المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر الأمراء البرقية ووزارة ضرغام - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - جـ ٣

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌ذكر حارات القاهرة وظواهرها

- ‌ذكر واقعة العبيد

- ‌ذكر أبي عبد الله الشيعي

- ‌ذكر الأمراء البرقيّة ووزارة ضرغام

- ‌ذكر وزارة أبي الفتح ناصر الجيوش يأنس الأرمني

- ‌ذكر الأمير حسن بن الخليفة الحافظ

- ‌ذكر قدوم الأويراتية

- ‌ذكر اخطاط القاهرة وظواهرها

- ‌ذكر كافور الإخشيدي

- ‌ذكر مقتل الخليفة الظافر

- ‌ذكر الدروب والأزقة

- ‌ذكر الخوخ

- ‌ذكر الرحاب

- ‌ذكر الدور

- ‌ذكر الحمامات

- ‌ذكر القياسر

- ‌ذكر الخانات والفنادق

- ‌ذكر الأسواق

- ‌الشارع خارج باب زويلة

- ‌ذكر العوائد التي كانت بقصبة القاهرة

- ‌ذكر ظواهر القاهرة المعزية

- ‌ذكر ميدان القبق

- ‌ذكر برّ الخليج الغربي

- ‌ذكر الأحكار التي في غربيّ الخليج

- ‌ذكر المقس وفيه الكلام على المكس وكيف كان أصله في أوّل الإسلام

- ‌ذكر ميدان القمح

- ‌ذكر أرض الطبالة

- ‌ذكر حشيشة الفقراء

- ‌ذكر أرض البعل والتاج

- ‌ذكر ضواحي القاهرة

- ‌ذكر منية الأمراء

- ‌ذكر كوم الريش

- ‌ذكر بولاق

- ‌ذكر ما بين بولاق ومنشأة المهراني

- ‌ذكر خارج باب زويلة

- ‌ذكر خارج باب الفتوح

- ‌ذكر الخندق

- ‌ذكر خارج باب النصر

- ‌الريدانية

- ‌ذكر الخلجان التي بظاهر القاهرة

- ‌ذكر خليج مصر

- ‌ذكر خليج فم الخور وخليج الذكر

- ‌ذكر الخليج الناصريّ

- ‌ ذكر القناطر

- ‌ذكر خليج قنطرة الفخر

- ‌ذكر قناطر الخليج الكبير

- ‌ذكر البرك

- ‌ذكر الماردانيّ

- ‌ذكر بساتين الوزير

- ‌ذكر المعشوق

- ‌ذكر الجسور

- ‌وقد وجد بخط المصنف رحمه الله في أصله هنا ما صورته

- ‌ذكر الجزائر

- ‌ذكر الروضة

- ‌ذكر قلعة الروضة

- ‌ذكر السجون

- ‌ذكر المواضع المعروفة بالصناعة

- ‌ذكر الميادين

- ‌ذكر قلعة الجبل

- ‌ذكر بناء قلعة الجبل

- ‌ذكر صفة القلعة

- ‌ذكر النظر في المظالم

- ‌ذكر خدمة الإيوان المعروف بدار العدل

- ‌ذكر العلامة السلطانية

- ‌ذكر جيوش الدولة التركية وزيّها وعوايدها

- ‌ذكر الحجبة

- ‌ذكر أحكام السياسة

- ‌ذكر المياه التي بقلعة الجبل

- ‌ذكر ملوك مصر منذ بنيت قلعة الجبل

- ‌ذكر من ملك مصر من الأكراد

- ‌ذكر دولة المماليك البحرية

- ‌ذكر دولة المماليك الجراكسة

الفصل: ‌ذكر الأمراء البرقية ووزارة ضرغام

لها الطائفة البرقية، ذكرها المسبّحي «1» . قال ابن عبد الظاهر: ولما نزل بالقاهرة- يعني المعزّ لدين الله- اختطّت كلّ طائفة خطة عرفت بها، قال: واختطت جماعة من أهل برقة الحارة المعروفة بالبرقية، انتهى. وإلى هذه الحارة تنسب الأمراء البرقية.

