الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلد الثاني عشر
الفصل الرابع والسبعون: الكعبة
مدخل
…
الفصل الرابع والسبعون: الكعبة
وكعبة مكة، هي الكعبة الوحيدة التي بقيت محافظة على اسمها ومقامها حتى اليوم، من بين الكعبات التي كانت في الجاهلية. فقد اندثر أثر الكعبات الأخرى وزالت معالمها، ولم يبق لها مكان. وإلى الإسلام يعود ولا شك فضل بقاء "البيت الحرام". وبفضل الإسلام أيضًا جمع العلماء ما تمكنوا من جمعه من تاريخ المدينة القديم والمعالم المتصلة بها، ومن أخبار قريش، لما لهذا التاريخ من صلة بظهور الإسلام1.
ويذكر أهل الأخبار أن الكعبة كانت معروفة عند العرب خارج الحجاز كذلك، وأنهم كانوا يحجون إليها ويقدسونها ويقسمون بها. وأن ممن أقسم بها وذكر البيت
1 آل عمران، الآية 96، تفسير الطبري "ذ/ 6 وما بعدها"، "دار المعارف"، الطبرسي "2/ 476"، سورة الحج، الرقم 22، الآية 26، تفسير الطبري "3/ 47 وما بعدها، 66 وما بعدها"، تفسير الطبرسي "7/ 78 وما بعدها"، سورة إبراهيم، الرقم 14، الآية 37، تفسير الطبري "13/ 152"، روح المعاني "13/ 212"، تفسير الطبرسي "6/ 317 وما بعدها"، البقرة، الآية 158 تفسير الطبري "2/ 43"، تفسير الطبرسي "1/ 238 وما بعدها"، سورة المائدة، الآية 97، تفسير الطبري "7/ 76 وما بعدها"، تفسير الطبرسي "3/ 246 وما بعدها"، سورة الأنفال، الآية 34، تفسير الطبري "3/ 238"، تفسير الطبرسي "3/ 539"، سورة الإيلاف، الآية 3، تفسير الطبري "30/ 307 وما بعدها"، تفسير الطبرسي "10/ 543".
في شعره "زهير"1 و"النابغة"2. وقد عرفت بـ "البيت العتيق"، وبـ "البيت المعمور"3. ورووا أن "عدي بن زيد العبادي" قصدها بقوله:
كلا يمينًا بذات الودع لو حدثت
…
فيكم وقابل قبر المساجد الزارا
دعاها "ذات الودع" لأنه كان يعلق الودع في ستورها4.
وقد أقسم بها شاعر جاهلي آخر، هو "عوف بن الأحوص" إذ قال:
وإني والذي حجت قريش
…
محارمه وما جمعت حراء
وشاعر عامري آخر، إذ قال:
فأقسم بالذي حجت قريش
…
وموقف ذي الحجيج إلى إلاله5
يريد بذلك مكة. وبمكة بيت الله.
ومعارفنا عن "البيت الحرام" ضئيلة، وفي الذي يذكره أهل الأخبار عنه ما لا يمكن قبوله ولا الأخذ به، لأنه لا يدخل في حدود التاريخ، ولغلبة الطابع القصصي عليه. ثم إن بعضه يناقض بعضًا، وفي بعضه تحيز وتعصب لبيت قرشي على بيت آخر. وحتى القسم الذي يتناول الأيام القريبة من الإسلام، لا يخلو من اضطراب ومن تناقض، وفيه شعر نحل على أناس، أقحمت أسماؤهم في قصص مكة، لتثبيته على طريقتهم في تثبيت الأخبار برواية شعر يتعلق بها.
ولم يعثر حتى الآن على كتابة جاهلية تكشف القناع عن تاريخ "البيت الحرام". ولذلك انحصر علمنا بتاريخه بما ورد في الموارد الإسلامية عنه.
وقد نصّ في القرآن الكريم، على أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان رفعا القواعد من البيت {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى،
1
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
…
رجال بنوه من قريش وجرهم
ديوان زهير "15"، الثعالبي، ثمار القلوب "16".
2
فلا ورب الذي قد زرته حججا
…
وما هريق على الأنصاب من جسد
"فلا لعمر الذي مسحت كعبته" في رواية أخرى، ديوانه "25"، الثعالبي، ثمار "17".
3 البلدان "1/ 521"، "بيروت 1955".
4 تاج العروس "5/ 534"، "ودع".
