المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المسألة 104: الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد 1: تعريفها: نسوق الأمثلة التالية؛ - النحو الوافي - جـ ٣

[عباس حسن]

الفصل: ‌ ‌المسألة 104: الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد 1: تعريفها: نسوق الأمثلة التالية؛

‌المسألة 104:

الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد 1:

تعريفها:

نسوق الأمثلة التالية؛ لكشف دلالتها، وإيضاح ما في معناها من دقة: سئل أحد الأدباء القدامى أن يصف: "أبا نواس"؛ فكان مما قال: "عرفته جميل الصورة، أبيض اللون، حسن العينين والمضحك، حلو الابتسامة، مسنون الوجه2، ملتف الأعضاء، بين الطويل والقصير، جيد البيان، عذب الألفاظ.. و

".

في هذا الوصف كثير مما يسمى: "صفة مشبهة"؛ مثل: جميل، أبيض، حسن، حلو

و

فما الذي تدل عليه كل كلمة من هذه الكلمات، ونظائرها؟

لنأخذ مثلًا كلمة: "جميل" فإنها اسم مشتق، يدل على أربعة أمور مجتمعة:

أولها: المعنى المجرد الذي يسمى: "الوصف"، أو "الصفة". وهو هنا: الجمال.

ثانيها: الشخص، أو غيره من الأشياء التي لا يقوم المعنى المجرد إلا بها، ولا يتحقق وجوده إلا فيها. وإن شئت فقل: هو الموصوف الذي يتصف بهذا الوصف، "الصفة"

، ولا يمكن أن يوجد الوصف مستقلًا بنفسه بغير موصوفه.

والمراد به في المثال: الشخص الذي ننسب له الجمال، ونصِفُه به.

1 في ص294، 300 وهامشهما، سبب هذه التسمية، وفي ص182 بيان مفصل عن أصل المشتقات.

2 وجه مسنون: أملس جميل.

ص: 281

ثالثها: ثبوت هذا المعنى المجرد "الوصف، أو: الصفة" لصاحبه في كل الأزمنة ثبوتًا عامًا؛ أي: الاعتراف بتحققه ووقوعه شاملًا الأزمنة الثلاثة المختلفة؛ فلا يختص ببعض منها دون آخر، بمعنى أنه لا يقتصر على الماضي وحده، ولا على الحال وحده، ولا على المستقبل كذلك، ولا يقتصر على زمنين دون انضمام الثالث إليهما؛ فلا بد أن يشمل الأزمنة الثلاثة؛ بأن يصاحب موصوفه فيها. فوصف شخص بالجمال على الوجه الوارد في العبارة السابقة معناه الاعتراف بالجمال له، وأن هذا الجمال ثابت متحقق في ماضيه، وفي حاضره، وفي مستقبله، غير مقتصر على بعض منها. "ولهذا نتيجة حتمية تجيء في الأمر الرابع التالي".

رابعها: ملازمة ذلك الثبوت المعنوي العام للموصوف ودوامه؛ لأنه -كما أوضحناه- يقتضي أن يكون المعنى المجرد الثابت وقوعه وتحققه ليس أمرًا حادثًا الآن، ولا طارئًا ينقضي بعد زمن قصير. وإنما هو أمر دائم ملازم صاحبه "الموصوف" طول حياته، أو أطول مدة فيها حتى يكاد يكون بمنزلة الدائم1؛ إذ ليس بمعقول أن يصحبه في ماضيه وحاضره ومستقبله من غير أن يكون ملازمًا له، أو كالملازم2؛ فالجمال مثلًا لا يفارق صاحبه، وإن فارقه3 فزمن المفارقة أقصر من زمن الملازمة الطويلة التي هي بالدوام أشبه. ومن ثم كان هذا الأمر الرابع نتيجة للثالث4.

1 ويشبهها في هذا الدوام والاستمرار "أفعل التفضيل" -كما في رقم 2 من هامش 251 وكما سيجيء في بابه ص395.

2 يدخل في حكم الملازمة بعض الأوصاف التي لا تفارق صاحبها، ولكن آثارها لا تظهر إلا في مناسبات خاصة بها؛ فمثلها يطرأ، ويزول، ثم يتجدد

وهكذا، مما يسمى:"الاستمرار المتجدد، أو: الاستمرار التجددي". ومن هذا النوع كثير من العادات والسجايا؛ كالفرح؛ والغضب، والشبع، نحو: فلان فرح، أو: غضوب، أو شبعان

فهذه صفات تظهر في مناسباتها -كما سيجيء في الأمر الأول من ص285، وفي الثالث من ص307.

3 تكون هذه المفارقة لسبب طارئ مؤقت -في الغالب- كمرض، أو خوف، أو شيخوخة

4 ولا بد من النص على هذا الأمر الرابع؛ إذ لا يلزم من حصول الأمر الثالث وتحققه أنه يلازم صاحبه ملازمة دائمة؛ فمن الممكن حصول الأمر في الماضي وفي الحال وفي المستقبل من غير أن يلازم صاحبه الملازمة المستمرة -أو شبهها- في كل حالة: ومن الممكن أن يقع فيها كلها مجتمعة من غير أن يستمر في المستقبل كذلك.

ص: 282

فكلمة: "جميل" في الكلام السالف -وأشباهه- تدل على:

1-

معنى مجرد "أي: على وصف، أو: صفة"؛ هو: الجمال.

2-

وعلى صاحبه الموصوف به.

3-

وعلى ثبوت ذلك المعنى له وتحققه ثبوتًا زمنيًا عامًا. "ويشمل الماضي والحاضر، والمستقبل".

4-

وعلى دوام الملازمة، أو ما يشبه الدوام1.

والناطق بتلك الكلمة إنما يريد الأمور الأربعة مجتمعة، إن كان خبيرًا باللغة، وبدلالة الألفاظ فيها.

ومثل هذا يقال في كلمة: "أبيض"؛ فهي اسم مشتق يدل على ما يأتي:

1-

معنى مجرد "أي: وصف، أو: صفة"، هو: البياض.

2-

الشيء الذي لا يقوم ولا يتحقق المعنى المجرد إلا بوجوده فيه "أي: الموصوف الذي يراد وصف بصفة: "البياض"، وهو هنا الشخص الذي نريد أن ننسب له تلك الصفة؛ ونصفه بها.

