الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذات التي أطلق عليها المشتق زمن الحكم، وأنه لابد مع ذلك من شرطية حصوله فيه عند تعلق الحكم به؛ لأنه لو كان الأمر كما فهمت لزم ثبوت الحكم بالقطع في السرقة، والجلد في الزاني بمجرد تهيئته للاتصاف بالسرقة والزنا وأمثالها، كما زعم أن حكم النهي عن الإباية في قوله تعالى:{وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة:282] هو أنه متعلق لمن هو متهييء لتحملها، وهذا باطل بالإجماع والضرورة، وقول القرافي كل من تحدث في هذه المسألة يذكرها عموماً، وهو باطل.
قلت: كل من ذكرها فيها علمت كالفخر والآمدي والسراج وغيرهم ممن له مشاركة في المنطق تدل على القطع بإحاطتهم بتحقيق مسألة صادقية العنوان على ذات المحكوم عليه، وهو المعبر عنه في هذه المسألة بمتعلق الحكم، ومن شرط العنوان عندهم صدقه بالفعل على الذات لا بالقوة خلافاً للقرافي، وهذا نص لشرط حصول المعنى في الذات التي أطلق عليها المشتق من حيث كونه متعلقاً للحكم، فعلمهم إنما لم ينبهوا على هذا الذي زعم القرافي أنه انفرد بذكره؛ اتكالا على ما علم من شرط صدق العنوان على الذات والله أعلم.
باب أداء الشهادة
والأداء عرفاً: إعلام الشاهد الحاكم بشهادته ما يحصل له العلم بما شهد به.
في النوادر لأشهب: قوله: (هذه شهادتي) أداء لها.
وقال القرافي: لفظه أؤدي مع أنه إنشاء لا خبر.
قال: فلو قال: (وديت) لم يفد عكس لفظ الإنشاء في: بعت واشتريت وأبيع، وأشتري لغو.
قلت: الأظهر أنه يعرف تقرر لا لذات حقيقة الأداء وغيره، والأظهر أن الإشارة المفهمة في ذلك تكفى، وشهدت بعض النفتنين أداها إشارة، فلم يقبلها منه من أداها إليه، وهو واجب عيناً على من لم يزد على عدد من يثبت به المشهود به، وواجب كفاية على من زاد عليه حاضرا كواحد من ثلاثة في الأموال، وما يقبل فيه اثنان، ومن خكسة فصاعداً في الزنا.
قلت: يتأكد الأداء ويتعين على واضع شهادته لا ثالثاً غير عالم بعطف غيره عليه، لدخوله على موجبه، ويخف طلبه على واضعها ثالثاً فصاعداً إن حضر ممن قبلها يثبت الحق به.
ابن شاس: إن كانوا اثنين قد تعينا إن امتنع أحدهما، وقال: أحلف مع الآخر أثم.
قلت: وترك أخذ العوض عن مؤنة تحمل الشاهد شهادته، وأدائها واضح.
وفي جواز أخذه عن التحمل خلاف.
قال ابن المناصف: قال بعض العلماء: يجوز للشاهد أخذ الأجرة على أداء الشهادة، وإن كانت تعينت عليه إن كان اشتغاله بأدائها يمنعه من اشتغاله بما يقوم به أوده.
قلت: وهو أحد الأقوال في جواز أخذ الأجرة في الرواية على الإسماع أو السماع الجواز والمنع والتفصيل.
وفي نوازل سَحنون قيل له: أرأيت الشاهدين يأتيهما صاحب الشهادة أن يشهدا له، فيقولان: الهبوط إلى الحاضرة يشق علينا إلا أن تتفق علينا، وتعطينا دواب
نهبط عليها.
قال: إن كان مثل الساحل منا كتب القاضي لرجل يشهد عنده الشهود، فيكتب بشهادتهم، ولا يعني المشهود إليه بالقدوم، ولا ترى هذه ولاية للمشهود عنده.
قال: لا يستغني القاضي عن مثل هذا.
قيل له: كم بعد الساحل من هنا؟
قال ستون ميلاً فإن كان الشهود على بريد أو بريدين ويجدون الدواب والنفقة، لم يعطهم رب الحق دواب ولا نفقة؛ فإن فعلوه بطلت شهادتهم، فإن لم يجدوا نفقة ولا دواب، فلا بأس أن يكري لهم، وينفق عليهم.
ابن رشد: أصل هذه المسألة قوله تعالى: {وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة:282]؛ لأن معناه عند أهل العلم جميعاً فيما قرب دون ما بعد، خصص عموم القرآن بالإجماع، فإن كان الشاهد بحيث يلزمه الإتيان لأداء شهادته؛ وجب علبه ركوب دابته وأكل طعامه، فإن أكل طعام المشهود له، وركب دابته سقطت شهادته؛ لأنه أرشى عليه بذلك، وخفف ذلك ابن حبيب إن كان ذلك قريباً، وكان أمراً خفيفاً، وينبغي أن يحمل على التفسير لقول سَحنون فالقريب الذي يلزمه الإتيان لأداء شهادته قسمان: قريب جداً تقل فيه النفقة ومؤنة الركوب هذا لا يضر الشاهد ركوب دابة المشهود له، وإن كانت له دابة، ولا أكل طعامه.
وغير قريب جداً تكثر فيه النفقة، ومؤنة الركوب، هذا تبطل فيه شهادته إن ركب دابة المشهود له وله دابة أو أكل طعامه عند سَحنون.
وقيل لا تبطل شهادته بذلك، وهو ظاهر نقل ابن حبيب عن مطرف، وأصبغ في الشاهد يشهد في الأرض النائية فيحتاج إلى تعيينها بالحيازة لها؛ أنه لا بأس أن يركب دابة المشهود له ويأكل طعامه، وهو الأظهر إذ ليس ما يصير إلى الشاهد من هذا ما لا يتمول، وإن كان الشاهد لا يقدر على النفقة، ولا على اكتراء دابة، وهو ممن يشق عليه الإتيان راجلاً لم تبطل شهادته إن أنفق له المشهود له أو اكترى له دابة، وقيل: تبطل شهادته بذلك إن كان مبرزاً في العدالة، قاله ابن كنانة.
وإن كان الشاهد من البعد بحيث لا يلزمه الإتيان لأداء الشهادة، وليس للقاضي من يشهد عنده بموضعه الذي هو به، فلا يضره أكل طعام المشهود له، وإن كان له مال، ولا ركوب دابته، وإن احتجب السلطان عن الشاهد لم يضره إنفاق المشهود له مدة انتظاره إن لم يجد من يشهد على شهادته وينصرف.
وقيل: تبطل شهادته بذلك لتوفيرهم به النفقة على أنفسهم، وهو الأظهر، فانظر أبدا إن أنفق المشهود له على الشاهد حيث لا يلزم الشاهد الإتيان إليه ولا المقام؛ جاز وإلا لم يجز ذلك إلا فيما يركبه إن لم تكن له دابة، ولم يقدر على المشي.
