الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثامن والسبعون شعر اليهود
واللغة التي كان يتكلم بها اليهود، هي اللهجات العربية التي كان يتكلم بها أهل المناطق التي ينزلونها. ولتكلم اليهود في كل قطر يحلون فيه بشيء من الرطانة، لا يستبعد أن تكون لغتهم العربية التي كانوا يتكلمون بها عربية تشوبها الرطانة العبرانية. ولكن هذا لا يمنع من وجود أناس فيما بينهم كانوا يتكلمون ويكتبون بالعبرانية، ولا سيما أنهم كانوا يستعملون العبرانية في دراسة أمورهم الدينية وفي كتابة النشرات والتعاويذ، كما كانوا يستعملونها في السحر. وقد وردت إشارات إلى ذلك في كتب الحديث. وقد ورد أيضًا أنهم كانوا يعلمون أطفالهم العبرانية في الكتاب.
ويروي رواة الشعر شعرا جاهليا زعموا أن قائليه هم من يهود، وأكثره أبيات لشعراء لا نعرف من أمرهم شيئًا، لعلها بقايا قصائد. أما القصائد، فينسب أكثرها إلى السموأل بن عادباء صاحب حصن الأبلق في تيماء، وصاحب قصة الوفاء المشهورة1. وهذا الشعر المنسوب إلى اليهود، لا يختلف في طريقة نظمه وفي تراكيبه ونسقه عن شعر الشعراء الجاهليين، ولا نكاد نلمس فيه أثرًا لليهودية ولا للعبرانية، فألفاظه عربية صافية نقية مثل ألفاظ أهل الجاهلية، وأفكاره على
1 تأريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان "1/ 121"، "طبعة دار المعارف بمصر"، "طبعة ثانية"، "تعريب الدكتور عبد الحليم النجار".
نمط أفكار الجاهليين. ويصعب أن تجد فيه أثرًا للتوراة والتلمود، مما يحملنا على التفكير في صحة هذا الشعر وفي درجة تعمق صاحبه وتفهمه لدين يهو.
ومن الشعراء الذين روى الإخباريون شيئًا من شعرهم بعد السموأل: "أوس بن دنن"، وهو من بني قريظة، و"كعب بن سعد القرظي"، و"سارة القريظية"، و"سعية بن غريض بن عادياء""شعية بن غريض بن عاديا"، و"الربيع بن أبي الحقيق"، و"أبو الديال""أبو الزناد"، وله شعر في رثاء يهود تيماء الذين أجلاهم الرسول، و"شريح بن عمران"، و"كعب بن الأشرف"، و"أبو رافع اليهودي"1.
وروي أن "جعفر بن محمد الطيلسي" جمع أشعار اليهود في ديوان، ويظهر أنه أخذ ذلك من كتاب للسكري، ويقال إن الموفق بالله أخا الخليفة المعتمد العباسي طلب من الوزير "إسماعيل بن بلبل" أن يقدم إليه ديوانا في شعر اليهود، فطلب الوزير من العالم اللغوي الأديب "المبرد" أن يقدم إليه ديوانا في شعر يهود، فأخبره المبرد أنه لا يعرف شعرا لليهود. فطلب الوزير من العالم "ثعلب" أن يقدم إليه ما عنده من شعره لليهود، فأجابه أن لديه ديوانا من شعرهم، فقدمه إليه2.
وقد كانت بين المبرد وثعلب خصومة شديدة ومنافسة عنيفة، فلعل هذا الخبر هو من مرويات الجماعة المتعصبة لأحد الطرفين في الطعن في أحدهما والحط من شأنه، فقد تحزب طلاب العلم وانقسموا جماعتين، كل جماعة كانت تنتصر لصاحبها، إذ لا يعقل إلا يكون للمبرد علم بشعر لليهود، وقد ذكر من سبقه مثل أبي تمام في حماسته والجمحي في طبقات الشعراء كما ورد في الأصمعيات شعرا لهم3، كما أن في كتابة الكامل نتفا من شعرهم، أو لعل إنكاره لشعرهم بمعنى أن أكثر ما نسب إليهم من شعر هو في نظره مزيف مصنوع، ولهذا لم يعن بجمع ما ورد عنهم، ولا يمكن أن يكون ديوانا في شعر يهود4.
