الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكأن برقع، والملائك حوله
…
سدر تواكله القوائم أجرد1
وورد "ملاك" في شعر رجل من عبد القيس جاهلي يمدح الملوك، قيل هو النعمان. وقيل هو لأبي وجزة يمدح به عبد الله بن الزبير:
فلست لإنسي، ولكن لملأك
…
تنزل من جو السماء يصوب2
وقد زعم أن الملائكة تصافح الناس وتناجيهم. زعم ذلك حتى في الإسلام. ذكر "ابن دريد" أن "عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف"، وهو من الصحابة، وعرف بـ "أبي نجيد"، "كانت تصافحه الملائكة وتناجيه لداء كانه به، فاكتوى، فذهب عنه ذلك. وذهب ما كان يسمع ويرى"3.
1 اللسان "10/ 496".
2 اللسان "10/ 496".
3 الاشتقاق "2/ 278"، "طبعة أوربة"، "إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى"، الإصابة "3/ 27"، "الرقم "6012".
السحر:
والسحر من أهم الوسائل التي لجأ إليها البشر وأقدمها منذ أعتق أيامه في التأثير على الأرواح، وقد جعله جزءًا من الدين، لذلك كان من اختصاص رجال الدين، يقومون به في المعابد قيامهم بالشعائر.
وإذ كان معظم الناس في الزمن الحاضر يفرقون بين الدين والسحر، ويعدون السحر شيئًا بعيدا عن الدين، بل هو ضد الدين، فإن قدماء البشر لم يكونوا ينظرون إليه هذه النظرة، كانوا ينظرون إليه كما قلت على إنه جزء مهم من الدين، بل هو أهم جزء فيه وأعظمه، بل ما زلنا نجد ديانات القبائل البدائية تعد السحر جزءًا من الدين1. وهو كذلك في كل دين بدائي.
وعلم الساحر. هو السحر، والسحر في عرف بعض علماء اللغة الإسلاميين هو
1 R. Campell Thompson Semitic Magic its Origins and Development، London، 1908، p. XVII، Smith، P. 90.
"عمل يقرب فيه إلى الشيطان"1. وقد فسر بعض العلماء كلمة "الجبت" في القرآن الكريم بمعنى السحر، كما ذكر أنها تعني الساحر والكاهن والصنم وكل ما عبد من دون الله. وفسر "الطاغوت" بمعنى الشيطان2.
وقد وردت كلمة "السحر" و"سحر" و"الساحر" و"الساحرون" و"السحرة" و"مسحورا" و"مسحورون" في مواضع عديدة من القرآن الكريم، ويدل ورودها فيه بهذه الكثرة على مبلغ أثر السحر في عقلية الجاهليين وقد اتهم أهل مكة الرسول أنه ساحر، حينما أخبرهم بنزول الوحي عليه. وقالوا إنه يستمد وحيه من الشياطين.
وقد جمع البخاري بين الكهانة والسحر بأن قدم الكهانة على السحر، لأن مرجع الاثنين شيء واحد هو الشياطين3.
وقد حملت تلك المواضع من القرآن الكريم المفسرين على جمع ما علق بأذهان الناس عن السحر. أما كتب الحديث ففيها مادة مفيدة وردت ضمنا عن عقيدة أهل الجاهلية به. كما وردت في أخبار أهل الأخبار إشارات إليه، تجمل جميعها أن الاعتقاد بالسحر بين الجاهليين كان شائعا معروفا، وأن ممارسيه في جزيرة العرب كانوا عربا ويهودا، إنهم كانوا يرون أن أصوله في بابل وعند يهود.
وقد كان أكثر السحرة في الجاهلية من يهود4. يقصدهم الجاهليون من أنحاء بعيدة، لاعتقادهم بسعة علمهم وباختصاصهم فيه. وكان اليهود يسندون علمهم إلى بابل، ولهذا نجد الأحاديث والأخبار العربية ترجع علم السحر إلى بابل واليهود.
والفرق بين الكهانة والسحر أن الكهانة تنبؤ، فسند الكاهن هو كلامه الذي يذكره للناس. أما السحر، فإنه عمل في الأكثر، للتأثير في الأرواح، كي تقوم بأداء ما يطلب منها. ولا يمكن صنع سحر ما لم يقترن بعمل. ويصحب هذا
1 تاج العروس "3/ 258"، "سحر"، اللسان "4/ 348"،"سحر".
2 النساء، الآية 50، "وسمي الساحر والكاهن جبتا"، المفردات "83"، تاج العروس "1/ 535"، شمس العلوم "جـ1، ق2، ص244".
3 عمدة القاري "21/ 421، 445"، الطبرسي، "1-2"، "384".
4 عمدة القاري "21/ 213"، الطبري "2/ 439"، العقد الفريد "6/ 276"، تفسير الرازي "17-18 "ص9"، سنن ابن ماجة "2/ 1173"، روح المعاني "30/ 283".
العمل كلام مفهوم أو غير مفهوم، وإشارات، يدعي الساحر إنه إنما يقوم به وبالإشارات لتسخير الأرواح، وأن ما يفعله مفهوم عند جنوده، وهم الجن والشياطين.
