الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طائرا ولعمل المأمونية رطلين ونصفا من السكر، وما يعمل برسم الجمدارية فإنه بعسل النحل.
ذكر العلامة السلطانية
قد جرت العادة أن السلطان يكتب خطه على كل ما يأمر به، فأمّا مناشير الأمراء والجند وكلّ من له إقطاع فإنه يكتب عليه علامته، وكتبها الملك الناصر محمد بن قلاون، الله أملي، وعمل ذلك الملوك بعده إلى اليوم، وأما تقاليد النوّاب، وتواقيع أرباب المناصب من القضاة والوزراء والكتاب، وبقية أرباب الوظائف، وتواقيع أرباب الرواتب والإطلاقات، فإنه يكتب عليها اسمه واسم أبيه إن كان أبوه ملكا، فيكتب مثلا محمد بن قلاون، أو شعبان بن حسين، أو فرج بن برقوق، وإن لم يكن أبوه ممن تسلطن كبرقوق أو شيخ، فإنه يكتب اسمه فقط، ومثاله برقوق، أو شيخ. وأما كتب البريد وخلاص الحقوق والظلامات، فإنه يكتب أيضا عليها اسمه، وربما كرّم المكتوب إليه فكتب إليه أخوه فلان، أو والده فلان، وأخوه يكتب للأكابر من أرباب الرتب والذي يعلم عليه السلطان، أما إقطاع فالرسم فيه أن يقال خرج الأمر الشريف، وأما وظائف ورواتب وإطلاقات، فالرسم في ذلك أن يقال رسم بالأمر الشريف، وأعلى ما يعلم عليه ما افتتح بخطبة أولها الحمد لله، ثم ما افتتح بخطبة أوّلها أما بعد حمد الله، حتى يأتي على خرج الأمر في المناشير، أو رسم بالأمر في التواقيع، ثم بعد هذا أنزل الرتب، وهو أن يفتتح في المناشير، خرج الأمر وفي التواقيع رسم بالأمر، وتمتاز المناشير المفتتح فيها بالحمد لله. أوّل الخطبة، أن تطغر بالسواد وتتضمن اسم السلطان وألقابه، وقد بطلت الطغرافي وقتنا هذا، وكانت العادة أن يطالع نوّاب المملكة السلطان بما يتجدّد عندهم تارة على أيدي البريدية، وتارة على أجنحة الحمام، فتعود إليهم الأجوبة السلطانية وعليها العلامة، فإذا ورد البريديّ أحضره أمير جاندار، وهو من أمراء الألوف، والدوادار وكاتب السرّ بين يدي السلطان، فيقبّل البريديّ الأرض، ويأخذ الدوادار الكتاب فيمسحه بوجه البريدي، ثم يناول للسلطان فيفتحه، ويجلس حينئذ كاتب السرّ ويقرأ على السلطان سرّا، فإن كان أحد من الأمراء حاضرا تنحى حتى يفرغ من القراءة، ويأمر السلطان فيه بأمر، وإن كان الخبر على أجنحة الحمام، فإنه يكتب في ورق صغير خفيف ويحمل على الحمام الأزرق، وكان لحمام الرسائل مراكز كما كان للبريد مراكز، وكان بين كلّ مركزين من البريد أميال، وفي كلّ مركز عدّة خيول كما بيناه في ذكر الطريق فيما بين مصر والشام، وكانت مراكز الحمام كلّ مركز منها ثلاثة مراكز من مراكز البريد، فلا يتعدّى الحمام ذلك المركز، وينقل عند نزوله المركز على ما على جناحه إلى طائر حتى يسقط بقلعة الجبل، فيحضره البرّاج، ويقرأ كاتب السرّ البطاقة، وكلّ هذا مما يعلم عليه بالقصر، ومما كان يحضر إلى القصر بالقلعة في كلّ يوم ورقة الصباح، يرفعها والى القاهرة ووالي مصر، وتشتمل على إنهاء ما تجدّد في كل يوم وليلة بحارات البلدين وأخطاطهما من حريق أو قتل قتيل أو سرقة سارق ونحو ذلك، ليأمر السلطان فيه بأمره.