1 الأغاني "19/ 94 وما بعدها" الميداني "2/ 276"، المشرق، السنة الثانية عشرة "1909"، "162" MargiIiouth p 76
2 rgiIiouth p 75
3 طبقات الشعراء للجمحي "70/ وما بعدها".
4 MargoIioutgth p 74
والشعراء اليهود الذين ذكرهم الجمحي في كتابه "طبقات الشعراء"، هم: السموأل بن عادياء، والربيع بن أبي الحقيق، وهو من "بني النضير"، وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران، وشعبة بن غريض "شعبة بن غريض" وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الذيال، ودرهم بن زيد. وقد ذكر لهم أبياتا مما قالوه من الشعر1.
والسموأل، وهو من سادات يهود الحجاز ومن أثريائهم وملاكهم، أحسن الشعراء اليهود حظًّا في الخلود. بقيت أشعاره، وحفظت قصائده، ولم يبخل علماء الشعر عليه، فجمعوا شعره في ديوان. ولم يشأ الزمان أن يبخل عليه، فهيأ له من طبعه. ولا تزال تلك القصة: قصته مع مخلفات امرئ القيس مضرب الأمثال. وصير هذا الشاعر الملاك المرابي مثلا وقدوة للأوفياء، فضرب به المثل وقيل: أوفى من السموأل، ولعل القصيدة المبتدئة بهذه الأبيات:
وفيت بأدرع الكندي، إني
…
إذا ما ذم أقوم وفيت
وأوصى عاديا يوما بألا
…
تهدم يا سموأل ما بنيت
بنى ليه عاديا حصينا
…
وماء كلما شئت استقيت
هي التي خلدت هذه القصة، وصيرت لها فروعا وذيولا، وهي قصة تجعل الكندي المقصود بها هو الشاعر الشهير امرأ القيس، وهي التي خلدت اسم صاحب ذلك الحصن.
ونجد هذه القصة في قصيدة للأعشى، يقال إنه قالها مستجيرا بابن السموأل شريح، ليفكه من أسره، وكان قد وقع أسيرا في يد رجل كلبي كان الأعشى قد هجاه، ثم ظفر به الكلبي، فاسره وهو لا يعرفه، فنزل بشريح بن السموأل وأحسن صيافته، فلما مر بالأسرى، قال الأعشى أبياتا يمحده فيهان ويمدح أباه، ويذكر كيف أن أباه اختار أدراع الكندي، وأبي إلا أن يسلمها إلى آله وذويه، على أن يسلمها إلى آسري ابنه إذا أطلقوه. وهي أبيات نجته من أسر الكلبي، ففر منه بعد أن وهبه لشريح وهو لا يعرف به. فلما عرف به، ندم. ولكن ندمه هذا لم يفده شيئًا لأنه جاء بعد فوات الوقت2.
1 "ص70 وما بعدها".
2 الأغاني "19/ 99 وما بعدها".
ويروي الإخباريون ورواة الشعر أشعارا أخرى للأعشى قالها في مدح السموأل وفي وصف حصنه وفي سرد قصة وفائه، نجد فيها مصطلحات وجملا وكلمات ترد أيضًا في الشعر المنسوب إلى السموأل. وهذا ما يحملنا على التفكير في كيفية حدوث ذلك ووقوعه. هل حدث ذلك لوقوف الأعشى على شعر السموأل واقتباسه منه، باعتبار أن السموأل أقدم عهدا منه، أم حدث بتوارد الخواطر والمعاني فهو من قبيل المصادفة ليس غير، أم صنع فيما بعد على لسان السموأل بعد شيوع هذا الشعر المنسوب إلى الأعشى صاحب الأبلق الفرد، أم الشعران مصنوعان صنعا في الإسلام ووضعا على لسان الرجلين؟ وبالجملة أن أكثر ما ينسب إلى السموأل، هو من النوع المصنوع الذي شك فيه، وبعضه مما نسب إلى غيره من الشعراء.
