الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة 110:
ألفاظ المدح والذم:
"ومنها: "نِعْم"، و"بِئْس"1، وما جرىَ مجراهما"
في اللغة ألفاظ وأساليب كثيرة؛ تدل على المدح، أو الذم. بعضها يؤدي هذه الدلالة صريحة؛ لأنه وُضع لها من أول الأمر نَصًّا، وبعضها لا يؤديها إلا بقرينة2. فمن الأول الذي يؤديها صريحة قولك: "أمدحُ، أُثْني، أَستحسِن
…
أذم، أهجو، أستقْبحُ"
…
وأشباهها، وما يشاركها في الاشتقاق، نحو: أمدح في الرجل تجلُّدَه، وحسنَ بلائه، وأذم فيه يأسه، وفتور عزيمته -أُثني عليك بما أحسنت، وأهجو من قبض يده عن الإحسان.
ومنها: الجميل، العظيم، الفاضل، الماجد، البخيل، الحقود، الخائن
…
وغيرها من ألفاظ المدح والذم الصريحين.
ومن الثاني الذي يحتاج لقرينة: وَفْرة لا تكاد تعَدّ؛ في مقدمتها: أساليب النفي، والاستفهام، والتعجب3، والتفْضيل، ونحوهما؛ فإنها أساليب قد تضم أحيانًا إلى معناها الخاص دلالتها على المدح أو الذم، بقرينة؛ كقولك في إنسان يتحدث الناس بفضائله ومزاياه، أو: بنقائصه وعيوبه: "ما هذا بشرًا". تريد في حالة المدح: أنه مَلَك، مثلًا، وفي حالة الذم: أنه شيطان. ومثل قول شوقي:
هل المُلْك إلا الجيشُ شأنًا ومظهرًا؟
…
ولا الجيشُ إلا رَبُّه حين يُنسَبُ؟
1 فيها لغات؛ أشهرها: "كسر الأول مع سكون الثاني"، "وفتح الأول مع كسر الثاني"، وفتح الأول مع سكون الثاني"، وكسر الأول والثاني معًا".
والأفصح والأشهر عند استعمالها في المدح والذم الاقتصار على اللغة الأولى.
2 حالية، أو كلامية.
3 انظر رقم 6 من هامش ص339.
وقوله:
إِلامَ1 الخُلْفُ بينَكُمُ؟ إِلامَا؟
…
وهَذِي الضّجةُ الكُبرَى عَلامَا2؟
وفيمَ يَكيدُ بعضكمو لبعض؟
…
وتُبْدُون العداوةَ والخِصاما؟
وقول المتنبي: ما أبعدَ العيبَ والنقصانَ من شَرَ فِي!!
وقوله في ذم قائد الجيش الرومي:
فأَخْبِثْ به طالبًا قَهْرَهُمْ!!
…
وأَخْيبْ به تاركًا ما طلبْ!
وقول أعرابي سئل عن حًاكمين: أما هذا فاحرص الناس على الموت في سبيل الله، وأما ذلك فأحرص الناس على الحياة في سبيل الشيطان..
ومن النوع الأول الصريح: "نعم"، و"بئس" وما جرى مجراها من الألفاظ التي تدل نصبًا على المدح العام3 أو: الذم العام3، وتمتاز "نعم وبئس" من باقي نوعهما الصريح بأحوال وأحكام خاصة بهما، دون نظائرهما من النوع الصريح، وأشهر هذه الأحوال والأحكام ما يأتي:
1-
دلالة "نعم" على المدح العام، و"بئس" على الذم العام
…
3
1 إلى أي شيء؟ فكلمة "م" أصلها: "ما" الاستفهامية التي تحدف ألفها عند الجر وعدم الوقف عليها. أما عند الوقف فتحدث الألف، وتحل "هاء" السكت. ولكنها لم تحذف في آخر الشطرين؛ مراعاة لقواعد القافية، كي تماثل آخر الأبيات التالية لها. والخطاب موجة للمصريين.
2 على أي شيء؟ ويقصد بالضجة الخلاف الحزبي الطاغي في عصه، والخصومات العنيفة بين الأحزاب المصرية بسبب بعض المشروعات السياسية، ومنها: المشروع الذي كان سببًا في احتدام النزاع؛ وهو: الذي اشتهر باسم: "تصريح 28 فبراير1922". اعترفت فيه إنجلترا -وكانت مصر إذ ذاك- باستقلال البلاد المصرية ولكن بقيود وشروط.