‌ذكر الأمراء البرقيّة ووزارة ضرغام

وذلك أنّ الصالح طلائع بن رزيك كان قد أنشأ في وزارته أمراء يقال لهم البرقيّة، وجعل ضرغاما مقدّمهم، فترقّى حتّى صار صاحب الباب، وطمع في شاور السعدي لما ولي الوزارة بعد رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك، فجمع رفقته وتخوّف شاور منه، وصار العسكر فرقتين: فرقة مع ضرغام وفرقة مع شاور. فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارة شاور ثار ضرغام في رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وصاح على شاور فأخرجه من القاهرة، وقتل ولده الأكبر المسمّى بطيّئ، وبقي شجاع المنعوت بالكامل، وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل الوزير رضوان بن ولخشي فإنه كان رفيقا له في تلك الكرّة، واستقرّ ضرغام في وزارة «2» الخليفة العاضد لدين الله بعد شاور، وتلقّب بالملك المنصور، فشكر الناس سيرته، فإنه كان فارس عصره، وكان كاتبا جميل الصورة فكه المحاضرة عاقلا كريما لا يضع كرمه إلا في سمعة ترفعه أو مداراة تنفعه إلا أنه كان أذنا مستحيلا على أصحابه، وإذا ظنّ في أحد شرّا جعل الشكّ يقينا، وعجّل له العقوبة. وغلب عليه مع ذلك في وزارته أخواه ناصر الدين همام وفخر الدين حسام، وأخذ يتنكّر لرفقته البرقيّة الذين قاموا بنصرته وأعانوه على إخراج شاور وتقليده للوزارة من أجل أنه بلغه عنهم أنّهم يحسدونه ويضعون منه، وأنّ منهم من كاتب شاور وحثّه على القدوم إلى القاهرة ووعده بالمعاونة له، فأظلم الجوّ بينه وبينهم، وتجرّد للإيقاع بهم على عادته في أسرع العقوبة، وأحضرهم إليه في دار الوزارة ليلا وقتلهم بالسيف صبرا وهم: صبح بن شاهنشاه، والطهر مرتفع المعروف بالجلواص، وعين الزمان، وعلي بن الزبد، وأسد الفازي وأقاربهم وهم نحو من سبعين أميرا سوى اتباعهم، فذهبت لذلك رجال الدولة واختلّت أحوالها وضعفت بذهاب أكابرها وفقد أصحاب الرأي والتدبير، وقصد الفرنج ديار مصر فخرج إليهم همام أخو ضرغام، وانهزم منهم، وقتل منهم عدّة، ونزلوا على حصن بلبيس «3» ، وملكوا بعض السور، ثمّ ساروا وعاد همام عودا رديئا، فبعث به ضرغام إلى الإسكندرية وبها الأمير مرتفع الجلواص، فأخذه العرب وقاده همام إلى أخيه، فضرب عنقه وصلبه على باب زويلة، فما هو إلا أن قدم رسل الفرنج على ضرغام في طلب مال الهدنة المقرّر في كلّ سنة- وهو ثلاثة

