الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل التاسع والسبعون: النصرانية بين الجاهليين
مدخل
…
الفصل التاسع والسبعون النصرانية بين الجاهليين
ولم تكن اليهودية، الديانة السماوية الوحيدة التي وجدت لها سبيلا إلى جزيرة العرب، بل وجدت ديانة الوحيدة التي وجدت لها سبيلا إلى جزيرة العرب، بل وجدت ديانة سماوية أخرى طريقا لها إلى العرب، هي الديانة النصرانية، وهي ديانة أحدث عهدا من الديانة الأولى، لأنها قامت بعدها، ونشأت على أسسها ومبادئها، ولكنها كانت أوسع أفقا وتفكيرا من الأولى. فبينما حبست اليهودية نفسها في بني إسرائيل، وجعلت إلهها إله بني إسرائيل شعب الله المختار، جعلت النصرانية ديانتها ديانة عالمية جاءت لجميع البشر. وبينما قيدت اليهودية أبناءها بقيود تكاد تضبط حركاتهم وسكناته، وفرضت عليهم فروضا ثقيلة، نجد النصرانية أكثر تساهلا وتسامحا، فلم تقيد أبناءها بقيود شديدة، ولم تفرض عليهم أحكاما اشترطت عليهم وجوب تنفيذها. وقد قام رجال الدين النصارى منذ أول نشأتها بالتبشير بها، وبنشرها بين الشعوب، وبذلك تميزت عن اليهودية التي جمدت، واقتصرت على بني إسرائيل.
ولفظة "النصرانية" ،"نصارى" التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاظ المعربة، يرى بعض المستشرقين أنها من أصل سرياني هو:"نصرويو" Nosroyo، "نصرايا" Nasraya1، ويرى بعضآخر أنها من Nazereneds التسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتبع ديانة المسيح. وقد وردت في
1 غرائب اللغة "ص207"، Ency III p 848
العد الجديد في "أعمال الرسل" حكاية على لسان يهود1، ويرى بعض المؤرخين أن لها صلة "بالناصرة" التي كان منها "يسوع" حيث يقال:"يسوع الناصري" أو أن لها صلة بـ "الناصريين""Nazarenes= Nasarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتبع ديانة المسيح "النصارى"، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علما لديانة المسيح عند المسلمين.
ولعلماء اللغة الإسلاميين آراءب في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلا. وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح2. وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يقال لها "نصران"، فقيل نصراني وجمعه نصارى3. وذكر أن "النصرانة" هي مؤنث النصراني4.
ولم أعثر حتى الآن على نص جاهلي منشور وردت فيه هذه التسمية. أما في الشعر الجاهلي، وفي شعر المخضرمين، فقد ذكر أن أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت:
أيام يلقى نصاراهم مسيحهم
…
والكائنين له ودا وقربانا5
وذكر أن شاعر جاهليا ذكر النصارى في شعر له، وهو:
إليك تعدو قلقا وضينها
…
معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النصارى دينها
1 أعمال الرسل: الإصحاح 24، الآية 5 "فإننا إذا وجدنا هذا الرجل مفسدا، ومهيج فتنة بين جميع اليهود الذين في المسكونة ومقدام شيعة الناصريين".Ency ReIig Ethic Ethic IIIp574
2 اللسان "7/ 68"، تاج العروس "3/ 568"، "نصر".
3 المفردات، للأصفهاني "ص514".
4
فكلتاهما خرت وأسجد رأسها
…
كما أسجدت نصرانة لم تحنف
اللسان "7/ 68"، "نصر"، و"النصرانية وأحدة النصارى"، تاج العروس "3/ 569"، "نصر".
5 النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول "ص187".
وذكر أن جابر بن حنى قال:
وقد زعمت بهراء أن رماحنا
…
رماح نصارى لا تخوض إلى دم1
وأن حاتما الطائي قال في شعر له:
وما زلت أسعى بين ناب ودارة
…
بلحيان حتى خفت أن أتنصرا2
وأن "طخيم بن أبي الطخماء" قال في شعر له في مدح بني تميم:
وإني وإن كانوا نصارى أحبهم
…
ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق3
وأن حسان بن ثابت قال:
فرحت نصارى يثرب ويهودها
…
لما توارى في الضريح الملحد4
غير أن هذه الأبيات وأمثالها إن صح إنها لشعراء جاهليين حقًّا، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمون به النصارى من تسميات.
والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون: "تلاميد" Discipies، "تلاميذ المسيح"، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم5 وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد "تلاميذ يوحنا" وقصدوا بذلك النصارى6. وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعلمها النصارى للتعبير عن أنفسهم.
كذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم بـ "الأخوة" وبـ"الأخوة في الله" Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وبـ "الأخ" للتبعير عن الفرد،
1 النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول "ص171، 225"، شعراء النصرانية "190"، المشرق، السنة السابعة "1904، "620 وما بعدها".
2 الأغاني "16/ 104" النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول "171، 225".
3 المشرق، السنة السابعة "1904 "602 وما بعدها".
4 ديوان حسان "24".
5 Hastings p 192
6 انجيل مرقس: الإصحاح الثاني، الآية 18.
ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم إخوة في الله وفي الدين1. ثم تخصصت كلمة "الأخ" برجل الدين2. ودعوا أنفسهم "القديسين" Sainte3 والمؤمنين4 والمختارين الأصفياء والمدعوين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للإشارة إلى التسمية التي تليها.
وقد كنى عن مجتمع النصارى بـ "الكنيسة" EccIesia وتعني "المجمع" في الإغريفية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى بـ "الفقراء وبـ "الأصدفاء"5.
وقد عرف النصارى بـ Christians نسبة إلى Christos اليونانية التي تعني "المسيح" Messiah، أي المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعرفوا بها، تمييزا لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس6.
أما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق "نصارى" و"نصراني" و"نصرانية" على النصارى تمييزا لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح "عيسوي" و"مسيحي"، فلم يعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما
1 Hastings p 104
2 أعمال الرسل، الإصحاح الأول، الآية 15 وما بعدها.
Ency ReIi Ethic 3 p 573
3 رسالة بولس الرسول، الأولى إلى أهل كورنتوس، الإصحاح الأول، الآية الأولى وما بعدها.
4 أعمال الرسل: الإصحاح الخامس، الآية 14، رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، الإصحاح الأول: الآية الأولى وما بعدها.
5 Ency ReIi Ethic 3 p 574
6 أعمال الرسل: الإصحاح الحادي عشر: الآية 26، الإصحاح 26، الآية 28، رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس: الإصحاح الرابع، الآية 16،
Hastings p 127
من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى1. وقد قصد في القرآن الكريم بـ "أهل الإنجيل"2 النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل. وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات3.
وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم للصليب وتقديسه. ورد أن الرسول قال لراهبين أتياه من نجران ليبحثا فيما عنده:"يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما الله ولد"4. وورد أنه رأى "عدي بن حاتم الطائي" وفي عنقه صليب من ذهب، لأنه كان على النصرانية5.
وورد في شعر ذي الرمة:
ولكن أصل امرئ القيس معشر
…
يحل لهم أكل الخنازير والخمر6
يريد إنهم نصارى في الأصل، فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم للخمر.
وقد أقسم النصارى بالصليب. هذا "عدي بن زيد" يحلف به في شعر ينسب إليه، فيقول:
سعى الأعداء لا يألون شرا
…
عليك ورب مكة والصليب7
ليس في استطاعتنا تعيين الذي دخلت فيه النصرانية إلى جزيرة العرب. وتحاول مؤلفات رجال الكنائس رد ذلك التاريخ إلى الأيام الأولى من التأريخ النصراني8، غير أننا لا نستطيع أقرارهم على ذلك، لأن حججهم في ذلك غير
1 Hughes Dictionary of IsIam p 431
2 المائدة، الآية 47.
3 النهاية في غريب الحديث "4/ 136"، المعرب، للجوالقي "23".
4 البلاذري: 71".
5 اللسان "13/ 443"، و"ثن" السيوطي، الدر المنثور "10/ 75".
6 النصرانية "75".
7 شيخو، شعراء النصرانية "451".
8 النصرانية وآدابها، القسم الأول، تأليف لويس شيخو، بيروت 1912م.
كافية للاقناع. ولذلك فليس من الممكن تثبيت تأريخ لانتشارها في هذه الأماكن في الزمن الحاضر، وليس لنا إلا التفتيش عن أقدم الوثائق المكتوبة للوقوف عليها بوجه لا يقبل الشك ولا التأوي. ونحن أمام بحث علمي، يجب أن تكون العاطفة بعيدة عنه كل البعد.
وإذا كانت اليهودية قد دخلت جزيرة العرب بالهجرة والتجارة، فإن دخول النصرانية إليها كان بالتبشير وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا، وبالتجارة، وبالرقيق ولا سيما الرقيق الأبيض المستورد من أقطار كانت ذات ثقافة وحضارة. أما هجرة نصرانية كهجرة يهود إلى الحجاز أو اليمن أو البحرين، فلم تحدث، ذلك لأن النصرانية انتشرت في إمبراطورية الروم والساسانيين بالتدريج، ثم صارت ديانة رسمية للقياصرة والروم وللشعوب التي خضعت لهم، فلم تظل النصرانية أقلية هناك، لتضطر إلى الهجرة جماعة وكتلة إلى بلد غريب. لذلك كان حديثنا عن نصارى العرب من حيث الأصل والأرومة، يختلف عن حديثنا عن أصل يهود اليمن أو الحجاز.
وبفضل ما كان لكثير من المبشرين، من علم ومن وقوف على الطلب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس، تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم، أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم. فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم مما كانوا يشكون منه من أمراض. وقد نسبوا ذلك إلى فعل المعجزات والبركات الإلهية، وذكر بعض مؤرخي الكنيسة أن بعض أولئك الرهبان القديسين شفوا بدعواتهم وببركات الرب نساء العقيمات من مرض العقم فأولدن أولادا، ومنهم من توسل إلى الله أن يهب لهن ولدا ذكرا، فاستجاب دعوتهم، فوهب لهم ولدا ذكرا، كما حدث ذلك لضجعم سيد الضجاعمة، إذ توسل أحد الرهبان إلى الله أن يهب له ولدا ذكرا، فاستجاب له. فلما رأى ضجعم ذلك، دخل في دينه وتعمد هو وأفراد قبيلته1. ومنهم من شفي بعض الملوك العرب من أمراض كانت به مثل "مارايشوا عزخا" الراهب. ذكروا أنه شفى النعمان ملك الحيرة من مرض عصبي ألم به، وذلك بإخراجه الشيطان
1 النصرانية وآدابها "1/ 35"، Sozomene Hist EccI VI 38
من جسده1.
وفي تواريخ الكنيسة قصص عن أمثال هذه المعجزات المنسوبة إلى القديسين، كالتي نسبوها إلى القديس "سمعان العمودي""المولود نحو سنة 360م" يذكرونها على أنها كانت سببا في هداية عدد من الأمراء وسادات القبائل إلى النصرانية، وبفضل تنصرهم دخل كثير من أتباعهم في هذا الدين2. وكالتي نسبوها إلى القديس "أفتميوس" الذي نضر بفضل هذه المعجزات جمعا من الأعراب وأسكنهم في أماكن خاصة أنشأ فيها كنائس أطلق عليها في اليونانية ما معناه "المحلة" أو "المعسكر"3.
ولم يعبأ المبشرون بالمصاعب والمشقات التي كانوا يتعرضون لها، فدخلوا مواضع نائية في جزيرة العرب، ومنهم من رافقوا الأعراب، وعاشوا عيشتهم، وجاروهم في طراز حياتهم، فسكنوا معهم الخيام، حتى عرفوا بـ "أساقفة الخيام" وبـ "أساقفة أهل الوبر"، وبأساقفة القبائل الشرقية المتحالفة وبأساقفة العرب البادية. وقد ذكر أن مطران "بصرى" كان يشرف على نحو عشرين أسقفا انتشروا بين عرب حوران وعرب غسان وقد نعتوا بالنعوت المذكورة، لأنهم كانوا يعيشون في البادية مع القبائل عيشة أهل الوبر4.
