الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فندق طرنطاي: هذا الفندق كان بخارج باب البحر ظاهر المقس، وكان ينزل فيه تجار الزيت الواردون من الشام، وكان فيه ستة عشر عمودا من رخام طول، كل عمود ستة أذرع بذراع العمل، في دور ذراعين، ويعلوه ربع كبير، فلما كان في واقعة هدم الكنائس وحريق القاهرة ومصر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، قدم تاجر بعد العصر بزيت، وزن في مكسه عشرين ألف درهم نقرة، سوى أصناف أخر قيمتها مبلغ تسعين ألف درهم نقرة، فلم يتهيأ له الفراغ من نقل الزيت إلى داخل هذا الفندق إلّا بعد العشاء الآخرة، فلما كان نصف الليل، وقع الحريق بهذا الفندق في ليلة من شهر ربيع الآخر منها، كما كان يقع في غير موضع من فعل النصارى، فأصبح وقد احترق جميعه حتى الحجارة التي كان مبنيا بها، وحتى الأعمدة المذكورة، وصارت كلها جيرا واحترق علوه، وأصبح التاجر يستعطي الناس وموضع هذا الفندق.
ذكر الأسواق
قال ابن سيدة: والسوق التي يتعامل فيها تذكر وتؤنث، والجمع أسواق، وفي التنزيل:
إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
والسوقة لغة فيها، والسوقة من الناس من لم يكن ذا سلطان، الذكر والأنثى في ذلك سواء.
وقد كان بمدينة مصر والقاهرة وظواهرها من الأسواق شيء كثير جدّا، قد باد أكثرها، وكفاك دليلا على كثرة عددها أن الذي خرب من الأسواق فيما بين أراضي اللوق إلى باب البحر بالمقص، اثنان وخمسون سوقا، أدركناها عامرة، فيها ما يبلغ حوانيته نحو الستين حانوتا، وهذه الخطة من جملة ظاهر القاهرة الغربيّ، فكيف ببقية الجهات الثلاث مع القاهرة ومصر، وسأذكر من أخبار الأسواق ما أجد سبيلا إلى ذكره إن شاء الله تعالى.
القصبة: قال ابن سيدة: قصبة البلد، مدينته، وقيل معظمه. والقصبة هي أعظم أسواق مصر، وسمعت غير واحد ممن أدركته من المعمرين يقول: أنّ القصبة تحتوي على اثني عشر ألف حانوت، كأنهم يعنون ما بين أوّل الحسينية مما يلي الرمل إلى المشهد النفيسيّ، ومن اعتبر هذه المسافة اعتبارا جيدا لا يكاد أن ينكر هذا الخبر. وقد أدركت هذه المسافة بأسرها عامرة الحوانيت غاصة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة، تبهج رؤيتها ويعجب الناظر هيئتها، ويعجز العادّ عن إحصاء ما فيها من الأنواع، فضلا عن إحصاء ما فيها من الأشخاص، وسمعت الكافة ممن أدركت يفاخرون بمصر سائر البلاد ويقولون: يرمى بمصر في كل يوم ألف دينار ذهبا على الكيمان والمزابل، يعنون بذلك ما يستعمله اللبانون والجبانون والطباخون من الشقاف الحمر التي يوضع فيها اللبن، والتي يوضع فيها الجبن، والتي تأكل فيها الفقراء الطغام بحوانيت الطباخين، وما يستعمله بياعوا الجبن من الخيط والحصر التي تعمل تحت الجبن في الشقاف، وما يستعمله العطارون من القراطيس والورق
الفويّ، والخيوط التي تشدّ بها القراطيس الموضوع فيها حوائج الطعام من الحبوب والأفاوية وغيرها، فإن هذه الأصناف المذكورة إذا حملت من الأسواق وأخذ ما فيها ألقيت إلى المزابل، ومن أدرك الناس قبل هذه المحن وأمعن النظر فيما كانوا عليه من أنواع الحضارة والترف لم يستكثر ما ذكرناه.
وقد اختلّ حال القصبة وخرب وتعطل أكثر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعد ما كانت مع سعتها تضيق بالباعة، فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش. ويقال لهم أصحاب المقاعد، وكل قليل يتعرّض الحكام لمنعهم وإقامتهم من الأسواق لما يحصل بهم من تضييق الشوارع وقلة بيع أرباب الحوانيت، وقد ذهب والله ما هناك ولم يبق إلا القليل، وفي القصبة عدّة أسواق، منها ما خرب، ومنها ما هو باق، وسأذكر منها ما يتيسر إن شاء الله تعالى.