الأشرفية: هذا القصر المعروف بالأشرفية أنشأ الملك الأشرف خليل بن قلاون في سنة اثنتين وتسعين وستمائة، ولما فرغ صنع به مهما عظيما لم يعمل مثله في الدولة التركية، وختن أخاه الملك الناصر محمد بن قلاون، وابن أخيه الأمير موسى بن الصالح عليّ بن قلاون، وجمع سائر أرباب الملاهي، وجميع الأمراء، ووقف الخزاندارية بأكياس الذهب، فلما قام الأمراء من الخاصكية للرقص، نثر الخزاندارية على كلّ من قام للرقص حتى فرغ الختان، فأنعم على كلّ أمير من الأمراء بفرس كامل القماش، وألبس خلعة عظيمة، وأنعم على عدّة منهم كلّ واحد بألف دينار وفرس، وأنعم على ثلاثين من الأمراء الخاصكية لكل واحد مبلغ خمسة آلاف دينار، وأنعم على البليبل المغني بألف دينار، وكان الذي عمل في هذا المهم من الغنم ثلاثة آلاف رأس، ومن البقر ستمائة رأس، ومن الخيل خمسمائة أكديس، ومن السكر برسم المشروب ألف قنطار وثمانمائة قنطار، وبرسم الحلوى مائة وستون قنطارا، وبلغت النفقة على هذا المهمّ في عمل السماط والمشروب والأقبية والطراز والسروج وثياب النساء مبلغ ثلاثمائة ألف دينار عينا.
البيسرية: ومن جملة دور القلعة قاعة البيسرية، أنشأها السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون، وكان ابتداء بنائها في أوّل يوم من شعبان سنة إحدى وستين وسبعمائة، ونهاية عمارتها في ثامن عشري ذي الحجة من السنة المذكورة، فجاءت من الحسن في غاية لم ير مثلها، وعمل لهذه القاعة من الفرش والبسط ما لا تدخل قيمته تحت حصر، فمن ذلك تسعة وأربعون ثريا برسم وقود القناديل، جملة ما دخل فيها من الفضة البيضاء الخالصة المضروبة مائتا ألف وعشرون ألف درهم، وكلها مطلية بالطهب، وجاء ارتفاع بناء هذه القاعة طولا في السماء ثمانية وثمانين ذراعا، وعمل السلطان بها برجا يبيت فيه، من العاج والأبنوس، مطعّم يجلس بين يديه، وأكناف وباب يدخل منه إلى أرض كذلك، وفيه مقرنص قطعة واحدة يكاد يذهل الناظر إليه، بشبابيك ذهب خالص، وطرازات ذهب مصوغ، وشرافات ذهب مصوغ، وقبة مصوغة من ذهب صرف، فيه ثمانية وثلاثون ألف مثقال من الذهب، وصرف في مؤنه وأجره تتمة ألف درهم فضة، عنها خمسون ألف دينار، ذهبا، وبصدر إيوان هذه القاعة شباك حديد يقارب باب زويلة يطل على جنينة بديعة الشكل.
الدهيشة: عمّرها السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاون، في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وذلك أنه بلغه عن الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماه أنه عمر بحماه دهيشة لم يبن مثلها، فقصد مضاهاته، وبعث الأمير أقجبا وابجيج المهندس لكشف دهيشة حماه، وكتب لنائب حلب ونائب دمشق بحمل ألفي حجر بيض، وألفي حجر حمر من حلب ودمشق، وحشرت الجمال لحملها حتى وصلت إلى قلعة
الجبل، وصرف في حمولة كلّ حجر من حلب اثنا عشر درهما، ومن دمشق ثمانية دراهم، واستدعى الرخام من سائر الأمراء وجميع الكتاب، ورسم بإحضار الصناع للعمل، ووقع الشروع فيها حتى تمت في شهر رمضان منها، وقد بلغ مصروفها خمسمائة ألف درهم، سوى ما قدم من دمشق وحلب وغير هما، وعمل لها من الفرش والبسط والآلات ما يجلّ وصفه، وحضر بها سائر الأغاني، وكان مهما عظيما.