وقد دخل أناس من العرب بالنصرانية باتصالهم بالتجار النصارى وبمجالستهم لهم. روي أن رجلا من الأنصار، يقال له "أبو الحصين"، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا، أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فرجعا إلى الشام معهم5.
ودخلت النصرانية جزيرة العرب مع بضاعة مستوردة من الخارج، هي تجارة الرقيق من الجنسين، فقد كان تجار هذه المادة الرابحة يستوردون بضاعتهم من أسواق عالمية مختلفة، ولكن أثمن هذه البضاعة وأغلاها هي البضاعة المستوردة من إمبراطوريةي الروم والفرس، لمميزات كثيرة امتازت بها أنواع المستوردة
1 الديورة في مملكتي الفرس والروم، للقس بولس شيخو "ص32، 47".
2 النصرانية وآدابها "1/ 81 وما بعدها".
3 المشرق: السنة الثانية عشرة، الجزء5. آذار "1909م"، "ص344 وما بعدها".
4 النصرانية "1/ 37".
5 تفسير الطبري "3/ 10"، تفسير القرطبي "3/ 280 وما بعدها".
من إفريقية مثلا. فقد كان صنفها من النوع الغالي الممتاز بالجمال والحسن والاتقان ثم بالابتكار وبالقيام بأعمال لا يعرفها من هم من أهل إفريقية. ومن الروميات والصقلبيات والجرمانيات من صرن أمهات لأولاد عدوا من صميم العرب. وقد كان أكثرهن، ولا سيما قبيل ظهور الإسلام، على النصرانية. ومن بينهن من خلدت أسماؤهن لتتحدث للقادمين من بعدهم من الأجيال عن أصولهن في العجم وعن الدين الذي كن عليه.
وقد كان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب رقيق نصراني كان يقرأ ويكتب للناس ويفسر للناس ما جاء في التوراة والأناجيل، ويقص عليهم قصصًا نصرانيا ويتحدث إليهم عن النصرانية، ومنهم من تمكن من إقناع بعض العرب في الدخول في النصرانية، ومنهم من أثر على بعضهم، فأبعده عن الوثنية، وسفه رأيها عندهم، لكنهم لم يفلحوا في أدخالهم في دينهم، فبقوا في شك من أمر الديانتين، يرون أن الحق في توحيد الله وفي اجتناب الأوثان، لكنهم لم يدخلوا في نصرانية، لأنها لم تكن على نحو ما كانوا يريدون من التوحيد وتحريم الخمر وغير ذلك مما كانوا يبتغون ويشترطون.
وقد أثرت الأديرة تأثيرا مهما في تعريف التجار العرب والأعراب بالنصرانية. فقد وجد التجار في أكثر هذه الأديرة ملاجئ يرتاحون فيها ومحلات يتجهزون منها بالماء، كما وجدوا فيها أماكن للهو والشرب: يأنسون بأزهارها وبخضرة مزارعها التي أنشأها الرهبان، ويطربون بشرب ما فيها من خمور ونبيذ معتق امتار بصنعة الرهبام. وقد بقيت شهرة تلك الأديرة بالخمور والنبيذ قائمة حتى في أيام الإسلام. ومن هؤلاء الرهبان ومن قيامهم بشعائرهم الدينية، عرف هؤلاء الضيوف شيئًا عن ديانتهم وعما كانوا يؤدونه من شعائر. وقد أشير إلى هؤلاء الرهبان الناسكين في الشعر الجاهلي، وذكر عنهم أنهم كانوا يأخذون المصابيح بأيديهم لهداية القوافل في ظلمات الليل1.
وقد كانت هذه الأديرة، وهي بيوت خلوة وعبادة وانقطاع إلى عبادة الله والتفكير فيه، مواطن تبشير ونشر دعوة. وقد انتشرت حتى في المواضع القصية من البوادي. وإذا طالعنا ما كتب فيها وما سجله أهل الأخبار أو مؤرخو الكنائس
1 WeIhausen Reste S 232
عن أسمائها، نعجب من هذا النشاط الذي عرف به الرهبان في نشر الدعوة وفي إقامة الأديرة للإقامة فيها مواضع لا تستهوي أحدا. وهي متقاربة عديدة في بلاد العراق وفي بلاد الشام. بل نجد لها ذكرا حتى في الحجاز ونجد وفي جنوبي جزيرة العرب وشرقيها: تتلقى الاعانات من كنائس العراق والشام ومن الروم، حتى تمكنت من التبشير بين أكثر القبائل. ولولا ظهور الإسلام ونزول الوحي على الرسول في الحرمين، لكان وجه العالم العربي ولا شك غير ما نراه الآن. كان العرب في الحرمين، لكان وجه العالم العربي ولا شك غير ما نراه الآن. كان العرب على دين النصرانية وتحت مؤثرات ثقافية أجنبية، هي الثقافة التي اتسمت بها هذه الشيع النصرانية المعروفة حتى اليوم.
وقد ذكر "ابن قتيبة الدينوري": أن النصرانية كانت في ربيعة، وغسان، وبعض قضاعة1 وقال "اليعقوبي":"واما من تنصر من أحياء العرب، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى، منهم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن أسد. ومن بني تميم: بنو امرئ القيس بن زيد مناة، ومن ربيعة: بنو تغلب، ومن اليمن: طئ ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم"2.
وطبيعي أن يكون انتشار النصرانية في العرب ببلاد الشام واضحا ظاهرا أكثر منه في أي مكان آخر. وأقصد ببلاد الشام ما يقصده علماء الجغرافيا العرب من هذا المصطلح. فقد كان لعرب هذه الديار علاقة مباشرة واتصال ثقافي بغيرهم من سكان هذه الأرضين الذين دخل أكثرهم في الديانة النصرانية، والذين صارت هذه الديانة ديانة بلادهم الرسمية بعد دخول الروم فيها واتخاذهم النصرانية دينا رسميا للدولة منذ تنصير الشعوب الخاضعة لهم، لا تقربا إلى الله وحده، بل لتمكين سلطانهم عليهم، واخضاعهم روحيا لهم. ولهذا كان من سياسة البيزنطيين نشر النصرانية بين أتباها وفي الخارج وإرسال المبشرين والأغداق عليهم ومدهم بالأموال لنشر الدعوة وتأسيس مكاتب للتبشير، وبالفعلة لبناء الكنائس الفخمة الجميلة على طراز في أنيق جميل غير معروف بين من سيبشر بهذا الدين بينهم. وبذلك تبهر عقولهم، فتشعر أن الدين الجديد مزايا ليست في دينهم، وأن معابده أفخم من
1 المعارف "621"، البدء والتأريخ "4/ 31"، الأعلاق النفيسة "217".
2 اليعقوبي "1/ 227".
معابدهم، ورجال دينه أرقى من رجال دينهم، وبذلك يأتون إليها. وللبهرجة والفخفخة أثر عظيم في كثير من الناس، فالعين عند أكثر البشر، تقوم مقام العقل. وقد يكون ما قام به الأحباش في اليمن من إنشاء الكنائس العظيمة فيها وتفننهم في تزويقها وتجميلها وفي فرشها بأفخر الرياش والفراش لصرف الناس عن الكعبة كما يزعم أهل الأخبار دليلا على ما أقول.
وقد وجدت النصرانية لها سبيلا بين عرب بلاد الشام وعرب بادية الشام والعراق. فدخلت بين "سليح"، و"الغساسنة"، و"تغلب"، و"تنوخ"، و"لخم"، و"إياد"1. وقد انتشرت بين عرب بلاد الشام بنسبة تزيد على نسبة انتشارها بين عرب بلاد العراق، وهو شيء طبيعي، فقد كانت بلاد الشام تحت حكم البيزنطيين، وديانتهم الرسمية، هي الديانة النصرانية، وكانوا يعملون على نشرها وترويجها بين شعوب "إمبراطوريةهم"، وبين الشعوب الأخرى، لا سيما الشعوب التي لهم مصالح اقتصادية معها. ففي نشر النصرانية بينهم وادخالهم فيها، تقريب لتلك الشعوب منهم، وتوسيع لنفوذهم السياسي بينهم، وتقوية لمعسكرهم المناهض لخصومهم الفرس، أقوى دولة معادية لهم في ذلك الوقت. ولهذا سعت القسطنطينة لإدخال عربهم في النصرانية، وعملت كل ما أمكنها عمله للتأثير على سادات القبائل لإدخالهم في دينهم، بدعوتهم لزيارة كنائسهم وبإرسال المبشرين اللبقين إليهم، لاقناعهم بالدخول فيها، وبإرسال الأطباء الحاذقين إليهم لمعالجتهم، وللتأثير عليهم بذلك في اعتناق النصرانية، كما دعوهم لزيارة العاصمة، لمشاهدة معالمها ولأنهار عقولهم بمشاهدة كنائسها، والاتصال بكبار رجال الدين فيها، لتعليمهم أصول النصرانية. وأظهروا لهم مختلف وسائل المعونة والمساعدة إن دخلوا في ديانتهم، وبذلك أدخلوهم في النصرانية فصاروا إخوانا للروم في الدين.
نعم، دخل سادات القبائل والحكام العرب التابعون لهم في هذه الديانة، فصاروا نصارى، ولكنهم لم يأخذوا نصرانية الروم، بل أخذوا نصرانية شرقية مخالفة لكنيسة "القسطنطية"، فاعتنقوها مذهبا لهم. وهي نصرانية عدت "هرطقة" وخروجا على النصرانية الصحيحة "الأرثوذكسية" في نظر الروم. نصرانية متأثرة
1 اليعقوبي "1/ 227"، "أديان العرب".
بالتربة الشرقية، وبعقلية شعوب الشرق الأدنى، نبتت من التفكير الشرقي في الدين، ولهذا تأثرت بها عقلية هذه الشعوب فانتشرت بينها، ولم تجد لها إقبالا عند الروم وعند شعوب أوروبة. وكان من جملة مميزاتها عكوفها على دراسة العهد القديم، أي التوراة، أكثر من عكوفها على دراسة الأناجيل1.
والنصرانية التي شاعت بين عرب بلاد الشام، هي النصرانية اليعقوبية، أو المذهب اليعقوبي بتعبير أصح. وهو مذهب اعتنقه أمراء الغساسنة وتعصبوا له، ودافعوا عنه، وجادوا رجال الدين في القسطنطنية وفي بلاد الشام في الذب عنه. فزعم مثلا أن "الحارث بن جبلة""ملك العرب النصارى" تغلب في مناظرة جرت له مع "البطريرك بن جبلة""526- 545م" على "البطريرك" وأفحمه في جوابه. وكان إفرام، وهو على مذهب "المكيين"، قد قصده لإقناعه بترك المذهب "المنوفيزيتي" والدخول في مذهبه2. ونسبوا إلى "المنذر بن الحارث" دفاعًا شديدًا عن "المنوفيزيتية"، أي المذهب الذي كان عليه الغساسنة من مذاهب النصرانية، وذكروا أنه أَنَّبَ "البطريرك دوميان" وهو في القسطنطنية على تهجمه على "المنوفيزيتين"، وعمل جهده في التقريب بين مذهبه ومذهب القيصر، واتصل بالقيصر "طيباريوس" "578-5682م" ليعمل على بث روح التسامح بين المذاهب النصرانية وترك الحرية للأفراد في دخول المذهب الذي يريدونه والصلاة في أية كنيسة يريدها النصراني2.
ويظهر أن بعض الضجاعمة الذين كانوا يتولون حكم عرب الشام قبل الغساسنة كانوا على دين النصرانية. غير إننا لا نستطيع أن نحكم على أي مذهب من مذاهب النصرانية كانوا. فذكروا أن "زوركوموس"، وهو "ضجعم" جد الضجاعمة تنصر على يد أحد الرهبان، وذلك أن هذا الرئيس كان متهلفًا إلى مولود ذكر، فجاءه هذا الراهب، وتضرع إلى الله أن يهبه ولدًا ذكرًا، فلما استجاب الله له تعمد وتبعته قبيلته3.
1 NoIdeke Geschichte des goraus Is7
2 المشرق، السنة الرابعة والثلاثون، كانون الثاني -آذار، 1936 "ص61 وما بعدها".