سوق باب الفتوح: هذا السوق في داخل باب الفتوح، من حدّ باب الفتوح الآن إلى رأس حارة بهاء الدين. معمور الجانبين بحوانيت اللحامين والخضريين والفاميين والشرايحية وغيرهم، وهو من أجلّ أسواق القاهرة وأعمرها، يقصده الناس من أقطار البلاد لشراء أنواع اللحمان الضأن والبقر والمعز، ولشراء أصناف الخضراوات، وليس هو من الأسواق القديمة، وإنما حدث بعد زوال الدولة الفاطمية عند ما سكن قراقوش في موضعه المعروف بحارة بهاء الدين، وقد تناقص عما كان فيه منذ عهد الحوادث، وفيه إلى الآن بقية صالحة.
سوق المرحلين: هذا السوق أدركته من رأس حارة بهاء الدين إلى بحري المدرسة الصيرمية معمور الجانبين بالحوانيت المملوءة بر حالات الجمال وأقتابها، وسائر ما تحتاج إليه، يقصد من سائر إقليم مصر، خصوصا في مواسم الحج. فلو أراد الإنسان تجهيز مائة جمل وأكثر في يوم لما شق عليه وجود ما يطلبه من ذلك لكثرة ذلك عند التجار في الحوانيت بهذا السوق وفي المخازن.
فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة وكثر سفر الملك الناصر فرج بن برقوق إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز بالبلاد الشامية، صار الوزراء يستدعون ما يحتاج إليه الجمال من الرحال والأقتاب وغيرها، فإما لا يدفع ثمنها أو يدفع فيها الشيء اليسير من الثمن، فاختلّ من ذلك حال المرحلين وقلت أموالهم بعد ما كانوا مشتهرين بالغناء الوافر والسعادة الطائلة، وخرب معظم حوانيت هذا السوق، وتعطل أكثر ما بقي منها، ولم يتأخر فيه سوى القليل.
سوق خان الروّاسين: هذا السوق على رأس سويقة أمير الجيوش، قيل له ذلك من أجل أن هناك خانا تعمل فيه الرءوس المغمومة، وكان من أحسن أسواق القاهرة فيه عدّة من البياعين، ويشتمل على نحو العشرين حانوتا مملوءة بأصناف المآكل، وقد اختلّ وتلاشى أمره.
سوق حارة برجوان: هذا السوق من الأسواق القديمة، وكان يعرف في القديم أيام الخلفاء الفاطميين بسوق أمير الجيوش، وذلك أنّ أمير الجيوش بدر الجمالي لما قدم إلى مصر في زمن الخليفة المستنصر، وقد كانت الشدّة العظمى، بنى بحارة برجوان الدار التي عرفت بدار المظفر، وأقام هذا السوق برأس حارة برجوان. قال ابن عبد الظاهر: والسويقة المعروفة بأمير الجيوش معروفة بأمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة المستنصر، وهي من باب حارة برجوان إلى قريب الجامع الحاكمي، وهكذا تشهد مكاتيب دور حارة برجوان القديمة، فإنّ فيها والحدّ القبليّ ينتهي إلى سويقة أمير الجيوش، وسوق حارة برجوان هو في الحدّ القبليّ من حارة برجوان، وأدركت سوق حارة برجوان أعظم أسواق القاهرة، ما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكان جميع حارات القاهرة فنقول: بحارة برجوان حمّامات، يعني حمامي الرومي وحمام سويد فإنه كان يدخل إليها من داخل الحارة، وبها فرنان، ولها السوق الذي لا يحتاج ساكنها إلى غيره، وكان هذا السوق من سوق خان الروّاسين إلى سوق الشماعين، معمور الجانبين بالعدّة الوافرة من بياعي لحم الضأن السليخ، وبياعي اللحم السميط، وبياعي اللحم البقري، وبه عدّة كثيرة من الزياتين، وكثير من الجبانين والخبازين واللبانين والطباخين والشوّايين والبواردية والعطارين والخضريين، وكثير من بياعي الأمتعة، حتى أنه كان به حانوت لا يباع فيه إلّا حوائج المائدة وهي: البقل والكرّاث والشمار والنعناع، وحانوت لا يباع فيه إلا الشيرج والقطن فقط برسم تعمير القناديل التي تسرج في الليل. وسمعت من أدركت أنه كان يشتري من هذا الحانوت في كل ليلة شيرج مما يوضع في القناديل بثلاثين درهما فضة، عنها يومئذ دينار ونصف.