قلت: ما نقله من إبطال شهادته إن كان مبرزاً كذا وجدته في غير نسخة واحدة، وقبل ابن رزقون قول قول ابن كنانة مطلقاً، قال: وقال ابن كنانة: تبطل شهادته بذلك، ولم يذكر تبريزاً، فإن قلت: شرط التبريز في إسقاط شهادته يدل على أنه إن لم يكن مبرزاً بم تسقط شهادته إذا كانت من غير مبرز، كقولها في شهادة الأخ لأخيه تجوز إن كان مبرزاً فجعل التبريز مبطلاً لقدح الأخوة في قبول الشهادة، وجعل التبريز هنا موجباً؛ لأن يقدح في شهادة المبرز ما لا يقدح في شهادة غيره، ويجاب بأنه رأى هذا الوصف في المبرز خسة؛ لأن تبريزه يأبى ذلك كما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولذا والله أعلم حكى ابن الحاجب هذا القول معكوساً فقال: وقيل: تبطل في غير المبرز، ولم يتعرض ابن عبد السلام ولا ابن هارون لشيء من هذا، واستمر عمل الناس اليوم، وقبله في إفريقية وغيرها على أخذ الأجرة على تحملها بالكتب فيمن انتصب لها، وترك التسبب المعتاد لأجلها، وهو من المصالح العامة، وإلا لم يجد الإنسان من يشهد له بيسر، وأخذها ممن يحسن كتب الوثيقة فقهاً، وعبارة على كتبه وشهادته لا يختلف فيه، ويكون أخذه الأجرة على نحو ما ذكره غير واحد كابن المناصف قال: اختلف في أخذ الأجرة على كتب الوثائق منعه قوم، وأجازه آخرون وهو ظاهر الآية، قال: اختلف في أخذ الأجرة على كتب الوثائق منعه قوم، وأجازه آخرون وهو ظاهر الآية، والأولى لمن قدر، واستغنى ترك الأخذ وعلى الآخذ تكون الأجرة معلومة مسماه، وتجوز بما اتفقا عليه من قليل وكثير ما لم يكن المكتوب له مضطراً للكاتب، إما بقصر القاضي الكتب عليه لاختصاصه
بموجب ذلك، وإما لأنه لم يجد بذلك الموضع غيره فيجب على الكاتب أن لا يطلب فوق ما يستحق، فإن فعل فهي جرحة، وإن لم يوافق الكاتب المكتوب ففيه نظر، وهو عمل الناس اليوم، وهو عندي محمل الهبة على الثواب، فإن أعطاه قدر أجره المثل في ذلك لزمه قبوله، وإلا كان نخيراً في قبول ما أعطاه وتمسكه بما كتب له إلا أن يتعلق بذلك حق للمكتوب له، فيكون فوتا ويجبران على أجر المثل، وما زال الناس يعيبون أخذ الأجرة في أكثر حوانيت الشهود بتونس؛ لأنهم يقسمون ما يحصل لهم من الأجرة آخر عملهم على ثلاثة أجزاء: جزأين للشهيدين، وجزء للموثق، وهو أكثر من واحد، وربما صرح بعضهم بحرمة فعلهم، ولقد أخبرني بعض من يوثق بخبره أن القاضي أبو علي بن قداح لبناً فشربه، ثم اجتمع به بعد ساعة من شربه فتحدثا، فأخبره صهره أن ذلك اللبن أهداه له فلان، فذكر له بعض شهود تونس اللذين يأخذون الأجرة في شهادتهم، فقام فقاء ذلك اللبن، واستغرب هذا المخبر حاله، لأنه لما شهد طلع الحانوت، وكان يأخذ الأجر على شهادته، ثم أخبرني من أثق بخبره أن الشاهد الذي كان يشهد معه والموثقين كانوا يعطونه كل يوم ديناراً ذهباً، ويأخذ كل موثق منهم أكثر من ذلك وكان الموثقون ثلاثة أو أكثر.
قلت: فسلمه الله من القسمة الفاسدة المتقدم ذكرها.
والمذهب أن اليمين مع الشاهد في الحقوق المالية كشاهدين في الموطأ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمن مع الشاهد.
أبو عمر: هذا مرسل، وأسنده جماعة ثقاة عن جابر يرفعه، وروى مسلم بسنده
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد، وذكر العقيلي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق.
عبد الحق في سنده: مطرف بن مازن ضعيف، ورماه ابن معين بالكذب.
وقال أبو أحمد الجرحاني فيه: لم أر فيما يرويه شيئاً منكراً.
أبو عمر: لم يخرج البخاري حديث مسلم، ورواه أبو هريرة من طرق كثيرة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن شعيب، وكلها من طرق متواترة، وهو قول جمهور العلماء بالمدينة، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غيره إلا أن يحيى بن يحيى بالأندلس تركه، وزعم أنه لم ير الليث يفتي به، ولقول مالك: قال جلة من العلماء بالعراق: وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة والأوزعي: لا بقضى به.
وقال محمد بن الحسن: يفسخ القضاء به؛ لأنه خالف القرآن، وهذا جهل وعناد، وإنما هو زيادة بيان كنكاح المرأة على عمتها وخالتها مع قوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]
الباجي: إن قالوا يحتمل أن يكون قضى بيمين المطلوب مع شاهد المدعي.
قيل: قوله باليمين مع الشاهد ظاهرة أنها من جهة واحدة.
ابن رزقون: حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد بالتنكير يرفع الإشكال.
الشيخ: وروى المحمدون إنما يجوز الشاهد واليمين في الأموال دون العتق والطلاق والحدود.
زاد بن سحنون: والنكاح والقتل.
ابن حبيب: روى مطرف يجوز اليمين مع الشاهد في الحقوق والجراح، عمدها وخطئها، وفي المشامتة ما عدا الحدود.
قلت في رسم القضاء من سماع أشهب: لا أرى أن يحلف مع الشاهد بالشتم.
ابن رشد: ما روى عن مطرف أنه يحلف مع شاهده في الفرية، ويحد له شذوذ ويتخرج غي المسألة قول ثالث أنه لا يحلف مع شاهده في الفرية، ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم الذي، وفي القصاص من جراح العمد بالشاهد والمين، ثالثها: فيها صغر من الجراح لا فيما عظم كقطع اليد لمالك في أقضيتها، ولابن القاسم في شهاداتها، ورواية ابن الماشجون مع قوله وقول سحنون.
وذكر الباجي عن ابن الماشجون: أن صغير الجراح كالموضحة والأصبغ، وشبهه مما يؤمن معه على النفس.
وحكى المارزي أيضاً الثلاثة الأقوال، وفي الموطأ معها إن نكل ذو الشاهد عن الحلف معه، حلف المطلوب وبريء، فإن نكل غرم الحق.
وفيها: ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال فوجهوه بقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة:282]، ولغوه في العتق يوجب يمن الشهود عليه على رد الشهادة، فإن نكل فقال الباجي في عتقه عليه وحبسه أبدا حتى يحلف، ثالثها: إن طال حبسه ترك؛ لرواية ابن القاسم مع أول قولي أشهب، ولمالك مع سحنون وابن نافع وابن القاسم قائلاً: والسنة طول، وعلى الزوج كذلك، فلإن نكل الثلاثة لقائلها، ورابعها: يسجن ويضرب له أجل الإيلاء، فإن انقضى طلق عليه، وخامسها: هذا بعد طول سجنه.
الباجي عن النوادر عن ابن نافع: ولابن مزين عن رواية محمد بن خالد عنه قال يحيى: وقال أبو زيد: قاضي المدينة مثله.
قلت: في آخر الأيمان بالطلاق منها أقامت امرأة بطلاقها شاهداً أو امرأتين ممن تجوز شهادتهما في الحقوق منع الزواج منها حتى يحلف.
قال مالك: فإن نكل طلقت عليه مكانه، وعدتها من يوم الحكم، وروى عنه أنه يحبس أبداً حتى يحلف أو يطلق.
قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه إن طال سجنه دين، وخلى بينه وبينهما، وهو رأيي.
عياض: قوله إن كانتا ممن تجوز شهادتهما عليه في الحقوق.