"3، 3، 3" المراد بالعموم هنا في المدح وفي الذم أنه ليس مصورًا على شيء معين، ولا على صفة خاصة، ولا يتجه إلى أمر، دون آخر، ولا يتضمن معنى التعجب -كما نص على هذا "الخضري" في آخر الباب- بل يتجه بغير تعجب إلى كل أمور الممدوح أو المذموم؛ فالمدح العام يشمل الفضائل كلها؛ مبالغة، ولا يقتصر على بعض منها؛ كالعلم، أو الكرم، أو الشجاعة
…
والذم العام يشمل العيوب كلها مبالغة، ولا يقتصر على بعض منها؛ كالكذب، أو الجهل، أو السفه.. ومن الأمثلة قوله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُُ} وقوله تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُُ} فالمدح والذم هنا مختلفان بسبب "للعموم" عنهما في الأفعال الأخرى التي تجري مجري "نعم وبئس" حيث يكون المدح والذم في تلك الأفعال الأخرى خاصين ومتضمنين التعجب، "طبقًا لما سيجيء في ص384".
وإنما يستفاد العموم مع "نعم، وبئس" عند الإطلاق وعدم التقييد؛ فإن وجد تقييد زال التعميم؛ نحو: نعم الغني محسنًا.
واعتبار كل لفظ منهما في هذه الحالة وحدها فعلًا ماضيًا، لازمًا1 جامدًا، لا بد له من فاعل. ومع أن كلا منهما يعرب فعلًا ماضيًا فإنه متجرد من دلالته الزمنية، ومنسلخ عنها بعد أن تكوّنت منه وفاعله جملة "إنشائية غير طلبية"؛ يقصد منها إنشاء المدح العام، أو الذم العام، من غير إرادة زمن ماضٍ أو غير ماضٍ
…
فكلاهما انتقل إلى نوع خاص من "الإنشاء المحض غير الطلبي" لا دلالة فيه على زمن2 مطلقًا، نحو: نعم أجر المخلصين -بئس مصير المتجبرين.
ولجمودهما في هذه الحالة وحدها لا يكون لهما مضارع، ولا أمر، ولا شيء من المشتقات.... وتلحقها تاء التأنيث -جوازًا -إذا كان فاعلهما اسمًا ظاهرًا مؤنثًا3، ويصح حذفها بكثرة، ولو كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًا؛ نحو: نِعْم.... أو: نِعمتْ فتاة العمل والنشاط، وبئس
…
، أو: بئست فتاة البطالة والخمول. أما في غير هذه الحالة بالمدح والذم فهما فعلان ماضيان، متصرفان، دالان على زمن مضى: نحو نعم العيش ينعم، فهو ناعم؛ أي: لانّ واتسع. وبَئِسَ المريض يَبْأَس؛ فهو: بائس....
2-
قَصْر فاعلهما على أنواع معينة، أشهرها ما يأتي:
1-
المعرّف "بأل" الجنسية4، أو:"العهدية"5، نحو: نعم الوالد
1 انظر ما يختص بهذا في رقم 3 من ص373.
2 انظر الصبان في هذا الموضع، أما البيان الكامل وذكر المراجع الأخرى ففي صدر الجزء الأول -م4- عند الكلام على أقسام الفعل.
3 وكذلك إذا كان "المخصوص" مؤنثًا فإنه يجوز تذكير الفعل وتأنيثه وإن كان الفاعل مذكرًا؛ طبقًا لما سيجيء بيانه في ص378. وقد سبق في باب الفاعل "ج2 م66 ص67 و70" بيان الحالتين السالفتين، وحكم تاء التأنيث من جهة ذكرها وحذفها.
4 هي الداخلة على نكرة لإفادة العموم والشمول مع التعريف، ويغلب أن يصلح في مكانها كلمة:"كل" فلا تدخل على ما يقبل التعريف في أغلب استعمالاته؛ مثل: "غير" -مع ملاحظة ما سبق في رقم 4 من هامش ص24- ولا على المعرفة مثل: "الله".
5 "وانظر المراد من الجنس والعهد في هذا الباب في "أ" من ص374، ثم ما يتصل بالمسألة في ص375 و376".
وقد سبق تفصيل الكلام على أنواع "أل" وأحكامها في باب المعارف بالجزء الأول، م31.