5 المحبر "319"، شرح ديوان لبيد "21".
وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 126 وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 1. وقد كان تأسيس البيت في أيام العرب الأولى، في أيام 01:35 م 27/ 09/ 2006جرهم، على روايات أهل الأخبار، وفيهم تزوج. وفي عهده ظهر ماء بئر زمزم2.
ويذكر أهل الأخبار أن مكة حرم آمن، لا يحل فيه قتال. ولم يكن أهله يقاتلون فيه، وأن أول بغي وقع فيه. كان حرب وقعت بين "بني السباق بن عبد الدار" وبين "بني علي بن سعد بن تميم"، حتى تفانوا. ولحقت طائفة من "بني السباق" بعك، فهم فيهم. وقيل أول بغي كان في قريش: بغي "الأقايش"، وهم "بنو أقيش" من بني سهم، بغى بعضهم على بعض، فلما كثر بغيهم على الناس، أرسل الله عليهم فأرة تحمل فتيلة، فأحرقت الدار التي كانت فيها مساكنهم فلم يبق لهم عقب3.
وقد بقي البيت معبودًا مقدسًا عند أهل مكة وعند غيرهم، غير أن المشركين حولوه إلى بيت لعبادة الأصنام والأوثان والشرك حتى عام الفتح، حيث أزال الرسول عنه آثار الجاهلية، وأمر بطمس معالم الوثنية. وصار حرمًا آمنًا خاصًّا بالإسلام لا يدخله مشرك ولا تطأ أرضه أقدام غير مسلم مؤمن بالله وبرسوله.
ويذكر أهل الأخبار أن أهل مكة كانوا يعظمون البيت، وأن من سنن تعظيمهم له، أن من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، لا يرون الملك من علاها، ولا يجمعون بين عز علوها وذل الرق4.
1 البقرة، السورة رقم 2، الآية 125 وما بعدها.
2 الطبري "1/ 275"، قصص الأنبياء، "69".
Shorter Ency. Of Islam، p. 178. ff، Grunbaum، Neue Beitage zu sem. Sogenkunde، S. 102، Goldziher، Die Richtungen der Islamischen Koranauslegung، S. 79، J. Harovitz، Koranische untersuchungen، S. 91.
3 الروض الأنف "1/ 28".
4 الثعالبي. ثمار "18".
8
وأنهم لم يكونوا يبنون بنيانًا مربعًا بمكة تعظيمًا للكعبة1. وأن أول من بنى بها بيتًا مربعًا، "بديل بن ورقاء" الخزاعي، وهو أول من اتخذ بمكة روشنًا، وكانوا قبل ذلك يتحامون التربيع في البناء كيلا يشبه بناء الكعبة2 وأن أول من سقف بمكة سقفًا "قصي بن كلاب"، وكان الناس قبل ذلك إنما ينزلون في العريش وأن أول من بوب بمكة بابًا "حاطب بن بلتعة"3.
و"بديل بن ورقاء"، هو "بديل بن ورقاء بن عبد العزى"، شريف كتب إليه النبي يدعوه إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة4. فلو أخذنا برواية من قال أنه كان أول من بني بيتًا مربعًا بمكة، وأول من اتخذ بها روشنًا. وجب جعل حدوث ذلك في أيام النبي، أو بسنين قليلة قبل المبعث، فهل يعقل ذلك؟ والروشن الرف، و "الرشن" الكوة، من الألفاظ المعربة عن الفارسية5.
وأما "حاطب بن أبي بلتعة" فهو "حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي"، حليف بني أسد بن عبد العزى، من الصحابة وممن شهد بدرًا، كان حليفًا للزبير، وكان قد كتب كتابًا إلى قريش يخبرهم بتجهيز رسول الله إليهم، فضبط الكتاب قبل وصوله مكة، واعتذر.
فهو من الصحابة6، وذكر أن الرسول أرسله إلى "المقوقس" صاحب الإسكندرية7. فهل يعقل أن يكون أول من بوب بابًا بمكة، وقد كانت البيوت قبله بمكة منذ وجدت، فكيف كان يدخل الناس إليها، وقد رأينا قصصًا لأهل الأخبار يروونه عن امتناع "الحمس" عن دخول البيوت من أبوابها، والحمس هم قريش وأهل مكة قبل دخول "حاطب" إليها!