وكان يوجد بهذا السوق لحم الضأن النيء والمطبوخ إلى ثلث الليل الأوّل، ومن قبل طلوع الفجر بساعة، وقد خرب أكثر حوانيت هذا السوق، ولم يبق لها أثر، وتعطل بأسره بعد سنة ست وثمانمائة، وصار أوحش من وتد في قاع بعد أن كان الإنسان لا يستطيع أن يمرّ فيه من ازدحام الناس ليلا ونهارا إلّا بمشقة، وكان فيه قبانيّ برسم وزن الأمتعة والمال والبضائع، لا يتفرّغ من الوزن ولا يزال مشغولا به، ومعه من يستحثه ليزن له. فلما كان بعد سنة عشر وثمانمائة أنشأ الأمير طوغان الدوادار بهذا السوق مدرسة وعمّر ربعا وحوانيت، فتحابي بعض الشيء وقبض على طوغان في سنة ست عشرة وثمانمائة، ولم تكمل عمارة السوق وفيه الآن بقية يسيرة.
سوق الشماعين: هذا السوق من الجامع الأقمر إلى سوق الدجاجين، كان يعرف في الدولة الفاطمية بسوق القماحين، وعنده بنى المأمون بن البطائحي الجامع الأقمر باسم الخليفة الآمر بأحكام الله، وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح،
وأدركت سوق الشماعين من الجانبين معمور الحوانيت بالشموع الموكبية والفانوسية والطوافات، لا تزال حوانيته مفتحة إلى نصف الليل، وكان يجلس به في الليل بغايا يقال لهنّ زعيرات الشماعين، لهنّ سيما يعرفن بها، وزيّ يتميزن به، وهو لبس الملاءات الطرح وفي أرجلهنّ سراويل من أديم أحمر، وكنّ يعانين الزعارة ويقفن مع الرجال المشالقين في وقت لعبهم، وفيهنّ من تحمل الحديد معها.
وكان يباع في هذا السوق في كل ليلة من الشمع بمال جزيل، وقد خرب ولم يبق به إلّا نحو الخمس حوانيت بعد ما أدركتها تزيد على عشرين حانوتا، وذلك لقلة ترف الناس وتركهم استعمال الشمع، وكان يعلق بهذا السوق الفوانيس في موسم الغطاس، فتصير رؤيته في الليل من أنزه الأشياء، وكان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يشترى ويكتى من الشموع الموكبية التي تزن الواحدة منهنّ عشرة أرطال فما دونها، ومن المزهرات العجيبة الزيّ المليحة الصنعة، ومن الشمع الذي يحمل على العجل ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وما فوقه، كل ذلك برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح، فيمرّ في ليالي شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية وصفه، وقد تلاشى الحال في جميع ما قلنا لفقر الناس وعجزهم.
سوق الدجاجين: هذا السوق كان مما يلي سوق الشماعين إلى سوق قبو الخرشتف، كان يباع فيه من الدجاج والأوز شيء كثير جليل إلى الغاية، وفيه حانوت فيه العصافير التي يبتاعها ولدان الناس ليعتقوها، فيباع منها في كل يوم عدد كثير جدّا، ويباع العصفور منها بفلس، ويخدع الصبيّ بأنه يسبح، فمن أعتقه دخل الجنة، ولكل واحد حينئذ رغبة في فعل الخير، وكان يوجد في كل وقت بهذه الحوانيت من الأقفاص التي بها هذه العصافير آلاف، ويباع بهذا السوق عدّة أنواع من الطير، وفي كل يوم جمعة يباع فيه بكرة أصناف القماري والهزارات والشحارير واللبغاء والسّمّان، وكنا نسمع أن من السّمّان ما يبلغ ثمنه المئات من الدراهم، وكذلك بقية طيور المسموع يبلغ الواحد منها نحو الألف، لتنافس الناس فيها وتوفر عدد المعتنين بها، وكان يقال لهم غواة طيور المسموع سيما الطواشية، فإنه كان يبلغ بهم الترف أن يقتنوا السّمّان ويتأنقوا في أقفاصه ويتغالوا في أثمانه حتى بلغنا أنه بيع طائر من السمان بألف درهم فضة، عنها يومئذ نحو الخمسين دينارا من الذهب، كل ذلك لإعجابهم بصوته، وكان صوته على وزن قول القائل:«طقطلق وعوع» وكلما كثر صياحه كانت المغالاة في ثمنه، فاعتبر بما قصصته عليك حال الترف الذي كان فيه أهل مصر، ولا تتخذ حكاية ذلك هزؤا تسخر به، فتكون ممن لا تنفعه المواعظ بل يمرّ بالآيات معرضا غافلا فتحرم الخير.