السبع قاعات: هذه القاعات تشرف على الميدان وباب القرافة، عمّرها الملك الناصر محمد بن قلاون، وأسكنها سراريه، ومات عن ألف ومائتي وصيفة مولدة، سوى من عداهنّ من بقية الأجناس.
الجامع بالقلعة: هذا الجامع أنشأه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وكان قبل ذلك هناك جامع دون هذا، فهدمه السلطان وهدم المطبخ والحوائجخاناه والفراشخاناه، وعمله جامعا، ثم أخربه في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وبناه هذا البناء، فلما تم بناؤه جلس فيه واستدعى جميع مؤذني القاهرة ومصر، وجميع القرّاء والخطباء، وعرضوا بين يديه، وسمع تأذينهم وخطابتهم وقراءتهم، فاختار منهم عشرين مؤذنا رتبهم فيه، وقرّر فيه درس فقه، وقارئا يقرأ في المصحف، وجعل عليه أوقافا تكفيه وتفيض، وصار من بعده من الملوك يخرجون أيام الجمع إلى هذا الجامع ويحضر خاصة الأمراء معه من القصر، ويجيء باقيهم من باب الجامع، فيصلي السلطان عن يمين المحراب في مقصورة خاصة به، ويجلس عنده أكابر خاصته، ويصلي معه الأمراء خصتهم وعامّتهم خارج المقصورة عن يمنتها ويسرتها على مراتبهم، فإذا انقضت الصلاة دخل إلى قصوره ودور حرمه، وتفرّق كلّ أحد إلى مكانه.
وهذا الجامع متسع الأرجاء مرتفع البناء، مفروش الأرض بالرخام، مبطن السقوف بالذهب، وبصدره قبة عالية يليها مقصورة مستورة، هي والرواقات بشبابيك الحديد المحكمة الصنعة، ويحف صحنه رواقات من جهاته.
الدار الجديدة: هذه الدار عند باب سرّ القلعة المطل على سوق الخيل، عمّرها الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ في سنة أربع وستين وستمائة، وعمل بها في جمادى الأولى منها دعوة للأمراء عند فراغها.
خزانة الكتب: وقع بها الحريق يوم الجمعة رابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة، فتلف بها من الكتب في الفقه والحديث والتاريخ وعامة العلوم شيء كثير جدا، كان من ذخائر الملوك، فانتهبها الغلمان وبيعت أوراقا محرّقة، ظفر الناس منها بنفائس غريبة ما بين ملاحم وغيرها، وأخذوها بأبخس الأثمان.
القاعة الصالحية: عمّرها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكانت سكن الملوك إلى أن أحترقت في سادس ذي الحجة سنة أربع وثمانين وستمائة، واحترق معها الخزانة السلطانية.
باب النحاس: هذا الباب من داخل الستارة، وهو أجل أبواب الدور السلطانية، عمّره الناصر محمد بن قلاون، وزاد في سعة دهليزه.
باب القلة: عرف بذلك من أجل أنه كان هناك قلة بناها الملك الظاهر بيبرس، وهدمها الملك المنصور قلاون في يوم الأحد عاشر شهر رجب سنة خمس وثمانين وستمائة، وبنى مكانها قبة، فرغت عمارتها في شوّال منها، ثم هدمها الملك الناصر محمد بن قلاون وجدّد باب القلة على ما هو عليه الآن، وعمل له بابا ثانيا.
الرفرف: عمّره الملك الأشرف خليل بن قلاون، وجعله عاليا يشرف على الجيزة كلها، وبيّضه وصوّر فيه أمراء الدولة وخواصها، وعقد عليه قبة على عمد، وزخرفها، وكان مجلسا يجلس فيه السلطان، واستمرّ جلوس الملوك به حتى هدمه الملك الناصر حمد بن قلاون في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وعمل بجواره برجا بجوار الإصطبل، نقل إليه المماليك.