ويذكر أهل الأخبار أن البيت قد تهدم مرارًا، وأن السيول قوضت قواعده عدة مرات، لذلك لم يتمكن "بيت إبراهيم وإسماعيل" من البقاء، ولكن
1 الثعالبي، ثمار القلوب "16".
2 صبح الأعشى "1/ 426".
3 صبح الأعشى "1/ 426".
4 الاشتقاق "280".
5 تاج العروس "9/ 216"، "رشن".
6 الإصابة "1/ 300"، "1538"، المحبر "72".
7 المحبر "76".
الجاهليين حرصوا على المحافظة على أسسه وشكله وموضعه. وإنهم كانوا بعد كل هدم أو تصدع يصيبه يحاولون إرجاعه إلى ما كان عليه في أيام آبائهم وأجدادهم جهد إمكانهم، لا يحدثون فيه تغييرًا ولا يدخلون على صورة بنائه تبديلًا.
و"البيت الحرام" بناء مكعب، ولذلك قيل له "الكعبة". وصفه أهل الأخبار، فقالوا: كانت الكعبة قبل الإسلام بخمسة أعوام صنمًا، أي حجارة وضعت بعضها على بعض من غير ملاط، فوق القامة، وقيل كانت تسع أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف، وكان لها باب ملتصقة بالأرض. وكان أول من عمل لها غلقًا هو تبع1. ثم صنع "عبد المطلب"، لها بابًا من حديد، حلاها بالذهب من ذهب الغزالين. وهو أول ذهب حليت به الكعبة2.
ووصف أهل الأخبار لها على النحو المذكور، يجعلنا نتصورها وكأنها خربة بدائية بسيطة، هي ساحة تكاد تكون مربعة أحيطت بجدار من أحجار رضمت بعضها فوق بعض من غير مادة بناء تمسك بينها، تحط في فنائها الطيور وسباع السماء، ولا يحول بين أرضها وبين أشعة الشمس المحرقة والأمطار التي تنزل على مكة أحيانًا على شكل مياه خارجة من أفواه قرب، أي حائل. إنها في الواقع حائط من أحجار لا يزيد ارتفاعه على قامة إنسان.
ويذكر بعض أهل الأخبار أن أول من بنى جدار الكعبة، "عامر" الجادر من الأزد. فقيل له:"الجادر"3. وكان أول من جدر الكعبة بعد إسماعيل4.
وأول تسقيف لها كان –كما يذكر أهل الأخبار- في التعمير الذي أجرى عليها في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، وذلك قبل الإسلام بخمس سنين، وعمر الرسول يومئذ خمس وثلاثون سنة. وسبب ذلك حريق أصابها –كما يزعمون- فقرروا إعادة بنائها، واجتمعوا وعملوا رأيهم فكان قرارهم تسقيفها بخشب، وقد أقيم السقف على ستة أعمدة من الخشب، وزعت في صفين. وزادوا فيها تسع أذرع، فصارت ثماني عشرة ذراعًا، ورفعوا بابها عن الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج أو سلم. ورفعوا من جدرانها التي بنوها بساف
1 الروض الأنف "1/ 127"، الطبري "2/ 283 وما بعدها".
2 الروض الأنف "1/ 101".
3 ابن سعد، طبقات "1/ 64"، "صادر".
4 الاشتقاق "25".
من حجر وساف من خشب، حتى زادت على ما كانت عليه في الأصل1.
وورد في الأخبار أن رسول الله لما دخل الكعبة عام الفتح/ قام عند سارية فدعا، وفيها ست سوار2.
وذكر أهل الأخبار، أن سبب بنيان الكعبة، هو أنها كانت رضمة فوق القامة، وأنها كانت قد تصدعت حتى تداعت جدرانها وتساقطت أحجارها، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، فأجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها3.
ولم يكن هذا البناء الجديد بناءً فخمًا، كما يظهر من الوصف الوارد في كتب أهل الأخبار. كل ما فيه أنه غرفة سقفت الآن بخشب، أقيم سقفها على صفين من أعمدة، كل صف ذي ثلاثة أعمدة. وأما حيطانها، فقد زيد ارتفاعها فصار ثماني عشرة ذراعًا، بعد أن كانت تسع أذرع، أو ارتفاع قامة أو أعلى من ذلك بقليل. وقد بنيت هذه المرة من مادة بناء قوية، جعلت مدماكًا من حجارة ومدماكًا من خشب، فكان الخشب خمسة عشر مدماكًا، والحجارة ستة عشر مدماكًا. وجعلوا سقفها مسطحًا له ميزاب، يسيل منه ماء المطر. وهو على الجملة لا يقاس بشيء بمعابد العربية الجنوبية مثل معبد "المقه" بمدينة مأرب أو المعابد الأخرى التي تمكن الباحثون من الوقوف على أسسها ومعالمها، من حيث مساحة البناء أو الفن أو الروعة والعظمة.