3 النصرانية "1/ 35".
وقد كان مشهد القديس "سرجيوس" في "الرصافة"، من أهم المزارات التي تقصدها المتنصرة من عرب الشام، مثل الغساسنة وتغلب. وقد تقرب إليه بعض ملوك الغساسنة بتقديم الهدايا والنذور إليه وبتزيينه وبزيارته، وبالاعتناء بالمدينة وبصهاريجها تكريمًا له، وتقربًا إليه، وظل هذا المزار مقصودًا مدة في الإسلام. وقد عد التغلبيون هذا القديس شفيعهم، جعلوا له راية حملوها معهم في الحروب، وكانوا يحملونها مع الصليب تبركًا وتيمنًا بالنصر1.
وكان حاضر "قنسرين" لتنوخ. أقاموا في طرفها هذا منذ زمن قديم، مذ أول نزولهم بالشام. نزلوا في طرفها وتنصروا. فلما حاصر "أبو عبيدة" المدينة، دعاهم إلى الإسلام، فأسلم بعضهم، وأقام على النصرانية بنو سليح. كذلك كان في طرف قنسرين عشائر من طيء، نزلوا بها في الجاهلية على أثر الحروب التي وقعت فيما بينهم، واستدعت تفرقهم، فأقاموا عند قنسرين مع القبائل العربية الأخرى التي جاءت إلى هذا المكان2.
وكان بقرب مدينة "حلب" حاضر يدعى "حاضر حلب" يجمع أصنافًا من العرب من تنوخ وغيره. فلما جاء "أبو عبيدة" إلى المدينة، صالح من فضل البقاء منهم على دينه على الجزية، ثم أسلم الكثير منهم فيما بعد3.
وتعد بهراء في جملة القبائل العربية المتنصرة عند ظهور الإسلام. تنصرت كما تنصرت غسان وسليح وتنوخ وقوم من كندة، وذلك لنزولها في بلاد الشام ولاتصالها بالروم4.
1 قال الأخطل:
لما رأونا، والصليب طالعا
…
ومار سرجيس وسما ناقعا
وأبصروا راياتنا لوامعا
…
خلوا لنا راذان والمزارعا
فأجابه جرير:
أفبالصليب ومار سرجيس تتقي
…
شهباء ذات مناكب جمهورا
وقال:
ستنصرون بمارسرجيس وابنه
…
بعد الصليب ومالهم من ناصر
المشرق، السنة الرابعة والثلاثون، نيسان - حزيران، 1936، "ص246 وما بعدها".
2 البلاذري، فتوح "150 وما بعدها"، "أمر جند قنسرين والمدن التي تعدى العواصم".
3 البلاذري، فتوح "151"ز
4 اليعقوبي "1/ 298"، الخراج "146"، النصرانية"125".
وقد سكن قوم من "إياد" السواد والجزيرة، وسكن قوم منهم بلاد الشام، فخضعوا للغساسنة وللروم وتنصروا. وهم في جملة القبائل التي لم يأخذ علماء العربية اللسان عنها لمجاورتها أهل الشام، ولتأثرها بهم، وهم قوم يقرءون ويكتبون بالسريانية، فتأثروا بهم، لروابط الاحتكاك والثقافة والدين1.
وقد ترك لنا رجل من نصارى الشام نصًّا قصيرًا مؤرخا بسنة "463" المقابلة لسنة "568" للميلاد، وهي غير بعيدة عن ميلاد الرسول جاء فيها:"نا شرحيل بر ظلمو بنيت ذا المرطول سنت 463 بعد مفسد خيبر بعم"، أي "أنا شراحيل بن ظالم بنت ذا المرطول بعد مفسد "خيبر" بعام". هو على قصره ذو أهمية عظيمة من الناحية اللغوية، إذ هو النص الجاهلي الوحيد الذي وصل إلينا مكتوبا باللهجة التي تزل بها القرآن الكريم. وهو على ما أعلم النص الجاهلي الوحيد أيضًا الذ وصل إلينا مكتوبا بصيغة المتكلم، فالنصوص الأخرى التي وصلت إليها والمكتوبة بمختلف اللهجات العربية مدونة كلها بضمير الغائب. وهو أيضًا من النصوص العربية القليلة التي تركها النصارى العرب لمن بعدهم في بلاد الشام.
وقد استغل الروم العرب المتنصرة بأن أثاروا في نفوسهم العواطف الدينية على المسلمين، حينما عزم المسلمين على فتح بلاد الشام وطرد البيزنطيين منها، وأغروا سادات القبائل بالمال وبالهدايا وبالوعود حتى اشتروهم فصاروا إلى جانبهم. والمصالح الشخصية هي فوق كل مصلحة عند سادات القبائل، لا يعلوها عندهم مصلحة، فانضموا إليهم، وجاءوا بقبائلهم لتحارب معهم. ومن هذه القبائل العربية التي حاربت مع الروم، غسان. حاربوا معهم في معارك عديدة. ففي يوم اليرموك كانوا في صفوف الروم، وكان رئيسهم "جبلة بن الأيهم الغساني" في مقدمة الجيش الذي أرسله هرقل لمحاربة المسلمين. كان على رأس مستعربة الشام من غسان ولخم وجذام2. وقد اشترك مع الروم في حروب أخرى ضد المسلمين.
وكانت "سليح" في جملة القبائل العربية المتنصرة التي حاربت المسلمين. ولما تقهقر الروم وانهزموا، دفعوا الجزية لاحتفاظهم بدينهم. وكذلك كانت عاملة ولخم وجذام في جملة القبائل المتنصرة التي ساعدت الروم، وآزرتهم. كانوا مع
1 المزهر "1/ 105"، النصرانية "124".
2 البلاذري، فتوح "140"، "يوم اليرموك".
الروم مثلا حين مجئ الرسول إلى "تبوك"1. وظلوا إلى جانبهم يؤيدونهم، حتى تبين لهم أن النصر قد تحلو للمسلمين، وأن الهزائم قد حالفت الروم، عندئذ انضمت في جملة من انضم من منتصرة العرب إلى المسلمين لمحاربة الروم2.
وكادت قبيلة "تغلب" الساكنة غرب الفرات، أن تفر إلى بلاد الروم وتلحق بأرض الروم، لما غلب البيزنطيون على أمرهم وفتحت بلاد الشام والعراق أمام المسلمين. ولما خيرت بين البقاء على دينها ودفع الجزية وبين الدخول في الإسلام، أنفت من دفع الجزية، ورضيت بدفع ضعف الصدقة التي تؤخذ من المسلمين في كل سائمة وأرض3.
وقد نزحت "إياد" إلى بلاد الروم وبقيت بهان ثم عاد جمع منها لإخراج القيصر إياهم، فنزلوا بلاد الشام والجزيرة وانضموا إلى إخوانهم في الجنس4.
ويلي هؤلاء عرب العراق، لاحتكاكهم بالنصارى ولانتشار النصرانية في العراق بالرغم من أن ديانة الحاكمين لهذا القطر كانت ديانة أخرى، وأن النصرانية لم تكن في مصلحة الفرس. غير أن الفرس لم يكونوا يبشرون بدينهم، ولم يكن يهمهم دخول الناس فيه، إذ عدت المجوسية ديانة خاصة بهم، وهذا مما صرف الحكومة عن الاهتمام بأمر أديان الخاضعين لها من غير أبناء جنسها، إلا إذا وجدتها تتعارض مع سياستها، وتدعوا إلى الابتعاد عنها. ثم إن النصرانية إلا إذا وجدتها تتعارض مع سياستها، وتدعو إلى الابتعاد عنها. ثم إن النصرانية التي انتشرت فيما لم تكن من النصرانية المتشيعة بالأخطار، فغضت النظر عنها، وأن قاومتها مرارا واضطهدتها، وفتك ملوكها بعدد من الداخلين فيها، أشارت إليهم كتب مؤرخو الكنيسة في تواريخم عن الشهداء القيسين5.
وقد أشار أهل الأخبار إلى تنصر بعض ملوك الحيرة، ونسبوا إليهم بناء الأديرة
1 البلاذري "71"، "تبوك وإيلة وأذرح ومقنا والجرباء".
2 الخراج "138"، "فصل في الكنائس والبيع والصلبان".
3 البلاذري "185"، "أمر نصارى بني تغلب بن وائل"، السنن الكبرى "9/ 216".
الخراج "120 وما بعدها".
4 الطبري "4/ 197 وما بعدها"، "الجزيرة".
5 هنالك عدة مؤلفات في هذا لموضوع راجع منها:
Georg Hoffmann، Aszuge Aus Syrischen Akten Persicher Martyrer، Leipzig، 1880.
والكنائس، كما أشار إلى ذلك بعض مؤرخي الكنيسة. كالذي ذكروه عن المنذر" وعن "النعمان بن المنذر". غير أننا لا نستطيع إقرار ذلك بوجه عام، ولا بد من التريث، إذ يظهر أن أكثر ملوك الحيرة كانوا على الوثنية. وإذا كان كثير من ملوك الغساسنة قد دخلوا في النصرانية فإن ظروفهم تختلف عن ظروف ملوك الحيرة. فقد كان الروم، وهم سادة بلاد الشام، على هذه الديانة، وكانوا يشجعون انتشار النصرانية ويسعون لها، ولهذا كان لهذه السياسة أثر في الغساسنة أصحاب الروم، وهم على اتصال دائم بهم بطبيعة حكمهم لبلاد الشام. أما في العراق، فلم تكن هذه الديانة ديانة رسمية للحكومة، إنما انتشرت بفضل المبشرين، ولهذا انتشرت بين سواد الشعب، ولم تنتشر بين الملوك. ولم تضغط الحكومة الساسانية على ملوك الحيرة للدخول في هذه الديانة التي لم يكونوا أنفسهم داخلين فيها، فهي بالإضافة إليهم ديانة غريبة، لا يعنيهم موضوع انتشارها، ولا يهمهم موضوع انتشارها، ولا يهمهم شأنها ما دامت لا تتعارض وحكمهم في العراق.
وقد كان "هانئ بن قبيضة الشيباني" ممن كان على النصرانية، وهو من سادات "بني شيبان"، ومات وهو على هذا الدين. وكان في جملة من فاوض "خالد بن الوليد" باسم قومه على دفع الجزية للمسلمين.
ومن متنصرة العراق بنو عجل بن لجيم من قبائل بكر بن وائل. وقد عرف منهم "حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي" الذي سادهم في معركة ذي قار. وقد حاربت "خالد بن الوليد"، وكان قائدها بن بجير وعبد الأسود. وكان منها في أيام بني أمية أبجر بن جابر. وهو والد حجار. وقد بقي على نصرانيته في الإسلام1.
وكان في الحيرة سراة نصارى اشتركوا مع سراة قريش في الأعمال التجارية مثل "كعب بن عدي التنوخي"، وهو من سراة نصارى الحيرة، وكان أبوه أسقفا على المدينة، وكان هو يتعاطى التجارة، وله شركة في التجارة في الجاهلية مع "عمر بن الخطاب" في تجارة البز، وكان "عقيدا"، قدم المدينة في وقد من أهل الحيرة إلى النبي ورأى الرسول، فأسلم في رواية، ولم يسلم في رواية أخرى. ولما توفي الرسول، ثبت على الإسلام على رواية من صيره مسلمًا في
1 الأغاني "13/ 46 وما بعدها"، النصرانية "136".
أيام الرسول. واشترك في جيش اليمامة الذي أرسله "أبو بكر"، ووجهه "أبو بكر" في رسالة إلى "المقوقس"، ثم وجهه "عمر" برسالة إليه في أيامه. وشهد فتح مصر1.
وقد أخرجت مدينة الحيرة عددا من رجال الدين، مثل مار إيليا وأصله من الحيرة، والقديس والقديس حنا نيشوع، وهو من عرب الحيرة ومن عشيرة الملك النعمان2، والقديس مار يوحنا3 و"هوشاع" الذي حضر مجمع إسحاق الجاثليق عام 410م، وشمعون الذي أمضى أعمال مجمع "يهبالا" الذي انعقد سنة 486م، وشمعون الذي حضر مجمع "أقاق"، و"إيليا" المنعقد سنة 486م وأمضى في سنة 497م مجمع "اباي" و"افرام" و"يوسف"، وقد حضر مجمع "أيشوعياب الأرزني" الذي انعقد سنة 585م، وشمعون بن جابر الذي نصر الملك النعمان الرابع في سنة 594 على ما يذكره مؤرخو الكنيسة4.