الجب: كان بالقلعة جب يحبس فيه الأمراء، وكان مهولا مظلما كثير الوطاويط كريه الرائحة، يقاسي المسجون فيه ما هو كالموت أو أشدّ منه، عمره الملك المنصور قلاون في سنة إحدى وثمانين وستمائة، فلم يزل إلى أن قام الأمير بكتمر الساقي في أمره مع الملك الناصر محمد بن قلاون، حتى أخرج من كان فيه من المحابيس ونقلهم إلى الأبراج وردمه، وعمّر فوق الردم طباقا، في سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
الطبلخاناه تحت القلعة: ذكر هشام بن الكلبيّ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الشام، تلقاه المقلسون من أهل الأديان بالسيوف والريحان، فكره عمر رضي الله عنه النظر إليهم وقال: ردّوهم. فقال له أبو عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه، إنها سنة الأعاجم، فإن منعتهم ظنوا أنه نقض لعهدهم. فقال عمر رضي الله عنه: دعوهم والتقليس: الضرب بالطبل أو الدف.
وهذه الطبلخاناه الموجودة الآن تحت القلعة فيما بين باب السلسلة وباب المدرج، كانت دار العدل القديمة التي عمرها الملك الظاهر بيبرس، وتقدّم خبرها. فلما كانت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، هدمها الناصر محمد بن قلاون وبناها هذه الطبلخاناه الموجودة الآن تحت قلعة الجبل، فيما بين باب السلسلة وباب المدرج، وصار ينزل إلى عمارتها كلّ قليل، وتولى شدّ العمارة بها آق سنقر شادّ العمائر، ووجد في أساسها أربعة قبور كبار،
المقدار عليها قطع رخام منقوش عليها أسماء المقبورين وتاريخ وفاتهم، فنبشوا ونقلوا قريبا من القلعة، فكانوا خلقا كبيرا عظيما في الطول والعرش، على بعضهم ملاءة ديبقية ملوّنة، ساعة مستها الأيدي تمزقت وتطايرت هباء، وفيهم اثنان عليهما آلة الحرب وعدّة الجهاد، وبهما آثار الدماء والجراحات، وفي وجه أحد هما ضربة سيف بين عينيه، والجرح مسدود بقطنة، فلما أمسكت القطنة ورفعت عن الجرح فوق الحاجب، نبع من تحتها دم يظنّ أنه جرح طريّ، فكان في ذلك موعظة وذكرى، وكانت الطبلخاناه ساحة بغير سقف، فلما ولي الأمير سودون داز أمير أخور، وسكن الإصطبل السلطانيّ، عمّر هذه الطباق فوق الطباق، وكان الغرض من عمارتها صحيحا، فإن المدرسة الأشرفية كانت حينئذ قائمة تجاه الطبلخاناه، ولما كان زمان الفتن بين أمراء الدولة، تحصن فوقها طائفة ليرموا على الإصطبل والقلعة، فأراد بناء هذه الطباق فوق الطباق أن يجعل بها رماة، حتى لا يقدر أحد يقيم فوق المدرسة الأشرفية، وقد بطل ذلك، فإن الملك الناصر فرج بن برقوق هدم المدرسة الأشرفية، كما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر المدارس.