ص: 24

وثلاثون ألف دينار- وإذا بالخبر قد ورد بقدوم شاور من الشام ومعه أسد الدين شير كوه في كثير من الغزّ، فأزعجه ذلك، وأصبح الناس يوم التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة خائفين على أنفسهم وأموالهم، فجمعوا الأقوات والماء وتحوّلوا من مساكنهم، وخرج همام بالعسكر أوّل يوم من جمادى الآخرة، فسار إلى بلبيس وكانت له وقعة مع شاور انهزم فيها، وصار إلى شاور وأصحابه جميع ما كان مع عسكر همام، وأسروا عدّة، ونزل شاور بمن معه إلى التاج ظاهر القاهرة في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة، فجمع ضرغام الناس، وضمّ إليه الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية بداخل القاهرة، وشاور مقيم بالتاج مدّة أيام- وطوالعه من العربان- فطارد عسكر ضرغام بأرض الطبّالة خارج القاهرة، ثمّ سار شاور ونزل بالمقس، فخرج إليه عسكر ضرغام، وحاربوه فانهزم هزيمة قبيحة، وسار إلى بركة الحبش، ونزل بالشرف الذي يعرف اليوم بالرصد، وملك مدينة مصر، وأقام بها أياما، فأخذ ضرغام مال الأيتام الذي كان بمودع الحكم، فكرهه الناس واستعجزوه، ومالوا مع شاور، فتنكّر منهم ضرغام وتحدّث بإيقاع العقوبة بهم فزاد بغضهم له، ونزل شاور في أرض اللوق خارج باب زويلة، وطارد رجال ضرغام وقد خلت المنصورة والهلالية، وثبت أهل اليانسية بها، وزحف إلى باب سعادة وباب القنطرة، وطرح النار في اللؤلؤة وما حولها من الدور، وعظمت الحروب بينه وبين أصحاب ضرغام، وفني كثير من الطائفة الريحانية، فبعثوا إلى شاور ووعدوه بأنّهم عون له، فانحلّ أمر ضرغام، فأرسل العاضد إلى الرماة يأمرهم بالكفّ عن الرمي، فخرج الرجال إلى شاور وصاروا من جملته وفترت همة أهل القاهرة، وأخذ كلّ منهم يعمل الحيلة في الخروج إلى شاور، فأمر ضرغام بضرب الأبواق لتجتمع الناس فضربت الأبواق والطبول ما شاء الله من فوق الأسوار فلم يخرج إليه أحد، وانفكّ عنه الناس، فسار إلى باب الذهب «1» من أبواب القصر ومعه خمسمائة فارس، فوقف وطلب من الخليفة أن يشرف عليه من الطاق، وتضرّع إليه وأقسم عليه بآبائه فلم يجبه أحد، واستمرّ واقفا إلى العصر والناس تنحلّ عنه حتّى بقي في نحو ثلاثين فارسا، فوردت عليه رقعة فيها خذ نفسك وانج بها، وإذا بالأبواق والطبول قد دخلت من باب القنطرة «2» ومعها عساكر شاور، فمرّ ضرغام إلى باب زويلة، فصاح الناس عليه ولعنوه، وتخطّفوا من معه، وأدركه القوم فأردوه عن فرسه قريبا من الجسر الأعظم فيما بين القاهرة ومصر «3» ، واحتزوا رأسه في سلخ جمادى الآخرة، وفرّ منهم أخوه إلى جهة المطريّة

ص: 25

فأدركه الطلب «1» ، وقتل عند مسجد تبر خارج القاهرة، وقتل أخوه الآخر عند بركة الفيل، فصار حينئذ ضرغام ملقى يومين، ثمّ حمل إلى القرافة ودفن بها، وكانت وزارته تسعة أشهر، وكان من أجلّ أعيان الأمراء وأشجع فرسانهم وأجودهم لعبا بالكرة وأشدّهم رميا بالسهام، ويكتب مع ذلك كتابة ابن مقلة وينظم الموشّحات الجيدة، ولمّا جيء برأسه إلى شاور رفع إلى قفاه وطيف به، فقال الفقيه عمارة:

أرى جنك «2» الوزارة صار سيفا

يحزّ بحدّه جيد الرقاب

كأنّك رائد البلوى وإلا

بشير بالمنيّة والمصاب

فكان كما قال عمارة فإن البلايا والمنايا من حينئذ تتابعت على دولة الخلفاء الفاطميين حتّى لم يبق منهم عين تطرف ولله عاقبة الأمور.