وفن مثل هذا مغر جدا، فمن الناس من لا يريد تسخير القوى الخفية لخيره ولصالحه، وإلحاق الأذى بأعدائه ومبغضيه. ولذلك كان للسحر وللسحرة أثر خطير في التأريخ، بالرغم من مقاومة بعض الأديان له. فما يقوم به السحرة من أعمال وخفة، وما لشخصيات بعض السحرة من تأثير نفسي كبير، تجعل من الصعب على بعض الناس أن تكون للساحر مكانة كبيرة في نفس ذلك الشخص.
وللسحر أغراض عديدة، وقد استخدم في معالجة أمور كثيرة، حتى إدارة الملك والقضاء على الأعداء، للسحر وللسحرة فيها صولات وجولات. ومن الطبيعي أن يكون للحب المكانة البارزة فيه، حتى ليكاد يتخصص بهذا الجانب من حياة الإنسان. ولما كانت العادة أن يتزوج الرجل من جملة نساء صار السحر من أهم الوسائل التي استعانت بها الزوجات للتأثير في قلب الرجل، ولكسب المكانة الأولى عنده، وللتفريق بين الرجل وبين بقية أزواجه. ومصداق ذلك ما ورد في القرآن الكريم عن السحر في هذه الآية:{وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} 1. فالتفريق بين المرء وزوجه، كان ولا يزال من أهم أعمال السحرة. ونجد في الحديث تقريعا ولوما للسحرة لاستخدامهم السحر في هذا الغرض الفاسد.
والساحر في معالجة الحب على طريقين: إشعال جذوة نار الحب في قلب من يقصد إثارته عنده، أو إطفاء نارها وإخمادها وإماتتها في قلب المسحور. ولكل من الطريقين قواعد وأحكام وأصول يجب تطبيقها بعناية، وإلا بطل فعل السحر.
أما إشعال نيران الحب، فيكون بطرق متعددة يتبعها الساحر، فقد يستعين بالنباتات والأعشاب، يستخرج أدوية منها يقدمها إلى المرأة لتوجر الرجل إياها سرا. وقد يستعين بالجمر يقرأ عليه، ثم يرمي في الممرات التي يمر الرجل،
1 البقرة: الآية 102، عمدة القاري "20/ 278 وما بعدها".
أو الشخص المراد سحره منها. وقد يدفن السحر في موضع كمقبرة أو محل آخر ليؤثر من ذلك الموضع على المسحور. وقد يستعين بالخرز يسحر عليها، فتحبب المرأة إلى زوجها، وتسمى "التولة"1.
وكما يستعمل السحر لاشعال نيران الحب في القلب، كذلك يستعمل لايقاد البغض والكراهية في النفوس. ففي استطاعة الساحر بما عنده من جنود مجندة أن يلقي البغضاء والكراهية والحقد في نفس أي شخص يود إنسانا آخر، فينقلب مبغضا حاقدا كارها لمن كان يحبه ويعشقه. ومجال هذا الباب واسع جدا للنساء خاصة.
وفي استطاعة الساحر مداواة العاشق وإماتة عشقه بوصفه يعطيها إليه تقضي على حبه الجامح قضاء تاما يسمونها "السلوانة" و"السلوان". وما هذه الوصفة إلا مادة ذات سحر عجيب يغتسل بها الإنسان أو يشربها، فتطفئ في الحال أو بعد أمد كل نيران للحب مؤججة في قلب العاشق. والسلوانة هي شيء من تراب قبرن أو خرزة تسحق ويشرب ماؤها، فيورث شاربها سلوة. وتكون الخرزة شفافة، تدفن في الرمل فتسود، ثم تستخرج لسحقها وشربها، وقد يكتفي بصب ماء المطر على تلك الخرزة لسقي العاشق ذلك الماء الذي يسمونه "السلوان"، ليشفي من العشق2. ولا بد أن يكون لاختيار الماء وتراب القبر أو مسحوق الخرزة في معالجة العشق، سبب يمكن تفسيره بأنه لغسل قلب المحب، وإماتة الحب فيه.
ومن أهم الأعمال التي يعالجها السحرة، إخراج الجن من المجانين. فالجنون هو من عمل الجن. تحل الجنة بالإنسان فتأخذ عقله. ومن هنا قيل لهذا المرض "جنة" و"جنون"3. ومن واجب الساحر إخراج الجن من هؤلاء المرضى، وهو عمل يقوم به الساحر حتى اليوم، ويكون ذلك بضرب المريض بالعصا لإخراج
1 بالكسر وبالضم، "وقيل هي معاذة تعلق على الإنسان"، اللسان "13/ 85".
2
يا ليت أن لقلبي من يعلله
…
أو ساقيا فسقاني عنك سلوانا
وورد:
شربت على سلوانة ماء مزنة
…
فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو
وجاء:
جعلت لعراف اليمامة حكمه
…
وعراف نجد أن هما شفياني
فما تركا من رقية يعلمانها
…
ولا سلوة إلا بها سقياني
اللسان "19/ 118 وما بعدها".
3 تاج العروس "9/ 164 وما بعدها"، "جنن".