زاد في كتاب الشهادات؛ يريد، إلا أن تكون مثل أخواتها وجداتها، ومن هو منها بظنة، وزاد في كتاب العتق: أو عمتها أو خالتها، وليس هذا بمنزلة الحقوق؛ يريد: لأن هذا لو شهدن لها به في الحقوق جازت، ولكن يتهم النساء في هذا الباب لعصبية بعضهن لبعض، ولعياض في كتاب الشهادات: ولحمد يس عن أشهب: أن عليه اليمين في شهادة الأمهات والبنات والقرابات عليه بالطلاق بموجب اليمين عنده بالشهادة اللطخ كاللوث، فلا تعتبر التهمة.
وفي الأيمان بالطلاق: ومن ادعى نكاح امرأة، وأنكرت ذلك فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهداً لا تحبس، ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين هذا لفظ التهذيب، وهي في المدونة مقيسة على دعوى المرأة الطلاق، وفيه نظر لتكرر دعوى الطلاق دون النكاح.
ابن رزقون: قال عبد الملك في الثمانية: من أقام شاهداً على رجل أنه زوجه ابنته البكر حلف الأب، فإن نكل سجن حتى يحلف، وله أن يزوجها في السجن من رجل آخر حتى يحلف، ولا مقال للابنة في ذلك، وإن كانت ثيباً فليس عليه يمين.
وقال أصبغ: لا يمين على الأب بحال.
المارزي: منصوص المذهب من أقام شاهداً واحداً بنكاح امرأة أنكرته أن لا يمين عليها، وفي الموازية: لا يمين في دعوى النكاح على امرأة الرجل، ولا عليه لها ما لم يقم بذلك شاهد واحد بعض الأشياخ وجوب اليمين على المنكر منهما بالشاهد الواحد.
المارزي: وليس هذا بنص بل دليل خطاب لكن وقع في المذهب فيمن عقد نكاحاً لرجل على امرأة، أو لامرأة على رجل، فأنكر الزوج أو الزوجة الوكالة أنهما يحلفان.
وفي الواضحة: لو تعلق اليمين هنا بدعوى الوكيل على الزوج، أنه وكله لتضمن ذلك إلزامه صداقاً ونفقة، ولا تتعلق اليمين على المرأة إذ لا يباح فرجها بمثل هذا،
فأخذ من هذا بعض أشياخي وجوب الحلف مع الشاهد، وفي هذا التخريج نظر؛ لأن المدعى عليه الوكالة لو صدقها كان النكاح منعقداً؛ لأن النزاع في إذنه في الوكالة، والعقد بين الوكيل والزوجة ثابت بشاهدين.
قلت: الذي أشار إليه بالتخريج هو اللخمي ونصه: من أقام شاهداً واحداً على نكاح لم يحلف معه، واختلف في يمين الشهود عليه، فقال ابن القاسم: لا يمين عليه، وقال في الموازية: فذكر ما تقدم إلى قوله: ما لم يقم بذلك شاهد.
قال اللخمي: يريد فيحلف المشهود عليه من رجل أو امرأة.
وقال فيمن زوج رجلاً أو امرأة وزعم أنه وكيل على ذلك، فأنكر المدعى عليه الوكالة بعد أن قدم: إنه يحلف الرجل والمرأة أنه لم يوكله، فإذا كان حلف بدعوى الوكالة مع كون الوكيل غير عدل، وهو مدفع عن نفسه التعدي كان أحرى أن يحلف المدعى عليه مع الشاهد العدل.
وقال ابن حبيب: يحلف الرجل أنه ما وكل، ولا تحلف المرأة أنها ما وكلت؛ لأنها إن نكلت لم تكن زوجة.
وأرى أن تطلبه باليمين رجاء أن تقر، ويحلف هو إن ادعت عليه الوكالة؛ لأن المطلوب منه مال، فإن نكل حلفت وغرم بنصف المهر على قول ابن القاسم؛ إلا أن يجب هو البقاء على النكاح، فيحضر الولي ويجدد العقد.
وإن شهد شاهد بعد موت الزوج أو الزوجة، فقال ابن القاسم: يحلف المشهود له، وتستحق الإرث والصداق إن كان الشاهد لها.
وقال أشهب: لا يستحق ذلك إلا بشاهدين.
وقول ابن الحاجب: ويطالب المشهود عليه بالشاهد في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقرأ أو يحلف؛ فإن امتنع فالأخيرة أن يحبس لهما، إلا أن يحكم بالشهادة.
وقال ابن القاسم: يحبس سنة.
وقول سحنون: (أبداً) يقتضي أن المذهب حلفه في النكاح، وليس كذلك، حسبما
تقدم من لفظ المدونة وغيرها، وإنما الحلف قول غير المشهور.
وظاهر قوله: (إلا أن يحكم بالشهادة) أن في النكاح على الرواية الثانية تعجيل
الحكم بالشهادة، وهذا غير موجود في المذهب.
وما ذكرناه أورده ابن عبد السلام على ابن الحاجب سؤالين، ثم قال: ويحتمل أن يرجع الضمير المجرور من قوله: (يحبس لهما) على المرأة ?في الطلاق?وعلى العبد?في العتق?فيسقط السؤالان لخروج مسألة النكاح.
قلت: قوله: (يطالب في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقر أو يحلف) نص في مطالبته بالحلف في النكاح فامتنع سقوط السؤال فيه، وقوله:(فإن امتنع) ظاهره أو نصه أن الضمير الفاعل المستكن في (امتنع) عائد على ما عاد عليه الضمير في (يحلف) فحينئذ إن جعل الضمير في (لهما) عائداً على (المرأة) في الطلاق، وعلى العبد (العبد) في العتق، ففي الشرط في النكاح، وهو فرض الامتناع فيه، والحلف لا جواب له فتأمله.
اللخمي: وإن شهد شاهد بتمليك فهو كشاهد بطلاق يحلف ويبرأ.
ويختلف إن نكل واختارت الطلاق هل يطلق عليه؟ وإن شهده بخلع؟ فإن كان القائم به الزوج فهو كشاهد بمال يحلف معه. ويأخذه؛ لأن الطلاق بيده، وهو مقر به، وإن كانت المرأة هي القائمة كان كشاهد على طلاق، وإن شهد على نسب أو ولاء لم يحلف معه إن كانت الشهادة على حي، وإن كانت على ميت ليرث منه?وللميت ولد ثابت النسب أو مولى معروف? فأثبت هذا أنه ولد الميت أو أنه مولى مع الأول؛ حلف من ثبت نسبه أو ولاؤه، وكان أحق بالميراث، واليمين إن ادعى الطلبي المعرفة.
واختلف إن لم يكن هناك نسب ثابت سوى الطاريء هل يحلف ويرث؟ أو يكون الإرث لبيت المال؟
وأرى أن من أقام شاهداً أولى.
وقال ابن القاسم: من ادعى على رجل أن عبده، فأنكر وقال: أنا حر؛ أنه ليس له أن يحلفه، إلا أن يقيم شاهداً فيحلف ويستحق.
قال سحنون: ليس له ذلك إن كان معروفاً بالحرية، وأرى إن لم يكن معروفاً
بحرية ولا عبودية أن يخلف ويستحق، وإن كان مشهوراً بحرية، وأنه ابن فلان الحر لم يستحق بشاهد ويمين، ولا بشاهدين، ولا بشاهدين، إلا أن يثبت استحقاقه أمه، أو شبهه مما يخفى، ويبطل ما كان معروفاً به.
قال: وإن شهد بزنا على المعاينة أو الإقرار حد.
واختلف إن نقل ذلك عن غيره؛ فقال ابن القاسم: يُحَدّ.
محمد: لا يحد إن قال: (أشهدني فلان)، إلا أن يقول:(هو زان)، وهذا أحسن؛ لأن من قال:(أشهدني فلان)، ولم يقل:(هو زان) ليس بقاذف.
قلت: إن لمم يكن قذفاً فهو تعريض، ولا سيما إن كان الشاهد يعلم حكم نصاب بينه الزنا.