3-

أن ذلك المعنى المجرد "الوصف، أو: الصفة"، ثابت له متحقق في كل الأزمنة ثبوتًا عامًا؛ فليس خاصًا بزمن من الثلاثة دون غيره، أو بزمنين، فالبياض، يصاحب المتصف به في ماضيه، وحاضره، ومستقبله.

4-

أن هذا الثبوت العام يلازم صاحبه، ولا يكاد يفارقه؛ لأن مصاحبته إياه في الأزمنة الثلاثة تقتضي أن يكون ملازمًا له أو في حكم الملازم، برغم أنه قد يفارقه حينًا.

فالناطق بكلمة: "أبيض" في التركيب السابق -ونظائره- إنما يريد بها الدلالة على تلك الأمور الأربعة مجتمعة إن كان يفهم أسرار العربية، ويجيد اختيار الألفاظ التي توضح تلك الأسرار.

وما يقال في كلمتي: "جميل"، و"أبيض" يقال في:"حسن" و"حلو"،

و

وأمثالهما

من كل ما تقدم يتبين المراد من قول النحاة في تعريف الصفة المشبهة

1 إلا إنْ وجدت قرينة تمنع الدوام وشبيهه، كما سيجيء في ص307. وانظر رقم 1 من هامش ص293.

ص: 283

الأصيلة إنها: "اسم مشتق؛ يدل على ثبوت صفة لصاحبها1 ثبوتًا عامًّا"2.

أنواعها، وطريقة صوغ كل نوع:

الصفة المشبهة ثلاثة أنواع قياسية3:

أولها وأكثرها: "الأصيل"، وهو المشتق الذي يصاغ أول أمره من مصدر الفعل الثلاثي، اللازم، المتصرف؛ ليدل على ثبوت صفة لصاحبها ثبوتًا عامًا -وقد شرحناه بالأمثلة- ولهذا النوع أوزان وصيغ كثيرة خاصة به، وسنذكر أشهر القياسي منها....

ثانيها: الملحق بالأصيل من غير تأويل، ويلي الأول في الكثرة؛ وهو:"المشتق الذي يكون على الوزن الخاص باسم الفاعل أو باسم المفعول4، من غير أن يدل دلالتهما على المعنى الحادث وصاحبه، وإنما يدل -بقرينة- على أن المعنى ثابت لصاحبه ثبوتًا عامًا". وقد عرفنا طريقة صياغته في الباب الخاص بكل منهما5.

وحكم هذا النوع أنه قياسي، وأنه بمنزلة الصفة المشبهة؛ فله اسمها، ودلالتها، وأحكامها المختلفة، دون أوزانها؛ لأنه يظل على صيغته الخاصة باسم الفاعل أو اسم المفعول، ويلازم وزنه السابق، على الوجه الذي شرحناه في باب كل منهما5.

ثالثها وأقلها: الجامد المؤول بالمشتق، وهو:"الاسم الجامد الذي يدل دلالة الصفة المشبهة مع قبوله التأول بالمشتق6".

وحكمه: أنه قياسي يظل على لفظه الجامد القابل للتأويل، ويؤدي معناها، ويعمل عملها دون أن تتغير صيغته.

1 وقد يقتصرون في التعريف على: أنها اسم مشتق يدل على ثبوت صفة لصاحبها. أو: اسم مشتق يدل على الثبوت. ولا بأس بالإيجاز إن كان المراد معه واضحًا -موافقا ما شرحناه-.

2 أي: شاملًا الأزمنة الثلاثة شمولًا مستمرًا ثابتًا -كما شرحناه-.

3 بيان قياسيتها في رقم 2 من هامش ص291.

4 سواء أكان فعلهما ثلاثيًا أم غير ثلاثي.

"5، 5" في هامش ص242 وفي "ج" من ص264 وفي "د" من ص264، ثم في ص277.

6 ولذا يصح وقوعه نعتًا كما سيجيء في ص463 "باب النعت".

ص: 284

وبالرغم من قياسيته يحسن الإقلال منه قدر الاستطاعة، وقد يزاد على آخره ياء مشددة للنسب، فتقرِّبه من المشتقات؛ نحو: تناولنا شرابًا عسلًا طعمه، أو: تناولنا شرابًا عسليًّا طعمه. ويجوز في معموله "وهو هنا كلمة: طعم" ما يجوز في معمول الصفة المشبهة من الرفع، أو النصب، أو الجر، على التفصيل المذكور في إعمالها -وسيأتي1- فنقول: تناولنا شرابًا عسليًا طعمه بالرفع، عسلًا طعمًا بالنصب، عسل الطعم بالجر بالإضافة. مع جواز زيادة الباء المشددة في كل حالة، وعليها تقع علامات الإعراب.

ومن أمثلته قول الشاعر يهجو:

فراشة الحِلمِ، فرعون العذاب، وإن

تطلب نداه فكلب دونه كلب

والمراد بفراشة: طائش، وبفرعون: أليم، أو: شديد. والمعاني الثلاثة على التأويل بالمشتق، وقول الآخر:

فلولا الله والمهر المفدى

لأبْت وأنت غربال الإهاب

والمراد: مثقب الجلد. وهذا على التأويل بالمشتق أيضًا.

والآن نعود إلى صياغة النوع الأول الأصيل، وأوزانه:

لما كانت الصفة المشبهة الأصلية لا تصاغ قياسًا إلا من مصدر الفعل الماضي الثلاثي، اللازم، المتصرف

تحتم أن يكون فعلها كسائر الأفعال الثلاثية، إما مكسور العين "أي: على وزن: "فعِل"، وهو أكثر أفعالها المتصرفة التي يقع الاشتقاق من مصدرها، وإما مضموم العين، "أي: على وزن "فعُل"، ويلي الأول في كثرة الصياغة من مصدره، وإما مفتوح العين، "أي: على وزن "فعَل"، وهو أقل أفعالها، بل أندرها. وأوزانها القياسية من هذه الأنواع الثلاثة كثيرة نعرض أشهرها، وضوابطه فيما يلي:

1-

فإن كان الماضي الثلاثي اللازم على وزن "فعِل" -بكسر العين- وكان دالًا على فرح، أو حزن، أو أمر من الأمور التي تطرأ وتزول سريعًا،

1 في ص294.