أما جامع شعر السموأل في ديوان، فهو إبراهيم بن عرفة الملقب بنفطويه "323- 32هـ"، من مشاهير علماء العربية: وبعض ما هو مذكور في هذا الديوان1، مثل قصيدته الشهيرة:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه
…
فكل رداء يرتديه جميل
مذكور في حماسه أبي تمام، وبعضه من مرويات الأصمعي. ولم يذكر نفطويه جامع الديوان سنده في رواية هذا الشعر. وهذا السند مهم جدا عند المؤرخ للوقوف على كيفية حصول هذا العالم على شعر السموأل، ولمعرفة صحة نسبته إليه.
وفي الشعر المنسوب إلى السموأل جزء منحول مصنوع، وضع عيه، وجزء منسوب إلى غيره، وقد أشار إليه العلماء، ونحن إذا قمنا بغربلته وتنقيته نجد أقله له وأكثره لغيره، قد يكون من صنعة شاعر آخر، وقد يكون من وضع وضعة الشعر ومفتعليه. ثم إذا فحصنا هذا القليل الذي يتفق أهل الأخبار على أنه له، لا نجد فيه ما يشير إلى وجود أثر لدين يهود في الشعر.
وقد استدل الأب "شيخو" على نصرانية ذلك الشاعر، من قصيدة نسبت إلى السموأل، ورد فيها شيء من القصص الديني، والأب شيخو لا يكتفي بنصرانية
1 طبع هذا الديوان في بيروت "سنة 1909م" في مجلة المشرق للسنة المذكورة "ص161 وما بعدها" كما نشره عيسى سابا بعنوان شعر السموأل ببيروت كذلك. وأعاده نشره الشيخ محمد حسن آل حسن آل ياسين بعنوان: "ديوان السموأل" صنعة أبي عبد الله نفطويه وطبع ببغداد سنة 1955م.
السموأل وحده، بل يرى أن النصرانية هي ديانة جميع الشعراء الجاهليين، ولهذا ألف فيهم كتابه "شعراء النصرانية" وتحدث فيه عنهم على أنهم نصارى مؤمنون بدين المسيح1. وقد فاته شيء واحد لا أدري كيف عزب عن باله، عفا الله عنه، هو: تعيينه مذهبهم في النصرانية، ونصه على ترهبهم وتنسكهم ولبسهم المسوح على طريقة الرهبان.
ومن القصائد المنسوبة إلى السموأل، قصيدة مطلعها:
ألا أيها الضيف الذي عاب سادتي
…
ألا اسمع جوابي لست عنك بغافل
ختمها بهذا البيت:
وفي آخر الأيام جاء مسيحنا
…
فأهدى بني الدنيا سلام التكامل2
وهي قصيدة تختلف في أسلوب نظمها وفي العرض العام عن طرق النظم المألوفة في الشعر قبل الإسلام، والشعر المنسوب إلى السموأل. وقد وردت فيه كلمة "رحمانهم" وأشير فيها إلى قصة إبراهيم الخليل، والذبيح ابنه، وإلى تسميته بإسرائيل، ثم إلى الأسباط. وقصة بني إسرائيل مع فرعون مصر. وقد أغرق الله فرعون في البحر. وإلى القدس والطور، وأمثال ذلك.
وهذه القصيدة هي رد لأقوال رجل يظهر أنه عاب بني إسرائيل، وتهجم عليهم، فأثار هذا التطاول صاحب هذه الأبيات فنظمها في الرد عليه، وفي الفخر بقومه، مستشهدا على ذلك بالقصص الوارد في التوراة عن بني إسرائيل وعن الأنبياء: إبراهيم وإسحاق ويوسف، وختمها بالبيت الذي رويته منها عن مجئ المسيح، وقد دعا بـ "مسيحنا"؛ لأن المسيح من اليهود. ذكر المسيح فيها بعد حديثه عن موسى وتكليم الرب له على جبل الطور، وهو انتقال فجائي غريب ليست له صلة ما بالأبيات المتقدمة.