الشفيق، وبئس الولد العاق. وقول الشاعر:
حياةٌ على الضيْم بئس الحياةُ
…
ونعم المماتُ إذا لم نَعِزْ1
ب- المضاف إلى المعرف "بأل" السابقة، نحو: نعم رجل الحرب خالدٌ، وبئس رجل الجبن والكذب مُسَيْلمةُ
…
ج- المضاف إلى المضاف إلى المعرف بها؛ نحو: نعم قارئ كتب الأدب، وبئس مهمل أمر اللغة.
د- الضمير المستتر وجوبًا بشرط أن يكون ملتزمًا الإفراد والتذكير2، وعائدًا على تمييز بعده3، يفسر ما في هذا الضمير من الغموض والإبهام؛ نحو: نعم قومًا العرب، وبئس قومًا أعداؤهم. ففي كل من:"نعم" و"بئس" ضمير مستتر وجوبًا4 تقديره: "هو" مرادًا منه الممدوح، أو المذموم، ويعود على التمييز "قومًا" أي: نعم القوم قومًا
…
وبئس القوم قومًا
…
ولا بد من مطابقة هذا التمييز لمعناهما، "أي: لا بد من مطابقته لما يسمى: "المخصوص" بالمدح أو الذم، بحيث يتطابقان تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وغير إفراد"، نحو: نعم رجلين: القائد والجندي، نعم رجالا: الحليم، والصبور، والمتواضع. نعم، أو: نعمت، فتاةً المجاهدة. نعم، أو: نعمت، فتاتين: المجاهدتان. نعم، أو: نعمت فتيات المجاهدات.
1 إذا لم نَعِزْ "مع تخفيف الزاي، للقافية والأصل: التشديد" إذا لم تكن أصحاب عزة، أي: قوة، وكرامة، وهيبة.
2 اشتراط التذكير ليس متفقًا عليه؛ وإنما هو رأي الأكثرية القائلة بأن الفاعل الاسم الظاهر يراد به الجنس في ضمن جميع الأفراد؛ بأن يجعل راجعًا إلى التميز المراد به الجنس؛ لكونه على نية "أل الجنسية" إذ الأصل مثلًا: نعم الرجل.
3 فلا يصح تقديم التمييز هنا على الفعل. وهذا أحد المواضع التي يجوز أن يعود الضمير فيها على متأخر لفظًا ورتبه. "وقد تقدم تفصيل الكلام عليها في الجزء الأول ص184 م20" ثم انظر رقم 4 من هامش هذه الصفحة.
4 ومن النادر الذي لا يقاس عليه إبرازه مجرورا بالباء الزائدة في مثل قولهم: نعم بهم قومًا. وقد ذكرنا هذا الرأي للاستعانة به على فهم الوارد المسموع دون محاكاته.
ولا بد أن يكن التمييز صالحًا لقبول "ألْ" المعرفة1، فلا يصلح أن يكون من الكلمات المتوغلة -غالبًا -في الإبهام؛ ككلمة: غير، ومثل: وشبه2....
ويجوز -في الرأي الراجح -أن يجتمع في أسلوب المدح أو الذم الفاعل الظاهر والتمييز3؛ نحو: نعم الشجاع رجلًا يقول الحق غيرَ هَيَّاب، وقول الشاعر:
1 والأحسن اعتبار هذا التمييز من نوع تمييز "الذات""أي: تمييز "المفرد"، ولا تمييز "النسبة" "طبقًا للبيان التفصيل الذي سبق في باب: "التمييز" ج2 م88 عند الكلام على أقسام التمييز ص389 و391 وما بعدهما".
ومن أحكام هذا التمييز أنه -على الصحيح- لا يجوز حذفه مع استتار الضمير الفاعل العائد عليه؛ لكيلا يبقي الفاعل الضمير مبهمًا، ليس له ما يفسره؛ فالتمييز يفسر الفاعل المستتر. فإن وجدت قرينة تدل على التمييز بعد حذفه، وتكون عوضًا عند صح الحذف؛ كالتاء في قولهم: إن زرت الصديق فبها ونعمت؛ أي: نعمت زيارةً زيارتك، ومنه قوله عليه السلام:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" أي: فبالرخصة أخذ، ونعمت رخصة الوضوء.
ولا يصح تقديمه على "نعم وبئس" كما أسلفنا، ولا تأخيره عن "المخصوص" بالمدح والذم؛ ولهذا حكموا بالشذوذ على مثل: نعم محمد رجلًا، باعتبار "محمد" هو "المخصوص". أما باعتباره فاعلًا فلا يصح؛ لأنه ليس من الأنواع السالفة التي تصلح فاعلًا في هذا الباب.