حارة العطوفية: هذه الحارة تنسب إلى طائفة من طوائف العسكر يقال لها العطوفية، وقال ابن عبد الظاهر: العطوفية منسوبة لعطوف أحد خدّام القصر وهو عطوف غلام الطويلة، وكان قد خدم ستّ الملك أخت الحاكم، قال: وسكنت- يعني الطائفة الجيوشية- بحارة العطوفية بالقاهرة، ولله درّ الأديب إبراهيم المعمار إذ يقول مواليا يشتمل على ذكر حارات بالقاهرة وفيها تورية:

في الجودرية رأيت صورة هلالية

للباطليّة تميل لا للعطوفيّة

لها من اللؤلؤة ثغرين منشيّه

إن حرّكوا وجهها بنت الحسينيّة

وكانت العطوفية من أجلّ مساكن القاهرة، وفيها من الدور العظيمة والحمامات والأسواق والمساجد ما لا يدخل تحت حصر، وقد خربت كلّها وبيعت أنقاضها وبيوتها ومنازلها، وأضحت أوحش من وتدعير في قاع. وعطوف هذا كان خادما أسود قتله الحاكم بجماعة من الأتراك وقفوا له في دهليز القصر واحتزّوا رأسه في يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من صفر سنة إحدى وأربعمائة قاله المسبّحي.

حارة الجوّانية «3» : كان يقال لهذه الحارة أوّلا حارة الروم «4» الجوّانية، ثمّ ثقل على الألسنة ذلك فقال الناس الجوانية، وكان أيضا يقال لها حارة الروم العليا المعروفة بالجوّانية. وقال المسبّحي: وقد ذكر ما كتبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الأمانات في

ص: 26

سنة خمس وتسعين وثلثمائة فذكر أنه كتب أمانا للعرافة الجوّانية، فدلّ أنّه كان من جملة الطوائف «1» قوم يعرفون بالجوّانية، قال ابن عبد الظاهر: قال لي مؤلّفه القاضي زين الدين وفقه الله: إن الجوّانية منسوبة للأشراف الجوّانيين منهم الشريف النسابة الجوّاني. قال مؤلّفه رحمه الله: فعلى هذا يكون بفتح الجيم، فإن الجوّاني بفتح الجيم وتشديد الواو وفتحها وبعد الواو ألف ساكنة ثمّ نون نسبة إلى جوّان- على وزن حرّان- وهي قرية من عمل مدينة طيبة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وعلى القول الأوّل تكون الجوّانية بفتح الجيم أيضا مع فتح الواو وتشديدها، فإن أهل مصر يقولون: لما خرج عن المدينة أو الدار برّا، ولمّا دخل جوّا بضم الجيم- وهو خطأ- ولهذا كان الورّاقون يكتبون حارة الروم البرّانية لأنها من خارج القصر، ويكتبون حارة الروم الجوّانية لأنّها من داخل القاهرة، ولا يصار إليها إلا بعد المرور على القصر. وكان موضعها إذ ذاك من وراء القصر خلف دار الوزارة والحجر «2» ، فكأنها في داخل البلد، ولذلك أصل. قال ابن سيده في مادة (ج و) من كتاب المحكم: وجوّا البيت داخله، لفظة شاميّة، فتعيّن فتح الجيم من الجوّانية ولا عبرة بما تقوله العامّة من ضمّها.

وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّاني ابن الحسن بن محمد الجواني ابن عبيد الله الجواني بن حسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقيل لمحمد بن عبد الله الجوّانيّ بسبب ضيعة من ضياع المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام يقال لها الجوّانية، وكانت تسمّى البصرة الصغرى لخيراتها وغلالها، لا يطلب شيء إلا وجد بها، وهي قريبة من صرار «3» ضيعة الإمام أبي جعفر محمد بن علي الرضى. وكانت الجوّانية ضيعة لعبيد الله، فتوفي عنها فورثها بعده ولده وأزواجه، فاشترى محمد الجوّانيّ ولده بما حصل له بالميراث الباقي من الورثة، فحصلت له كاملة، فعرف بها فقيل: الجوّاني. قال: ولم تزل أجداد مؤلّفه ببغداد إلى حين قدوم ولده أسعد النحويّ مع أبيه من بغداد إلى مصر، ومولده بالموصل في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.