1 Nalino Raccolta، III، p. 105، Noldeke، Sammaual، in Zeitschrift Fur Assyriologie، XXVI، 1912، S. 177، Welhausen، Zum Koran in ZDMG، LxVII، 1913، A. 630، Eisenburg، Zu Samaw'al، in ZDMG، LXVIII، 1914، S. 644، Al-Samaw'al، in ZDMG، LXVIII، 1914، s. 644، Al-Samaw'al Ivn Adiya، in Zeitschrift fur Asyriologie، XXVI، 1912، S. 318.
2 شعر السموأل "ص53"، "وعيسى سابا"، "بيروت 1951م".
والحوادث المذكورة في هذه القصيدة، والاستشهادات التي استشهد بها الشاعر، وإن كانت مما هو مذكور في "الكتاب المقدس" بجزءيه، تدل على أن ناظمها قد استعان في نظم المصطحات التي استعلمها وطريقة تعبيره عن الحوادث بالقرآن الكريم، وبالقصص الوارد في كتب سير الرسل والأنبياء، وأن الغاية من نظمها هو إثبات مجئ المسيح، وقد جاء. وشهادة شاعر يهودي مفيدة ولا شك في هذا الباب.
ولم ترد هذه القصة في ديوان ولا في كتب الأدب القديمة. وعدم ورودها في تلك الموارد، دليل على أنها مما وضع بعد تدوين شعر السموأل في الديوان المنسوب إليه وفي كتب الأدب القديمة، وأن هذه القصيدة هي من الشعر المصنوع المتأخرة بالنسبة إلى بقية ما نسب إليه.
وللسموأل آراء دينية تراها في هذا الشعر المنسوب إليه، في بعضه إقرار بالبعث والحساب، وأن المليك وهو الرب بجازي الإنسان على ما قام به وما فعله من خير أو شر1، وأن الله قد قدر كل شيء وقضى به، وإن كل ما قدره كائن ولكل رزقه2، أن الإنسان ميت من يوم يولد، وفيه جرثومة الموت، ولد من ميت، ثم يموت، ثم يبعث تارة أخرى للحساب والكتاب، ولكل أجل3.
وفي قصيدة تائية:
نطفة ما منيت يوم منيت
…
أمرت أمرها وفيها بريت
كنها الله في مكا خفي
…
وخفي مكانها لو خفيت
وهي في كيفية نشوء الإنسان من منى يمنى، وهي فكرة يظهر أن صاحب هذا الشعر اقتبسها من القرآن الكريم، نظرا لمظهر التأثر به في تعبيره عن كيفية خلق الإنسان. وقد تطرق في هذه القصيدة إلى ما ذكرته من اعتقاده بالموت وبالبعث بعده وبالحساب والثواب والعقاب، وإلى سليمان والحواري يحيى وبقايا
1 شعر السموأل "بيروت 1951"، "عيسى سابا""ص26".
2
ليس يعطى القوي فضلا من الرز
…
ق ولا يحرم الضعيف الشخيت
بل لكل من رزقه ما قضى الـ
…
ـه وأن حز أنفه المستميت
شعر السموأل "28".
3 شعر السموأل "ص29 وما بعدها".
الأسباط أسباط يعقوب دارس التوراة والتابوت1. وإلى انفلاق البحر لموسى وأشار إلى طالوت وجالوت. والإشارات الموجزة هذه، وإن كانت لقصص موجود في التوراة، لم يعتمد الشاعر عليها، بل اعتمد في القرآن الكريم. وهو اسم الملك "شاؤول" في التوراة3. وفي أخذ الشاعر بهذه التسمية القرآنية التي لا وجود لها في التوراة دليل على أنه وضع شعره بعد نزول القرآن، أي في الإسلام. وأما "جالوت" فلفظة وردت في كتاب الله كذلك، وهي تقابل "GoIiath" في العهد القديم4. ويلاحظ أن صاحب القصيدة قد أخذ مصاب "جالوت" من القرآن الكريم، كما أنه سار على نهجه في ذكر طالوت جالوت، وهو ينفرد بذلك عن التوراة.