وكان بهذا السوق قيسارية عملت مرّة سوقا للكتبيين، ولها باب من وسط سوق
الدجاجين، وباب من الشارع الذي يسلك فيه من بين القصرين إلى الركن المخلق، فاتفق أن ولي نيابة النظر في المارستان المنصوري عن الأمير الكبير ايتمش النحاسي الظاهريّ أمير يعرف بالأمير خضر ابن التنكزية، فهدم هذا السوق والقيسارية وما يعلوها، وأنشأ هذه الحوانيت والرباع التي فوقها تجاه ربع الكامل الذي يعلو ما بين درب الخضيري وقبو الخرشتف، فلما كمل أسكن في الحوانيت عدّة من الزياتين وغيرهم، وبقي من الدجاجين بهذا السوق بقية قليلة.
سوق بين القصرين: هذا السوق أعظم أسواق الدنيا فيما بلغنا، وكان في الدولة الفاطمية براحا واسعا يقف فيه عشرة آلاف ما بين فارس وراجل، ثم لما زالت الدولة ابتذل وصار سوقا يعجز الواصف عن حكاية ما كان فيه، وقد تقدّم ذكره في الخطط من هذا الكتاب، وفيه إلى الآن بقية تحزنني رؤيتها إذ صارت إلى هذه القلة.
سوق السلاح: هذا السوق فيما بين المدرسة الظاهرية بيبرس وبين باب قصر بشتاك، استجدّ فيما بعد الدولة الفاطمية في خط بين القصرين. وجعل لبيع القسيّ والنشاب والزرديات وغير ذلك من آلات السلاح، وكان تجاهه خان يقابل الخان الذي هو الآن بوسط سوق السلاح، وعلى بابه من الجانبين حوانيت تجلس فيها الصيارف طول النهار، فإذا كان عصريات كل يوم جلس أرباب المقاعد تجاه حوانيت الصيارف لبيع أنواع من المآكل، ويقابلهم تجاه حوانيت سوق السلاح أرباب المقاعد أيضا، فإذا أقبل الليل أشعلت السرج من الجانبين وأخذ الناس في التمشي بينهما على سبيل الاسترواح والتنزه، فيمرّ هنالك من الخلاعات والمجون ما لا يعبر عنه بوصف، فلما أنشأ الملك الظاهر برقوق المدرسة الظاهرية المستجدّة صارت في موضع الخان وحوانيت الصرف تجاه سوق السلاح، وقلّ ما كان هناك من المقاعد وبقي منها شيء يسير.
سوق القفيصات: بصيغة الجمع، والتصغير هكذا يعرف كأنه جمع قفيص، فإنه كله معدّ لجلوس أناس على تخوت تجاه شبابيك القبة المنصورية، وفوق تلك التخوت أقفاص صغار من حديد مشبك فيها الطرائف من الخواتيم والفصوص وأساور النسوان وخلاخيلهنّ وغير ذلك، وهذه الأقفاص يأخذ أجرة الأرض التي هي عليها مباشر المارستان المنصوري، وأصل هذه الأرض كانت من حقوق أرض موقوفة على جامع المقس، فدخل بعضها في القبة المنصورية، وصار بعضها كما ذكرنا وإلى اليوم يدفع من وقف المارستان حكر هذه الأرض لجامع المقس، ولما ولي نظر المارستان الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك في سنة ست وعشرين وسبعمائة، عمل فيه أشياء من ماله، منها خيمة ذرعها مائة ذراع، نشرها من أوّل جدار القبة المنصورية بحذاء المدرسة الناصرية إلى آخر حدّ المدرسة المنصورية بجوار الصاغة، فصارت فوق مقاعد الأقفاص تظلهم من حرّ الشمس، وعمل لها
حبالا تمدّ بها عند الحرّ وتجمع بها إذا امتدّ الظل، وجعلها مرتفعة في الجوّ حتى ينحرف الهواء، ثم لما كان شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة نقلت الأقفاص منه إلى القيسارية التي استجدّت تجاه الصاغة.