وإن قال: رأيت فلانا مع فلانة أو بين فخذيها؛ فقال ابن القاسم: يعاقب الشاهد.
وقال غيره: لا يعاقب.
ورابع: إن كان المشهود عليه ممن يظن به ذلك لم يعاقب الشاهد، وإن كلن ممن لا يظن به ذلك عواقب الشاهد.
ومن شهد على رجل أنه شرب خمراً ففيها: ينكل الشاهد.
وقال فيمن شهد على رجل بالسرقة: إن كان لها من يطلبها لم يعاقب?يريد: وإن كان غير عدل? قال: وإن لم يكن لها من يطلبها، والشاهد عدل لم يعاقب، وإن لم يكن عدلاً عوقب.
وعلى قوله في عقوبة الذي قال: (رأيته بين فخذيها) يعاقب الشاهد هنا، وإن كان عدلاً.
ولمالك في المبسوطة: من شهد بالسرقة أو شرب الخمر لم يعاقب.
ولابن نافع في كتب المدنيين: إن شهد بذلك على من له هيئة نكل، وإن كان ممن يتهم بذلك فلا شيء عليه، فأوجب العقوبة الأول قياساً على شاهد الزنا، وأسقطها في القول الآخر؛ لأن الأصل إذا سقطت البينة عدم العقوبة.
والحد على من شهد بالزنا تسليم لقول عمر.
والتفريق بين العدل وغيره لتهمة غير العدل بإذاية المشهود عليه.
وأرى أن يعاقب غير العدل إن كان المشهود عليه لا يظن به ذلك، ولا غير العدل إن شهد على من يظن به ذلك.
وإن شهد بقذف أحلف المشهود عليه.
ويختلف إن نكل هل يحد أو يسجن؟ أبداً حتى يحلف؟ أو يطلق بعد سنة؟ قياساً على الطلاق، والجراح هل يطلق عليه أو يقتص منه.
وإذا ثبت اليمين على مشهود عليه لنكول المشهود له، أو لأنه لم يمكن من اليمين على القول الآخر، فنكل المشهود عليه سجن أبداً حتى يقرأ أو يحلف، وعلى القول الآخر يخرج بعد سنة.
وقال أشهب: يقطع، وذكر ذلك عن ابن القاسم في كتاب الأقضية في بعض روايات المدونة.
وأرى أن يسجن أبداً حتى يقر أو يحلف إلا أن يكون الشاهد مبرزاً، والمشهود عليه ممن يظن به فيقتص منه.
قلت: هذا كله إنما هو في الشاهدة إذا أتى يشهد من قبل نفسه، ولو كان القاضي هو الذي استدعاه للشهادة رجاء ضم غيره إليه؛ وغيره مما لا يثبت به.
ذكر مالك من هذا النوع ?في الموطأ? مسائل منها ما يؤدي إلى فسخ نكاح، أو ثبوت عتق، أو سقوط حد؛ كشاهد ويمين على زوج أمه أنه ابتاعها يثبت الشراء ويفسخ النكاح؛ لأنه لو لم يكن ذلك ذلك لزم إلغاء بالشاهد واليمين في الأحوال، أو اجتماع الملك والنكاح وكلاهما خلاف حكم الشرع؛ ولأن متعلق الشاهد واليمين إنما هو المال والفسخ بحكم الحاكم بالمال لا بالشاهد واليمين.
ومنها شهادة شاهد لمكاتب بأنه قضى النجدم الآخر لسيده، وقبول الشهادة هنا آكد؛ لأن العقد به العتق ثبت على السيد بشاهدين.
ومنها رفع الحد كشاهد ويمين برق من قذف وهو ظاهر الحرية.
قال ابن الحاجب: وأما الشاهد بالقضاء بمال فالمشهور لا يمضي، وله إستحلاف المطلوب؛ فإن نكل لزمه بعد يمين.
قال ابن عبد السلام: هذا كلام فيه نظر، والذي حكاه الباجي وغيره أن القولين فى قبول كتاب القاضي بشاهد ويمين؛ لأنه حق ليس بمالي يؤول إلى مال، ودعو أحد الخصمين على الآخر أن القاضي حكم عليه بمال هي دعوي بمال حقيقة لا ينبغى أن يختلف فيها، وبتقدير أن يكون الأمر على ماحكاه المؤلف فكيف بمنع قبول الشاهد واليمين! ويقبل فيه النكول واليمين، والثاني أضعف من الأول على أصل المذهب.
قال في أقضية المدونه: وللطالب أن يحلف المطلوب أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها أحد، فإن نكل حلف الطالب، وثبتت الشهادة، ثم ينظر فيها الذي ولي بما كان ينظر المعزل.
قلت: إنكاره وجود الخلاف بقوله لا ينبغى أن يختلف فيه، وبما ذكره عن الباجي يرد بأن مافهمه عن الباجي ليس كذلك، وبشهرة ذكر الخلاف فيه من كلام الأشياخ.
أما رد فهمه عن الباجي؛ فلقول الباجي ما نصه: فإن تعلقت الشاهدة بالعقود التي لا تختص بالمال، والمقصود منها المال كالشهادة على حكم قاض، فروى ابن حبيب عن الماجشون لايثبت كتاب قاض إلى قاض بشاهد ويمين، وإن كان في مال.
وقال مطرف: يحلف مع شاهده، ويثبت له القضاء.
قلت: فقوله كالشهاده على حكم قاض نص منه على الخلاف في حكم القاضي، ويبقى محل النظر في أخذ الباقي، ذلك من مسألة كتاب القاضي.
وأما شهرة الخلاف فيه من كلام الأشياخ ففيى النكاح الثاني منها: وإذا فرض القاضي للزوجة، ثم مات أو عزل فادعت المرأة قدراً، وادعى الزوج دونه، فالقول قوله إذا أشبهنفقة مثلها، وإلا فقولها فيما يشبه.
عياض: قال بعض أصحاب سحنون: مذهب ابن القاسم أنه لا يمين على من أشبه قوله منهما إذ لا يحلف على حكم حاكم مع شهادة شاهد، وذهب بعضهم إلى
معنى قوله في الكتاب مع يمينه، وهو الظاهر وأنه حجة لجواز الحلف مع الشاهد على قضاء القاضي، ونبه على ذلك فى كتاب ابن سهل خلاف ما قال بعض أصحاب سحنون، وما لابن القاسم في العتبية قوله هو سماع عيسى ابن القاسم قيل له فإن أقام شاهداً على أمر القاضي وقضائه هل يحلف مع شاهده؟ قال: لا يحلف مع شاهده على شهادته، ولا يجوز فى ذلك إلا شاهدان؛ لأنه من وجه الشهادة على الشهادة، والشهادة على قضاء القاضي بشهادة على شهادة فلا يجوز في ذلك إلا شاهدان.
ابن رشد: قوله: (إن المقضي له لايحلف مع شاهده على أمر القاضي وقضائه) هو على خلاف أصله في المدونة لوقوله فى أقضيتها: إن القاضي إذا عزل، وقد شهد الشهود عنده، وأثبت ذلك في ديوانه، ولم تقم على ذلك بينة أن المشهود عليه يحلف بالله ما هذه الشهادة التي فى ديوان القاضي مما شهدت به الشهود علي؛ فإن نكل حلف المشهود له؛ وثبتت الشهادة، فإذا كان يستحق ذلك باليمين مع النكون فأحرى أن يستحقه باليمين مع الشاهد، ولافرق بين ذلك وبين الحكم، لأنه شعبة من شعب الحكم.