وشعر فيه هذه المصطلحات وهذا المعاني، لا يمكن أن يكون شعرا يهوديا جاهليا، بل لا بد أن يكون من الشعر المصنوع المنظوم في الإسلام.
فليس في شعر السموأل إذن شيء خاص من الأشياء التي انفردت بها يعود، وهذا الفخر الذي نراه في إسرائيل وفي الأسباط هو فخر يقوم على نمط فخر القبائل بقبائلهم، وليس شيئًا من دين. ثم إن بنا حاجة إلى إثبات أنه من نظم السموأل حقًّا، وأنه ليس من نظم إنسان آخر قاله على لسان السموأل في مدح اليهود وفي الفخر بهم. ولا عجب أن يقوم إنسان بوضع شعر على لسال السموأل أو غيره من الشعراء الجاهليين، فكتب الأدب مليئة بشواهد تذكر أسماء قصائد منتحلة، وضعت على ألسنة شعراء جاهليين، وأسماء من انتحل ذلك الشعر. ولم يكن انتحال ذلك الشعر عملا سهلا، إذ لا بد له من قدرة وعلم ومعرفة بأساليب شعر الماضتين. وقد كان حماد الرواية، وهو أديب كبير وراوية شهير، على رأس طبقة المنتحلين الوضاعين للشعر.
1
وبقايا الأسباط أسباط يعقو
…
ب دارس التوراة والتابوت
وانفلاق الأمواج طورين عن مو
…
سى وبعد المملك الطالوت
ومصاب الأفريس حين عصى الل
…
ـه وإذ صاب حينه الجالوت
شعر السموأل "ص27"، ديوان السموأل "ص25".
2 سورة البقرة، الآية 246 وما بعدها.
3 Ency IV p 642
4 Ency Ip 1008 Hastinrs 303
وأشهر القصائد والأشعار المنسوبة إلى السموأل، القصيدة المقولة في الفخر التي مطلعها:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه
…
فكل رداء يرتديه جميل
وهي قصيدة شهيرة معروفة تعد نموذجا في الفخر والحماسة وفي حسن النظم، ولذلك تحفظ في المدارس حتى اليوم اليوم، ويضيف إليها بعض العلماء هذا البيت:
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره
…
يعز على من رامه ويطول
وبعض العلماء يزيد عليها وينقص منها أبياتا أخرى. وهي مع ذلك مما يعزوه بعض العلماء إلى شعراء آخرين، فعزاها بعضهم إلى عبد الملك بن عبد الرحيم الأزدي، وهو شاعر شامي إسلامي1.
وينسب بعض الرواة القصيدة المذكورة إلى شاعر إسلامي آخر يسمى "دكين" الراجز2 فترى من هذا مبلغ الاختلاف في صحة نسبة هذه القصيدة إلى السموأل.
ولم يرد في ديوان السموأل ولا في بعض الكتب الأخرى البيت المتقدم، وأعني به قوله:
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره
…
يعز على من رامه ويطول
ولعدم وروده في ديوانه أهمية بالطبع، إذ يجوز أن تكون هذه الزيادة متعمدة لإثبات إنها من شعر السموأل حقًّا، وآية ذلك ورود "الأبلق الفرد" في هذه القصيدة، وليس هناك حصن اشتهر وعرف بهذه التسمية غير هذا الحصن.
وينسب إلى السموال قوله معتذرا لرجل من ملوك كندة:
وإن كنت ما بلغت عني فلامني
…
صديقي وحزت من يدي الأنامل
1 ديوان السموأل "ص10 وما بعدها"، الحماسة "ص49"، العيني "2/ 77"، الأمالي "1/ 272".
2 الأغاني "9/ 262"، "طبعة دار الكتب المصرية".