ص: 285

ولكنها تتجدد1، وتتردد على صاحبها كثيرًا لأنه اعتادها -فالصفة المشبهة على وزن:"فعل" للمذكر، و"فعلة" للمؤنث- ويلاحظ أن هذين الوزنين ليسا مقصورين على الصفة المشبهة من مصدر الفعل "فعل" فقد يكونان من مصدر "فعل" أيضًا، كما سنعرف -نحو: فرح فهو فرِحٌ، طرب فهو طرِبٌ، بطر فهو بطِر، حذر فهو حذِر، تعب فهو تعِب، ومن هذا قولهم: الحذِر آمن، والضجِر مكروب، والبطِر مهدَّد بزوال النعم.

وقول الشاعر:

ويل للشجِي2 من الخلي3 فإنه

نصب الفؤاد، بحزنه مهموم

وإن كان دالًّا على خلو، أو امتلاء، ونحو هذا مما يطرأ ويتكرر ولكنه يزول ببطء -فالصفة المشبهة على وزن:"فعلان" ومؤنثها -في الغالب- على وزن: "فعلى"- نحو: عطش فهو عطشان، ظمئ فهو ظمآن، صدى فهو صديان، شبع فهو شبعان، روي فهو ريان، يقظ فهو يقظان، عرق فهو عرقان. ومن هذا قولهم في الهجاء: فلان شبعان البطن، صديان الروح، نائم العقل، يقظان الهوى.

1 ويسمى استمرارها: متجددًا، أو: تجدديًا -كما أوضحنا في ص39 وفي رقم 4 من هامش ص247 وفي رقم 2 من هامش ص282.

2 الحزين المهموم.

"ملاحظة": في كلمة "شجي" ونظائرها بيان لغوي مفيد، نعرضه فيما يأتي:

جاء في القاموس المحيط "ج4 مادة: شجاه" ما نصه: "شجاه: حزنه وطربه؛ كأشجاه فيهما. ضد

و

شجي به، كرضي شجًى. والشجِي المشغول. وشدد ياؤه في الشعر

" ا. هـ كلام القاموس.

لكن قوله: "شدد ياؤه في الشعر" تقييد غير صحيح؛ فقد جاء في: "الاقتضاب، في شرح أدب الكتاب" تأليف ابن السيد البطليوسي، في باب: ما يشدد، والعامة تخففه ص197 ما نصه:

"أكثر اللغويون من إنكار التشديد في لفظة: "الشجي" وذلك عجيب منهم؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه يقال: شجوت الرجل أشجوه إذا أحزنته، وشجي يشجى إذا حزن. فإذا قيل: "شجٍ" بالتخفيف كان اسم الفاعل من "شجي" يشجى؛ فهو "شجٍ"؛ كقولك: "عمي يعمى فهو عمٍ". وإذا قيل: "شجيٌّ" بالتشديد، كان اسم المفعول من: "شجوته" أشجوه؛ فهو مشجوٌّ وشجيٌّ". كذلك مقتول وقتيل، ومجروح وجريح.

ثم انبرى بعد ذلك يسرد أمثلة مسموعة للمشدد تؤيد رأيه" ا. هـ.

وقريب من هذا المثل في معناه قولهم أيضًا: "ما أهون على النائم القرير سهر المسهَّد المكروب".

3 الخالي من الهم والحزن.

ص: 286

فإذا كان دالًا على أمر خلقي يبقى ويدوم، "مثل: لون، أو عيب، أو حلية، وكل هذا خلقي يبقى ويثبت" فالصفة في الغالب على وزن:"أفعل" للمذكر، و"فعلاء" للمؤنث؛ نحو: حمر فهو أحمر، خضر فهو أخضر، عرج فهو اعرج، عور فهو أعور، حور1 فهو أحور، كحل فهو أكحل

ومنه قولهم: اشتهرت الخيول العربية برشاقة الجسم، وضمور البطن، وأنها دعجاء2 المقلة، كحلاء العين، وَطْفاء الأهداب3.

فالصفات المشبهة التي ماضيها مكسور العين -تدور معانيها الغالبة حول ثلاثة أشياء؛ أمور تطرأ وتزول سريعًا ولكنها تتردد كثيرًا، أو أمور تطرأ وتتكرر، تزول ببطء. أو أمور تثبت وتبقى في الغالب.

2-

إذا كان الثلاثي اللازم على وزن: "فعُل""بضم العين" فالصفة المشبهة كثيرة الأوزان؛ فقد تكون على وزن: "فعيل"؛ مثل: شرُف فهو شريف، نبُل فهو نبيل، قبُح فهو قبيح.

أو: على وزن: "فَعْل"؛ مثل: ضخُم فهو ضخْم، شهُم فهو شهْم، صعُب فهو صعْب.

أو على وزن: "فَعَل"؛ مثل: حسُن فهو حَسَن، بَطُل4 فهو بَطَل.

أو على وزن: "فَعَال"؛ مثل: جبُن فهو جبان، رزُنت المرأة فهي رزان5، حصُنت فهي حصان، أي: عفيفة.

أو على وزن: "فُعَال"؛ مثل شجُع فهو شُجاع، فَرُت الماء "بمعنى: عذب"، فهو فُرَات.

1 الحور: شدة بياض العين مع شدة سوادها.

2 الدعج: سعة العين مع شدة سوادها. "دعج، دعجًا، فهو أدعج، وهي: دعجاء".

3 غريزة شعر الجفون "وطِف وطفًا؛ فهو: أوطف؛ وهي: وطفاء".

4 صار بطلًا.

5 بمعنى: متوقرة، غير طائشة. والكثير قصر هذا الوزن على المؤنث.

ص: 287

أو على وزن: "فُعْل": مثل: صلُب فهو صُلْب - أو على وزن: "فِعْل"؛ نحو ملُح الماء فهو مِلْح.

أو على وزن: فَعِل: مثل نَجُس الصديد فهو نَجِس.

أو على وزن: "فَاعِل"؛ مثل: طهُر فهو طاهر.

وليست الأوزان السابقة مقصورة على الصفة المشبهة المصوغة من مصدر: "فعُل" بضم العين، بل بعضها مقصور عليها؛ وهو:"فَعَل" كحسن، و"فَعَال": كجبان، و"فُعال": كشجاع

وبعضها غير مقصور ولا مختص؛ لأنه مشترك بين فعُل -بضم العين- وفعِل، بكسرها. ومن هذا:

"فعيل"؛ مثل: بخُل الوضيع فهو بخيل. كرُم الماجد فهو كريم.

ومنه: "فَعْل"؛ مثل: سبط فهو سَبْط1، ضخم فهو ضَخْم؛ ومنه:"فِعْل" مثل؛ صفِر جيب المسرف؛ فهو صِفْر. ملُح ماء البحر فهو مِلْح.