وقد كان "مار يشوعياب الأرزوني" Jesujab I Arzunita المتوفى سنة 596م من أصل عربي. درس الديانة في "نصيبين" Nisibis ثم تقدم فصار أسقفا على "أرزون" Arzun، ثم ترقى حتى صار "بطريكا" بطريقا" على النساطرة سنة 580م. وقد زار الملك "النعمان". وتوسط عند الروم لمساعدة خسرو ابرويز" Chosroes Abruizus ضد "بهرام" Beheram Varames وقد توفي في خيم "بني معد""المعديين" Maadenes، ونقل إلى الحيرة فدفن في دير "هند" ابنة النعمان5.
وقد عثر على آثار كنائس في خرائب الحيرة، وأشار أهل الأخبار إلى وجود الكنائس والبيع والأديرة في الحيرة. وذكر "ياقوت الحموي" أسماء عدد من الأديرة كانت بالحيرة أو بأطرافها وبالبادية، منها:"دير ابن براق" بظاهر الحيرة، "دير ابن وضاح" بنواحي الحيرة، وديارات الأساقف، وهي
1 الإصابة "3/ 282"، "رقم 7422".
2 الديورة في مملكتي الفرس والعرب "32 وما بعدها".
3 الديورة "47".
4 أدى شير "2/ 208".
5 W// Smith، A Dicrionary، II، p. 370، John of Ephesus، Eccl. Histo، II، 40 ff.
جملة أديرة كانت بالنجف ظاهر الكوفة بحصريها نهر الغدير، ودير الأسكون "وهو بالحيرة راكب على النجعف وفيه قلالي وهياكل وفيه رهبان يضيفون من ورد عليهم". ودير الأعور، بظاهر الكوفة بناه رجل من إياد يقال له الأعور من بني حذافة بن زهر بن إياد، ودير بني مرينا، بظاهر الحيرة عند موضع جفر الأملاك، ودير حنظلة، منسوب إلى حنظلة بن أبي عفراء بن النعما، وهم عم إياس بن قبيصة، وكان من رهط "أبي زبيد" الطائي، وكان من شعراء الجاهلية، ثم تنصر وفارق قومه، ونزل الجزيرة مع النصارى حتى فقه دينهم وبلغ نهايته، وبنى ديرا عرف باسمه، هو هذا الدير، وترهب حتى مات1. ودير حنظلة بالحيرة، وهو منسوب إلى حنظلة بن عبد المسيح بن علقمة، ودير حنة، وهو بالحيرة كذلك بناه المنذر لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع، تقابله منارة عالية كالمرقب تسمى القائم، لبني أوس بن عمرو بن عامر، ودير السوا بظاهر الحيرة يتحالفون عنده، ودير الشاء، ودير عبد المسيح وهة بظاهر الحيرة بموضع الجرعة بناه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة، ودير علقمة بالحيرة منسوب إلى علقمة بن عدي بن الرميك بن توب بن أسس بن دبي بن نمارة بن لخم، ودير قرة وهو دير بإزاء دير الجماجم بناه رجل اسمه قرة من بني حذافة بن زهر بن إياد في أيام المنذر بن ماء السماء، ودير اللج وهو بالحيرة بناه النعمان بن المنذر أبو قابوس، و"كان يركب في كل أحد إليه، وفي كل عيد، ومعن أهل بيته، خاصة من آل المنذر، عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رءوسهم أعلام فوقها صلبان، وإذا قضوا صلاتهم، انصرفوا إلى مستشرفه على النجف، فشرب النعمان وأصحابه فيه بقية يومه، وخلع ووهب، وحمل ووصله وكان ذلك أحسن منظر وأجمله"2.
ودير مارت "مارة" مريم. هو دير قديم من أبنية آل المنذر بنواحي الحيرة بين الخورنق والسدير وبين قصر أبي الخصيب مشرف على النجف، ودير مار فايثون بالحيرة أسفل النجف، ودير مر عبدا بذات الأكيراح من نواحي الحيرة منسوب إلى مر عبدا بن حنيف وضاح اللحياني كان مع ملوك الحيرة،
1 البكري، معجم "2/ 567"، "دير حنظلة".
2 البكري، "معجم "5/ 596"، "دير الج".
ودير ابن المزعوق، وهو دير قديم بظاهر الحيرة، ودير هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بالحرقة، وكانت به قبور أهلها، بنته هند في أيام "خسرو أنو شروان" في زمن مار افريم الأسقف. وأما الدير المعروف بدير هند الأقدم، فنسب بناؤه إلى هند الكبرى، أم عمرو بن هند1.
هذه أسماء اخترتها من بين أسماء أديرة أخرى كثيرة ذكرها "الشابشي"2، وياقوت الحموي والبكري، لأن لها صلة بالحيرة وبما جاورها وبالعرب سكان هذه الأرضين. ونجد في بلاد الشام أديرة أخرى بناها عربها في تلك الديار قبل الإسلام. ونجد على تسميات بعضها الصبغة الإرمية كما في تسمية "مار افريم""مار افرايم" و"مار عبدا" و"مار فايثو"، وغيرها. وكلمة "مار" من كلمات بني إرم، كما نجد الصبغة النصرانية للأعلام واضحة على بعضها كما في عبد المسيح وحنة ومارت مريم وأمثال ذلك، وهي من الأعلام التي اختصت بالنصارى. وذلك بسبب أن النصرانية كانت متأثرة بثقافة بني إرم، وكانت تستعمل اللغة الإرامية في الصلوات وفي تأدية الشعائر الدينية الأخرى. ولغة بني إرم هي لغة العلم عند النصارى الشرقيين، فكان من الطبيعي استعمال نصارى العرب لهذه اللغة في كنائسهم وبيعهم وأديرتهم وفي دراستهم للدين وما يتصل باللاهوت من علوم. ومن هنا استعمل كتابهم قلم بني إرم في كتاباتهم، ومن هذا القلم تولد القلم النبطي المتأخر الذي تفرع منه القلم العربي الذي كتب به أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، فصار القلم الرسمي للمسلمين.
وقد نعت الرواة وأهل الأخبار العرب التي دانت بالنصرانية بـ "العرب المتنصرة"، تمييزا لها عن العرب الآخرين الذين لم يدخلوا في هذه الديانة، بل بقيت على إخلاصها ووفائها لديانة آبائها وأجدادها، وهي عبادة الأوثان. ومن القبائل التي يحشرها أهل الأخبار في جملة "العرب المتنصرة" غسان وتغلب وتنوخ ولخم وجذام وسليح وعاملة. وبلاحظ أن الإخباريين يطلقون على هذه القبائل أو على أكثرها "العرب المستعربة"، وهم لا يصدقون بذلك نسبها، لأن من بينها كما نعلم من هو من أصل قحطاني على حسب مذهب أهل الأنساب في نسب
1 البكري "2/ 606"، البلدان "4/ 119 وما بعدها"، "القول في ذكر الأديرة".
2 مطبعة المعارف، بغداد، تأريخ كلدو وأثور "2/ 29"، ذخيمة الأذهان "317".
القبائل. وإنما يريدون من هذا المصطلح التي كانت قد سكنت ببلاد الشام والساكنة في أطراف الإمبراطورية البيزنطية وفي سيف العراق من حدود نهر الفرات إلى بادية الشام، فهو يشمل إذن القبائل النازلة على طرفي الهلال الخصيب وفي طرفي القوس التي تحيط بحدود الإمبراطوريةين. وخاصة تلك القبائل التي دانت بالنصرانية وتأثرت بثقافة بني إرم وبلهجتها، وذلك لظهور هذا الأثر فيها، وعلى لهجتها خاصة، مما حدا بعلماء اللغة أن يتحرجوا في الاستشهاد بشعرها في قواعد اللغة. والاستشهاد بشعر قبيلة لإثبات القواعد هو أوثق شاهد في نظر العلماء على التسليم بنقاوة لغة القبيلة التي يستشهد بشعرها وأصالتها.
ووجدت النصرانية بعد بلاد الشام والعراق لها مواضع أخرى دخلت إليها، هي أطراف جزيرة العرب، كالعربية الغربية والجنوبية والشرقية. وتفسير دخولها إلى هذه الأرضين واضح، هو اتصالها بطرق القوافل البرية والبحرية في البلاد التي انتشرت فيها النصرانية، ومجئ التجار النصارى والمبشرين مع القوافل إليها. وتجار النصارى، لم يكونوا على شاكلة تجار يهود: كانوا يرون أن التجارة هي كسب والآخرة، فكانوا يغتنمون فرصة وجودهم في البلاد التي يطرقونها كسبا لهم ولبلادهم، وأكثرهم من الروم. فإنهم يجدون بتنصر الغرباء، إخوانا هلم يرون رأيهم، ويعطفون عليهم. ثم إنه سيفضلونهم في تعاملهم معهم على غيرهم، وسيتساهلون معهم ولا شك. ثم إنهم سيقربنهم بتنصيرهم من العالم النصراني، وممثل هذا العالم وحماته هم الروم.
وكان أهل دومة الجندل خليط، فيهم نصارى، قال عنهم أهل الأخبار إنهم "من عباد الكوفة"1. ويظهر من خبر أسر خالد للأكيدر ومجيئه به على رسول الله، ومن مصالحة الرسول له على الجزية، إنه كان على النصرانية، إذ لا تؤخذ الجزية من مشرك2؟
1 البلاذري، فتوح البلدان "74". "دومة الجندل".
2 "ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته" الطبري "3/ 109". "دار المعارف"، "ذكر الخبر عن غزوة تبوك".
أما "أيلة"، فكان اسم صاحبها في أيام الرسول "يحنة بن رؤبة""يوحنا بن رؤبة". وهو نصراني كما يدل اسمه عليه، جاء إلى تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وكا الرسول بها، فصالحه على الجزية وبقي في محله1. وقد دعاه المسعودي "أسقف أيلة"2. وورد في محاضر بعض المجامع الدينية "أسقف أيلة والشراة"3.
وكان في وادي القرى نفر من الرهبان، كما ورد ذلك في شعر جعفر بن سراقة أحد بني قرة، وهو:
فريقان رهبان بأسف ذي القرى
…
وبالشام عرافون فيمن تنصرا4
وتعد طئ من القبائل التي وجدت النصرانية سبيلا إليها. وقد ورد أن "أحودما""المغريان" تنقل بين طئ في سنة "870" لليونان المقابلة لسنة "559" للميلاد5. وقد كان عدي بن حاتم الطائي في جملة الداخلين في النصرانية من طئ. ويذكر إنه كان "ركوسيا"، وفد على الرسول، وأعلن إسلامه6. غير أن هذا لا يعني أن النصرانية كانت هي الغالبة على هذه القبيلة، فقد كان قوم منها يتعبدون للصنم "الفلس"، أي على الشرك.
ولم يذكر أهل الأخبار شيئًا يستحق الذكر عن النصرانية في يثرب. وقد أشار القرآن الكريم في مواضع عديدة من الآيات المدنية إلى النصارى، غير أن تلك الإشارات عامة في طبيعة المسيح وفي النصرانية نفسها لا في نصارى يثرب وفي صلاتهم بالإسلام. ثم إن أهل السير لم يشيروا إلى تصادم وقع بين النصارى والمسلمين ولا إلى مقاومة نصارى يثرب للرسول كالذي وقع بين يهود يثرب والرسول، مما يدل على أن النصرانية لم تكن قوية في المدينة، وإن جاليتها لم تكن
1 البلاذري "66"، السنن الكبرى "9/ 185 وما بعدها".
2 التنبيه "272"، النصرانية "448".
3 النصرانية "448".
4 الأغاني "7/ 96""نسب جميل وأخباره".
5 النصرانية وآدابها، القسم الأول "132 وما بعدها".