ونحوه في نكاحها الثاني في الزوجين إذا إختلفا في فريضة القاضي، فإذا كانت المرأة تستحق القضاء باليمين مع النكول وجب أن تستحقه باليمين مع الشاهد، وتأول بعض الناس أن قول ابن القاسم في هذه المسألة أنه لا يمين على الزوج إن أي بما يشبه، ولا على الزوجة إن أتي الزوج بما لايشبه، وأتت هي بما يشبه على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وفي الواضحه: إن حكم الحاكم لا يستحق باليمين مع الشاهد، وهو تأويل بعيد، وظاهر المدونة: أنه يستحق بهما، وهو قول مطرف وأصبغ، ويجوز فيه على قول ابن القاسم: شاخد وامرأتان؛ لأنه إذا أجاز ذلك في الشهادة على الشهادة، وفي الشهادة على الوكالة فأحرى أن يجيزه في حكم القاضي إذا قد أجيز فيه الشاهد واليمين، ولا خلاق أنه لا يجوز شاهد ويمين في الشهادة على الشهادة، ولا في الشهادة على الوكالة.
وسحنون وابن الماجشون: لايجزان شاهداً وامرأتين في ذلك كله على أصلهما أنه لا يجوز شاهد وأمرأتان، إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وكتاب القاضي إلى القاضي لا
خلاف أنه لايجوز فيه شاهد ويمين؛ لأنه كالشهادة على الشهادة.
قلت: وقال المازري: ولذا اختلف فى شهادة شاهد واحد شهد عل قاض أنه حكم بمال لزيد على عمرو هل يحلف زيد مع شهادته؟ ويستحق المال أم لا؟
في ذلك قولان، وقول ابن رشد: لا خلاف أنه لايجوز شاهد ويمين في الشهادة على الواله خلاف نقل اللخمي والمازري.
قال اللخمي: اختلف إذا شهد على وكالة من غائب هل يحلف الوكيل؟ والمشهور أنه لا يحلف.
وهو أحسن، إن كانت الوكالة لحق الغائب فقط، فإن كانت مما يتعلق فيها حق للوكيل؛ لأن له على الغائب ديناً أو ليكون ذلك المال بيده قراضاً أو تصدق به عليه حلف، واستحق إن أقر الموكل عليه بالمال للغائب.
وإن وكل على قضاء دين فقضاه بشاهد فجحده القابض حلف الوكيل وبرئ الغريم؛ فإن نكل حلف الطالب وغرم الوكيل إن كان موسراً، وإن كان معسراً حلف المطلوب وبرئ، وكانت تباعة الطالب على الوكيل متى أيسر.
قلت: فظاهر لفظ اللخمي أن الخلاف في الشاهد واليمين في الوكالة نص.
وقال المازري: معروف المذهب أن الشاهد واليمين لا يقضى بها في الوكالة؛ بل لأن اليمين فيها مع الشاهد فيها متعذرة؛ لأن اليمين لا يحلفها إلا من له فيها نفع، والوكيل لا نفع له فيها، وغن كان وقع في المذهب أن الوكيل يحلف مع شاهده بالوكالة، ويقبض الحق، فتأول الأشياخ هذه الرواية على أن المراد بها وكالة بأجرة، ويأخذها الوكيل، أو يقبض المال لمنفعة له فيه؛ وأشار إلى إجراء القولين في قبول الشاهد واليمين في الوكالة على المال على قولي ابن القاسم وأشهب في قبول شهادة رجل وإمرأتين على وكالة بقبض مال، ولغوها بناء على الحكم فيما ليس بمال يؤول إلى مال يحكم بماله أو يحكم حاله قاله سحنون.
أشهب: لايجوز شاهد ويمين في الوكالة على حق.
ابن رشد: قال ابن دحون: يلزم من أجاز شهدة النساء على الوكالة في المال أن يجيز شاهداً ويميناً على الوكالة في المال؛ لأنها تؤول إلى المال؛ وليس ذلك بصحيح إذ ليس كل ما يجوز فيه شاهد وإمراأتان يجوز فيه شاهد ويمين، وإنما القول الذي يقول سحنون وابن الماجشون ما يجوز فيه شاهد ويمين، يجوز فيه شاهد وامأتان، وهما لا يجيزان شهادة النساء في الوكالة على المال.
قلت: في رده على ابن دحون نظر؛ لأن ابن دحون لم يسلك في تخريجه سبيل الاستقراء بصدق كلية لصدق أخرى، وإنما سلك سبيل القياس التمثيلي، وهو أن الشاهد واليمين معمول به في المال، فمن حكم في غيره بأن ما متعلقه غير مال، ومآله قال: إنما يحكم فيه بإعتبار مآله موجب أن يكون الأمر كذلك في الشاهد واليمين يجامع حصر الإعتبار في المال دون متعلق الشهادة الغير المآلي، فإن كان ما شهد به الشاهد حقاً لسفيه فطريقان الشيخ والباجي.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: يحلف مع شاهده بخلاف الصبي، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ، فإن نكل غرم.
قال أصبغ: كالعبد والذمي.
ولابن حبيب عن مطرف: يحلف المطلوب ويؤخر؛ فإذا رشد حلف مع شاهده، فإن أبى لم يكن له على المطلوب يمين؛ فجعله كالصغير.
قلت: زاد فى النوادر إثر قول مطرف، وقاله كله إبن كنانه وقال قبل ذلك.
ولابن سحنون عن ابن القاسم: إن نكل السفيه، وحلف المطلوب فلا يمين إذا رشد، وكذا البكر المولى عليها.
وقال ابن كنانة: لهما الرجوع إلى اليمين بعد رضى حالهما، وإن كان الغريم قد حلف.
وقال ابن زرقون إثر كلام الباجي: لم يختلف ابن القاسم ومطرف أن السفيه يحلف مع شاهده، إنما اختلفا إذا نكل، وحلف المطلوب، ثم رشد السفيه، فقال مطرف: يحلف بعد رشده، ويقضي له.
وقال ابن القاسم: نفذ الحكم للمطلوب، ولا تعاد اليمين إلى السفيه، وكذا هو نص في الواضحة
قلت: ما قاله ابن زرقون هو نص ابن رشد في سماع أصبغ، وعزا لابن كنانة مثل قول مطرف، قال: وهو أظهر من قول ابن القاسم
وقال في تفسيره سماع أصبغ: وهذا مما لا اختلاف فيه أن المولى عليه يحلف مع شاهده، وهذا فيما لم يل وليه المبايعة عليه فيه كبيعه سلعة له؛ فينكر المبتاع، ويجحد الثمن، فإن كان دفع السلعة حلف هو مع الشاهد إتفاقاً، فإن نكل حلف المبتاع وغرم هو إذ لم يشهد
قيل: القيمة على القول إن الإشهاد لا يلزمه إلا عند دفع السلعة، وقيل: الأكثر من القيمة أو الثمن على أنه يلزمه الإشهاد على الثمن، وإن لم يدفع السلعة؛ فقيل: لا يمين عليه مع الشاهد، ويحلف المولي عليه معه، وقيل إنه هو الذي يحلف، فإن نكل اليمين غرم بعد يمين المشتري، وهذا على الخلاف في وجوب الإشهاد عليه بالثمن، وإن لم يدفع السلعة
الباجي: وإذا قلنا يحلف السفيه مع شاهده، فإن حلف قبض ما يجب بيمينه وليه
ابن شعبان: الاختيار أن يقبض ما حلف عليه؛ فإذا صار إليه قبضه وليه؛ لأنه لا يستحق بيمينه شيئاً إلا من إليه قبضه، وإن كان ما شهد به حقاً لعبد، فقال اللخمي: إن كان بمال والعبد مأذون له فهو كالحر إن نكل حلف المدعي عليه وبرئ، ولا مقال للسيد، وإن كان غيرمأذون له، حلف واستحق، فإن نكل حلف سيده واستحق، وإن دفع له سيده مالاً ليقضيه عنه الغريم، فقضاه حلف وبرئ سيده، فغن نكل حلف المشهود عليه، وغرم العبد إن كان مأذوناً له موسراً، فإن كان معسراً أو غير مأذون له حلف السيد وبرئ، فإن وكله غير سيده فقضي بشاهد ونكل عن اليمين؛ حلف الطالب، وغرم العبد إن كان مأذونا له
قال محمد: كالحر يوكله الرجل
اللخمي: فإن كان فقيرآ حلف الموكل وبرئ؛ وكذا إن كان غير مأذون له، وهو
موسر يحلف الموكل.