ومنه: "فُعْل"؛ مثل: حَرَّ القوي فهو حُرٌّ، "والأصل: حَرِرَ". صلُب الحديد فهو صُلْب.

ومنه: "فَعِل"، كفرِح المنتصر فهو فَرِح. نَجُس الطعان الحرام فهو نَجِس.

ومنه: "فاعل"، مثل: صحِب الضوء الشمس فهو صاحب. طهر ثوب المصلى فهو طاهر.

3-

وإن كان الثلاثي اللازم على وزن "فَعَل" بفتح العين وهو أندر أفعالها. كما أسلفنا- فالصفة المشبهة على وزن فيعِل؛ نحو: مات يموت فهو ميت2.

1 طويل.

2 ومثله: ساد يسود؛ فهو: "سَيِّد. وإنما كان ساد ومات على وزن "فَعَل" بفتح العين؛ لأن مضارعهما بضم العين، وهذا لا يجيء إلا من ماضٍ مفتوح العين أو مضموم العين، ومضمومها لا يصلح هنا؛ لأنه -في الغالب- للمدح أو الذم، على غير ما هنا.

ص: 288

تلك أشهر الصيغ والأوزان القياسية للصفة المشبهة1.

وهناك صيغ أخرى سماعية، متناثرة في الكلام العربي الفصيح ومراجعه،

1 وقد عرض ابن مالك -كما أشرنا في رقم 3 من هامش ص239 ورقم 5 من هامش ص271- لصياغة الصفة المشبهة في باب مختلط، عقده لصياغتها وصياغة اسم الفاعل واسم المفعول، عنوانه:

"أبنية أسماء الفاعلين، والمفعولين، والصفات المشبهة بها".

ونص ما جاء على حسب ترتيب أبياته:

كفاعلٍ صغ اسم فاعل إذا

من ذي ثلاثة يكون؛ كغَذَا

"غذا الماء: سال. غذوت الوليد: أطعمته، أو ربيته. فالفعل لازم، ومتعدٍّ".

يقول: صغ اسم الفاعل من الفعل الثلاثي المتصرف على مثال "فاعل" أي: على وزن فاعل. وضرب مثلًا للفعل الثلاثي هو "غذا"، ويصلح مثالًا للثلاثي المتعدي واللازم، إشارة إلى أن اسم الفاعل لا يختلف وزنه باختلاف تعدي الثلاثي أو لزومه. فالمهم أن يكون ثلاثيًا، أو على وزن "فعَل" -بفتح العين- كما يفهم من المثال، ومن الكلام الآتي بعد. ثم قال:

وهو قليلٌ في: "فَعُلْت" و"فَعِلْ"

غير معدًّى، بل قياسه "فَعِلْ"

أي: أن صيغة "فاعل" قليلة إذا جاءت من مصدر الفعل "فعُل" أو "فعِل" اللازمين؛ نحو: حمُض فهو حامض، وطمِع فهو طامع. وبين أن اسم الفاعل في مصدرهما يجيء على وزن "فَعِل"؛ نحو: نجُس فهو نجِس، فرِح فهو فرِح، وبطِر فهو بطِر

والحق أن هذه الصيغة ليست باسم فاعل حقيقي، وإنما هي صفة مشبهة -وقد سبق البيان في هامش ص238 وكذلك الصيغ الآتية التي عرضها في البيت التالي، وفعلها هو "فعل" مكسور العين أيضًا. يقول:

"وأفعَلٌ""فعلان" نحو: أشِرِ

ونحو صديانَ، ونحو: الأجهرِ

يريد: أن "أفعل" و"فعلان" شأنهما كشأن: "فعِل" فكل من الثلاثة عنده هو اسم الفاعل من مصدر "فعل" الثلاثي اللازم مكسور العين، وضرب لها أمثلة هي أَشِر الأحمق فهو أَشِرٌ، وصدي الضال في الصحراء فهو صديان "كعطش فهو عطشان؛ وزنًا، ومعنى، وحكمًا". وجهر الرجل "لم يقدر على الإبصار في الشمس" فهو أجهر. وكل هذه صفات مشبهة، وليست باسم فاعل حقيقي، كما قد يفهم من ظاهر كلام ابن مالك "انظر هامش ص238"، ولعل قصده -كما قال بعض الشراح- أن تلك الأفعال تدل في الغالب على معانٍ لازمة أو ما يشبهها، فيناسبها أن يصاغ منها صفات مشبهة بتلك الأوزان، لا أسماء فاعلين. ثم قال:

"وفَعْلٌ" اولى "وفعيل" بِفَعُلْ

كالضخْم، والجميل، والفعل جَمُلْ

أي: أن الماضي الثلاثي إذا كان على "فعل" -بضم العين- فالأولى أن يكون اسم فاعله على وزان "فعل: أو "فعيل"؛ مثل: ضخم الفيل فهو ضخم، وجمل الغزال فهو جميل

=

ص: 289

فإذا عرف المتكلم صيغة مسموعة مخالفة للصيغة القياسية جاز له استعمال ما يشاء منهما، ولكن الأفضل الاقتصار على المسموعة، ولا سيما الصيغة المشهورة.

= ثم بين في البيت الآتي أن مجيء اسم الفاعل من مصدر ذلك الفعل على وزان: "أفعل"، أو:"فعل" قليل، نحو: خضب فهو أخضب. وبطل العربي فهو بطل، وكذلك بين أن اسم الفاعل -أحيانًا قليلة- لا يجيء من مصدر:"فعل" على صيغة "فاعل" التي هي الغالبة فيه؛ نحو، شاب الرجل فهو أشيب، وشاخ الشاب فهو شيخ، فقد استغني عن صيغة فاعل بأخرى. وفي هذا كله يقول:

"وأفْعَلٌ" فيه قليل، و"فَعَلْ"

وبسوى الفاعل قد يَغنَى "فَعَلْ"

"غني يغنى، بمعنى: استغنى". ونكرر ما سبق أن كل الصيغ التي من مصدر الثلاثي وليست على وزن: "فاعل"، هي -على غير ما يفهم من ظاهر كلام ابن مالك- "صفات مشبهة"، وليست "اسم فاعل" إلا من طريق التسمية المجازية التي شاعت قديمًا حتى صارت اصطلاحًا عندهم؛ طبقًا للبيان السالف في هامش ص238.

ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان صيغة اسم الفاعل من غير الثلاثي، فقال: إنها على وزن مضارعه، مع كسر متلوِّ الأخير "أي: كسر الحرف الذي يتلوه الأخير، ويجيء بعده" وضم ميم زائدة تجيء أول المضارع بدلًا من حرف المضارعة، نحو: "ساعد، يساعد، مساعد". "تكرم، يتكرم، متكرم". "واصل، يواصل، مواصل

" يقول:

وزنة المضارع اسم فاعل

من غير ذي الثلاث؛ كالمواصلِ

مع كسر متلوّ الأخير مطلقًا

وضم ميمٍ زائدٍ قد سبقا

يريد: زنة اسم الفاعل من مصدر الفعل غير الثلاثي هي زنة مضارعه، بشرط كسر الحرف الذي قبل الأخير في المضارع، وضم حرف الميم الزائد الذي يسبق بقية حروف المضارع؛ "لأنه يتصدر الفعل، ويحل محل حرف المضارعة". نحو: المواصل، والفعل الرباعي؛ هو؛ واصل، ومضارعه يواصل، واسم الفاعل: مواصِل. وقد تحقق المطلوب؛ بكسر الحرف الذي قبل الأخير، وحذف حرف المضارعة من الأولى، وإحلال الميم المضمومة الزائدة محله "وقد تكلمنا على كل ما سبق في ص236".

ثم انتقل بعد ذلك على الكلام على صيغة اسم "الفعل" من مصدر الفعل غير الثلاثي؛ فأوضح أنها هي صيغة اسم الفاعل من مصدر غير الثلاثي، ولكن بعد أن يفتح الحرف الذي قبل الآخر. فلا فرق بين صيغتيهما، وطريقة الوصول إليهما إلا في أمر واحد: هو أن الحرف الذي قبل الآخر مكسور في صيغة اسم الفاعل، مفتوح في صيغة اسم المفعول، نحو: مساعد، ومساعد -متكرِّم، متكرَّم، ومواصِل، ومواصَل. منتظِر. ومنتظَر

أما صيغة اسم المفعول من مصدر الفعل الثلاثي فهي على وزن: "مفعول" باطِّراد؛ كالوزن الذي نأتي به من: "قصد" فنقول: مقصود. أو من "كتب" فنقول: مكتوب. وفيما سبق يقول:

ص: 290

أما إذا لم توجد صيغة مسموعة، أو وجدت ولكنه لا يعرفها1 فليس أمامه إلا استخدام الصيغة القياسية2.

=

وإن فتحت منه ما كان انكسرْ

صار اسم مفعول: كمثل: المنتظرْ

وفي اسم مفعول الثلاثي اطَّرَدْ

زنة مفعول، كآتٍ مِن: قَصَدْ

أي: كالوزن الآتي من الفعل: قصد، وأشار بعد هذا إلى أن اسم المفعول من الثلاثي قد يكون على وزن "فعيل"، لا مفعول؛ فيعمل عمله -بشروطه- وأن هذا نقل عن العرب، وسماع منهم؛ فهو مقصور على النقل والسماع، ولا يجوز القياس عليه، بل يجب الوقوف عند ما ورد منه، لا نزيد عليه شيئًا. وقد مثل له: بفتاة كحيل؛ بمعنى مكحولة العينين، وفتى كحيل؛ بمعنى: مكحولهما. "ويلاحظ أن صيغة: "فعيل" التي بمعنى: "مفعول" يستوي فيها المذكر والمؤنث -غالبًا- فتستعمل بلفظ واحد لهما من غير زيادة تاء تدل على التأنيث، بشروط وتفصيلات يجيء الكلام عليها في الجزء الرابع، "الباب الخاص بالتأنيث"، وأهم هذه الشروط ألا يذكر قبلها الشيء الذي نتحدث عنه أو نَصِفُهُ، أي: الموصوف الذي يقوم به معناها ويتحقق فيه مدلولها" يقول:

وناب نقلًا عنه ذو فعيلِ

نحو: فتاة أو فتى كحيلِ

وقد تكلمنا على كل ما سبق خاصًّا باسم المفعول في ص271. ذو فعيل: أي صاحب هذا اللون. موازنه".

1 لخفائها عن العلماء؛ لا لقصور وجهل من المتكلم.

2 الصفة المشبهة قياسية "كما صرح بهذا في أول بابها الأشموني -وغيره- كالتصريح في أول باب: "كيفية أبنية أسماء الفاعلين

وفي أول باب: الصفة المشبهة"؛ فيجوز صياغتها على وزن إحدى الصيغ التي عرضناها، بشرط أن تتحقق الشروط والأوصاف الخاصة بهذه الصيغة. ولا التفات إلى الرأي القائل بوجوب الاقتصار على الصيغ السماعية إن وجدت؛ لأن الأخذ بهذا الرأي معطل للقياس؛ منافٍ لمعناه الحقيقي، وللغرض منه. فوق ما فيه من إعنات ومشقة لا يحتملها جمهرة الخاصة، بله العامة؛ إذ يطالب بالرجوع إلى المراجع اللغوية، وجميع المظان الحاوية لمفرداتها، للبحث عن الصيغة السماعية قبل استعمال القياسية. فإذا ثبت عدم وجود صيغة سماعية جاز استعمال القياسية

وليس هذا بمعقول ولا سائغ، بل ليس من صالح اللغة تضييقها على هذا الوجه المعوق لها، الحائل دون استعمالها، من غير فائدة مرجوة في هذا التحجير والإرهاق.

وأعجب من هذا رأي آخر يحرم استخدام الصيغ القياسية مطلقًا "مع وجود أخرى سماعية أو عدم وجودها، كالذي قيل في صوغ المصدر ص188 وما بعدها". زاعمًا أن إيجاد الصيغة القياسية إنما هو إيجاد وخلق اللفظ لم ينطق به العرب أصحاب هذه اللغة، المستأثرون بخلق مفرداتها وكلماتها وهو زعيم خاطئ دفعناه مرارًا في أجزاء هذا الكتاب، وأوضحنا أسباب خطئه؛ قاصدين أن نكشف خطره وضرره، كي لا يجد له في أيامنا واهِمًا يأخذ به.

وهذه المناسبة تحملنا إلى أن يعود فنردد هنا أيضًا ما سبق أن عرضناه في رقم 3 من هامش ص188 من إباحة استخدام المصدر وغيره استخدامًا قياسيًّا مطردًا. ونشير بوجه خاص إلى كلام ابن جني المدون هناك، وهو كلام هامٌّ مفيد.