Barhebraei Chrinion EccI III100
6 الإصابة "2/ 461"، "رقم 5477"، المشرق، السنة الثامنة، العدد 11، "1905""507"، النصرانية "133".
كثيرة العدد فيها. غير أن هذا لا يعني عدم وجود النصارى في هذا الموضع الزراعي المهم1. فكما كان في مكة رقيق وموالي يقومون بخدمة ساداتهم، كذلك كان في المدينة نفر منهم أيضًا يقومون بمختلف الأعمال التي يعهد أصحابهم إليهم القيام بها. ولا بد أن تكون لهذه الطبقة من البشر مكانة في هذه المدينة وفي أي موضع آخر من جزيرة العرب. فقد كانت هذه الطبقة عمودا خطيرا من الأعمدة التي يقوم عليها بنيان الاقتصاد في ذلك العهد، فهي بالنسبة لذلك العهد الآلات المنتجة والمعامل المهمة لأصحاب الأموال وللسادة الأثرياء، تؤدي ما يطلب منها القيام به وما يراد منها انتاجه بأجور زهيدة وبدقة ومهارة لا تتوفر عند الأحرار من العرب. ثم إن الأحرار مهما بلغ حالهم من الفقر والفاقة كانوا يأنفون من الأعمال الحرفية ونحوها مما يوكل إلى هذه الطبقة القيام به، لأنها في نظرهم من المهن المنحطة التي لا تليق بالرجل الحر مهما كان عليه من فقر وبؤس، ولهذا كان لا بد من الاستعانة بالموالي والرقيق للقيام بأكثر متطلبات حياة الإنسان.
ويفهم من بيت للشاعر حسان بن ثابت في قصيدة رقى بها النبي، وهو:
فرحت نصارى يثرب ويهودها
…
لما توارى في الضريح الملجد2
أنه كان في يثرب نفر من النصارى كما كان يها قوم من يهود. وذكر أن النصارى كانوا يسكنون في يثرب في موضع يقال له: سوق النبط3.
ولعل هذه السوق هي الموضع الذي كان ينزل فيه نبط الشام الذين كانوا يقصدون المدينة للاتجار في الحبوب، فصارت موضعا لسكنى هؤلاء النصارى، وسب إليهم4. وقد ورد أن عمر بن الخطاب استعمل أبا زبيد الشاعر النصراني على صدقات قومه، وأن أبا زبيد هذا كان مقربا من الخليفة عثمان بن عفان من بعده5.
وقد كان "أبو عامر" الراهب الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن الأحناف،
1 السنن الكبرى "9/ 182 وما بعدها".
2 ديوان حسان "59""تحقيق هرشفلد".
3 IIio RaccoIta p 140
4 البخاري "3/ 41 وما بعدها"، النصرانية "449".
5 النصرانية "449".
ممن اعتنق النصرانية، ومن أهل يثرب. ويظهر أنه كان قد تمكن من إقناع بعض شباب الأوس من اعتناق دينه، بدليل ما ذكره علماء التفسير من أنه لما خرج من يثرب مغاضبا للرسول، وذهب إلى مكة، مؤيدا إياهم ومحرضا لهم على محاربة الرسول أخذ معه خمسين أو خمسة عشر رجلا من الأوس، على ما ذكره علماء التفسير، فلما أيس من نجاح أهل مكة في القضاء على الرسول فر إلى بلاد الشام على نحو ما ذكرت، ليطلب مددا من الروم يعينه في زحفه على المدينة. وأنا لا أستبعد احتمال وجود أناس آخرين من أهل يثرب كانوا قد دخلوا في النصرانية ودعوا إليها، واحتمال وجود مبشرين فيها، كانوا يسعون لإدخال أهلها في دين عيسى، يؤيدهم ويمدهم بالمال والمعنة الروم حكام بلاد الشام.
وكان بين سكان مكة عند ظهور الإسلام جماعة من النصارى هم من الغرباء النازحين إليها، لأسباب، منها: الرق، والاتجار، والتبشير، والحرفة. فأما الرقيق، فمنهم الأسود والأبيض: الأسود من إفريقية، والأبيض من أوروبة، أو من أقطار الشرق الأدنى، وهم أعلى في المنزلة وفي السعر من النوع الأول، وهم بحكم قانون ذلك العهد وعرفه تبع لسادتهم وفي ملك يمنيهم، يقومون بالأعمال التي توكل إليهم، ليس لهم التصرف إلا بأمرهم، فهم في الواقع بضاعة يتصرف بها صاحبها كيف يشاء، ليس لها صوت ولا رأي، إن أبق المملوك قتل، أو أنزل به العقاب الذي يراه ويختاره صاحبه ومالكه.
وبين الرقيق الأبيض خاصة نفر كانوا على درجة من الفهم والمعرفة، يعرفون القراءة والكتابة، ولهم اطلاع في شئون دينهم ومعارف ذلك العهد. ولهذا أوكل إليهم القيام بالأعمال التي تحتاج إلى مهارة وخبرة وذكاء. وقد كان حالهم لذلك أحسن من حال غيرهم من الأرقاء. ومنهم من كان يشرح لسادتهم أمور دينهم وأحوال بلادهم، ويقصون عليهم ما حفظوه ووعوه من أخبار الماضين وقصص الراحلين، وأكثرهم ممن كانت ألسنتهم لم تتروض بعد على النطق بالعربية، فكانوا يرطنون بها، أو يتلعثمون، ومنهم من كان لا يعرف شيئًا منها، أو لا يعرف منها إلا القليل من الكلمات.
ومن هؤلاء رجل نصراني كان بمكة قيل إن اسمه: سلمان، أو يسار، أو جبر، أو يعيش، أو بلعام، ادعى أهل مكة أنه كان هو الذي يلقن الرسول
ما كان يقوله للناس من رسالته، وأنه هو الذي كان يعلمه، وقد أشير إلى قول قريش هذا في الآية:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} 1. ومن روى من المفسرين أن اسمه جبر، قال: إنه كان غلامًا لعامر بن الحضرمي، وأنه كان قد قرأ التوراة والإنجيل2، وكان الرسول يجلس إليه عند المروة إلى مبيعته، "فكانوا: والله ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام الحضرمي"3.
ومن هؤلاء من زعم إنه كان قينًا لبني الحضرمي، وإنه كان قد جمع الكتب، وهو رومي، فكان رسول الله يأتي إليه ويجتمع به، فكان المشركون يقولون: إنه يتعلم من هذا الرومي! وذكر بعض الرواة أن "آل الحضرمي" كانوا يملكون عبدين، هما: جبر ويسار، فكانا يقرآن التوراة والكتب بلسانهما، فكان الرسول يمر عليهما فيقوم يستمع منهما. وقيل إنهما كانا من أهل "عين التمر"، وإنهما كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل، فربما مر بهما النبي، وهما يقرآن فيقف ويستمع. وأما من قال أن اسمه "يعيش"، فذكر أنه كان مولى لحويطب بن عبد العزى. وأما من ذكر أن اسمه "بلعام"، فقال إنه كان قينا روميا بمكة وكان نصرانيًّا أعجمي اللسان، "فكان المشركون يرون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا إنما يعلمه بلعام"4. ومهما اختلف المفسرون في اسم هذا الرجل فإنهم اتفقوا على أنه كان أعجمي الأصل، نصرانيًّا، يقرأ الكتب، وإنه كان بمكة نفر من الموالي كانوا على دين النصرانية يقرأون ويكتبون.
وإلى هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص، أعني: يعيش ويقال عائش أو عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر، أشير في القرآن الكريم، في الآية: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا
1 سورة النحل: الرقم 16، الآية 103.
2 تفسير الطبري "14/ 119"، "وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام ابن الحضرمي" روح المعاني "14/ 212 وما بعدها"، ابن هشام "1/ 420".
3 تفسير الطبري "14/ 120"، روح المعاني "14/ 212"، ابن هشام "260".
4 تفسير الطبري "14/ 119"، روح المعاني "14/ 233"، تفسير الطبرسي "المجلد الثالث 386".
إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} 1 وقد ذكر المفسرون أن هؤلاء "كانوا كتابيين يقرأون التورأة، أسلموا، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم يتعهدهم، فقيل ما قيل"2.
وعرفت أسماء جملة رجال ونساء من هذا الرقيق الذي جيء به إلى مكة وإلى مواضع أخرى من جزيرة العرب. من هؤلاء نسطاس، ويقصد بذلك أنستاس، وكان من موالي صفوان بن أمية. و"مينا""ميناس"، و"يوحنا" عبد "صهيب الرومي"، و"صهيب" نفسه لم يكن عربيًّا، إنما كان من بلاد الشام في الأصل، وهو رومي الأصل ولذلك قيل له "صهيب الرومي". وكان قد جاء مكة فقيرًا لا يملك شيئًا، فأقام بها، ثم اتصل بعبد الله بن جدعان الثري المعروف، وصار في خدمته، ولذلك قيل إنه كان مولى من موالي عبد الله بن جدعان. وفي رواية إنه كان من "النمر بن قاسط"، سقط أسيرا في الروم فباعوه فاشتري منهم. وقد ورد في حديث:"صهيب سابق الروم"، فهذا يدل على إنه من أصل رومي. وهو من أوئل المسلمين، يذكر إنه حينما هم بترك مكة والذهاب إلى المدينة بعد هجرة الرسول إليها "قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك!! والله، لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي"3، وترك قريشًا ليذهب إلى الرسول.
وكان لبني مخزوم الأثرياء جملة يونانيات، كما كان لدى العباس عم النبي جوار يونانيات، وأشير إلى وجود جوار فارسيات. وكان هذا الرقيق الأبيض ذكورًا وإناثًا من جنسيات متعددة، منهم من كان من أصل رومي، ومنهم من كان من عنصر أوروبي آخر، ومنهم من كان من الفرس أو من أهل العراق مثل نينوى وعين التمر، ومنهم من كان من بلاد الشام أو من أقباط مصر، وهم على النصرانية في الغالب4.
1 الفرقان، الرقم 25، الآية 4.
2 تفسير الطبير "18/ 137 وما بعدها"، روح المعاني "18/ 234 وما بعدها"، مجمع البيان "7/ 161"، "طهران"، "الجزء الثامن عشر"، "سورة الفرقان".
3 ابن هشام "2/ 89"، الإصابة "2/ 188"، "الرقم 4104".
4 المشرق، السنة الخامسة والثلاثون 1937 "ص88 وما بعدها".
وقد كانت في مكة عند ظهور الإسلام جالية كبيرة كثيرة العدد من العبيد، عرفوا بـ "الأحابيش". وبين هؤلاء عدد كبير من النصارى، استوردوا للخدمة وللقيام بالأعمال اللازمة لسراة مكة. وقد ترك هؤلاء الأحابيش أثرًا في لغة أهل مكة، يظهر في وجود عدد من الكلمات الحبشية فيها في مثل المصطلحات الدينية والأدوات التي يحتاج إليها في الصناعات وفي الأعمال اليدوية التي يقوم بأدائها العبيد. وقد أشار العلماء إلى عدد من هذه الكلمات ذكروا أنها تعربت، فصارت من الكلام العربي. وقد أشاروا إلى ورود بعضها في القرآن الكريم وفي الحديث1.
ويشير أهل الأخبار إلى ورود بعض الرهبان والشماسة إلى مكة. وقد كان من بينهم من يقوم بالتطبيب. وقد ذكر الإخباريون أن شماسا كان قد قصد مكة، فعجب الناس به، وقد سموا أحدهم به، هو عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم، فقالوا له:"شماس"2.