حارة البستان: ويقال لها حارة بستان المصموديّ وحارة الأكراد أيضا، وهي الآن من جملة الوزيرية التي تقدّم ذكرها.

حارة المرتاحية: هذه الحارة عرفت بالطائفة المرتاحية إحدى طوائف العسكر. قال ابن عبد الظاهر: خطّ باب القنطرة يعرف في كتب الأملاك القديمة بالمرتاحية.

حارة الفرحية: بالحاء المهملة كانت سكن الطائفة الفرحية، وهي بجوار حارة

ص: 27

المرتاحية، فإلى يومنا هذا فيما بين سويقة أمير الجيوش وباب القنطرة زقاق يعرف بدرب الفرحية، والفرحية كانت طائفة من جملة عبيد الشراء، وكانت عبيد الشراء عدّة طوائف وهم: الفرحية والحسينية والميمونية ينسبون إلى ميمون وهو أحد الخدّام.

حارة فرج بالجيم: كانت تعرف قديما بدرب النميري، ثمّ عرفت بالأمير جمال الدين فرج من أمراء بني أيوب. وهي الآن داخلة في درب الطفل من خط قصر الشوك.

حارة قائد القوّاد: هذه الحارة تعرف الآن بدرب ملوخيا «1» ، وكانت أوّلا تعرف بحارة قائد القوّاد، لأن حسين بن جوهر الملقّب قائد القوّاد كان يسكن بها فعرفت به. وهو حسين بن القائد جوهر أبو عبد الله الملقّب بقائد القوّاد. لما مات أبوه جوهر القائد خلع العزيز بالله عليه وجعله في رتبة أبيه ولقّبه بالقائد بن القائد، ولم يتعرّض لشيء مما تركه جوهر، فلمّا مات العزيز وقام من بعده ابنه الحاكم استدناه ثم إنه قلّده البريد والإنشاء في شوّال سنة ستّ وثمانين وثلثمائة، وخلع عليه وحمله على فرس بموكب، وقاد بين يديه عدّة أفراس، وحمل معه ثيابا كثيرة. فاستخلف أبا منصور بشر بن عبيد الله بن سورين الكاتب النصرانيّ على كتابة الإنشاء، واستخلف على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم أمير الدولة الموصلي. ولما تقلّد برجوان النظر في تدبير الأمور وجلس للوساطة بعد ابن عمّار. كان الكافة يلقونه في داره ويركبون جميعا بين يديه من داره إلى القصر ما خلا القائد الحسين ومحمد بن النعمان القاضي، فإنهما كانا يسلّمان عليه بالقصر فقط. فلما قتل الحاكم الأستاذ «2» برجوان كما تقدّم خلع على القائد حسين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسعين وثلثمائة ثوبا أحمر وعمامة زرقاء مذهّبة، وقلّده سيفا محلّى بذهب، وحمله على فرس بسرج ولجام من ذهب، وقاد بين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، وحمل معه خمسين ثوبا صحاحا من كلّ نوع، وردّ إليه التوقيعات والنظر في أمور الناس وتدبير المملكة كما كان برجوان، ولم يطلق عليه اسم وزير، فكان يبكّر إلى القصر ومعه خليفته الرئيس أبو العلاء فهد بن إبراهيم النصراني- كاتب برجوان- فينظران في الأمور ثمّ يدخلان وينهيان الحال إلى الخليفة، فيكون القائد جالسا وفهد من خلفه قائما. ومنع القائد الناس أن يلقوه في الطريق أو يركبوا إليه في داره وأنّ من كان له حاجة فليبلغه إياها بالقصر، ومنع الناس من مخاطبته في الرقاع بسيدنا، وأمر أن لا يخاطب ولا يكاتب إلا بالقائد فقط، وتشدّد في ذلك لخوفه من غيرة الحاكم، حتّى أنّه رأى جماعة من القوّاد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه، فأمسك عنان فرسه ووقف وقال لهم: كلّنا عبيد مولانا صلوات الله عليه