ص: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

زيادة وتفصيل:

وبهذه المناسبة نشير إلى حكم سبق1، فنردده لأهميته؛ وهو: أن الصفة المشبهة قد يراد منها النص على الحدوث؛ لحكمة بلاغية، مع قيام قرينة تدل على هذا المراد- فتصير اسم فاعل؛ لما اسمه، ومعناه، وحكمه، وتنتقل إلى صيغته الخاصة به، "وهي صيغة اسم "فاعل" من مصدر الثلاثي"؛ فلا بد أن تترك اسمها، وصيغتها، ومعناها، وحكمها، وتصير إليه في كل شأن من شئونه بغير إبقاء على حالها السابق. فإذا أردنا النص على وصف رجل بالفصاحة. وبيان أنها صفة ثابتة ملازمة له؛ ردًّا على من قال إنها طارئة عليه، مؤقتة -أتينا بالصفة المشبهة، "دون اسم الفاعل الحادث"؛ لأنها المختصة بهذه الدلالة، وتخيرنا من صيغها وأوزانها الصيغة الملائمة للمراد. فقلنا:"فصيح" وأجرينا على هذه الصيغة اسم "الصفة المشبهة وكل أحكامها، بشرط إرادة النص. ووجود القرينة الدالة عليه.

لكن إذا أردنا الدلالة على الحدوث نصًّا، وأن الفصاحة طارئة غير ملازمة -أتينا باسم الفاعل الحادث، دون الصفة المشبهة؛ لأنه المختص بهذه الدلالة نصًّا. وجئنا بصيغته الخاصة من مصدر الثلاثي، وهي صيغة "فاعل"، فقلنا:"فاصح" غدًا، مثلًا، وأجرينا عليها اسمه، وكل أحكامه وحده كما أسلفنا1.

وربما تترك الصفة المشبهة دلالتها على الدوام، وتدل على المضي وحده -وهذا نادر2. أو تدل على الحال وحده، أو المستقبل كذلك، من غير أن تترك صيغتها، وإنما تظل عليها مع تغير الدلالة، وكل هذا حين توجد قرينة تدل على

"1، 1" في ص241، 242 حيث البيان والدليل.

2 لتحقيق هذه المسألة يمكن الرجوع إلى: "الخضري" في أول باب: "الإضافة" عند قول ابن مالك: "وإن يشابه المضاف يفعل

" حيث صرح أنها لا تكون للماضي وحده مطلقًا

كما يمكن الرجوع للصبان أول باب: "الصفة المشبهة" حيث صرح بأنها مع القرينة قد تكون للماضي وحده، أو للحال وحده، أو للمستقبل كذلك. وساق مثالًا هو "كان زيد حسنًا فقبح، أو سيصير حسنًا، أو هو الآن فقط حسن"؛ ففي الحكم خلاف، والمختار ما قررناه من الندوة. ثم انظر رقم 1 في هامش الصفحة التالية؛ لأهميته.

ص: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أن المراد هو الاقتصار على: المضي، أو على الحال، أو على الاستقبال، وليس المراد الدوام1؛ بالرغم من بقاء الصيغة على صورتها؛ نحو:"هذا المتسابق سريع العدو في الساعة الماضية، بطيء الحركة الآن، وسيبدو بعد قليل فسيح الخطو، بعيد القفز، عظيم الأمل في الفوز". ولكن بقاءها على صيغتها مع تغير دلالتها بسبب اقتصارها على زمن بعيد خاص -ولا سيما الماضي- رأي ضعيف2؛ لا يحسن اتباعه ولا القياس عليه؛ بالرغم من وجود القرينة الدالة على تغير الدلالة. أما إذا لم توجد القرينة فيجب تغيير الصيغة بتحويلها إلى صيغة: "فاعل"3.

واسم الفاعل من الثلاثي إذا أريد به الدلالة على الثبوت -بشرط وجود قرينة- فإنه يصير صفة مشبهة يحمل اسمها دون اسمه، ويدل دلالتها، ويخضع لأحكامها وحدها. وتتغير صياغته؛ فتصير من الثلاثي على وزن من أوزانها القياسية، وقد يظل محتفظًا بصيغته التي كان عليها قبل الانتقال4، إلى الدلالة الجديدة، بشرط وجود القرينة، كما في مثل: أهذا الطبيب رحيب الصدر؟ فيجاب: نعم، راحب الصدر5. وقد بسطنا القول في كل هذا في موضعه من البابين.

1 جاء في "التصريح، شرح التوضيح" -ج2 باب: "أبنية أسماء الفاعلين

" أمثلة متعددة لها، قال بعد سردها ما نصه: "جميع هذه الصفات المتقدمة الدالة على الثبوت، صفات مشبهة باسم الفاعل إلا إذا قصد بها الحدوث؛ في أسماء الفاعلين" ا. هـ.

وجاء في الحاشية تعليقًا على هذا نصه: "قوله: إلا إذا قصد بها الحدوث- قضيته: إن تلك الصيغ تستعمل للحدوث، وإن لم تحول إلى فاعل. فقولهم: "إذا قصدوا الحدوث حولت إلى فاعل"

ليس بواجب إلا أن أريد النص على الحدوث كما يدل عليه قول الرضي؛ استدلالا لشيء ذكره. ولهذا اطرد تحويل الصفة المشبهة إلى: "فاعل" كحاسن وضائق عند قصد النص على الحدوث" ا. هـ.

2 وسيجيء في ص307.

3 كما سيجيء في رقم 3 ص307. وانظر رقم 1 هنا.

4 كما سبق في هامش ص242، و"ج" من صفحتي 245، 264.

5 بإضافة اسم الفاعل إلى فاعله؛ لتكون هذه الإضافة هي القرينة المطلوبة.

ص: 293

إعمالها:

الصفة المشبهة الأصلية1 مشتقة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم؛ فحقها أن تكون كفعلها؛ ترفع فاعلًا حتمًا، ولا تنصب مفعولًا به. لكنها خالفت هذا الأصل، وشابهت اسم الفاعل المتعدي لواحد؛ "فإنه -كفعله المتعدي- يرفع فاعلًا حتمًا، وقد ينصب مفعولًا به"، وصارت مثله ترفع فاعلها حتمًا، وقد تنصب معمولًا2 لا يصلح إلا مفعولًا به، ولكن هذا المعمول حين تنصبه لا يسمى مفعولا به، وإنما يسمى:"الشبيه بالمفعول به3؛ إذ كيف يعتبر مفعولًا به وفعلها لازم لا ينصب المفعول به؟ لهذا يقولون في إعرابه حين يكون منصوبًا، إنه: "منصوب على التشبيه4 بالمفعول به".