ونقل ابن رشد في العبد كاللخمي، وتقدم قياس أصبغ السفيه عليه، وعلى الذمي، وهو يدل على الاتفاق عليه.
قلت: فشأن قول ابن الحاجب: والعبد كالرشيد لا كالصبي على المشهور لا أعرفه؛ ابن عبد السلام وابن هارون وهما.
الباجي: يحلف مع الشاهد الواحد المشهود له كان مؤمناً أو كافراً أو عبداً ذكراً أو أنثى، فإن كان صغيراً، وانفرد بالحق؛ فمشهور مذهب مالك أنه يستحلف له المطلوب، وقاله ابن القاسم ورواه الأخوان.
وروى محمد: يوقف له حقه حتى يحتلم فيحلف، ولم يذكر اليمين، وقاله سحنون وأشار المازري لتعقب أخذ الباجي ما عزاه لسحنون فقال: تعلق بعض المتأخرين في سقوط يمين المطلوب بذكر لفظ رواية محمد قال: وأرى هذا المتأخر الصغير كمغمى عليه قام له شاهد، ولا يستحلف له المطلوب، وليس مثله لقرب إفاقته، وطول انتظار الصبي.
اللخمي والصقلي والمازري عن محمد: وعلى المشهور يسجل الإمام شهادة الشاهد خوف موته أو طروء جرحته.
ابن زرقون: قال ابن رشد: ذكر عن مالك والليث أن الصغير يحلف مع شاهده، وهو غريب.
قلت: يريد الصغير الذي يعرف القربة الذي تجوز وصيته لا غيره.
ولفظ ابن رشد في آخر مسألة من رسم جاع من سماع عيسى ما نصه: ووقع في كتاب جمعت فيه أقضية مالك والليث أن الصغير يحلف مع شاهده كالسيفه وهو بعيد، لأن القلم عنه مرفوع فلا يتحرج من الحلف على باطل، وليس لولي الصغير أن يحلف مع شاهده، ويحلف وحده، واختلف في الأب؛ فالمشهور المعلوم من قول ابن القاسم، وروايته أن ذلك ليس له.
وقال ابن كنانة: له ذلك وهذا فيما لم يل الأب والوصي المعاملة فيه، وإن وليها
أحدهما وجبت عليه اليمين فيها؛ لأنه إن لم يحلف غرم.
قلت: تضعيفه حلف الصبي بأنه لا يتحرج من الحلف على الباطل يضعف كونه باطلاً بقيام الشاهد العدل به.
الباجي: إذا قلنا يحلف المطلوب، فإن حلف بقي الحق عنده معينا كان أو في الذمة، حتى يبلغ الصغير؛ فيحلف مع شاهده ويستحق حقه؛ فإن فات المعين فقيمته يوم الحكم به، قاله ابن حبيب عن الأخوين.
وابن عبد الحكم وأصبغ: فإن نكل الصبي بعد بلوغه؛ ففي العتبية والموازية وغيرهما، وهو المشهور: أن المطلوب لا يحلف؛ لأنه حلف، وهذا بناء على أن يمين المطلوب يمين استحقاق بشرط نكول المدعي، ويحتمل أن يقال يمين المطلوب لتوقيف الحق بيده فقط، لما تعذرت يمين الطالب، فإذا حلف الطالب أخذ، وإن نكل حلف المطلوب يمين الاستحقاق إذ لو كانت يمينه أولاً يمين استحقاق، لوجب إن نكل عنه أن ينفذ القضاء عليه بنكوله، ولا يحلف المدعي يميناً بعدها، وهذا أصل متنازع فيه.
قلت: سمع عيسى ابن القاسم إن أبى الصبي أن يحلف لما كبر فليس على المطلوب أن يحلف ثانية.
ابن رشد: وقعت هذه المسألة في سماع أصبغ من كتاب المديان.
وفيها: قال أصبغ: لأنه قد برئ يوم حلف، وهو بريء أبداً حتى يحلف الصبي، فيكون حلفه كالشهادة الحادثة القاطعة، وعلى قول أصبغ هذا لا يجب توقيف الدين.
وقيل: إذا حلف المطلوب أخذ الدين منه، فوقف حتى يكبر الصبي فيحلف ويأخذه، ومعناه لم يكن ملياً، وخيف عليه العدم، وهو في القياس صحيح إذ لو كان المدعى فيه معيناً لوجب وقفه أو بيعه ووقف ثمنه إن خشي عليه، على ما قاله ابن القاسم في سماع محمد بن خالد بعد هذا، وإذا وقف الدين أو العرض فضمانه من الصبي إن حلف، ومن الغريم إن نكل؛ لأنه إنما وقف لمن يجب له منهما، وقيل: إن المطلوب يحلف ثانية إذا بلغ الصبي وأبى أن يحلف، وهو بعيد ووجهه أن يمينه أولاً لما لم تكن واجبة، وإلا سقط عنه الحق بها كانت إنما أفادت تأخير الحكم لبلوغ الصبي،
فإذا بلغ استؤنف الحكم، ولا خلاف إن نكل المطلوب انه يغرم الحق، ولا يجب على الصغير حلف إن بلغ؛ لأن نكوله كالإقرار.
وكذا الوكيل الغائب يقيم شاهداً واحداً على حق الغائب، فيقضى على الذي عليه الحق باليمين إلى قدوم الغائب، فيحلف مع الشاهد أنه إن نكل غرم، ولم يكن على الغائب إذا قام يمين.
قلت: انظر قوله: (لا خلاف إن نكل المطلوب انه يغرم الحق، ولا يجب على الصغير حلف
…
إلخ) مع ظاهر قول الباجي ما نصه: فإن نكل المطلوب أولاً غرم.
رواه ابن حبيب عن مطرف وابن كنانة وقاله محمد.
قال ابن حبيب عنهما: فإن بلغ الصغير فعليه اليمين، فإن حلف قضي له، وإن نكل هذا، والكبير المولى عليه بعد الرشد، والبلوغ رد إلى المطلوب، فظاهره حلف الصبي بعد بلوغه، وإن كان المطلوب قد غرم لنكوله.
قال: ويحلف الصغير إذا كبر مع شاهده على البت.
محمد: ولا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقن به.
وفي كتاب ابن سحنون متصلاً بقول مالك: إنه يحلف كما يحلف الوارث على ما لم يحضر، وهو لا يدري هل شهد له بحق أم لا؟ فيحلف معه على خبره، ويصدقه كما جاز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان من مال وغيره، وهو لا يعلم ذلك إلا بقولهما.
قلت: ففي شرط حلفه مع شاهده بتيقنه أو ظنه قولا محمد وابن سحنون عن مالك، وهما جاريان على الخلاف في الحالف على ما يظنه ولا يتيقنه، هل حلفه غموس أم لا؟ حسبما تقدم في الأيمان، وعلى القولين في كتاب العتق الأول منها فيه، وإذا كان عبد بين رجلين قال أحدهما: إن كان دخل المسجد أمس فهو حر، وقال الآخر: إن لم يكن دخل المسجد فهو حر، فإن ادعيا علم ما حلفا عليه دينا في ذلك، وإن قالا ما نوقن أدخل أم لا، وإنما حلفنا ظناً فليعتقاه بغير قضاء، وقال غيره: يجبران على عتقه، ونحوه في الأيمان بالطلاق.