ص: 28

ومماليكه، ولست والله أبرح من موضعي أو تنصرفوا عنّي ولا يلقاني أحد إلا في القصر، فانصرفوا وأقام بعد ذلك خدما من الصقالبة «1» الطرّادين على الطريق بالنوبة لمنع الناس المجيء إلى داره ومن لقائه إلا في القصر، وأمر أبا الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر «2» أن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم وأن لا يمنع أحدا عنه.

فلمّا كان في سابع عشر جمادى الآخرة قرىء سجل على سائر المنابر بتلقيب القائد حسين بقائد القوّاد وخلع عليه، وما زال إلى يوم الجمعة سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، فاجتمع سائر أهل الدولة في القصر بعد ما طلبوا، وخرج الأمر إليهم أن لا يقام لأحد، وخرج خادم من عند الخليفة فأسرّ إلى صاحب الستر كلاما، فصاح: صالح بن عليّ، فقام صالح بن عليّ الرودباذي متقلّد ديوان الشام، فأخذ صاحب الستر بيده وهو لا يعلم هو ولا أحد ما يراد به، فأدخل إلى بيت المال وأخرج وعليه درّاعة مصمتة وعمامة مذهّبة ومعه مسعود، فأجلسه بحضرة قائد القوّاد، وأخرج سجلا قرأه ابن عبد السميع الخطيب، فإذا فيه ردّ سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه. فعند ما سمع من السجل ذكره قام وقبّل الأرض. فلما انتهت قراءة السجلّ قام قائد القوّاد وقبّل خدّ صالح وهنأه. وانصرف، فكان يركب إلى القصر ويحضر الأسمطة «3» إلى اليوم الثالث من شوّال أمره الحاكم أن يلزم داره هو وصهره قاضي القضاة عبد العزيز بن النعمان وأن لا يركباهما وسائر أولادهما، فلبسا الصوف، ومنع الناس من الاجتماع بهما، وصاروا يجلسون على حصر. فلمّا كان في تاسع عشر ذي القعدة عفا عنهما الحاكم، وأذن لهما في الركوب، فركبا إلى القصر بزيّهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال الحزن، فلمّا كان في حادي عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة قبض على عبد العزيز بن النعمان، وطلب حسين بن جوهر ففرّ هو وابنه في جماعة، وكثر الصياح بدار عبد العزيز، وغلقت حوانيت القاهرة وأسواقها، فأفرج عنه ونودي أن لا يغلق أحد فردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، وتمثلوا «4» بحضرة الحاكم، فعفا عنهم وأمرهم بالمسير إلى دورهم بعد أن خلع على حسين وعلى صهره عبد العزيز وعلى أولادهما، وكتب لهما أمانان، ثمّ أعيد عبد العزيز في شهر رمضان إلى ما كان يتقلّده من النظر في المظالم، ثم ردّ الحاكم في شهر ربيع الأوّل سنة أربعمائة على حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز ما كان لهم من الإقطاعات وقرىء لهم سجل بذلك.