ولا تنصب هذا الشبيه إلا بشرط: "اعتمادها"5؛ سواء أكانت مقرونة؛ "بأل" أم غير مقرونة. مثل الكلمات: القول، الطبع، القلب

وفي قولهم: "إنما يفوز برضا الناس الحلو القول، الكريم الطبع، الشجاع القلب"

ولا يشترط هذا الشرط لعملها في معمول آخر "غير الشبيه بالمفعول به": كالحال، والتمييز، وشبه الجملة

1 سبق في ص284 أن الصفة المشبهة ثلاثة أنواع: أصيل، وملحق به، ومؤول.

2 وهذا من أسباب تسميتها بالصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد. وسيجيء التفصيل في ص288 وما بعدها، وفيها أنواع المعمولات التي تنصبها.

3 كما سيجيء في رقم 3 من ص300.

4 أشرنا إلى هذا في مناسبة سابقة "هامش ص242، 265" فقلنا إن السبب هو: صوغ الصفة المشبهة من مصدر فعل ثلاثي لازم، وقد ورد السببي بعدها منصوبًا لا يصلح أن يعرب نوعًا آخر من المنصوبات غير المفعول به، فأعربوه "شبيهًا بالمفعول به"، ولم يعربوه مفعولًا به؛ لئلا تخالف فعلها. وأيضًا فالمفعول به يقع عليه أثر فعل الفاعل. أما معمول الصفة المشبهة هذا فلا يقع عليه الأثر، فلم يجعلوا اسمه "مفعولا به" كاسم المنصوب الذي نصبه اسم الفاعل، مع أنه الصفة المشبهة سميت باسمها لشبهها باسم الفاعل في كثير من أحواله، ومنها عمل النصب. ففي مثل: الحاكم ضارب المذنب، يعرب "المذنب" مفعولًا به مباشرة، لأنه وقع عليه الضرب. لكن إذا قلنا: الحاكم سمح الطبع، لا يعرب "الطبع" إلا شبيهًا بالمفعول به؛ لأن السماحة لم تقع عليه وإنما قامت به، وفرق كبير بين الاثنين أوضحناه من قبل "في ج2 ص53 م65". ومثل هذا حسن الرأي، جميل المظهر

"راجع الشرح المفصل ج6 ص81".

4 سبق بيان الاعتماد في ص249.

ص: 294

لأن كلمة "معمول" ليست مقصورة الدلالة على هذا الشبيه، ولا على النوع المنصوب منه. بل إن معمولها الشبيه البارز -ويسمى أيضًا السببي1"- يجوز فيه ثلاثة أوجه2؛ أن يكون مرفوعًا على اعتباره فاعلًا لها، ويجوز أن يكون منصوبًا على التشبيه بالمفعول به إن كان هذا المعمول "أي: السببي" نكرة، أو معرفة: كالأمثلة السابقة، أو منصوبًا على التمييز بشرط أن يكون نكرة3؛ "نحو

الحلوُ قولًا، الكريم طبعًا، الشجاع قلبًا"، ويجوز أن يكون مجرورًا بالإضافة: "نحو:

الحلو القول، الكريم الطبع، الشجاع القلب" أي: أن هذا المعمول السببي يجوز فيه -دائمًا- ثلاثة أوجه إعرابية؛ "إما الرفع على الفاعلية""وإما النصب على التشبيه بالمفعول به، إن كان المعمول -أي: السببي- معرفة أو نكرة، ويصح في المعمول النكرة دون المعرفة نصبه تمييزًا"، "وإما الجر على الإضافة"، ولا فرق في هذه الأوجه الثلاثة بين أن تكون الصفة المشبهة مقرونة "بأل" أو مجردة منها"، كما تقدم، ولا بين أن يكون هذا المعمول مقرونًا بها أو مجردًا منها. إلا أن المعمول المقرون بها لا يعرب تمييزًا كما عرفنا.

وفي جميع حالاتها لا يشترط لإعمالها: "الاعتماد"، إلا في الحالة الواحدة التي سبقت، وهي التي تنصب فيها "الشبيه بالمفعول به"5.

1 تكرر في مناسبات مختلفة إيضاح معنى "السببي" والمراد منه؛ كالذي في رقم 4 من هامش ص264.

2 هناك معمولات يمتنع فيها الرفع، وأخرى يجب. وسيجيء ذكرها في ص304 وما بعدها. وهناك معمولات مجرورة وأخرى منصوبة، غير الشبيه بالمفعول به، منها: الحال، والتمييز، والظروف وغيرها مما سيجيء في ص309، والمعمولات كلها بحالاتها الإعرابية المختلفة لا تقتضي اعتماد الصفة المشبهة إلا الشبيه بالمفعول به -كما سبق، وكما سيجيء في رقم 3 من ص300.

3 لأن التمييز في الأغلب لا يكون إلا نكرة.

4 في حاشية ياسين أول هذا الباب عند تعريف الصفة المشبهة: "أن نحو: زيد حسن ليس صفة مشبهة، ثم جاء بعد ذلك مباشرة ما نصه: "إن النحاة لا يسمونها صفة مشبهة إلا إذا خفضت أو نصبت" ا. هـ.

ويفهم من هذا أنها لا تسمى صفة مشبهة في مثل: "فلان حسنٌ وجهُه"، ونحوه من كل ما وقع فيه فاعلها اسما ظاهرًا أو مستترًا. وهذا رأي مرفوض -بحق- إلا عند ابن هشام.

5 راجع ص294 ورقم 3 من ص300.

ص: 295

وينشأ من هذا التفريع صور متعددة أكثرها صحيح، وأقلها غير صحيح. ومن المشقة والإرهاق أن نتصدى لحصر صورهما، ونحدد عددهما على الوجه الذي فعله بعض الخياليين، فأوصلهما إلى مئات، بل ألوف1، وانتهى به التحديد إلى ما لا خير فيه.

وإذا كان التحديد على الوجه السالف خياليًا مرهقًا، فإن الحرص على سلامة الأداء، وصحة التعبير يقتضينا أن نعرف الصور الممنوعة؛ كي نتجنبها، ونصون أنفسنا من الخطأ. وقد وضع لها النحاة ضابطًا نافعًا، يسهل فهمه واستيعابه، فقالوا2:

يمتنع جر المعمول في كل صورة جمعت ما يأتي كاملًا؛ حيث لا يصح إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها:

1-

إفراد الصفة المشبهة "بأن تكون غير مثناة، وغير جمع مذكر سالم".

