما عدلتان؛ حلف معهما، وورث الثلث الباقي، إن لم يأت أحد بأقل من ذلك من ولاء، ولا عصبة، ولا نسب معروف، ولا يستحق بذلك الولاء.
وقال غيره: لا يحلف مع إقرارهم، او لا يرث الثلث الباقي؛ لأنهما شهدتا على عتق، وشهادتهما فيه لا تجوز.
قلت: فحاصله أنها في المال غير آيل إليه جائزة اتفاقاً، فإن آلت إليه؛ ففي إعمالها فيما آلت إليه متقدم قول سحنون في الغار بالحرية مع متقدم قول ابن الماجشون في أداء الكتابة، وإحدى الروايتين.
وفي سر الحالف على الأداء لأجل وآخراهما: وفي غيره: إن لم تؤل إليه؛ لا تجوز اتفاقاً، إلا في الارتجاع عن ابن نافع خلاف قول ابن رشد في رسم الأقضية.
الثالث من سماع أشهب: لا يجوز في الارتجاع اتفاقاً، وإن آل إليه؛ ففي قبولها وردها قولا ابن القاسم وسحنون مع أشهب وابن الماجشون، وقولها في مسألة البنتين ثالث؛ لأنه قبلها في المال دون سببه، وهو الولاء، وقبلها في الوكالة على المال، وليست نفسه.
الشيخ لأشهب في سماع عبد الملك: إن شهدت امرأتان على امرأة بضربها بطن امرأة، فألقت مضغة؛ حلفت معها، واستحقت الغرة، ولا كفارة على الضاربة.
ولم يزد فيها ابن رشد في معنى الشهادة شيئاً.
وفي الأيمان بالطلاق منها: إلا في الأموال، وفيها يغيب عليه النساء من الولادة والاستهلال والعيوب، ومثله في كتاب ابن سحنون، وذكر فيه الحيضة والعذرة، والسقط قائلاً: لا يجوز في ذلك أقل من امرأتين.
الشيخ عن الأخوين، وابن عبد الحكم، وأصبغ: لو شهدت امرأة ورجل باستهلال صبي؛ لم تجز شهادتهما.
ابن حبيب: حضور الرجل أبطل شهادة المرأة، والرجل الواحد لا تجوز.
قلت: زاد المازري ما نصه: وذكر ابن حبيب عمن يرضاه من أهل العلم أنه قبل شهادة المرأة مع الرجل، واختار ابن حبيب هذا المذهب.
قال: لأن المرأة لو انضاف إليها امرأة؛ قبلت الشهادة اتفاقاً، فانضياف الرجل إليها أقوى لما ثبت في الشرع أن شهادة المرأة كنصف شهادة الرجل.
اللخمي: تجوز شهادتهن على الولادة مع وجود الولد أن هذه ولدته، فإن لم يكن موجوداً؛ ففي جوازها قولا ابن القاسم وسحنون، وأرى إن كانت المناكرة بقرب الولادة أن لا تجوز، وإن كانت بعد طول القدوم من أنكرها، أو كانت الأم مقرة، ثم أنكرت أن تجوز.
وصحة شهادتهن على أن الولد ذكر ثالثها: إن كان مستحق التعصيب بيت
المال أو البعيد من العشيرة، وتعذر إخراجه من قبره؛ لتغيره بطول إقباره.
اللخمي عن ابن القاسم قائلاً: ويحلف المشهود له معهن، وأشهب على أصله في لغوها على غير مال يستحق به مال وأصبغ.
قلت: سمعه أصبغ: تجوز شهادتهن باستهلال الولد، قيل: وبأنه غلام، قال: نعم مع يمينه.
أصبغ: قال لي ابن القاسم: والقياس ألا تجوز؛ لأنه يصير نسباً قبل ألا يصير مالاً.
وفيها: إن مات؛ فبأي شيء يرث ويورث، قال: بأدنى المنزلتين، إلا أن يكون لا يبقى، ويخاف عليه الحوالة إن حبس، إلى أن يوجد رجال يشهدون على رؤيته؛ فتجوز شهادتهن حينئذ.