وذكر "اليعقوبي"، أن ممن تنصر من أحياء العرب، قوم من قريش من بني "أسد بن عبد العزى"، منهم "عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى"3. وقد ورد في بعض الأخبار إنه قدم على قيصر، فتنصر، وحسنت منزلته عنده. وأن قيصر ملكه على مكة. ومنحه براءة بذلك، واعترف به. وقد سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على مكة. وقد ذكرت أن من الصعب تصور بلوغ نفوذ القيصر هذا الحد من جزيرة العرب، فلم يتجاوز نفوذ الروم الفعلي في وقت ما من الأوقات أعالي الحجاز. ولكن ذلك لا يمنع من تقرب السادات وتزلفهم إلى عمال الروم وموظفيهم في بلاد الشام، بإظهار إنهم من المخلصين لهم المحبين للروم، وإنهم من كبار السادات ذوي المكانة والنفوذ، للحصول على مكاسب مادية ومعنوية منهم، تجعل لهم مكانة عند أتباعهم وجاها ومنزلة ونفوذا على القبائل الأخرى. وقد كان الروم يعرفون ذلك معرفة جيدة، بفضل دراستهم لنفسية الأعراب، ووقوفهم على طبائع سادات القبائل، فكانوا يشجعون هذا النوع من التودد السياسي لكسب العرب وجرهم إلى جانبهم.
1 "فقال: يا أم خالد، هذا سناه وسناه بالحبشية حسنة"، أسد الغابة "5/ 579"، المعرب "202، 303، 352"، صحيح مسلم "2/ 189".
2 ابن هشام "2/ 329"، "من حضر بدرا من بني مخزوم"، المشرق، السنة الخامسة والثلاثون "1937 "ص90 وما بعدها"، كتاب نسب قريش "342".
3 اليعقوبي "1/ 227"، "أديان العرب".
وعد "ورقة بن نوفل" في جملة المتنصرين في بعض الروايات، فقد ذكر إنه "تنصر واستحكم في النصرانية، وقرأ الكتب، ومات عليها"1.
وقد استدل "شيخو" من الخبر المروي عن الصور التي قيل إنها صور الرسل والأنبياء وبينها صورة المسيح ومريم، والتي ذكر إنها كانت مرسومة على جدران الكعبة، على إنها هي الدليل على أثر النصرانية بمكة. استدل على فكرته هذه بخبر خلاصته أن الرسول حينما أمر فطمست تلك الصور، استثنى منها صورة عيسى ابن مريم، وبخبر ثان ورد عن تمثال لمريم مزوق بالحلي وفي حجرها عيسى، باد في الحريق الذي شب في عصر "ابن الزبير"، وبخبر ثالث عن امرأة من غسان قيل إنها "حجت في حاج العرب، فلما رأت صورة مريم في الكعبة، قالت: بأبي أنت وأمي: إنك العربية. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمحو تلك الصور، إلا ما كان من صورة عيسى ومريم"2.
وكان في الطائف نفر من الموالي كانوا على دين النصرانية، لم يتعرض سادتهم كسائر رجال الأماكن الأخرى من الحجاز لدينهم، فتركوهم على دينهم يقيمون شعائرهم الدينية على نحو ما يشاؤون. من هؤلاء "عداس"، وكان من أهل نينوى، أوقعه حظه في الأسر، فبيع في سوق الرقيق، وجي به إلى الطائف فصار مملوكا لعتبة وشيبة ابني ربيع. وعند مجئ الرسول إلى الطائف عارضا نفسه على ثقيف أهلها، كان هو في جملة من تكلم إليه3. ومنهم الأزرق، ذكر أنه كان عبدا روميا حدادا، وإنه هو أبو نافع الأزرق الخارجي الذي ينتمي إليه الأزراقة. وهناك روايات تنفي وجود صلة لهذا الأزرق بالأزرق والد نافع المذكور4.
وأما الحديث عن النصرانية في اليمن، فهو حديث غامض أوله، مبهم أصله، لا نعرف متى نبدأ به على وجه التحقيق. فليس لدينا نص بالمسند يشير إلى مبدأ
1 اليعقوبي "1/ 298"، "ليدن""المحبر "171"، ابن هشام "1/ 243، 250 وما بعدها "، النصرانية "1/ 119"، المشرق، السنة الخامسة والثلاثون، 1937 "ص272".
2 النصرانية "ص117".
3 ابن هشام "2/ 30"، أسد الغابة "3/ 289"، الإصابة "2/ 459"، "الرقم 5470" النصرانية "452".
4 البلاذري "62".
دخول النصرانية العربية الجنوبية. وما لدينا من كتابات مما له بعض العلاقة بالنصرانية إنما دون في الحقبة المتأخرة من تأريخ اليمن، وفي أيام الحبشة في اليمن، وهو ساكت في الجملة عن المبدأ وعن المبشرين بالنصرانية في العربية الجنوبية. فليس لدينا من بين نصوص المسند في هذا الباب عو ولا سند.
وليس لنا إذن إلا أن نفعل ما فعلناه بالنسبة إلى اليهودية، فنرجع إلى الموارد الإسلامية والنصرانية لنرى رأيها في هذا الباب.
وتزعم الموارد الإسلامية أن الذي نشر النصرانية في اليمن رجل صالح من بقايا أهل دين عيسى اسمه "فيميون1" Faymiyion= Phemion، وكان رجلا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة سائحا ينزل القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد: إذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئًا. ففطن لشأنه في قرية من قرى الشام رجل من أهلها اسمه "صالح"، وفأحبه واتبعه على دينه ورافقه. وانصرف ومعه صالح من ضواحي الشام حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدا عليهما، فاختطفتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران. وأهلها من بني الحارث بن كعب من بني كهلان. وكانوا يعبدون العزى على صورة نخلة طويلة بين أظهرهم. فابتاع رجل من أشرافهم "فيميون"، وابتاع رجل آخر صالحا، وقد أعجب صاحب فيميون به، لما رآه فيه من صلاح وورع، فآمن بدينه، وآمن أهل نجران منذ ذلك الحين بالنصرانية لمعجزة قام بها "فيميون"، حينما دعا الله يوم عيد العزى أن يرسل عليها ريحا صرصرا عاتية تختى عليها. فأتت الريح عليها فجعفتها من أصلها فألقتها، فآمن بدينه أهل نجران. فمن هنالك كانت النصرانية بنجران2. ويذكر الطبري أن أهل نجران كانوا يعيدون كل سنة، "إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحلي النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يوما"3.
ويظن أن "فيميون" كلمة يونانية في الأصل حرفت من أصل Euphemion
1 "فيميون""قميون""ميمون".
2 الطبري "2/ 103 وما بعدها"، ابن هشام "20 وما بعدها"، الكامل، لابن الأثير "1/ 171"، البيضاوي "2/ 395"، ابن خلدون "2/ 59".
3 الطبري "2/ 120 وما بعدها"، "دار المعارف".
وزعم أن "فيميون" عين أحد النجرانيين واسمه "عبد الله بن الثامر" رئيسا عليهم، وجعلهم تحت رعاية أسقف اسمه "بولس"1.
وقد ذكر "الأزرقي" أن أهل نجران كانوا من أشلاء سبأ "وكانوا على دين النصرانية على أصل حكم الإنجيل، وبقايا من دين الحواريين، ولهم رأس يقال له: عبد الله بن ثامر"2.
وتذكر رواية إسلامية أخرى أن أهل نجران كانوا أهل شرك، يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران يعلم غلمان أهل نجران السحر، وكان أحد رجال نجران واسمه "الثامر" يرسل ابنه "عبد الله" مع غلمان أهل نجران إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فكان يمر على صاحب خيمة بين نجران وتلك القرية، وقد أعجبه ما رآه من صلاته وعبادته وتقواه، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى دخل في دينه، وصار يدعو إليه بين أهل بلده. فمن ثم انتشرت النصرانية في نجران، وظهرت على الوثنية3.
وتذكر هذه الرواية، أن "عبد الله بن الثامر"، أخذ من ثم يبشر بالنصرانية، ويأتي بالمعجزات إذ يشفي المرضى "حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا فه فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران. فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك! قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت بشهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرةن فقتله، فهلك الملك مكان÷ واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر"4.
ولم تصرح هذه الرواية التي يرجع سندها إلى "محمد بن كعب القرظي"
1 FeII in ZDMG 35 1881 anm I Oeary p 143
2 أخبار مكة "1/ 81".
3 الطبري "2/ 121 وما بعدها""دار المعارف"-
4 الطبري "2/ 122""دار المعارف".
وبعض أهل نجران، باسم الرجل الصالح الذي أخذ منه "عبد الله بن الثامر" نصرانيته. وقد نبه إلى ذلك الطبري، في أثناء سرده لها، فقال:"ولم يسموه باسمه الذي سماه به وهب بن منبه"1.
وقد صيرت بعض الروايات "عبد الله بن الثامر" في جملة من قتلهم "ذو نواس" من النصارى، غير أن "الطبري"، نبه إلى خطل هذا البعض، وبين أن "عبد الله" كان قد قتل قبل ذلك، قتله ملك كان قبله، هو كان أصل ذلك الدين2.
وهناك قصة ذكرها "ابن إسحاق"، تزعم أن رجلا حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في راسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها انثعبت دما، وإذا أرسلت يده ردها عليها، فأمسك دمها، وفي يده خاتم، فأقر على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه، وكان ذلك بأمر عمر بن الخطاب3.
والظاهر أن النجرانيين، لم ينسوا رئيسهم "عبد الله بن الثامر" حتى بعد إسلامهم، فرووا عنه هذا القصص وصيروه على هذه الصورة التي روتها القصة. ويظهر أنه قتل، فصير شهيدا من الشهداء، لأنه قتل في سبيل دينه وفي سبيل نشره بين النجرانيين.
وزعم بعض الإخباريين أن الذي أدخل النصرانية ونشرها في الحميريين، هو التبع عبد كلال بن مثوب: أخذ التبع نصرانيته بزعمهم من رجل من غسان ذكروا أنه كان قد قدم عليه من الشام، فلما علمت حمير بتنصر التبع وبتغيير دينه وإعراضه عن عبادتها، وثبت بالغساني فقتلته4. وقد أشير إلى تنصره في القصيدة الحميرية5.
1 الطبري "2/ 121 وما بعدها""دار المعارف"ز
2 الطبري "2/ 123""دار المعارف".
3 الطبري "2/ 124".
4 الطبري "2/ 86": "ذكر ما كان من الأحداث في أيام يزدجرد بن بهرام وفيروز بين عمالها على العرب وأهل اليمن"، النصرانية "1/ 55 وما بعدها".
NaIIino RaccoIta III p 124
5
أم أين عبد كلال الماضي على
…
دين المسيح الطاهر المساح
النصرانية "1/ 55".
أما الرواية الأولى فتنسب إلى "وهب بن منبه". وأما الرواية الثانية فتنسب إلى "محمد بن كعب القرصي" إلى بعض أهل نجران لم يصرح "ابن إسحاق" بذكر أسمائهم، فالروايتان أذن من مورد واحد هو أهل الكتاب1. فوهب بن منبه من مسلمة يهود. وأمه محمد بن كعب بن أسد القرظي المتوفى بين سنة 118-120للهجرة، فهو من أصل يهودي كذلك، من قريظة حلفاء الأوس، وقريظة يهود. وكان مثل وهب قاصا من القصاص يقص في المسجد. وقد جر قصصه هذا عليه البلايا، فكان يقص في المسجد فسقط عليه السقف فمات2.
وجدت أقوال محمد بن منبه القرظي سبيلها إلى تأريخ الطبري عن طريق سيرة ابن إسحاق، وهو طريق ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق صاحب السيرة الذي أخذ منه بلا واسطة كما أخذ منه بالواسطة. أما الأخبار المروية عنه، فهي في سير الرسل والأنبياء، وفي انتشار اليهودية والنصرانية في اليمن، وفي الأمور التي تخص اليهود والأنبياء، وفي انتشار اليهودية والنصرانية في اليمن، وفي الأمور التي تخص اليهود في الحجاز3. وكان من المقربين إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، لأنه كانت له به معرفة سابقة قبل توليه الخلافة. فلما ولي الخلافة، كان يذهب إليه ويتحدث معه في الزهد وفي القصص الذي يحمل طابع الإسرائيليات وفي التفسير الذي اشتهر به4.
فناقل النصرانية إلى نجران إذن رجل غريب جاء إلى البلد من ديار الشام على رواية "وهب بن منبه". ويرجع "أوليري" هذه الرواية إلى أصل يرى جذوره في السريانية. واسم هذا الرجل الصالح غير عربي بالطبع. فلعله من المبشرين الذين كانوا يطوفون بين ديار العربب للتبشير.