2-

اقترانها "بأل".

3-

تجرد معمولها من "أل"، ومن الإضافة إلى ما فيه أل، ومن الإضافة إلى المختوم بضمير يعود على ما فيه "أل".

4-

تجرد الموصوف من "أل".

فيمتنع الجر في: غرد محمود الرخيمُ3 صوتِهِ، ولا يمتنع في: غرد الطائر الرخيمُ صوته. فإذا كانت الصفة بـ"أل"، وكذلك معمولها صح الجر بالإضافة مثل: لا تجادل إلا السمحَ الخلقِ، العفَّ القولِ، الأمينَ الزللِ.

ويجوز الجر بالإضافة أيضًا إذا كانت الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجردًا، لكنه مضاف إلى المقترن بها: مثل: هذا الحكيم إعدادِ الخطط، الحسنُ تدبيرِ الأمور. كما يجوز الجر إن كانت الصفة مقرونة بـ"أل"، ومعمولها مجرد من:"أل"، ولكنه مضاف لمضاف إلى ضمير يعود على المقرون بها،

1 كما جاء في حاشية الصبان وغيره من المطولات.

2 راجع حاشية الخضري.

3 الضمير عائد على؛ "محمود": وهو خال من: "أل".

ص: 296

مثل: راقني الطاووس البديعُ لونِ ريشِهِ؛ فإن الضمير الذي في آخر كلمة: "ريش" عائد على الطاووس وفيه "أل". وهكذا.

هذا هو الضابط العام الذي يرشدنا إلى المعمول الذي يمتنع جره بالإضافة، ويوضح الصور الكثيرة التي لا يجوز فيها إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها. وأقرب هذه الصور للخاطر: الأربعة الآتية1، وهي حالات جر ممنوع حين يكون فيها الموصوف مجردًا من:"أل".

1-

أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، مضاف إلى ضمير الموصوف الخالي منها؛ نحو: إبراهيم النبيلُ خلقِهِ.

2-

أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، مضاف إلى مضاف لضمير الموصوف الخالي منها؛ نحو: إبراهيم النبيلُ خلقِ والده.

3-

أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، مضاف إلى الخالي من "أل" والإضافة؛ نحو: هذا النبيل خلقِ والدٍ.

4-

أن تكون الصفة مقرونة بـ"أل" والمعمول مجرد منها، خالٍ من "أل" والإضافة؛ نحو: هذا النبيل خلقٍ.

1 عدها الأشموني تسعًا نكتفي بالإشارة إليها. وفي الصفحة التالية تقسيم آخر حسن.

ص: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

زيادة وتفصيل:

أ- سلك بعض النحاة مسلكًا حسنًا آخر؛ لبيان أكثر الصور الصحيحة والممنوعة التي تتردد على الخواطر؛ فقال:

الصفة المشبهة إما أن تكون مقرونة بـ"أل"، وإما أن تكون مجردة منها؛ فإذا كانت مقرونة بـ "أل" فلمعمولها ستة أحوال يمتنع الجر في بعضها:

1-

أن يكون مقرونًا بـ"أل" أيضًا مثل: أحب الكتاب العظيم الفائدة.

2-

أن يكون مجردًا من "أل" ولكنه مضاف للمقرون بها: مثل: أحب الكتاب العظيم فائدة البحوث.

3-

أن يكون مجردًا من "أل" ولكنه مضاف لضمير يعود على الموصوف مثل: أحب الكتاب العظيم فائدته.

4-

أن يكون مجردًا من "أل" ولكنه مضاف لمضاف للمقرون بضمير يعود على الموصوف؛ مثل: أحب الكتاب العظيم فائدة بحوثه.

5-

أن يكون مجردًا من "أل"، ولكنه مضاف إلى الخالي من "أل" والإضافة؛ مثل: أحب الكتاب العظيمَ فائدةِ بحوث.

6-

أن يكون مجردًا من "أل" ومن الإضافة معا؛ نحو: أحب الكتاب العظيمَ فائدة.

وهذه الحالات الست قد يكون المعمول في كل واحدة منها مرفوعًا، أو منصوبًا. أو مجرورًا، فمجموع الصور ثماني عشرة صورة. وبعضها يمتنع فيه جر المعمول.

هذه أحوال المعمول وصوره حين تكون الصفة مقرونة بـ"أل". فإن كانت مجردة منها فله ست حالات هي الحالات السالفة نفسها مع تجريد الصفة من "أل" وبعد هذا التجريد يكون المعمول في كل حالة مرفوعًا أو منصوبًا، أو مجرورًا، فله ثماني عشرة صورة أيضًا، بعضها يمتنع جره كذلك. فمجموع صوره

ص: 298

في حالتي اقتران الصفة "بأل" وعدم اقترانها هو: ست وثلاثون صورة بعضها يمتنع جره.

وأظهر الممنوع منها هو الأربعة التي سبق إيضاحها قبل هذه الزيادة مباشرة1. "وهناك غيرها ممنوع ولكن لا حاجة للإثقال بسرده؛ لقلة وروده على الأذهان، وندرته في الأساليب الناصعة".

ب- ما ليس ممنوعًا من الصور يجوز استعماله. ولكنه -مع جواز استعماله- متفاوت في درجته؛ حسنًا وقبحًا، وقوة وضعفًا:

1-

فمن القبيح أن ترفع الصفة المقرونة: بـ"أل" أو المجردة منها، فاعلًا نكرة؛ نحو: صلاح الحسن وجه، أو الحسن وجه أب

أو: صلاح حسن وجه، و

ومن القبيح أيضًا أن تكون الصفة مقترنة بأل، أو مجردة، ومرفوعها مقرونًا "بأل"، أو مجردًا منها. ولهذا صور أربع.

2-

من الضعيف: أن تكون الصفة المشبهة نكرة ومعمولها معرفة منصوبة أو مجرورة، إلا إذا كان المعمول "بأل"، أو مضافًا لما فيه "أل".

ومن الضعيف أيضًا: أن تكون الصفة "بأل" مضافة على معمولها الخالي منها. ولكنه مضاف لضمير يعود على المقرون بها.

وما عدا حالتي القبح والضعف -مما ليس ممنوعًا- حسن قوى.

1 في ص297.

ص: 299