ويذكر أهل الأخبار أن أهل مكة استعانوا بتسقيف البيت بخشب سفينة رجل من تجار الروم رمى البحر بسفينته إلى الساحل إلى "الشعيبة"، وهو مرفأ السفن من ساحل الحجاز، وكان مرفأ مكة، ومرسى سفنها قبل "جدة". فجاءوا بالخشب إلى مكة، وكان بها نجار "قبطي"، استعين به في تسقيف البيت بذلك الخشب. وذكر أن الذي سقف البيت علج كان في السفينة، يحسن النجارة اسمه
1 الروض الأنف "1/ 127 وما بعدها"، الطبري "2/ 283 وما بعدها"، "دار المعارف"، البلدان "7/ 259"، "الكعبة"، مروج الذهب "1/ 169"، "محمد محيي الدين عبد الحميد".
2 صحيح مسلم "4/ 97"، "باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها".
3 الطبري "2/ 283".
"باقوم"، فجيء به مع الخشب، وسقف الكعبة. وقد سألهم عن كيفية تسقيفها هل يجعل السقف قبة أو مسطحًا، فأمروه أن يكون مسطحًا، فعمله على ما أمروه به1. ويذكرون أن قريشًا حين أرادوا بناء الكعبة أتى "عبد الله بن هبل بن أبي سالم"، ومعه مال، فقال: دعوني أشرككم في بنائها، فأذنوا له فبنى الجانب الأيمن، فـ "لبني كلب يد بيضاء في نصرتهم لقريش حين بنوا الكعبة"2. وصاحب هذا الخبر هو "ابن الكلبي"، ولا أستبعد أن يكون خبره هذا من وحي العاطفة نحو قومه الكلبيين.
وذكر أن "باقوم" الرومي، كان يتجر إلى "المندب"، فانكسرت سفينته بالشعيبة، فخرجت إليه قريش فأخذوا خشبها. وقالوا له ابنها على بنيان الكنائس، وقال لقريش: هل لكم أن تجروا عيري في عيركم، يعني التجارة، وأن أمدكم بما شئتم من خشب ونجار فتبنوا به بيت إبراهيم3.
ويذكر الإخباريون أنه كان في بطن البيت قرنا كبش معلقان في الجدار تلقاء من دخلها يخلّقان ويطيّبان إذا طيب البيت، وقد علق عليهما معاليق من حلي كانت تهدى إلى الكعبة. ويرمز القرنان إلى قرني الكبش الذي ذبحه إبراهيم الخليل4. وقد بقيا في الكعبة إلى أيام "عبد الله بن الزبير" فاحترقا مع الكعبة5.
وقد زوقت الكعبة بعد هذا الحريق، زوق سقفها وجدرانها من بطنها ودعائمها، وجعلت "في دعائمها صور الأنبياء وصور الشجر وصور الملائكة، فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمان، شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة عليهم السلام أجمعين. فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البيت، فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب، فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب فبل بالماء، وأمر بطمس تلك الصور فطمست. ووضع كفيه على صورة عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام. وقال:
1 الأزرقي "1/ 104"، ابن هشام "1/ 130 وما بعدها"، "حاشية على الروض الأنف"، الروض الأنف "1/ 130".
2 تاج العروس "4/ 109"، "بس".
3 الإصابة "1/ 140 وما بعدها"، "رقم 583".
4 الأزرقي "1/ 100".
5 القاسمي، شفاء الغرام "19".
امحُ جميع الصور، إلا ما تحت يدي، فرفع يديه عن عيسى ابن مريم وأمه. ونظر إلى صورة إبراهيم، فقال: قاتلهم الله جعلوه يستقسم بالأزلام، ما لإبراهيم والأزلام"1. وقد بقيت صورة عيسى ابن مريم وأمه، إلى أيام عبد الله بن الزبير، فلما تهدم البيت، تهدمت الصورة معه2.