ص: 29

فلمّا كان ليلة التاسع من ذي القعدة فرّ حسين بأولاده وصهره وجميع أموالهم وسلاحهم، فسيّر الحاكم الخيل في طلبهم نحو دجوة «1» فلم يدركهم وأوقع الحوطة على سائر دورهم، وجعلت للديوان المفرد، وهو ديوان أحدثه الحاكم يتعلّق بما يقبض من أموال من يسخط عليه، وحمل سائر ما وجد لهم بعد ما ضبط، وخرجت العساكر في طلب حسين ومن معه، وأشيع أنّه قد صار إلى بني قرّة بالبحيرة، فأنفدت إليه الكتب بتأمينه واستدعائه إلى الحضور، فأعاد الجواب بأنه لا يدخل ما دام أبو نصر ابن عبدون النصرانيّ الملقّب بالكافي ينظر في الوساطة ويوقّع عن الخليفة، فإنّي أحسنت إليه أيام نظري فسعى بي إلى أمير المؤمنين ونال منّي كلّ منال، ولا أعود أبدا وهو وزير. فصرف ابن عبدون في رابع المحرّم سنة إحدى وأربعمائة، وقدم حسين بن جوهر ومعه عبد العزيز بن النعمان وسائر من خرج معهما، فخرج جميع أهل الدولة إلى لقائه وتلقّته الخلع فأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره، وقيّد بين أيديهم الدواب، فلمّا وصلوا إلى باب القاهرة ترجّلوا ومشوا ومشى الناس بأسرهم إلى القصر فصاروا بحضرة الحاكم، ثمّ خرجوا وقد عفا عنهم، وأذن لحسين أن يكاتب بقائد القوّاد ويكون اسمه تاليا للقبه، وأن يخاطب بذلك. وانصرف إلى داره فكان يوما عظيما، وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وعقار وغيره، وأنعم عليه وواصل الركوب هو وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر، ثم قبض عليه وعلى عبد العزيز واعتقلا ثلاثة أيام، ثمّ حلفا أنّهما لا يغيبان عن الحضرة، وأشهدا على أنفسهما بذلك، وأفرج عنهما، وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما. فلما كان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة ركب حسين وعبد العزيز على رسمهما إلى القصر، فلمّا خرج للسلام على الناس قيل للحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي الفضل: اجلسوا لأمر تريده الحضرة منكم، فجلس الثلاثة، وانصرف الناس فقبض عليهم وقتلوا «2» في وقت واحد، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم، وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم. واستدعي أولاد عبد العزيز «3» بن النعمان وأولاد حسين «4» بن جوهر ووعدوا بالجميل وخلع عليهم، وجملوا والله يفعل ما يشاء.

ص: 30

حارة الأمراء: ويقال لها أيضا حارة الأمراء الأشراف الأقارب، وموضعها يعرف بدرب شمس «1» الدولة، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

حارة الطوارق: ويقال لها أيضا حارة صبيان الطوارق، وهم من جملة طوائف العسكر، كانوا معدّين لحمل الطوارق. وموضع هذه الحارة في طريق من سلك من الرقيق سوق الخلعيين داخل باب زويلة طالبا الباطلية بالزقاق الطويل الضيّق الذي يقال له اليوم حلق الجمل السالك إلى درب أرقطاي.

حارة الشرابية: عرفت بذلك لأنّها كانت موضع سكن الغلمان الشرابية إحدى طوائف العسكر، وكانت فيما بين الباطلية وحارة الطوارق.

حارة الدميري وحارة الشاميين: هما من جملة العطوفية «2» .

حارة المهاجرين: وموضعها الآن من جملة المكان الذي يعرف بالرقيق المعدّ لسوق الخلعيين بجوار باب زويلة، وكان بعد ذلك سوق الخشّابين، ثمّ هو الآن سوق الخلعيين.

وموضع هذه الحارة بجوار الخوخة «3» التي كانت تعرف بالشيخ السعيد بن فشيرة النصرانيّ الكاتب. وهي الخوخة التي يسلك إليها من الزقاق المقابل لحمام الفاضل المعدّ لدخول النساء، ويتوصل منها إلى درب كوز الزير بحارة الروم، وقد صارت هذه الحارة تعرف بدرب ابن المجندار، وسيأتي ذكره إن شاء الله.