سوق باب الزهومة: هذا السوق عرف بذلك من أجل أنه كان هناك في الأيام الفاطمية باب من أبواب القصر يقال له باب الزهومة، تقدّم ذكره في ذكر أبواب القصر من هذا الكتاب. وكان موضع هذا السوق في الدولة الفاطمية سوق الصيارف، ويقابله سوق السيوفيين، من حيث الخشيبة إلى نحو رأس سوق الحريريين اليوم، وسوق العنبر الذي كان إذ ذاك سجنا يعرف بالمعونة، ويقابل السيوفيين إذ ذاك سوق الزجاجين، وينتهي إلى سوق القشاشين الذي يعرف اليوم بالخرّاطين، فلما زالت الدولة الفاطمية تغير ذلك كله، فصار سوق السيوفيين من جوار الصاغة إلى درب السلسلة، وبني فيما بين المدرسة الصالحية وبين الصاغة سوق فيه حوانيت مما يلي المدرسة الصالحية، يباع فيها الأمشاط بسوق الأمشاطيين، وفيه حوانيت فيما بين الحوانيت التي يباع فيها الأمشاط وبين الصاغة، بعضها سكن الصيارف، وبعضها سكن النقليين، وهم الذين يبيعون الفستق واللوز والزبيب ونحوه، وفي وسط هذا البناء سوق الكتبيين، يحيط به سوق الأمشاطيين وسوق النقليين، وجميع ذلك جار في أوقاف المارستان المنصوري.
وكان سوق باب الزهومة من أجلّ أسواق القاهرة أفخرها، موصوفا بحسن المآكل وطيبها، واتفق في هذا السوق أمر يستحسن ذكره لغرابته في زمننا، وهو أنه عبر متولي الحسبة بالقاهرة في يوم السبت سادس عشر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة على رجل بوارديّ بهذا السوق، يقال له محمد بن خلف، عنده مخزن فيه حمام وزرازير متغيرة الرائحة، لها نحو خمسين يوما، فكشف عنها فبلغت عدّتها أربعة وثلاثين ألفا ومائة وستة وتسعين طائرا، من ذلك حمام ألف ومائة وستة وتسعون، وزرازير ثلاثة وثلاثون ألفا كلها متغيرة اللون والريح، فأدبه وشهره وفيه إلى الآن بقايا.
سوق المهامزيين: هذا السوق مما استجدّ بعد زوال الدولة الفاطمية، وكان بأوّله حبس المعونة، الذي عمله الملك المنصور قلاوون سوق العنبر، ويقابله المارستان والوكالة ودار الضرب، في الموضع الذي يعرف اليوم بدرب الشمسيّ، وما بحذائه من الحوانيت إلى حمّام الخرّاطين، وما تجاه ذلك. وهذا السوق معدّ لبيع المهاميز، وأدركت الناس وهم يتخذون المهماز كله قالبه وسقطه من الذهب الخالص، ومن الفضة الخالصة، ولا يترك ذلك إلا من يتورع ويتدين فيتخذ القالب من الحديد ويطليه بالذهب أو الفضة، ويتخذ السقط من الفضة، وقد اضطرّ الناس إلى ترك هذا، فقلّ من بقي سقط مهمازه فضة، ولا يكاد يوجد اليوم مهماز من ذهب، وكان يباع بهذا السوق البدلات الفضة التي كانت برسم
لجم الخيل، وتعمل تارة من الفضة المجراة بالمينا، وتارة بالفضة المطلية بالذهب، فيبلغ زنة ما في البدلة من خمسمائة درهم فضة إلى ما دونها، وقد بطل ذلك. وكان يباع به أيضا سلاسل الفضة ومخاطم الفضة المطلية، تجعل تحت لجم الحجور من الخيل خاصة، فيركب بها أعيان الموقعين وأكابر الكتاب من القبط ورؤساء التجار، وقد بطل ذلك أيضا.
ويباع فيه أيضا الدوي والطرف التي فيها الفضة والذهب كسكاكين الأقلام ونحوها، وكانت تجار هذا السوق تعدّ من بياض العامّة، ويتصل بسوق المهامزيين هذا.
سوق اللجميين: ويباع فيه آلات اللجم ونحوها مما يتخذ من الجلد، وفي هذا السوق أيضا عدّة وافرة من الطلائين وصناع الكفت برسم اللجم والركب والمهاميز ونحو ذلك.