وقد ذكر هذا البيت، وكذلك بيت آخر معه في ديوانه. غير أن بعض العلماء ينسبها إلى معدان بن جواس بن فروة السكوني1.
وللأخباريين روايات تختلف بعض الاختلاف في اسم والد السموأل، فمنهم من جعله عادياء، ومنهم من دعاه أوفى، ومنهم من سماه حيان، "حسان"، ومنهم من قال له "السموأل بن غريض بن عاديا"2. وهم يقولون إنه يهودي، ويقولون أحيانًا أنه من غسان، وغسان بالطبع ليست من يهود. ومنهم من قال أن والده من يهود، أما أمه فكانت من غسان3. فهو إذن ذو نصفين -إذا صح التعبير- نصف يهودي، ونصف آخر عربي. ثم هم يذكرون إنه كانت له صلات وثيقة بأمراء غسان، ولصلته هذه بهم قصده امرؤ القيس، طالبا وساطته له عند الحارث بن أبي شمر الغساني، ليوصله إلى قيصر، فينال بمساعدته حقه من خصومه4. أما نحن، فلا يهمنا من أمر السموأل في هذا المكان شيء، وكل ما يهمنا هو ما له صلة بدين اليهود، وعقيدة يهود الجاهلية في الحجاز.
ويستشهد الذين يذكرون أن اسم والد السموأل هو "عاديا" ببيت شعر نسبوه إلى السموأل هو:
بني له عاديا حصنا حصينا
…
وعينا كلما شئت استقيت
فقالوا أن أباه "عاديا" اليهودي، وهو باني ذلك الحصن5.
وقد جعل "ابن دريد" نسب السموأل" في "بني غسان"، وجعل عمود نسبه على هذا النحو: "السموأل بن حيا بن عادياء بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب"6.
1 ديوان السموأل "ص43 وما بعدها"، سمط الآلئ "457".
2 الأغاني "3/ 12"، "9/ 98"، الميداني "2/ 276"، تاج العروس "7/ 382"، "السموأل بن أوفى بن عادياء بن رفاعة بن جفنة" التاج "7/ 382"، المشرق، السنة الثانية عشرة "1909"، "ص176"، "دار الأندلس".
3 الأغاني "19/ 98"، المشرق، العدد المذكور.
4 الأغاني "19/ 98".
5 تاج العروس "6/ 298".
6 الاشتقاق "2/ 259""وستنفلده".
ولا يستبعد بعض المستشرقين احتمال كون السموأل من أصل عربي، هو من غسان. تهود في جملة من تهود من العرب، لا سيما أن في منطقة يثرب أحياء نص على أصلها العربي، دخلت في هذا الدين. وقد ذهب بعضهم إلى احتمال وجود رجلين بهذا الاسم: رجل غساني عربي، وآخر يهودي1.
وفي هذا البيت المنسوب إلى الأعشى:
أرى عاديا لم يمنع الموت ما له
…
وفرد بتيماء اليهودي أبلق
ما يشير على يهودية السموأل، وهو يشير أيضًا إلى غنى عادياء وكثرة ماله.
وقد عرف حصن السموأل بالأبلق، وبالأبلق الفرد، وهو حصن مشرف على تيماء، وقد ذكر الإخباريون أنه إنما دعي بالأبلق، لأنه كان في بنائه بياض وحمرة. وكان أول من بناه عادياء أبو السموأل. وقد ذكر ياقوت الحموي أن موضعه على رابية فيها آثار أبنية من لبن لا تدل على ما يحكى عنه من العظمة والحصانة، وهو خراب2 ولست أرى ان الأبلق أو الأبلق الفرد هي تسمية ذلك الحصن، إنما هي صفة له، أخذت من البيت:
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره
…
يعز على من رامه ويطول
وهو بيت ينسب قوله إلى السموأل ومن أبيات أخرى تنسب إلى الأعشى.