وأعاد الجاهليون –كما يذكر أهل الأخبار- الصنم هبل إلى مكانه، نصبوه أمام "الغبغب"، وأعادوا معه بقية الأصنام، التي كانت تتعبد لها بعض القبائل. ووضعوا حول الكعبة أصنامًا أخرى، يجب أن تكون من الدرجة الثانية في المنزلة أي أصنام قبائل ضعيفة، لذلك وضعت خارج البقعة المقدسة. وقد أوصلت الروايات عدة أصنام الكعبة عام الفتح إلى "360" صنمًا، كان بعضها منحوتًا من الحجارة، وبعضها معمولًا من النحاس، وبعضها قوارير، وكان صنم خزاعة قوارير صفر. ولما دخل الرسول مكة، أمر بها أفزيلت وحطمت، فلم يبق من يومئذ بها صنم3. وذكر أن النبي دخل مكة "وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نُصبًا. فجعل يطعنها بعود كان بيده. ويقول:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} 4.
وذكر في بعض الروايات أن رسول الله بعد أن طاف بالبيت سبعًا على راحلته دخل الكعبة فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها5. وأنه لما طاف بالبيت وجد حولها أصنامًا مشدودة بالرصاص، فحطمت، وأعظمها "هبل" صنم قريش6.
ويتبين من الروايات الواردة عن بناء الكعبة وعن اختلاف أهل مكة وتشاحنهم وتنافسهم فيما بينهم على شرف وضع "الحجر الأسود" في مكانه أنه كان لهذا الحجر أهمية خاصة في نظرهم، وأنه كان أقدس شيء عندهم. وإلا لما اختلفوا
1 الأزرقي "1/ 104 وما بعدها"، السيرة الحلبية "3/ 87"، ابن الأثير "2/ 105"، نهاية الأرب "17/ 313".
2 الأزرقي "1/ 104".
3 السيرة الحلبية "1/ 144"، ابن الأثير "2/ 105".
4 صحيح مسلم "5/ 173"، "باب إزالة الأصنام من حول الكعبة"، إرشاد الساري "7/ 210"، "باب وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا"
5 الروض الأنف "2/ 274"، نهاية الأرب "17/ 312".
6 الروض الأنف "2/ 276"، نهاية الأرب "17/ 314".
هذا الاختلاف على وضعه، حتى ليمكن أن يقال إنه كان فوق أصنام الكعبة منزلة، بدليل عدم ورود إشارة ما إلى وقوع اختلاف بشأن إعادة صنم من تلك الأصنام إلى مواضعها. ولو كانت الأصنام أقدس منه، لكان الاختلاف على شرف وضع تلك الأصنام لا الحجر الأسود بالطبع. وهذا التقديس الزائد يحملنا على التفكير في أسبابه وفي الميزة التي ميزت هذا الحجر على الأصنام وهي في طبيعتها حجارة مثله. لقد ذهبت "ولهوزن" إلى أن قدسية البيت عند أهل الجاهلية، لم تكن بسبب الأصنام التي فيه، بل كانت بسبب هذا الحجر. لقد كان هذا الحجر مقدسًا في ذاته، وهو الذي جلب القدسية للبيت، فصار البيت نفسه مقدسًا، مقدسًا في حد ذاته، بحجره هذا الذي هو فيه، ولعله شهاب "نيزك"، أو جزء من معبود مقدس قديم1.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن البيت لم يكن إلا بمثابة إطار للحجر الأسود الذي كان من أهم معبودات قريش، لأنه يمثل بقايا حجر قديم كان مقدسًا عند قدماء الجاهليين، غير أنه لم يكن معبود قريش الوحيد2.
ويلاحظ أن التقرب إلى الأحجار في بيوت العبادة كانت شائعة بين الجاهليين. وقد ذكر أن في "غيمان" موضع عبادة وفيه "حجر قحمم""حجر قاحمم""حجر قاحم"، وهو يشبه الحجر الأسود الذي كان يتقرب إليه الجاهليون في مكة. والحجر الذي كان في كعبة نجران وفي "تسلال"، وفي مواضع أخرى عديدة ذكرها "الهمداني". وقد عثر على مقابر جاهلية عديدة تبين للذين نقبوا فيها أن لها صلة بعبادة الأحجار، وأن تلك المقابر أقيمت عند موضع مقدس لوجود حجر مقدس فيه3.
وقد كان الجاهليون يلمسون الحجر الأسود للتبرك به، وهو مبني في جدار الكعبة، فيكون اللمس بالطبع للجانب البارز منه. وبين موضع "الحجر الأسود" وباب البيت يكون "الملتزم"، وفي الناحية الشمالية الغربية "الحجر" أو "الحطيم".