الطباق بساحة الإيوان: عمّرها الملك الناصر محمد بن قلاون، وأسكنها المماليك السلطانية، وعمر حارة تختص بهم، وكانت الملوك تعني بها غاية العناية، حتى أن الملك المنصور قلاون كان يخرج في غالب أوقاته إلى الرحبة عند استحقاق حضور الطعام للمماليك، ويأمر بعرضه عليه ويتفقد لحمهم ويختبر طعامهم في جودته ورداءته، فمتى رأى فيه عيبا اشتدّ على المشرف والاستادار ونهر هما وحلّ بهما منه أيّ مكروه، وكان يقول: كلّ الملوك عملوا شيئا يذكرون به ما بين مال وعقار، وأنا عمّرت أسوارا وعملت حصونا مانعة لي ولأولادي وللمسلمين، وهم المماليك، وكانت المماليك أبدا تقيم بهذه الطبقات لا تبرح فيها، فلما تسلطن الملك الأشرف خليل بن قلاون سمح للمماليك أن ينزلوا من القلعة في النهار ولا يبتوا إلا بها، فكان لا يقدر أحد منهم أن يبيت بغيرها، ثم أنّ الملك الناصر محمد بن قلاون سمح لهم بالنزول إلى الحمام يوما في الأسبوع، فكانوا ينزلون بالنوبة مع الخدّام، ثم يعودون آخر نهارهم، ولم يزل هذا حالهم إلى أن انقرضت أيام بني قلاون، وكانت للمماليك بهذه الطباق عادات جميلة، أوّلها أنه إذا قدم بالمملوك تاجره عرضه على السلطان ونزله في طبقات جنسه وسلمه لطواشيّ برسم الكتابة، فأوّل ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم، وكانت كلّ طائفة لها فقيه يحضر إليها كلّ يوم ويأخذ في تعليمها كتاب الله تعالى ومعرفة الخط والتمرّن بآداب الشريعة، وملازمة الصلوات والأذكار، وكان الرسم إذ ذاك أن لا تجلب التجار إلا المماليك الصغار، فإذا شبّ الواحد من المماليك علّمه الفقيه شيئا من الفقه، وأقرأه فيه مقدّمة، فإذا صار إلى سنّ البلوغ أخذ في تعليمه أنواع الحرب من رمى السهام ولعب الرمح ونحو ذلك، فيتسلم كلّ طائفة معلم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه، وإذا ركبوا إلى لعب الرمح أو رمي النشاب لا يجسر جندي ولا
أمير أن يحدّثهم أو يدنو منهم، فينقل إذن إلى الخدمة ويتنقل في أطوارها رتبة بعد رتبة إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرتبة إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتدّ ساعده في رماية النشاب، وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل، ومنهم من يصير في رتبة فقيه عارف، أو أديب شاعر، أو حاسب ماهر، هذا ولهم أزمّة من الخدّام، وأكابر من رؤوس النوب يفحصون عن حال الواحد منهم الفحص الشافي، ويؤاخذونه أشدّ المؤاخذة، ويناقشونه على حركاته وسكناته، فإن عثر أحد من مؤدّبيه الذي يعلّمه القرآن، أو الطواشيّ الذي هو مسلّم إليه، أو رأس النوبة الذي هو حاكم عليه، على أنه اقترف ذنبا، أو أخلّ برسم، أو ترك أدبا من آداب الدين أو الدنيا، قابله على ذلك بعقوبة مؤلمة شديدة بقدر جرمه، وبلغ من تأديبهم أن مقدّم المماليك كان إذا أتاه بعض مقدّمي الطباق في السحر، يشاور على مملوك أنه يغتسل من جنابة، فيبعث من يكشف عن سبب جنابته، إن كان من احتلام فينظر في سراويله، هل فيه جنابة أم لا، فإن لم يجد به جنابة جاءه الموت من كلّ مكان، فلذلك كانوا سادة يدبرون الممالك، وقادة يجاهدون في سبيل الله، وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل، ويردعون من جارة أو تعدّى، وكانت لهم الإدرارات الكثيرة من اللحوم والأطعمة والحلاوات والفواكه والكسوات الفاخرة والمعاليم من الذهب والفضة، بحيث تتسع أحوال غلمانهم، ويفيض عطاؤهم على من قصدهم.