وعدّة من صناع مياتر السروج وقرابسها، وأدركت السروج تعمل ملوّنة ما بين أصفر وأزرق، ومنها ما يعمل من الدبل، ومنها ما يعمل سيورا من الجلد البلغاري الأسود، ويركب بهذه السروج السود القضاة ومشايخ العلم اقتداء بعادة بني العباس في استعمال السواد، على ما جدّده بديار مصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعد زوال الدولة الفاطمية.
وأدركت السروج التي تركب بها الأجناد والكتاب، يعمل للسرج في قربوسه ستة أطواق من فضة مقبلة مطلية بالذهب، ومعقربات من فضة، ولا يكاد أحد يركب فرسا بسرج سادج إلا أن يكون من القضاة ومشايخ العلم وأهل الورع، فلما تسلطن الملك الظاهر برقوق اتخذ سائر الأجناد السروج المغرقة، وهي التي جميع قرابسها من ذهب أو فضة، إما مطلية أو سادجة، وكثر عمل ذلك حتى لم يبق من العسكر فارس إلا وسرجه كما ذكرنا. وبطل السرج المسقط، فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة غلب على الناس الفقر، وكثرت الفتن، فقلّت سروج الذهب والفضة، وبقي منها إلى اليوم بقايا يركب بها أعيان الأمراء وأماثل المماليك.
سوق الجوخيين: هذا السوق يلي سوق اللجميين، وهو معدّ لبيع الجوخ المجلوب من بلاد الفرنج لعمل المقاعد والستائر وثياب السروج وغواشيها، وأدركت الناس وقلما تجد فيهم من يلبس الجوخ، وإنما يكون من جملة ثياب الأكابر، جوخ لا يلبس إلا في يوم المطر، وإنما يلبس الجوخ من يرد من بلاد المغرب والفرنج وأهل الإسكندرية وبعض عوام مصر، فأما الرؤساء والأكابر والأعيان فلا يكاد يوجد فيهم من يلبسه إلّا في وقت المطر، فإذا ارتفع المطر نزع الجوخ.
وأخبرني القاضي الرئيس تاج الدين أبو الفداء إسماعيل بن أحمد بن عبد الوهاب بن الخطبا المخزومي، خال أبي رحمه الله، قال: كنت أنوب في حسبة القاهرة عن القاضي ضياء الدين المحتسب، فدخلت عليه يوما وأنا لابس جوخة لها وجه صوف مربع فقال لي:
وكيف ترضى أن تلبس الجوخ، وهل الجوخ إلّا لأجل البغلة؟! ثم أقسم عليّ أن أخلعها،
وما زال بي حتى عرّفته أني اشتريتها من بعض تجار قيسارية الفاضل، فاستدعاه في الحال ودفعها إليه وأمره بإحضار ثمنها. ثم قال لي: لا تعد إلى لبس الجوخ، استهجانا له. فلما كانت هذه الحوادث وغلت الملابس دعت الضرورة أهل مصر إلى ترك أشياء مما كانوا فيه من الترفه، وصار معظم الناس يلبسون الجوخ، فتجد الأمير والوزير والقاضي ومن دونهم ممن ذكرنا لباسهم الجوخ، ولقد كان الملك الناصر فرج ينزل أحيانا إلى الإصطبل وعليه قجون من جوخ، وهو ثوب قصير الكمين والبدن، يخاط من الجوخ بغير بطانة من تحته ولا غشاء من فوقه، فتداول الناس لبسه، واجتلب الفرنج منه شيئا كثيرا لا توصف كثرته ومحل بيعه بهذا السوق، ويلي سوق الجوخيين هذا:
سوق الشرابشيين: وهذا السوق مما أحدث بعد الدولة الفاطمية، ويباع فيها الخلع التي يلبسها السلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهم، وإنما قيل له سوق الشرابشيين لأنه كان من الرسم في الدولة التركية أنّ السلطان والأمراء وسائر العساكر إنما يلبسون على رؤوسهم كلوتة صفراء مضرّبة تضريبا عريضا، ولها كلاليب بغير عمامة فوقها، وتكون شعورهم مضفورة مدلاة بدبوقة، وهي في كيس حرير إمّا أحمر أو أصفر، وأوساطهم مشدودة ببنود من قطن بعلبكيّ مصبوغ، عوضا عن الحوائص، وعليهم أقبية إمّا بيض أو مشجرة أحمر وأزرق، وهي ضيقة الأكمام على هيئة ملابس الفرنج اليوم، وإخفافهم من جلد بلغاريّ أسود، وفي أرجلهم من فوق الخف سقمان، وهو خف ثان، ومن فوق القبا كمران بحلق وأبزيم