1 Reste، S. 74.
2 المشرق: "1941"، تموز-أيلول، "ص 247".
3 Beitrage، S. 84.
وكانت الجاهلية تتحالف وتحلف عنده1. ويقال للجهة التي فيها الحجر الأسود "الركن". وذكر أن العرب في الجاهلية كانت تطرح بموضع الحطيم ما طاقت به من الثياب، فيبقى حتى يتحطم بطول الزمان، فسمي الموضع حطيمًا2.
وقد كانت الجاهلية تتحالف عند "الملتزم" بالأيمان، وتدعو على الظالم، وتعقد الحلف3.
وذكر "اليعقوبي" أن الجاهليين كانوا قد وضعوا "إسافًا" و"نائلة"، داخل المسجد الحرام. وضعوا كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف إذا طاف بدأ بإساف فقبله وختم به. وذكر أنهم نصبوا على الصفا صنمًا، يقال له "مجاور الريح"، وعلى المروة صنمًا يقال له "مطعم الطير"4.
وفي روايات أهل الأخبار عن تزويق الكعبة بالصور لبس وغموض: وهي روايات عديدة، يفهم من بعضها أن هذه الصور كانت بالزيت، رسمت على دعائم السقف. ويفهم من بعض آخر أنها كانت قد رسمت على أشياء متنقلة، وأنها كانت معلقة على جدران البيت. ويفهم من بعض الروايات أن الرسول أمر فطمست معالم جميع الصور، ويفهم من بعض آخر، أنه استثنى منها صورة مريم وابنها عيسى، وأنها بقيت كما ذكرت إلى أيام عبد الله بن الزبير. فلما تهدم البيت: تهدمت الصورة معه. أما رسم شجر أو صور ملائكة أو أشباه ذلك في الكعبة، فأمر لا اعتراض عليه، إذ يجوز أن يكون ذلك في معبد وثني، يضم الأصنام. ولكن ما للوثنية والأنبياء، وما شأن الشرك بمريم وبابنها وببقية الرسل حتى ترسم صورهم على جدران أو أعمدة البيت؟ ثم هل كانت الكعبة مزوقة قبل هذا التزويق بالرسوم والصور؟ وهل كانت هذه الصور من بقايا صور قديمة؟ أم هي صور حديثة رسمت بعد أن أعادت قريش بناء البيت؟ ورأيي أن هذه الصور هي من عمل عمال نصارى أراهم الروم الذين جلبهم أهل مكة مع "باقوم" بعد تحطم سفينتهم عند الساحل للاتجار معهم ولبناء الكعبة.
1 تاج العروس "3/ 125"، "8/ 251"، اللسان "4/ 166"، "15/ 29"، البلدان "2/ 223 وما بعدها"، "5/ 190"، أخبار مكة، للأزرقي "246"، تاج العروس "9/ 59".
2 اللسان "12/ 139"، "حطم"، تاج العروس "8/ 251".
3 البلدان "8/ 146""الملتزم".
4 اليعقوبي "1/ 224".
و "باقوم" كما يقول الإخباريون هو الذي أشرف على إقامة البناء وهندسته. وهو الذي سقف البيت وأقامه على عمد. ولا أستبعد أن يكون هو الذي رسم تلك الصور وحده أو بالاستعانة بإخوانه من بني جنسه الروم. وقد كان هؤلاء نصارى، فرسموا على جدران البيت أو أعمدته صور قصص كتابي، ومنه صور الأنبياء، للزينة والزخرف. لم يجد أهل مكة فيها ما يناقض عقيدتهم في الأصنام. ومن يدري، فلعله رسم لهم ذلك على أن له صلة بعقيدتهم التي كانوا عليها، فلم يعترضوا لذلك عليه. أما طمس الإسلام لتلك الصور، فللعلماء في ذلك كلام. وقد أشير إليه في كتب الحديث، وأكثرهم على أن الرسول لم يستثن من ذلك الطمس صورة1.
وفي الحرم بئر "زمزم"، وهناك مقام إبراهيم، وبين زمزم ومقام إبراهيم كان موضع الذبح، ذبح القرابين. ويرى "ولهوزن" احتمال كون موضع المقام هو المكان الذي كان الجاهليون يذبحون فيه2.