ورد المازري بصحته أخذ ما شهد به الشاهدان بأن إباحة كل المال، ورد الشرع
بالاكتفاء فيه بالظن إذ التكليف فيه بالتيقن حرج عظيم على النفس والأهل والتكليف باليمين بالله باليقين، وعزا بعض أشياخي القولين في التعديل على الظن في اليمين.
قلت: ذكرهما اللخمي روايتين في اليمين مع الشاهد.
الباجي: ومن نكل عن الحلف مع شاهده؛ فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهداً آخر، ففي الموازية: لا يضم له إلى الأول.
ورواه يحيى بن يحيى وابن سحنون عن ابن القاسم، ولابن حبيب عن ابن عبد الحكم وابن الماجشون عن مالك يضم له إلى الأول، ويقضى له به.
ابن كنانة: هذا وهم، وكان يقول يضم إلى الأول، وإنما هو فيمن أقامت شاهداً على طلاقها، فحلف الزوج، ثم وجدت شاهداً آخر، فإنه يضم إلى الأول؛ لأنه لم يوجد منه نكول، وقاله ابن الماجشون.
وقال أصبغ بقول مالك بالإضافة إلى الأول في الحقوق، كما لو لم يقم شاهداً فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة أنه يقوم بها، وذكر ابن محرز القولين في ضمه غير معزوين.
ابن زرقون: قال أصبغ: وكذا لو لم يقم بينة، ورد المطلوب اليمين على الطالب فنكل، فلم يقض له نكوله، ثم وجد بينة أخذ حقه ببينة، ولو حلف الطالب إذ ردت اليمين عليه، ثم وجد بينة أخذ حقه ببينة، ولو حلف الطالب إذ ردت اليمين عليه، ثم وجد بينة ببراءته من ذلك قام بها، ورجع بما أخذ منه، لا أعرف غيره من قول أصحابنا.
قلت: فقول ابن الحاجب: ولو حلف المطلوب، ثم أتى الطالب بشاهد آخر لم يضم للأول اتفاقاً وهم.
الباجي: وعلى عدم ضم الثاني للأول ففي الموازية: يؤتنف له الحكم فيحلف مع شاهده.
وقال ابن كنانة: لا يحلف مع الثاني لتركه حقه بنكوله، ونحوه روى يحيى بن يحيى وابن سحنون عن ابن القاسم، وعلى حلفه إن نكل ثانية ففي الموازية: ترد اليمين ثانية على المطلوب؛ لأنه إنما أسقط بالأولى شهادة الأول.
وقال ابن ميسر: لا ترد عليه ثانية؛ لأنه حلف على هذا الحق مرة.
ابن زرقون: قول ابن كنانة، ورواية يحيى وابن سحنون إنما هي على أن الثاني لا يضم.
قلت: وعلى ما ذكره الباجي فما المحوج لذكره. قال: وفي المسألة أربعة أقوال.
الأول: إن أتى بشاهدين قضي له بهما، وإن أتى بشاهد ثان استؤنف له الحكم، قاله ابن القاسم في الموازية، فإن نكل ففي حلف المطلوب قولان تقدما.
الثاني: إن أتى بشاهدين قضي بهما وإن أتى بشاهد أضيف إلى الأول، وأخذ حقه دون يمين، رواه ابن الماجشون، وقاله عيسى بن دينار.
الثالث: أن نكوله أولاً قطع لحقه فلا يكون له شيء، ولو أتى بشاهدين غير الأول، قاله ابن القاسم وابن كنانة في المبسوط.
الرابع: إن جاء بشاهدين غير الأول قضي بهما، وإن أتى بشاهد واحد لم يقض له بشيء حكاه ابن رشد ولم ينسبه، ولوارث الصغير ما كان له بحكم صفة الوارث إن كان صغيرا فكمورثه، وإن كان سفيها فكما مر فيه، وغن كان رشيداً فله تعجيل حلفه.
قال ابن الحاجب: فلو كان وارث الصغير معه أولاً، وكان قد نكل لم يحلف على المنصوص؛ لأنه نكل عنها.
قلت: لا أعرفها إلا لنقل الصقلي على قولها إن كان الورثة صغاراً، وكباراً لدين بشاهد واحد حلف الكبار، فإن نكلوا وبلغ الصغار فلهم أن يحلفوا، ويستحقوا حقهم ما نصه: قال بعض فقهائنا: لو مات الصغير صغيراً فورثه كبير، نكل عن يمينه في حظه فليس له أن يحلف لتقدم نكوله.
الصقلي: الظاهر أن له أن يحلف على حظ الصغير هـ.
فيستحقه لحلوله محله في اليمين، ونكوله أولاً إنما كان عن حظه لو حلف أولاً، واخذ حظه، ثم روث الصغير لم يأخذ حظه إلا بيمين ثانية، فهما كحقين بكتابين كل حق بشاهد واحد، فليس نكوله عن الحلف مع أحدهما يسقط حلفه مع الآخر.
ابن عبد السلام: في استدلاله نظر لاحتمال أن يقال إنما أعيدت اليمين ثانية؛ لأنها
على الحق الأول فلم تتضمن الثاني وهب أنها تضمنته؛ لكنها قبل وجوبها، ونكوله أولاً الغالب انه من ريبة أو لورع.
قلت: يرد بكون نكوله أولاً لعدم تيقنه حقية ما شهد به الشاهد، أو لعدم ظنه ذلك؛ ثم حصل له اليقين أو الظن.
وعن المازري قولي بعض الفقهاء والصقلي للمتأخرين، وقال: أظن أني رأيت هذا الخلاف بين أصحاب الشافعي.
الشيخ: روى محمد إن قام شاهد لطفل بدين لأمه لم يحلف معه أبوه.
قيل: وإن لزمته نفقته، قال: ما أظن ذلك.
زاد اللخمي: وفي كتاب المدنيين ذلك له قال: وإن ثبت على ميت دين بشاهدين، وشهد شاهد بالقضاء، والوارث صغير حلف الطالب، وأخذ ذلك، فإن بلغ الصغير حلف؛ واسترد المال، وإن نكل الطالب لم يكن له شيء، وهذا على القول بعدم وقف ما شهد به شاهد واحد لصبي من دين، وعلى القول بوقفه لا يقضى به للطالب هنا، ويوقف على يدي عدل، وإن ثبت لميت دين بشاهدين، وأثبت المطلوب شاهداً لبراءته منه حلف معه وبرئ، فإن نكل غرم إن كان الوارث صغيراً، وإن كان كبيراً يظن به العلم للمواطنة للميت كالولد حلف، ويختلف هل يوقف المال من ذمة المطلوب؟
قلت: قوله: (يختلف) راجع لفرض كون الوارث صغيراً.
قال ابن سحنون: من شهد لميت بدين وارثه أخرس لا يفهم، ولا يفهم عنه حلف المدعى عليه وبرئ، فإن نكل غرم، وكذا المعتوه إن نكل المدعى عليه غرم، وإن حلف، ثم عقل المعتوه حلف واستحق، وإن شهد شاهد لغائب بدين لم يطلب الغريم دون وكيل، وإن شهد له شاهد بغصب؛ فللحاكم أن يحلف المشهود عليه، فإن نكل وقف الشيء المغصوب.
الشيخ عن أشهب: شهادة واحد بحبس في السبيل أو وصية فيه، أو لليتامى، أو من لا يعرف يعينه ساقطة، ليس لأحد ممن ذكر الحلف معه، وليحيى بن يحيى عن ابن القاسم مثله.