حارة العدوية: قال ابن عبد الظاهر: العدوية هي من باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة عند حمّام الحسام الجلدكي الآن منسوبة لجماعة عدويين نزلوا هناك، وهذا المكان اليوم هو عبارة عن الموضع الذي تلقاه عند خروجك من زقاق حمّام خشيبة الذي يتوصّل إليه من سوق باب الزهومة، فإذا انتهيت إلى آخر هذا الزقاق وأخذت على يمينك صرت في حارة العدويّة. وموضعها الآن من فندق بلال المغيثي إلى باب سر المارستان، وتدخل في العدوية رحبة بيبرس التي فيها الآن فندق الرخام، عن يمينك إذا خرجت في الرحبة المذكورة التي صارت الآن دربا إلى باب سرّ المارستان وما عن يسارك إلى حمّام الكريك وحمام الجوينيّ الذي تقول له العامّة الجهينيّ، وإلى سوق الزجاجيين. وكلّ هذه المواضع هي من حقوق العدويّة وكانت العدويّة قديما واقعة فيما بين الميدان الذي يعرف اليوم بالخرشتف «4» وحارة

ص: 31

زويلة وبين سقيفة العداس والصاغة القديمة التي صار موضعها الآن سوق الحريريين الشرابشيين برأس الوراقين وسوق الزجاجيين.

حارة العيدانية: كانت تعرف أوّلا بحارة البديعيين، ثم قيل لها بعد ذلك الحبّانية من أجل البستان الذي يعرف بالحبانية الجاري في وقف الخانقاه الصلاحية «1» سعيد السعداء، ويتوصّل إلى هذه الحارة من تجاه قنطرة آق سنقر، وبعض دورها الآن يشرف على بستان الحبانية، وبعضها يطل على بركة الفيل.

حارة الحمزيين: كانت أوّلا تعرف بالحبانية، ثمّ قيل لها حارة الحمزيين من أجل أن جماعة من الحمزيين نزلوا بها، منهم الحاج يوسف بن فاتن الحمزي، والحمزيون أيضا ينسبون إلى حمزة بن أدركة «2» الساري، خرج بخراسان في أيام هارون بن محمد الرشيد، فعاث وأفسد وفضّ جموع عيسى بن عليّ عامل خراسان، وقتل منهم خلقا، وانهزم عيسى إلى بابل، ثمّ غرق حمزة بواد في كرمان، فعرفت طائفته بالحمزية. وأخوه ضرغام بن فاتن بن ساعد الحمزيّ والحاج عوني الطحان ابن يونس بن فاتن الحمزي ورضوان بن يوسف بن فاتن الحمزيّ الحمامي وأخوه سالم بن يوسف بن فاتن الحمزيّ، وكان هؤلاء بعد سنة ستّمائة، وهذه الحارة خارج باب زويلة. ومن بلاد أفريقية قرية يقال لها حمزي ينسب إليها محمد بن حمد بن خلف القيسيّ الحمزيّ من أهل القرية وقاضيها، توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ولا يبعد أن تكون هذه الحارة نسبت إلى أهل قرية حمزة هذه لنزولهم بها كنزول بني سوس وكتامة وغيرهم في المواضع التي نسبت إليهم.

حارة بني سوس: عرفت بطائفة من المصامدة يقال لهم بنو سوس كانوا يسكنون بها.

حارة اليانسية: تعرف بطائفة من طوائف العسكر يقال لها اليانسية منسوبة لخادم خصيّ من خدّام العزيز بالله يقال له أبو الحسن يأنس الصقليّ، خلفه على القاهرة، فلما مات العزيز أقرّه ابنه الحاكم بأمر الله على خلافة القصور، وخلع عليه وحمله على فرسين، فلمّا كان في المحرم سنة ثمان وثمانين وثلثمائة سار لولاية برقة «3» بعد ما خلع عليه وأعطي خمسة آلاف دينار وعدّة من الخيل والثياب. قال ابن عبد الظاهر: اليانسية خارج باب زويلة أظنها منسوبة ليأنس وزير الحافظ لدين الله الملقب بأمير الجيوش سيف الإسلام ويعرف بيانس «4» الفاصد،

ص: 32