1 الطبري "2/ 104"، تفسير الطبري "30/ 85".
NaIIino RaccoIta Di Scritti III 1941 p 124
2 راجع ما كتبته عنه في مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الأول "1950، "ص198"، وتهذيب التهذيب "9/ 420"، عيون الأخبار "1/ 201، 264" "1/ 14،343"، "3/ 4".
3 الطبري "1/ 138"، "2/ 104"، ورد اسمه في "29" موضعا من تأريخ الطبري.
4 ابن سعد "طبقات "5/ 272 وما بعدها"، مجلد 7 قسم 2 ص194، عيون الأخبار "2/ 343"، "3/ 4".
5 O Ieary
فقد كانوا يتنقلون بين العرب لنشر هذا الدين. وليس بمستبعد أيضًا أن يكون قد دخل عن طريق الساحل أيضًا مع السفن. فقد كان المبشرون يتنقلون مع البحارة والتجار لنشر النصرانية، وقد تمكنوا بمعونة الحكومة البيزنطية من تأسيس جملة كنائس على سواحل جزيرة العرب وفي سقطرى والهندز كا لا يستبعد أن يكون للمبشرين الذين جاؤوا من العراق كما تذكر بعض الموارد النصرانية السريانية دخل في نشر النصرانية في اليمن. ولا سيما نشر النسطورية في تلك البلاد.
وأما الموارد النصرانية، فإنها مختلفة فيما بينها في أول من أدخل النصرانية إلى، اليمن فالموارد اليونانية ترى رأيا، والموارد السريانية ترى رأيا، والموارد الحبشية ترى رأيا آخر، يختلف عن الرأيين. وكل رأي من هذه الآراء الثلاثة يرجع شرف النصرانية في اليمن إليه.
يحدثنا كتبة التواريخ الكنسية من اليونان أن القيصر "قسطنطين" الثاني أرسل في عام "354" للميلاد "ثيوفيلوس اندس" TheophIius Indus، أي "ثيوفيلوس الهندي"، من جزيرة سرنديب أي سيلان إلى العربية الجنوبية للتبشير بالنصرانية بين الناس. وقد تمكن من إنشاء كنيسة في عدن وأخرى في ظفار وثالثة في هرمز، وعين للمتنصرين رئيسا ثم رحل. وصارت ظفار في سنة 356م مقرا لرئيس أساقفة يشرف على شؤون نصارى نجران وهرمز وسقطرى1. وقد عثر على مقربة من خرائب ظفار على أعمدة من الطراز "الكورنثي" وعلى بقايا تيجانه وعليها نقوش صلبان يظهر أنها من مخلفات تلك الكنائس القديمة التي شيدت بمساعدة البعثات التبشيرية وفي أيام الحبشة في اليمن2.
وزعم "فيلوستورجيوس" PhiIstorgius أن هذا الشعب الذي بشر "ثيوفيلوس" بين أفراده بالنصرانية، شعب هندي، وكان يدعى سابقا باسم شعب "سبأ" نسبة إلى عاصمته سبأ ويعرف اليوم باسم حمير3 Honeritae. وقد توهم
1 "تاوفيل الهندي" النصرانية: 1/ 56".
Alt Kult، S. 148، Philostorgius، Historia Eccleslastica، III، 46، Hugh Scott، in The High Yemen، 1947، p. 211، Mordtmann، Miscellen zur Himjarischen Alterthumskunde، in ZDMG، 1877، XXXI، S. 64، ff، Migne، Petr. Grea، LXV، cl، 459-637، Conti Rossini، un Documento، p. 710.
2 Alt. Kult، S. 148، Nallino، Raccolta، III، p. 133، Bury، History of the Roman Empire، II، p. 322.
3 Philostorgius، I، II، 6، ZDMG، 31، 1877، S. 65.
عدد من الكتبة "الكلاسيكين" فحسبوا الحميريين من الهنود، كما أن بعضًا منهم ظنوا أن السبئيين من "الكوشيين" الحبش، والذي أوقعهم في هذا الوهم هو صلات هؤلاء بإفريقية وبالهندن ولوقوع بلادهم على المحيط الهندي وعلى مقربة من إفريقية1.
وجاء في رواية أخرى أن القيصر "قسطنطين" الثاني أرسل "ثيوفيلوس" إلى ملك حمير Homeritae ونجاشي الحبشة Axume وذلك في عام "356" للميلاد. برسائل كتبها القيصر إلى الملكين. فلما أنهى مهمته لدى ملك حمير، انتهز هذه الفرصة فزار وطنه الهند، ثم عاد فذهب إلى الحبشة، وعاد منها فذهب إلى أنطاكية Antiochia ومنها إلى القسطنطنية2. ويظهر من هذه الرواية أن مهمته هذه لم تكن مهمة دينية، إنما كانت ذات طابع سياسي، الغاية منها ضم حمير والأحباش إلى معسكر البيزنطيين.
وقد كان من مصلحة الحكومة البيزنطية بعد دخول القيصر "قسطنطين" في النصرانية عام "313" للميلاد واتخاذها ديانة رسمية للدولة، أن ينشر هذا الدين ويكثر أتباعه، لما في ذلك من فوائد سياسية ومصالح اقتصادية، فضلا عن الأثر العميق الذي يتركه هذا العمل في نفوس أتباعه المؤمنين مما يرفع من مكانة القياصرة في نفوس الشعب ويقوي من مراكزهم ونفوذهم على الكنيسة والرعية. وبمساعدة هؤلاء القياصرة تمكن المبشرون من إنشاء ثلاث كنائس في "ظفار" و"عند" و"هرمز"3.
ولم يكن يقصد "قسطنطين" كما يرى المستشرق "روسيني" من إرسال الوفد الذي ترأسه "ثيوفيلوس" إلى ملك حمير، هدفا دينيا محضا، وإنما أراد أن يعقد معاهدة تجارية مع الحميريين ويحقق له منافع اقتصادية وسياسية، بأن يحقق له التجارة البحرية، ويحرض اليمانيين على الفرس ويدخلهم في معسكره بدخلوهم
1 النصرانية "1/ 53 وما بعدها.
2 Paluys-Wissowa، Zweite Reiuke، Halbbnd، S. 2167، Philostorgius، Hist. Eccli، II، 6، Kidd، A History of the church، I، 161، III، 429، Bury، History of the Later Roman Empire، II، p. 322.
3 Ency. F Relig. And Ethi، III، p. 589، Franz Stuhlmann، Der Kampf um Arabien، S. 12.
في النصرانية التي تجمع عندئذ بينهم وبين الروم1.
وورد في رواية أن الحميريين HomerItae دخلوا في عهد "انسطاس""انسطاسيوس""491-518م" في النصرانية. وذكر أيضًا أنه كان في جملة من قصدوا القديس "سمعان العموي" رجال من عرب حمير، وقد رآهم "تاودوريطس" في القرن الخامس للميلاد2.
وأما الموارد السريانية، ومنها الموارد النسطورية، فتزعم أن تاجرا من أهل نجران اسمه "حنان" أو "حيان"، قام في أيام "يزدجرد الأول "399-420للميلاد" بسفرة تجارية إلى القسطنطنية، ثم ذهب منها إلى الحيرة، وفيها تلقن مبادئ النصرانية ودخل فيها. فلما عاد منها نجران، بشر فيها بالنصرانية حتى تمكن من نشرها بين حمير. وترجع تواريخ البطارقة هذه الحادثة إلى ايام بطرقة "معنى" Mana الموافقة لحوالي سنة "420" بعد الميلاد3. وذكر أنه ي عهد البطريق "سيلاس" SiIas "505-423"، هرب لاجئون من اليعاقبة Jakobiten إلى الحيرة، غير أن النساطرة أجلوهم عنها، فذهب قسم منهم إلى نجران، فنشروا مذهبهم بين السكان4.
وتشير الأخبار الكنسية أيضًا إلى أن رسولي الكلدان الأولين: "ادي"و"ماري" كانا قد سارا إلى بلاد العرب سكان الخيام، وإلى نجران وجزائر بحر اليمن. وجاء في المصحف الناموسي:"وبشر الجزيرة والموصل وأرض السواد كلها وما يليها من أرض التيمن كلها وبلاد العرب، سكان الخيام وإلى ناحية نجران والجزائر التي في بحر اليمن مارى الذي من السبعين"5.
وللحبش قصص عن انتشار النصرانية في نجران، خلاصتها: أن قديسا اسمه
1 النصرانية "1/ 59".
Conti Rossini، un Documento Sul Cristlanesimo nello Iemen، p. 710.
2 النصرانية "1/ 57 وما بعدها".
Mordtmann، in ZDMG، XXXI، 1877، S. 65، Theodorus، Lector، Histo. Eccl، I، II، p. 567، ed. Valesius and Nicephorus Callistus.
3 Chronik von Seert، II، 149، ABM، 22، Eduard Sachau، zur ausbreitung des Christentums in Asien، Berlin، 1919، S. 68.
4 Chronik von Seert، II، 144.
5 النصرانية "1/ 58".
"ازقير" Azker، أقام كنيسة ورفع الصليب وبشر بالنصرانية في نجران، وذلك في أيام الملك "شرحبيل ينكف" ملك حمير، فاستاء من ذلك "ذو ثعلبان" و"ذو قيفان"، وأرسلا رجالهما إلى المدينة لهدم الكنيسة وانزال الصليب والقبض على القديس، ففعلوا وألقوا به في غياهب السجن. وفي أثناء إقامته فيه هدى قوما من السجناء إلى النصرانية بفعل المعجزات التي قام بها، فغضب الملك "شرحبيل" عليه، وأرسل إلى القيلين اللذين كانا في نجران أن يرسلا إليه هذا الرجل الذي فتن الناس، فأرسل مخفورا إليه. وفي أثناء اجتيازه الطريق إلى عاصمة الملك ظهرت منه معجزات خارقة، آمن بها عدد ممن رافقوه أو وقفوا على أحواله وتعمدوا على يديه. فلما وصل إلى "ظفار" عاصمة "شرحبيل"، انتهره الملك وحاجه في دينه وعرض عليه كتب "يهود"، ثم أغراه بالذهب والمال، فقال له القديس:"الذهب والفضة فانيان، أما كرستس ساكن السماء فباق". وقد حرضه عليه أحد الأحبار، فأمر الملك عندئذ بإرساله إلى نجران لقتله. فلما بلغ المدينة، قتله اليهود، قمات شهيدا في سبيل دينه1.
وتزعم الرواية الحبشية أن نصارى اليمن كانوا يرسلون بهداياهم إلى النجاشي وبالضرائب يدفعونها إليه2.
وذكر أن أحد الأساقفة ممن كان في اليمن، كان قد اشترك في أعمال مجمع "نيقية" الذي انعقد سنة 325 للميلاد3. وإذا صح هذا الخبر، فإنه يعني أن النصرانية كانت قد وجدت لها سبيلا إلى اليمن في القرن الرابع للميلاد.
يتبين من هذه الأخبار أن النصرانية لم تدخل العربية الجنوبية من طريق واحد، وإنما دخلتها من البر ومن البحر، دخلتها من البر من ديار الشام إلى الحجاز فاليمن، ومن العراق أيضًا مع القوافل التجارية المستمرة التي كانت بين اليمن والعراق. ودخلتها من البحر بواسطة السفن اليونانية ودخلتها مع الحبشة كذلك الذين كانوا على اتصال دائم باليمن وببقية العربية الجنوبية منذ أيام ما قبل الميلاد.
1 Winckler، AOF، IV، 1896، S. 329. ff، Britisch Museom Orient، 686، 687، 688، 689.
2 FeII in ZDMG 35 1881 S 50
3 النصرانية "1/ 57".