ثم لما كانت أيام الظاهر برقوق، راعى الحال في ذلك بعض الشيء إلى أن زالت دولته في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فلما عاد إلى المملكة رخص للمماليك في سكنى القاهرة، وفي التزوّج، فنزلوا من الطباق من القلعة ونكحوا نساء أهل المدينة، واخلدوا إلى البطالة، ونسوا تلك العوائد، ثم تلاشت الأحوال في أيام الناصر فرج بن برقوق، وانقطعت الرواتب من اللحوم وغيرها حتى عن مماليك الطباق مع قلة عددهم، ورتب لكلّ واحد منهم في اليوم مبلغ عشرة دراهم من الفلوس، فصار غذاؤهم في الغالب الفول المصلوق، عجزا عن شراء اللحم وغيره، وهذا وبقي الجلب من المماليك إنما هم الرجال الذين كانوا في بلادهم ما بين ملاح سفينة ووقاد في تنور خباز، ومحوّل ماء في غيط أشجار ونحو ذلك، واستقرّ رأي الناصر على أن تسليم المماليك للفقيه يتلفهم، بل يتركون وشؤونهم، فبدّلت الأرض غير الأرض، وصارت المماليك السلطانية أرذل الناس وأدناهم وأخسهم قدرا، وأشحهم نفسا، وأجهلهم بأمر الدنيا، وأكثرهم إعراضا عن الدين، ما فيهم إلّا من هو أزنى من قرد، وألص من فأرة، وأفسد من ذئب، لا جرم أن خربت أرض مصر والشام، من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات، بسوء إبالة الحكام، وشدّة عبث الولاة، وسوء تصرّف أولي الأمر، حتى أنه ما من شهر إلّا ويظهر من الخلل العام ما لا يتدارك فرطه، وبلغت عدّة المماليك السلطانية في أيام الملك المنصور قلاون ستة آلاف وسبعمائة، فأراد ابنه الأشرف
خليل تكميل عدّتها عشرة آلاف مملوك، وجعلهم طوائف، فأفرد طائفتي الأرمن والجركس وسماها البرجية لأنه أسكنها في أبراج بالقلعة، فبلغت عدّتهم ثلاثة آلاف وسبعمائة، وأفرد جنس الخطا والقبجاق وأنزلهم بقاعة عرفت بالذهبية والزمرذية، وجعل منهم جمدارية وسقاة، وسماهم خاصكية، وعمل البرجية سلاحدارية وجمقدارية وجاشنكيرية وأوشاقية، ثم شغف الملك الناصر محمد بن قلاون بجلب المماليك من بلاد أزبك وبلاد توريز وبلاد الروم وبغداد، وبعث في طلبهم وبذل الرغائب للتجار في حملم إليه، ودفع فيهم الأموال العظيمة، ثم أفاض على من يشتريه منهم أنواع العطاء من عامّة الأصناف دفعة واحدة في يوم واحد، ولم يراع عادة أبيه ومن كان قبله من الملوك في تنقل المماليك في أطوار الخدم حتى يتدرب ويتمرّن، كما تقدّم، وفي تدريجه من ثلاثة دنانير في الشهر إلى عشرة دنانير، ثم نقله من الجامكية إلى وظيفة من وظائف الخدمة، بل اقتضى رأيه أن يملأ أعينهم بالعطاء الكثير دفعة واحدة، فأتاه من المماليك شيء كثير رغبة فيما لديه، حتى كان الأب يبيع ابنه للتاجر الذي يجلبه إلى مصر، وبلغ ثمن المملوك في أيامه إلى مائة ألف درهم فما دونها، وبلغت نفقات المماليك في كلّ شهر إلى سبعين ألف درهم، ثم تزايدت حتى صارت في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة مائتين وعشرين ألف درهم.
دار النيابة: كان بقلعة الجبل دار نيابة بناها الملك المنصور قلاون في سنة سبع وثمانين وستمائة، سكنها الأمير حسام الدين طرنطاي، ومن بعده من نوّاب السلطنة، وكانت النوّاب تجلس بشباكها حتى هدمها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وأبطل النيابة وأبطل الوزارة أيضا، فصار موضع دار النيابة ساحة، فلما مات الملك الناصر أعاد الأمير قوصون دار النيابة عند استقراره في نيابة السلطنة، فلم تكمل حتى قبض عليه، فولي نيابة السلطنة الأمير طشتمر حمص أخضر وقبض عليه، فتولى بعد نيابة السلطنة الأمير شمس الدين آق سنقر في أيام الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاون، فجلس بها في يوم السبت أوّل صفر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة في شباك دار النيابة، وهو أوّل من جلس بها من النوّاب بعد تجديدها، وتوارثها النوّاب بعده، وكانت العادة أن يركب جيوش مصر يومي الاثنين والخميس في الموكب تحت القلعة، فيسيرون هناك من رأس الصوة إلى باب القرافة، ثم تقف العسكر مع نائب السلطنة وينادى على الخيل بينهم، وربما نودي على كثير من آلات الجند والخيم والجركاوات والأسلحة، وربما نودي على كثير من العقار، ثم يطلعون إلى الخدمة السلطانية بالإيوان بالقلعة على ما تقدّم ذكره، فإذا مثل النائب في حضرة السلطان، وقف في ركن الإيوان إلى أن تنقضي الخدمة، فيخرج إلى دار النيابة والأمراء معه، ويمدّ السماط بين يديه كما يمدّ سماط السلطان، ويجلس جلوسا عاما للناس، ويحضره أرباب الوظائف، وتقف قدّامه الحجاب، وتقرأ القصص، وتقدّم إليه الشكاة، ويفصل أمورهم.