وصوالق بلغاري كبار يسع الواحد منها أكثر من نصف ويبة غلة، مغروز فيه منديل طوله ثلاثة أذرع، فلم يزل هذا زيهم منذ استولوا بديار مصر على الملك، من سنة ثمان وأربعين وستمائة، إلى أن قام في المملكة الملك المنصور قلاوون، فغيّر هذا الزيّ بأحسن منه، ولبسوا الشاشات، وأبطلوا لبس الكم الضيق، واقترح كل أحد من المنصورية ملابس حسنة، فلما ملك ابنه الأشرف خليل، جمع خاصكيته ومماليكه وتخير لهم الملابس الحسنة، وبدّل الكلوتات الجوخ والصفر، ورسم لجميع الأمراء أن يركبوا بين مماليكهم بالكلوتات الزركش والطرازات الزركش والكنابيش الزركش والأقبية الأطلس المعدني، حتى يميز الأمير بلبسه عن غيره، وكذلك في الملبوس الأبيض أن يكون رفيعا، واتخذ السروج المرصعة والأكوار المرصعة، فعرفت بالأشرفية، وكانت قبل ذلك سروجهم بقرابيس كبار شنعة، وركب كبار بشعة، فلما ملك ديار مصر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، استجدّ العمائم الناصرية، وهي صغار.
فلما قام الأمير يلبغا العمريّ الخاصكيّ عمل الكلوتات اليلبغاوية، وكانت كبارا، واستجدّ الأمير سلار في أيام الملك الناصر محمد القباء الذي يعرف بالسلاري، وكان قبل ذلك يعرف ببغلو طاق، فلما تملك الملك الظاهر برقوق عمل هذه الكلوتات الجركسية، وهي أكبر من اليلبغاوية، وفيها عوج. وأما الخلع، فإن السلطان كان إذا أمّر أحدا من
الأتراك ألبسه الشربوش، وهو شيء يشبه التاج، كأنه شكل مثلث يجعل على الرأس بغير عمامة، ويلبس معه على قدر رتبته، إمّا ثوب بخ، أو طرد وحش، أو غيره، فعرف هذا السوق بالشرابشيين نسبة إلى الشرابيش المذكورة، وقد بطل الشربوش في الدولة الجركسية.
وكان بهذا السوق عدّة تجار لشراء التشاريف والخلع وبيعها على السلطان في ديوان الخاص وعلى الأمراء، وينال الناس من ذلك فوائد جليلة، ويقتنون بالمتجر في هذا الصنف سعادات طائلة، فلما كانت هذه الحوادث منع الناس من بيع هذا الصنف إلّا للسلطان، وصار يجلس به قوم من عمال ناظر الخاص لشراء سائر ما يحتاج إليه، ومن اشترى من ذلك شيئا سوى عمال السلطان فله من العقاب ما قدّر عليه، والأمر على هذا إلى يومنا الذي نحن فيه.
وأوّل من عملته خلع عليه من أهل الدول جعفر بن يحيى البرمكيّ، وذلك أنّ أمير المؤمنين هارون الرشيد قال في اليوم الذي انعقد له فيه الملك: يا أخي يا جعفر، قد أمرت لك بمقصورة في داري، وما يصلح لها من الفراش، وعشر جوارتكن فيها ليلة مبيتك عندنا.
فقال: يا أمير المؤمنين ما من نعمة متواترة، ولا فضل متظاهر إلّا ورأي أمير المؤمنين أجمل وأتم، ثم انصرف وقد خلع عليه الرشيد، وحمل بين يديه مائة بدرة دراهم ودنانير، وأمر الناس فركبوا إليه حتى سلموا عليه، وأعطاه خاتم الملك ليختم به على ما يريد، فبلغ بذلك صيته أقطار الأرض، ووصل إلى ما لم يصل إليه كاتب بعده، فاقتدي بالرشيد من بعده، وخلعوا على أولياء دولتهم وولاة أعمالهم، واستمرّ ذلك إلى اليوم.
وأوّل ما عرف شدّ السيوف في أوساط الجند: أنّ سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك زنكي بن أق سنقر صاحب الموصل، أمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم، والدبابيس تحت ركبهم، فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف، وهو أيضا أوّل من حمل على رأسه الصنجق في ركوبه، وغازي هذا هو أخو الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ومات في آخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وولي الموصل بعده أخوه قطب الدين مودود.