وورد في أبيات منسوبة إلى الأعشى أن باني الأبلق هو "سليمان"، قال:
ولا عاديا لم يمنع الموت ما له
…
وحصن بتيماء اليهودي أبلق
بناه سليمان بن داود حقبة
…
لا أزج علا وطئ موثق
يوازي كبيدات السماء ودونه
…
بلاط ودارات وكلس وخندق
ولكن هذا البيت يناقض ما ينسب إلى السموأل من شعر فيه أن باني ذلك
1 Zeitschrift fur Assyioiogie 1912 S 174
2 البلدان "1/ 86"، القزويني، آثار البلاد "48"، المشرق "1909"، "163"، تاج العروس "6/ 298"، "بلق".
3 البلدان "1/ 87"، تاج العروس "6/ 298".
الحصن، هو أبوه "عاديا""عادياء". ولست استبعد أن يكون أكثر هذا الشعر من الشعر المصنوع في الإسلام. وأما نسبة بناء الحصن إلى سليمان، فهي من الأمور المألوفة التي رواها أهل الأخبار عن أبنية سليمان في جزيرة العرب. وردت من أساطير روجها اليهود بين العرب في الجاهلية وفي الإسلام عن عظمة سليمان وبنائه الأبنية العظيمة. وقد خصصوا سليمان دون سائر رجال اليهود بالبناء، لبنائه الهيكل الذي أدهش العبرانيين ولا شك، ولم يكن لهم عهد بمثل هذا العهد من قل. ومن يدري، فلعل هذه الأبيات المنسوبة إلى الأعشى هي من عمل أناس في الإسلام كلفهم اليهود صنعها، للتفاخر والتباهي بمآثرهم الماضية، أو أنها حقًّا من قول الأعشى، صنعها لليهود بعد أن فك شريح أسره وأعطاه شيئًا من المال، والمال مالك لكل لسان.
وزعم أهل الأخبار أن الملكة "الزباء" قصدت هذا الحصن، وحصن مارد، فعجزت عنهما، فقالت:"تمرد مارد وعز والأبلق"، فسيرته العرب مثلا لكل عزيز ممتنع1. و"مارد" حصن بدومة الجندل2.
ونحن إذا تتبعنا الشعر المنسوب إلى السموأل، نجد معظمه كما قلت منتحلا موضوعا، صنع فيما بعد. وإذا تتبعنا سيرة هذا الشخص وما قيل فيه، نجد أكثره مما لا يستطيع الثبات للنقد. ولعل هذا هو الذي حمل بعض المستشرقين على الشك لا في شعر السموأل وحده، بل في شخصية السموأل نفسها، فذهبوا إلى أنها من اختراع أهل الأخبار، اخترعوها لما سمعوه من قصص مذكور في التوراة عن "صموئيل"3.
وقد نسب بعض المستشرقين بقاء شعر السموأل وعد ذهابه في الإسلام إلى أهله الذين دخلوا في الإسلام، وبقوا في أماكنهم من تيماء، فلم يكن من الهين عليهم نبذ شعره وتركه، ولهذا حافظوا عليه، فكانت محافظتهم هذه عليه سبب بقائه حتى اليوم4.
1 تاج العروس "6/ 298"، "بلق".
2 تاج العروس "2/ 500".
3 MargoIiouth p 72 Winckier in MVAG Bd VI S262
4 IsImec CuIture III 2 p 190 "1939"
وقد ذكر الإخباريون أسماء ثلاثة أولاد للسموأل. أولهم شريح الذي مر ذكره. وثانيهما حوط، وثاليهما منذر. ولا نعرف من أمرهما غير الاسم. ويظن أن حوطا هو الذي وقع في الأسر فذبح1.