ابن القاسم: وكذا المرأة تلد، ثم تهلك هي وولدها في ساعة؛ يحلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادتهم أن الأم ماتت قبله، فيستحقون إرثه من أمه؛ لأنه مال، قال: إنما تجوز شهادتهن على الولادة والاستهلال إن كان البدن قائماً، ورأى الناس أن قد كمل جسده، وكذا شهادتهن في القتل.
ابن رشد: إجازة ابن القاسم شهادة امرأتين على استهلال الصبي، وعلى أنه غلام مع اليمين؛ يدل على صحتها على الاستهلال، ولو فات البدن؛ إذ لو كان حاضراً؛ لاستغني عن شهادة النساء فيه أنه غلام بنظر الرجال إليه، وكذا قتل الخطأ لا يشترط في صحة شهادة النساء فيه حضور البدن على مذهبه.
قال في المدونة: لأنه مال شهادتهم في المال جائزة، خلاف قول ربيعة وسحنون في المدونة: إنها لا تجوز في الاستهلال والخطأ إلا مع حضور البدن، فعلى قولهما؛ لا تجوز في أنه ذكر أو أنثى، وهي رواية مطرف وأشهب، وقول ابن هرمز: وهو القياس على ما قاله ابن القاسم هنا، فإذا جوز شهادتهن مع مغيب البدن آل ذلك إلى جوازها في غير المال من الموت الذي يقطع العصمة بينه وبين أزواجه، فيكون لهن أن يتزوجن، وقد يكون له أمهات أولاد ومدبرون، فيعتقون، وقد يوصي بعتق وتزويج بناته، قول إجازة شهادتهن في قتل الخطأ إذا لم يعرف الموت بحضور البدن ميتاً إلى أن تجوز شهادتهن في
ذلك كله، وشهادتهن في غير المال لا تجوز، ففي ذلك من قول ابن القاسم نظر، وهو استحسان، والقياس قول سحنون وربيعة: لا تجوز إلا في صفة القتل إن لم يعرف الموت، وكذا الشاهد الواحد في قتل الخطأ.
وأما شهادة النساء في المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة على أيهما مات أولاً، فجائزة اتفاقاً؛ لأنها على ما لا يتعدى إلى غير المال.
قلت: قوله: (اتفاقاً) خلاف ما يأتي لابن حاجب.
**** شهادتهن في العيوب قال اللخمي: أما عيب فرج الحرة يدعيه الزوج؛ ليرد به؛ فينظرها النساء.
سحنون: أصحابنا يصدقونها، وأرى أن ينظرها النساء؛ لأنها تتهم، وإن كان العيب بغير الفرج؛ ففي شق الثوب عن محله؛ ليراه الرجال والاكتفاء فيه بشهادة النساء قولان لغير أصبغ، وله، وعزاهما المازري لغير الموازية ولها.
قلت: وهو ظاهر الأيمان بالطلاق من المدونة.
اللخمي: وأما الإماء، فإن كان العيب بالفرج، ولا يعلمه إلا النساء، فإن كانت شهادتهم عن فائت؛ لأن الأمة ماتت أو غابت، أو كان القائم بعيبها هو الآتي بهن ليشهدن له؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا يمين عليه، وإن كان القائم بعيبها هو الآتي بهن ليشهدن له؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا يمين عليه، وإن كان الحاكم هو الباعث في كشف ذلك؛ كان في قبول امرأة واحدة في ذلك قولان.
ولا يقبل اليوم أقل من امرأتين؛ لضعف العدالة.
وإن كان العيب مما يعلمه الرجل؛ كالبكارة، يقول: وجدتها ثيباً، وكذبه البائع، ولم يبعث الحاكم في ذلك؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين.
واختلف في اليمين، قال: وأجاز محمد في المرأة تدعي أن زوجها بني بها، وأرخى الستر؛ شهادة امرأتين ويميناً لما كان ذلك مما لا يطلع عليه إلا النساء، والزوج يدعي المعرفة، وقيل في هذا الأصل: لا يمين عليها، والمرأتان كالرجلين.
قلت: في النوادر: روي محمد: تجوز شهادة امرأتين فيما لا يطلع عليه الرجال بغير يمين من ولادة، وحمل، وعيب فرج، واستهلال، وإن شهدت امرأتان على إرخاء ستر؛