سوق الحوائصيين: هذا السوق يتصل بوسق الشرابشيين، وتباع فيه الحوائص، وهي التي كانت تعرف بالمنطقة في القديم، فكانت حوائص الأجناد أوّلا أربعمائة درهم فضة ونحوها، ثم عمل المنصور قلاوون حوائص الأمراء الكبار ثلثمائة دينار، وأمراء الطبلخانات مائتي دينار، ومقدّمي الحلقة من مائة وسبعين إلى مائة وخمسين دينارا، ثم صار الأمراء والخاصكية في الأيام الناصرية وما بعدها يتخذون الحياصة من الذهب، ومنها ما هو مرصع بالجوهر، ويفرّق السلطان في كل سنة على المماليك من حوائص الذهب والفضة شيئا كثيرا، وما زال الأمر على ذلك إلى أن ولي الناصر فرج، فلما كان في أيام الملك المؤيد
شيخ، قلّ ذلك، ووجد في تركة الوزير الصاحب علم الدين عبد الله بن زنبور لما قبض عليه ستة آلاف حياصة، وستة آلاف كلوتة جهاركس، وما برح تجار هذا السوق من بياض العامة، وقد قلّ تجار هذا السوق في زمننا وصار أكثر حوانيته يباع فيها الطواقي التي يلبسها الصبيان، وصارت الآن من ملابس الأجناد.
سوق الحلاويين: هذا السوق معدّ لبيع ما يتخذ من السكر حلوى، وإنما يعرف اليوم بحلاوة منوّعة، وكان من أبهج الأسواق لما يشاهد في الحوانيت التي بها من الأواني وآلات النحاس الثقيلة الوزن البديعة الصنعة ذات القيم الكبيرة، ومن الحلاوات المصنعة عدّة ألوان، وتسمى المجمعة، وشاهدت بهذا السوق السكّر ينادي عليه كل قنطار بمائة وسبعين درهما، فلما حدثت المحن وغلا السكر لخراب الدواليب التي كانت بالوجه القبليّ، وخراب مطابخ السكر التي كانت بمدينة مصر، قلّ عمل الحلوى، ومات أكثر صناعها، ولقد رأيت مرّة طبقا فيه نقل وعدّة شقاف من خزف أحمر في بعضها لبن وفي بعضها أنواع الأجبان، وفيما بين الشقاف الخيار والموز وكل ذلك من السكر المعمول بالصناعة، وكانت أيضا لهم عدّة أعمال من هذا النوع يحير الناظر حسنها، وكان هذا السوق في موسم شهر رجب من أحسن الأشياء منظرا، فإنه كان يصنع فيه من السكر أمثال خيول وسباع وقطاط وغيرها، تسمى العلاليق، واحدها علاقة ترفع بخيوط على الحوانيت، فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل، تشترى للأطفال، فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده، وتمتلىء أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصنف، وكذلك يعمل في موسم نصف شعبان، وقد بقي من ذلك إلى اليوم بقية غير طائلة، وكذلك كانت تروق رؤية هذا السوق في موسم عيد الفطر لكثرة ما يوضع فيه من حب الخشكنانج. وقطع البسندود والمشاش، ويشرع في عمل ذلك من نصف شهر رمضان فتملأ منه أسواق القاهرة ومصر والأرياف، ولم ير في موسم سنة سبع عشرة وثمانمائة من ذلك شيء بالأسواق البتة، فسبحان محيل الأحوال لا إله إلا هو.
سوق الشوّايين: هذا السوق أوّل سوق وضع بالقاهرة، وكان يعرف بسوق الشرايحيين، وهو من باب حارة الروم إلى سوق الحلاويين، وما زال يعرف بسوق الشرايحيين إلى أن سكن فيه عدّة من بياعي الشواء، في حدود السبعمائة من سني الهجرة، فزالت عنه النسبة إلى الشرايحيين وعرف بالشوّايين، وهو الآن سكن المتعيشين، وانتقل سوق الشرايحيين في زماننا إلى خارج باب زويلة وعرف بالبسطيين، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. قال ابن زولاق في كتاب سيرة المعز، وفي شهر صفر من سنة خمس وستين وثلاثمائة أنشئ سوق الشرايحيين بالقاهرة، وذكر ذلك ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة. وكان في القديم باب زويلة الذي وضعه القائد جوهر عند رأس حارة الروم، حيث العقد المجاور الآن للمسجد الذي عرف اليوم بسام بن نوح، وكان بجواره باب آخر موضعه