أما "سعية بن غريض""شعية بن غريض بن السموأل""شعبة"، فهو أخو السموأل على رواية لأبي الفرج الأصبهاني، جعلت اسم والد السموأل:"غريض بن عادياء"2، وهو حفيده على رواية أخرى. وقد أورد له الأصبهاني جملة أبيات في أثناء كلامه على السموأل3. ويذكر أنه كان غنيا صاحب أملاك وأموال، يعقد المجالس، وينادمه قوم من الأوس والخزرج، وأن بعض ملوك اليمن أغار عليه فانتف من ماله حتى افتقر ولم يبق له مال، ثم عاد إليه حاله، وأنه عاش عليه فانتسف من ماله حتى افتقر ولم يبق له مال، ثم عاد إليه حاله، وأنه عاش طويلا إلى أيامه معاوية، وإنه دخل في الإسلام، وأن معاوية رآه يصلي في المسجد الحرام، فطلب حضوره، وسأله عن شعر أبيه الذي يرىثي به نفسه، فأنشده قصيدته:
يا ليت شعري حين أندب هالكا
…
ماذ تؤبني به أنواحي
ويذكر رواة هذا الخبر أن "سعية" كان شيخا طاعنا في السن يومئذ. وإنه لم يكن يرى حقًّا لمعاوية في الخلافة، ولذلك لم يقبل أن يسلم عليه بالخلافة، وإنه أجاب أجوبة فيها خشونة وجفاء، وإن الخليفة كف أصحابه من الإساءة إليه قائلا لهم: قد خرف الشيخ، فأقيموه. فأخذ بيده فأقيم.
والقصيدة المذكورة ينسبها بعض الرواة إلى السموأل، وهذه النسبة تجعل السموأل أبا لسعية لا أخا له. أما إذا جعلناها من شعر غريض "عريض"، والد سعية، فلا يكون هناك إشكال ما من ناحية نسبة القصيدة، غير أن علينا حينئذ جعل "سعية""شعية" حفيدا للسموأل، في رواية من جعله "شعية بن غريض بن السموأل". بإضافة ولد آخر على أولاد السموأل، اسمه "غريض""الغريض".
1 المشرق، السنة "1909"، "ص163".
2 الأغاني "19/ 100"، طبقات الشعراء، لابن سلام "111"، "اليهود "31".
3 NoIdeke Betrage
وذكر البحتري في "حماسته" اسم شاعر يهودي آخر، هو: عريض بن شعبة، ونسب إليه هذا الشعر:
ليس يعطي القوي فضلا من الرز
ق ولا يحرم الضعيف الخبيث
بل لك رزقه ما قضى اللـ
ـه ولو كد نفسه المستميت1
وهو من شعر السموأل نفسه على رواية بعض الإخباريين يروونه له مع شيء من الاختلاف2.
أما "الربيع بن أبي الحقيق"، فهو من بني قريظة على رواية، أو من بني النضير على رواية أخرى. وقد اشترك في يوم بعاث، وعاصر النابغة الشاعر الشهير، وخلف جملة أولاد ناصبوا الرسول العداء3.
ومن بقية شعراء يهود: "أوس بن دنى" من قريظة4، و"كعب بن الأشرف"5، و"سماك اليهودي". وهو شاعر قوي في رده على المسلمين عنيف6.
وكان "كعب بن الأشرف" رجلا شاعرا يهجو النبي وأصحابه ويحرض عليه ويؤذيهم. خرج إلى مكة ونزل على "المطلب بن أبي وداعة السهمي"، بعد معركة بدر" وجعل يحرض على رسول الله وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب. فكان حاصل هجائه القتل7.
وكان "أو دعفك" اليهودي من يحرض على رسول الله ويقول الشعر، وكان شيخا كبيرا. فقتل لتحريضه على رسول الله وقوله الشعر فيه8.
1 NoIdeke Beitrage s 71
2
ليس يعطي القوي فضلا من الرز
…
ق ولا يحرم الضعيف الشخيت
بل لكل من رزقه ما قضى اللـ
…
ـه وأن حز أنفه المستميت
3 الأغاني "21/ 61"، NoIdke BeIrage s 72
4 الأغاني "19/ 94".
5 الأغاني "19/ 106"، ابن هشام "2/ 123"، "حاشية على الروض".
6 نهاية الأرب "2/ 179"، "حاشية على الروض".
7 نهاية الأرب "17/ 72 ومابعدها".
8 نهاية الأرب "17/ 66 وما بعدها".