ويصح أن يكون لهذا التمييز نعت أو غيره من التوابع، ومن أمثلة النعت قولهم:
إن الكذوب لبئس خلَاّ يُصْحَب
كما يصح أن يفصل بينه وبين الفاعل فاصل، كقوله تعالى:{بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} ، ويجوز تثنيته وجمعه -كما أشرنا- وبسبب هذا الجواز امتنع إبراز الفاعل المستتر، وتثنيته وجمعه، اكتفاء بتثنية التمييز وجمعه؛ فلا يصح: نِعْما -ونْعُموا
…
في الرأي الراجح.
2 فيما سبق يقول ابن مالك بإيجاز:
فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصرِّفَيْنِ
…
"نَعْم" و"بِئْس" رافِعانِ اسْميْنِ
مُقَارنَيْ "أَلْ" أَو مُضَافَيْنَ لِمَا
…
قَارَنَهَا كَنِعْمَ عُقْبَى الكُرَما
وَيَرْفَعَان مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ
…
مُمَيِّزٌ، كَنِعْمَ قَوْمًا مُعْشَرَهْ
تضمنت الأبيات الثلاثة أن "نعم وبئس" فعلان جامدان، وأنهما يرفعان فاعلين مقترنين بـ"أل" أو مضافين للمقترن بـ"أل" أو ضميرًا يفسره مميز "تمييز، كنعم قومًا معشره". وترك الناظم بقية أنواع الفاعل التي في الصفحات التالية.
3 وفي هذا يقول ابن مالك:
وَجَمْع تَمْيِيزٍ وفًاعِلٍ ظَهَرْ
…
فِيهِ خِلَافٌ عَنْهُمُو قَدِ اشْتَهَرْ
نعْمَ الفتاةُ فتاةً هندُ لو بَذلتْ
…
رَدَّ التحية نطقًا أَو بإِيماءِ1
…
هـ- كلمة: "ما"2 أو: "من"3، نحو:"نعم ما يقول الحكيم المجرب، وبئس ما يقول الغر الأحمق"، ونحو:"نعم من تصحبه عزيزًا. وبئس من ترافقه منافقًا".... وقيلَ: إن "ما" تتميز، والفاعل ضمير مستتر تفسّره "ما" وكذلك:"مَنْ".
1 عند الجمع بينهما قد يكون سبب التمييز غير دال على معنى زائد على الفاعل؛ نحو: نعم الرجل رجلًا عُمر؛ فيكون من نوع التمييز الذي يفيد مجرد التوكيد؛ كالذي في قول أبي طالب عم الرسول عليه السلام:
ولقد علمت بأَن دِين محمدٍ
…
من خير أَديان البرية دينًا
"كما سبق في باب التمييز ج2 م87 ص327". ويجوز أن يكون دالًا بنفسه على معنى زائد على معنى الفاعل؛ نحو: "نعم الفتى فتى صلاح"، إذا كان المراد أنه فتى حقًا، أي من ناحية الفِتوة، يظهر عليه أماراتها. ويجوز أن تكون زيادة المعنى ليست ناشئة منه مباشرة، وإنما هي من أحد توابعه أو معمولاته، نحو نعم الرجل رجلًا مجاهدًا صلاح
…
و
…
2 وفيها يقول ابن مالك:
وَ "مَا" مُمَيِّزٌ، وَقِيل: فَاعِلُ
…
في نَحْو: نَعْمَ مَا يَقُولُ الفَاضِلُ
في "ب" من ص374 أشهر إعرابات "ما" بعد نعم وبئس".
ويقول علماء رسم الحروف إن "ما" إذا كانت معرفة تمة فقد تكون: "تامة عامة" ومعناها: "الشيء"، ولفظ:"الشيء" يلاحظ عند التقدير. وعلامتها ألا يكون قبلها اسم تكون هي وعاملها صفة له في المعنى، كقوله تعالى:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} التقدير: نعم الشيء هي
…
وقد تكون معرفة "تامة خاصة"، وعلامتها: أن يسبقها اسم تكون هي وعاملها صفة له في المعني، وتقدر من لفظ ذلك الاسم؛ نحو: أصلحت الخط إصلاحًا نِعِمًا، التقدير: نعم الإصلاح. هذا كلامهم. ويقول أكثرهم إن: "ما" في الصورتين توصل خطًّا بآخر الفعل: "نعم وبئس" وتدغم هي "وميم" نعم، وتكسر عندئذ "العين" للتخلص من السكون الناشيء من الإدغام.