ويرجع الإخباريون تاريخ بئر "زمزم" إلى يوم بناء الكعبة وعهد إسماعيل. ويقال لها "بئر إسماعيل" أيضًا. وهي في الحرم في جهة الجنوب الشرقي من الكعبة في الجهة المقابلة للركن. ولا نعرف من أمرها شيئًا يذكر. ويظهر من روايات أهل الأخبار عنها أنها دفنت في أيام جرهم، وأن أهل مكة صاروا يستقون الماء من آبار أخرى احتفروها، ويستوردونه من الخارج إليها، حتى إذا كانت أيام عبد المطلب، ألقي في قلبه أن يحتفرها، فحفرها واستخرج منها كنزًا، وظهر الماء بها منذ ذلك اليوم3. ولأهل الأخبار تفاسير عديدة للفظة "زمزم"، تدل على أنهم لم يكونوا على علم بأصل التسمية، مما جاء فيها أن الملك "سابور" لما حج البيت أشرف عليها وزمزم فيها، فقيل لها "زمزم"4. وهكذا جعلوا "سابور" من المؤمنين الحجاج للبيت الحرام، المتبركين بماء زمزم!
1 الأزرقي "1/ 104""تعليقات السيد رشدي الصالح ملحس على الأزرقي".
2 Reste، S. 76.
3 الطبري "2/ 251""دار المعارف"، الروض الأنف "1/ 80، 98 وما بعدها"، الأزرقي "1/ 24، 280 وما بعدها"، البلدان "2/ 643"، Shorter Ency. of Islam، P. 657.
4 البلدان "3/ 147"، الصحاح "5/ 1945"، اللسان "12/ 275"، البكري، معجم "2/ 700"، عمدة القاري "9/ 277"، البلدان "2/ 940 وما بعدها".
وكان حرم "الكعبة" كما يظهر من روايات أهل الأخبار واسعًا شاسعًا ذا نبت وشجر. ولم يجرؤ أحد على احتطاب شجره أو قطعه لحرمة المكان ولحرمة ما فيه، فبقيت أشجاره على ما هي عليه، حتى إذا ما كانت أيام "قصي"، ضاقت مكة بمن وفد عليها من قريش، ممن جاء بهم "قصي" إليها، وقطعها "قصي" رباعًا، وأرادوا البنيان، ولكنهم هابوا قطع شجر الحرم للبنيان، وتذكر رواية أنهم قالوا لقصي: كيف نصنع من شجر الحرم؟ فحذرهم قطعها وخوفهم من العقوبة في ذلك. فكان أحدهم يحوف بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله1. وتذكر روايات أخرى العكس. تذكر أن قريشًا هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه2. وبذلك تقلصت أرض الحرام وقلت أشجاره بالتدريج.
وتذكر رواية أن أهل مكة كانوا يهابون حتى في الإسلام قطع شجر الحرم. وقطع كل شجرة دخلت من أرض الحرم في دور أهل مكة. وأن "عمر" لما قطع "دوحة" كانت في دار "أسد بن عبد العزى"، وكانت تنال أطرافها ثياب الطائفين بالكعبة، وذلك قبل أن يوسع المسجد، وداها بقرة. وتذكر أيضًا أن "عبد الله بن الزبير" حين ابتنى دورًا بـ "قعيقعان" ترخص في قطع شجر الحرم للبنيان، وجعل دية كل شجرة بقرة. وذكر أن "أبا حنيفة"، قال إن كانت الشجرة التي في الحرم مما يغرسها الناس ويستنبتونها فلا فدية على من قطع شيئًا منها، وإن كان من غيرها ففيه القيمة بالغًا ما بلغت3.
وفي الحديث أن الله حرم مكة، وحرم شجر الحرم في جملة ما حرمه على الناس4.
ويظهر أن أرض مكة كانت كلها في الأصل قبل أيام "قصي" حمى للكعبة، على عادة الجاهليين في تخصيص "حمى" لأربابهم تكون حول بيوتها، ولهذا كانت أشجار هذا الحمى أشجارًا مقدسة لا يجوز قطعها ولا احتطابها، سوى أخذ بعض أغصانها أو لحائها لعمل قلائد منها للاحتماء منها. فلما استباح أهل مكة لأنفسهم
1 الروض الأنف "1/ 87 وما بعدها".
2 الطبري "2/ 258""دار المعارف".
3 الروض الأنف "1/ 87 وما بعدها".
4 الروض الأنف "1/ 128".