فكان السلطان يكتفي بالنائب ولا يتصدّى لقراءة القصص عليه وسماع الشكوى، تعويلا منه على قيام النائب بهذا الأمر، وإذا قرئت القصص على النائب نظر، فإن كان مرسومه يكفي فيها أصدره عنه، وما لا يكفي فيه إلّا مرسوم السلطان أمر بكتابته عن السلطان وأصدره، فيكتب ذلك وينبه فيه على أنه بإشارة النائب، ويميز عن نوّاب السلطان بالممالك الشامية بأن يعبر عنه بكافل المملكة الشريفة الإسلامية، وما كان من الأمور التي لا بدّ له من إحاطة علم السلطان بها، فإنه إما أن يعلمه بذلك منه إليه وقت الاجتماع به، أو يرسل إلى السلطان من يعلمه به، ويأخذ رأيه فيه وكان ديوان الإقطاع، وهو الجيش في زمان النيابة ليس لهم خدمة إلا عند النائب، ولا اجتماع إلّا به، ولا يجتمع ناظر الجيش بالسلطان في أمر من الأمور، فلما أبطل الملك الناصر محمد بن قلاون النيابة، صار ناظر الجيش يجتمع بالسلطان، واستمرّ ذلك بعد إعادة النيابة، وكان الوزير وكاتب السرّ يراجعان النائب في بعض الأمور دون بعض، ثم اضمحلت نيابة السلطنة في أيام الناصر محمد بن قلاون، وتلاشت أوضاعها، فلما مات أعيدت بعده ولم تزل إلى أثناء أيام الظاهر برقوق، وآخر من وليها على أكثر قوانينها الأمير سودون الشيخيّ، وبعده لم يل النيابة أحد في الأيام الظاهرية، ثم إن الناصر فرج بن برقوق أقام الأمير تمراز في نيابة السلطنة، فلم يسكن دار النيابة في القلعة، ولا خرج عما يعرفه من حال حاجب الحجاب، ولم يل النيابة بعد تمراز أحد إلى يومنا هذا، وكانت حقيقة النائب أنه السلطان الثاني، وكانت سائر نوّاب الممالك الشامية وغيرها تكاتبه في غالب ما تكاتب فيه السلطان، ويراجعونه فيه، كما يراجع السلطان، وكان يستخدم الجند ويخرج الإقطاعات من غير مشاورة، ويعين الأمر لكن بمشاورة السلطان، وكان النائب هو المتصرّف المطلق التصرّف في كلّ أمر، فيراجع في الجيش والمال والخبر، وهو البريد، وكلّ ذي وظيفة لا يتصرّف إلّا بأمره، ولا يفصل أمرا معضلا إلّا مراجعته، وهو الذي يستخدم الجند ويرتب في الوظائف إلّا ما كان منها جليلا كالوزارة والقضاء وكتابة السرّ والجيش، فإنه يعرض على السلطان من يصلح، وكان قل أن لا يجاب في شيء يعينه، وكان من عدا نائب السلطنة بديار مصر يليه في رتبة النيابة، وكلّ نوّاب الممالك تخاطب بملك الأمراء إلّا نائب السلطنة بمصر فإنه يسمى كافل الممالك، تمييزا له وإبانة عن عظيم محله، وبالحقيقة ما كان يستحق اسم نيابة السلطنة بعد النائب بمصر سوى نائب الشام بدمشق فقط، وإنما كانت النيابة تطلق أيضا على أكابر نوّاب الشام، وليس لأحد منهم من التصرّف ما كان لنائب دمشق، إلّا أن نيابة السلطنة بحلب تلي رتبة نيابة السلطنة بدمشق، وقد اختلت الآن الرسوم، واتضعت الرتب، وتلاشت الأحوال، وعادت أسماء لا معنى لها، وخيالات حاصلها عدم. والله يفعل ما يشاء.