قلت: لما علله المازري بأن الحق لمجموع يتعذر حصوله، والواحد منه لا يتقرر حقه فيه إلا بإحصاء المجموع، وقال: يجب أن يحلف المشهود عليه على إبطال شهادة الشاهد عليه كالشاهد عليه بالطلاق.
قلت: وظاهر الروايات عدم حلفه لعدم تعين طالبه.
ونقل اللخمي كالمازري قائلا: إن نكل لزمه ما شهد به عليه، ولابن الماجشون إن شهد شاهد بوصية بعشرين للفقراء، وبعشرة لزيد فللوارث الحلف معه ليحاصص ذا العشرة بعشرين في الثلث.
ولسحنون عن ابن القاسم: إن شهد شاهد بوصية لعتق ومال لرجل، حلف الموصى له بالمال، ولم يقض له إلا بما فضل عن العتق، وهذا خلاف قول عبد الملك، ووجه قول ابن القاسم أنه يقال للحالف من أهل الوصايا: إن كانت شهادتك جائزة؛ فإنما لك ما ينوبك فيه، ومالك مع العتق إلا ما فضل عنه.
الشيخ: قال محمد: إن قام شاهد واحد بحبس مسبل ومعقب، فقال أصحابنا: لا يصلح فيه يمين.
وروى ابن الماجشون: إن حلف جلهم نفذ لهم ولغيرهم ولغائبهم، ومن يولد لهم، وللسبيل بعدهم.
وروى أيضاً مع مطرف وابن وهب: إن حلف رجل واحد ثبت له، ولجميعهم وإن لم يحلف معه غيره.
زاد اللخمي: وإن باد شهوده فلم يثبت إلا بسماع حلف واحد منهم، وثبت لجميعهم.
وقال بعض شيوخنا: إن شهد شاهد بحبس على عقب فمن حلف ثبت حظه وحده، ومن نكل سقط حظه، وردت اليمين على المشهود عليه، وهو أقيس كما لو شهد لورثه منهم غائب وحمل، فإن لمن حضر بالغاً أن يحلف، ويستحق حقه.
وذكر ابن الحاجب الاكتفاء بحلف الجل لرواية ابن الماجشون كالشيخ، فقال ابن عبد السلام: إنما حكاه المازري قولا لابن الماجشون لا لرواية.
قلت: والذي وجدته للمازري نقله عنه رواية كالشيخ، ووجه الاكتفاء يحلف واحد بأنه إذا اخذ حظه شركه فيه بقية أهل الحبس؛ لاعترافه أن ما أخذ حق أخوته فيه على الشياع، فإذا أخذ منه شيء عاد لليمين لإكمال حظه فلا يزال كذا حتى يؤخذ الحبس كله فاكتفى بيمينه وحده يميناً واحدة.
قلت: يرد بمنع مشاركتهم إياه؛ لأن استحقاقه حقه إنما هو بسبب فعله، هم قادرون عليه وتركوه، فوجب أن لا يشركوه فيه كشريكين في دين على رجل ملدٍ، فطلب أحدهما شريكه في طلبه معه اقتضاءه فأبى، فلا دخول له على المقتضي بشيء، وما عزاه اللخمي لبعض شيوخه عزاه المازري لبعض شيوخ القرويين قائلا: ولو انقرض البطن الأول بعد استحقاقهم باليمين فهل يكتفي البطن الثاني بيمين الأول أم لا يكتفون؟ فكان بعض الأشياخ يشير إلى عدم اكتفائهم؛ لأن كل واحد من أهل الحبس له حكم نفسه لا تعلق له بغيره، وقاله بعض الشافعية.
وقال بعضهم: يكتفي البطن الثاني بحلف الأول، وقدر الانتقال إليه كانتقال حق بإرث حلف عليه مورثه، والقول الأول عندهم بناء على أن ثبوت الحق لهم إنما هو بعقد تحبيس المحبس لا بالإرث عن آبائهم، وهذا مقتضى النظر.
والقياس على ما ذهب إليه بعض الأشياخ، ولو مات واحد من البطن الأول رجع حظه على بقية البطن الأول، وينظر في تجديد يمين عليهم لأجل الذي يرجع، فإن قيل: هذا الرجوع كالوارثة عن من مات على إحدى الطريقتين المذكورتين؛ لم يلزمهم يمين أخرى، وإن قدرنا رجوعه إليهم إنما هو عن المحبس حلفوا يميناً ثانية، ولو عرضت اليمين على البطن الأول فنكل جميعهم، ثم جاء بعدهم البطن الثاني فمن قال: أخذ البطن الثاني كأخذ الوارث عن آبائهم؛ لم يمكنوا من الحلف لبطلان حقهم بنكول آبائهم، وعلى الطريقة الأخرى، وهي الأظهر أن أخذهم إنما هو بعقد التحبيس من الحبس يمكنون من اليمين، ولم يضرهم نكول آبائهم.
ولو حلف واحد فاستحق حقه، ونكل الآخر من البطن الأول، ثم مات الحالف وحده، وبقي إخوته الناكلون، فقيل: نكولهم كموتهم فيصير كل البطن قد ماتوا
أحدهم حقيقة، وسائرهم حكما بنكولهم، فينتقل الحق للبطن الثاني، وهذا عندي لا يصح على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما، وهو أن نكول من نكل لا يبطل حق من يأتي بعده، فلا يرجع حظ الناكل إلى أهل البطن الثاني، والأظهر أن المحبس إن اشترط أن لا يأخذ البطن الثاني شيئاً، إلا بعد انقراض البطن الأول، وموت جميعهم لم يأخذ أحد من البطن الثاني شيئاً مادام أحد من الناكلين حيا، ونقل ابن شاس كلام المازري على نحو ما ذكرناه.
قال ابن الحاجب بعد القول الرابع معبراً عنه بقوله: فلو مات بقوله لمن حلف نصيبه فلو مات، ففي تعيين مستحقه من بقية الأولى أو البطن الثاني، أو من حلف أبوه خلاف، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فقرر هذه الأقوال ابن هارون بما تقدم للمازري من الإجراء.
وقال ابن عبد السلام: هذه الوجوه لم يحكها المازري أقوالاً هكذا، وإنما جعلها على قواعد فتأملها في كتابه فكلامه هناك ليس بصريح فيما ذكره المؤلف.
قلت: ظاهر قوله قبوله الأقوال التي ذكر ابن الحاجب، وأن التعقب عليه إنما هو في تصريحه بأنها أقوال، وإنما هي في كلام المازري إجراءات على قواعده ذكرها، والحق أنها غير موجودة في كلام المازري؛ لأن حاصل كلامه لمن تأمله مسألتان:
الأولى: انتقال الحبس عن الطبقة الأولى إلى الثانية، أو لبقية طبقة لموت غيرها، ففي وقف هذا الانتقال على حلف المنتقل إليهم قولان بناء على كون استحقاقهم الحق بعقد المحبس الحبس أو بالإرث من المنتقل عنه.
الثانية: في صحة انتقاله لذوي الطبقة الثانية تلو ذوي الطبقة الأولى لنكوله، وبطلان انتقاله لذوي الثانية فلا حلف لهم قولان بناء عليهما، ومقتضى كلام ابن الحاجب أنهما مسألة واحدة فيهما ستة أقوال وهي: لو مات بعضهم.
قيل: يستحق حقه بقية الأولى، وقيل: البطن الثاني، وقيل: من حلف أبوه، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فظاهره أن القولين عامين في الاستحقاق المختلف فيه على الثلاثة أقوال في كل قول منها قولان، ومن أنصف علم أن لفظ المازري لا يدل على