NaIIino RaccoIta III p 122 Caetani AnnaII I p 125
وقد كانت نجران أهم موطن للنصرانية في اليمن، ولعلها الموطن الوحيد الذي رسخت هذه الديانة فيه في هذه البلاد. وقد اشتهرت نجران بالحادثة التي وقعت فيها، حادثة تعذيب النصارى، وبما ذكره أهل الأخبار عن الكنيسة التي أنشاها الأحباش فيها وعرفت بـ"كعبة نجران" عند الإخباريين كما عرفت بـ "بيعة نجران" أيضًا. وفي رواية تنسب إلى ابن الكلبي "أنها كانت قبة من أدم من ثلاث مئة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أرفد. وكانت لعظمتها عندهم يسمونها كعبة نجران، وكانت على نهر نجران، وكانت لعبد المسيح بن دارس بن عدي بن معقل، وكان يستغل من ذلك النهر عشرة آلاف دينار، وكانت القبة تستغرقها"1. وكان يتفق عليها من غلة ذلك النهر.
وورد في رواية أخرى أنها كانت بناء بني على بناء الكعبة. وقد بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي، بنوها على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة لها. وكان فيها أساقفة معتمون، وهم الذي جاءوا إلى النبي، ودعاهم إلى المباهلة2.
وتذكترنا قصة "ابن الكلبي" عن أصل كعبة نجران، وأنها كانت من أدم، بما نعرفن عن خيمة "يهوه" إله العبرانيين، وتعبد الإسرائليين له فيها قبل بناء الهيكل، واعتقادهم أنها خيمة مقدسة، وبما نعرفه من خيم القبائل المقدسة، وذلك لأنها كانت بيوتا توضع فيها الأصنام ويتعبد أفراد القبيلة بها، فإذا ارتحلوا إلى مكان جديد نقلوا خيمتهم معهم. والظاهر أن كعبة نجران المذكورة، إن صحت رواية ابن الكلبي، كانت من هذا النوع، خيمة مقدسة في الأصل وذلك قبل دخول أهل نجران في النصرانية، فلما دخلوها، لم تذهب عنها قدسيتها، بل حولوها إلى كنيسة، ثم بنوا بيعة في موضعها فيما بعدز
وفي رواية أن قس بن ساعدة الأيادي كان أسقفا على نجران3، وهي رواية تحتاج إلى سند موثوق به، وقد أخذ بها "شيخو" وأمثاله ممن يرجع كل شيء
1 البلدان "8/ 193"، تاج العروس "1/ 457"، "3/ 556"، ديوان الأعشى "122"،"طبعة كاير" Geyer، ابن قتيبة، الشعر والشعراء "283".RaccoIta III p 127
2 البلدان "8/ 623""نجران" تاج العروس "3/ 556".
3 RaccoIta III p 128 Lammens CaIifat p 332
من هذا القبيل في الجاهلية إلى النصرانية.
وقد كانت نجران المركز الرئيسي للنصرانية في اليمن عند ظهور الإسلام، لها نظام سياسي واداري خاص تخضع له، وعليها:"العاقب"، وهو كما يقول أهل السير:"أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه"، و"السيد"، وهو "ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتععم"، و"الأسقف"، وهو "حبرهم، وإمامهم، وصاحب مدارسهم"1. ويقصدون به رئيس نجران الديني الذي إليه يرجعون في أمور الدين. أما العاقب والسيد، فإليهما إدارة الجماعة، والإشراف على شؤونهم السياسية والمالية، وتدبير ما يحتاج المجتمع إليه من بقية الشؤون2.
وقد صالح أهل نجران خالد بن الوليد، في زمن النبي، في السنة العاشرة من الهجرة، وبذلك دخل أكثر سكان المدينة في الإسلام. أما من بقي على دينه من النصارى، فقد فرضت عليه الجزية3.
ويذكر أهل السير أن اسم عاقب نجران في أيام النبي، هو "عبد المسيح" رجل من كندة. وقد قدم على رأس وفد من أهل نجران إلى يثرب، فقابل الرسول، وتحدث معه. وكان معه "الأيهم" وهو سيد نجران يومئذ، وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم يومئذ، وله مقام عظيم عندهم، "وقد شرف فيهم، ودرس كتبهم حتى حسن علمه بدينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه، واخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينه"4.
وإذا صح ما رواه أهل الأخبار من أن يعاقب نجران كان كنديا، وأن أسقفها كان من "بكر بن وائل"، فإن ذلك يدل على أن الرئاسة عند النصارى العرب،
1 ابن هشام "2/ 204"، تاج العروس "1/ 389"، "عقب"، "6/ 141"، "سقف"، اللسان "11/ 57"، "صاحب مدارسهم"، ابن سعد "1/ 357"،
2 RaccoIta III p 128
3 الطبري "3/ 157"، "حوادث السنة العاشرة"، البلدان "8/ 261 وما بعدها".
4 ابن هشام "3/ 204"، تاج العروس "1/ 389"ن اللسان "2/ 105"، ابن سعد "1/ 358"، نهاية الأرب "18/ 121".
لم تكن تتبع العرف القبلي في الزعامة، وإنما كانت عن تنسيب واختيار، وأنا لا أستبعد احتمال وجود مراجع دينية عليا، كانت هي التي تتولى النظر في إدارة الكنائس وفي تعيين رجال الدين وفي النظر في المشكلات التي تقع بين النصارى، أو بين النصارى وغيرهم، وفي أمر مساهمة النصارى العرب في المجامع الكنسية التي تنظر في المسائل العامة للطوائف.
ويرى بعض أهل الأخبار أن "السيد والعاقب أسقفي نجران اللذين أرادا مباهلة رسول الله" هما من ولد الأفعى بن الحصين بن غنم بن رهم بن الحارث الجرهمي، الذي حكم بين بني نزار بن معد في ميراثهم، وكان منزله بنجران1.
ويذكر علماء اللغة، أن "العاقب" من كل شيء آخره، والعاقب السيد، وقيل الذي دون السيد، وقيل الذي يخلف السيد، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير كالعقوب2. والذي أوحى إليهم بهذا التأويل والتفسير، ظاهر لفظة "عقب" في عربيتنا التي منها اشتقت لفظة "العاقب" على رأسهم. والصحيح أنها لفظة عربية جنوبية وردت في المسند، بمعنى "رئيس" وممثل قوم، أي رسول قوم، فورد "عقبت نشقم"، أي "رئيس" مدينة "نشق"3، وبمعنى ممثل مدينة "نشق"4.
وذكر أن نصارى نجران، أرسلوا العاقب والسيد في نفر لمحاججة رسول الله فيما نزل عليه في المسيح، من إنه عبد الله، حيث كبر ذلك عليهم سماعه، فأخذوا يخاصمونه ويجادلونه فيه، وألحوا عليه بالجدل والخصومة، فدعاهم إلى الملاعنة، فامتنعوا ودعوا إلى المصالحة، فصالحهم5. وإنه إلى ذلك أشير في القرآن الكريم:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} 6.
1 المحبر "131".
2 تاج العروس "1/ 389"، "عقب".
3 Jamme 619 Mb 178 Mahrm p 120
4 Jamme South Arabian Inscription p 445
5 إرشاد الساري "6/ 437".
6 آل عمران، الآية رقم 61، تفسير الطبري "3/ 209 وما بعدها"، روح المعاني "3/ 165"، امتاع الأسماع "1/ 502"،الواحدي، أسباب ""74"، ابن سعد "1 قسم 2 ص84" إرشاد الساري "6/ 437".
وورد أيضًا إنه بعث رسول الله وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم منهم العاقب والسيد، و"مار جرجس"، و"ماريخر"، "فسألوه ما يقول في عيسى. فقال: هو عبد الله وروحه وكلمته. قالوا هم: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه، فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنسانا خلق من غير أب؟ فأنزل الله، عز وجل، {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 1.
وقد كان لنصارى اليمن كنائس أخرى غير كنيسة "نجران": فقد كانت لهم كنيسة عظيمة في "صنعاء"، هي "القليس" التي اكتسبت شهرة عظيمة في كتب الأخبار والتورايخ وهي كنيسة "أبرهة"، من أصل "اكلسيا" EccIysia اليوناني بمعنى الكنيسة، وموضعها الآن جامع "صنعاء" على ما يظن. وقد أبدع الأحباش في تزيينها وتجميلها، وأنفقوا عليها مبالغ طائلة.
كما كانت لهم كنائس في "مأرب" و"ظفار". وقد عهد الأحباش بتدبير شؤون كنيسة "ظفار" إلى أسقف شهير يقال له "جرجسنيوس" جورجيسيوس" "جرحيسوس". وهو مؤلف كتاب شرائع الحميرين. وله مناظرات مع اليهود2.
وقد بقيت النصرانية قائمة في اليمن في أيام الإسلام، ففي الأخبار الكنسية أن رئيس البطارقة النساطرة "طيموثاوس"، نصب في أواخر القرن الثامن للميلاد أسقفا لنجران وصنعاء، اسمه "بطرس"3. وفي "الفهرست" لابن النديم، أنه التقى براهب من نجران يدعى حسان، كان قد أنفذه الجاثليق إلى الصين، ليتفقد مع خمسة أناسي من النصارى أحوال نصاراها، فعاد منها سنة "377" للهجرة، وأخبره بعجائب تلك الميلاد4. وذكر أنه في حوالي سنة 1210 للميلاد كان في منطقة صنعاء خمسة أساقفة، وأسقف في مدينة زبيد وأسقف في نجرانن وأنه كان في حوالي سنة 1250 للميلاد أسقف في عدن5.
1 تفسير الطبري "3/ 19 وما بعدها".
2 النصرانية "1/ 64". Migne pane patr Grae 86 567 620
3 النصرانية "1/ 67".
4 الفهرست "504""مطبعة الاستقامة".
5 النصرانية "1/ 67".
إن بقاء النصرانية في نجران وفي مواضع من اليمن وأنحاء أخرى من جزيرة العرب، وبقاء اليهود في اليمن إلى زمن غير بعيد، يشير إلى أن ما ذهب إليه كثير من المؤرخين من إجلاء أهل الكتاب بأمر الخليفة "عمر" عن جزيرة العرب ثم بقية الخلفاء الذين ساروا على حكم:"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" فيه مبالغة1. والظاهر أن الإجلاء كان قاصرا على الموضع التي تعرضت فيها جاليات أهل الكتاب فيها للإسلام بسوء. فطبق على جاليات يهود يثرب ومن كان يسكن إلى الشمال منهم، لوقوفهم موقفا معاديا شديدا من الإسلام، ولعملهم في إثارة الفتن على المسلمين. ومن يدري فلعلهم ولعل أهل الكتاب عمومًا ساعدوا في قيام الردة وتشجيع المتنبين والمرتدين للقضاء على الخطر الذي زعموه، خطر ظهور الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب وفي خارجها، وقيام دولة موحدة كبيرة فيها ومن يدري أيضًا، فلعل الروم والأحباش كانوا أيضًا في جملة من كان يحرض أهل الكتاب على الدس للإسلام، وأن بعض من أعلن الردة مثل "النعمان بن الغرور" وهو نصراني، وغيره ما حمل الخليفة على اتباع قاعدة إجلاء الدساسين من أهل الكتاب مهما كان نوعهم عن جزيرة العرب لحماية الإسلام من خطر الفتنة ومن الردة، ولم تكن قواعده قد تركزت واستقرت استقرارًا تامًّا بعد.
إن الذي افهمه من سياسة إجلاء "عمر" لأهل الكتاب، هو أن ذلك الإجلاء كان خاصًّا بالجاليات اليهودية التي كانت تقيم فيها بين فلسطين ويثرب، وقاصرا عليها، بسبب وقوفعها موقفا معاديا من الإسلام، أما النصارى فلم تكن لهم جاليات هناك، فلم يقع إجلاء لهم فيها. ولكن "عمر" ومن جاء بعده لم يطيقوا الإجلاء على الأسر والأفراد، بدليل ما نجده في أخبار أهل الأخبار من وجود أسر وأفراد من يهود ونصارى في يثرب وفي مكة وفي الطائف بعد وفاة عمر.
أما في غير الحجاز من بقية أنحاء جزيرة العرب، فلم يطبق قانون "عمر" على أهل الكتاب، بدليل دفع جالياتهم "الجزية" عن رءوسهم في أيامه إلى وفاته، ثم في أيام من جاء بعده من الخلفاء. فكأن الخليفة، قد طبق أمر الإجلاء على
1 "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأخرجن اليهود والنصارى عن جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا"، البلدان "8/ 263".