غير أن الحكمة في هذا الاتصال الكتابي غير سائغة عند فريق آخر؛ إذ هي: مجرد المحاكاة السابقين ممن كتبوها في الطور الأول وقت استحداث الخط. فالخير في فصلها، "بالرغم من أننا فصلناها مرة في أعلى هذه الصفحة، ووصلناها في هامشها" إلى أن يستقر الاصطلاح على وضع جديد موحد.
ومثلها عندهم في الاتصال "بنعم" كلمة "ما" النكرة الناقصة وهي النكرة الموصوفة التي معناها الذي تقدر به: "شيء"؛ مثل: إن قراءة الكتب الأدبية نعما يقوم الألسنة. والحكمة والرأي هنا مشابهًا فيما سبق.
3 وتكون: "من" موصولة، أو نكرة تامة، أو نكرة موصوفة، ولا تكون معرفة تامة.
و "الذي""اسم موصول"؛ نحو: نعم الذي يصون لسانه عما لا يَحْسن، وبئس الذي يغتاب الناس.
ز- النكرة المضافة لنكرة، أو غير المضافة؛ كقول الشاعر:
فنَعم صاحبُ قومٍ لا سلاح لهم
…
وصاحبُ الكربِ عثمانُ بنُ عفَّانا
ومثل: نعم قائد أنت
…
والنوعان الأخيران "وهما: الذي، والنكرة"، أقل الأنواع استعمالًا، وسُمُوًّا بلاغيًّا، مع جوازهما.
3-
عدم نصبهما المفعول به؛ لأن كلا منهما في هذا الاستعمال فعل ماض جامد لازم -كما تقدم1.... ولكن يصح زيادة "كاف الخطاب" الحرفية في آخرهما، نحو: نِعْمك الرجل عثمان، وبئْسك الرجل زياد. وهذه الكاف حرف محض لمجرد الخطاب؛ فلا يعرب شيئًا، ولكنه يتصرف على حسب نوع المخاطب2. وزيادته -مع جوازها -قليلة في الأساليب البليغة3.
1 في رقم 1 من ص386.
2 تذكيرًا، وتأنيثًا، وتثنية، وجمعًا
…
3 سبق بيان هذا مفصلًا في ج1 ص238 م19 باب: الضمير، بمناسبة الكلام على:"كاف الخطاب" الحرفية.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- إذا كانت: "أل" جنسية في مثل: "نعم الوالد عليّ" ونظائره طبقًا لما أوضحناه1، فقد يراد منها الدلالة على الجنس حقيقة؛ فكأنك تمدح كل والد. ويدخل في هذا التعميم عليّ، ثم تذكره بعد ذلك خاصة؛ فكأنك مدحته مرتين؛ إحداهما مع غيره، والأخرى وحده.
وقد يكون المراد الجنس مجازًا؛ فكأنك جعلت الممدوح بمنزلة الجنس كله للمبالغة في المدح.
أمّا إذا كانت "أل" للعهد1، فقد تكون لشيء معهود في الذهن لم يذكر خلال الكلام؛ فتكون للعهد الذهني. فإن ورد في الكلام فهي للعهد الذكري. كالذي في قولهم:
خيرُ أيامِ الفتَى يومٌ نَفَعْ
…
فاتْبَع الحقَّ، فنِعْم المُتَّبَعْ
و"أل" الجنسية أقوى وأبلغ في تأدية الغرض، والعهدية أوضح وأظهر.
ب- إذا وقعت كلمة: "ما"2 بعد: "نعم وبئس" جاز فيها إعرابات كثيرة؛ وأشهرها ما يأتي:
1-
إعرابها حين يليها اسم منفرد "مثل: الزراعة نِعْم ما الحرْفُة" -إما نكرة تامة فاعلًا، وإما نكرة تامة: تمييزًا، وفاعل "نعم"، و"بئس" في هذه الصورة ضمير مستتر يعود على هذا التمييز، وتعرب الكلمة المنفردة التي بعدها "وهي: الاسم المنفرد" خبرًا لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ والجملة قبلها خبر عنها -كما سنعرف في إعراب المخصوص-.
2-
إعرابها حين يليها جملة فعلية، "مثل: نِعْم ما يقول العقلاء. وبئس ما يقول السفهاء
…
"، إما نكرة ناقصة، تمييزًا، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها. والجملة بعدها صفة لها. وإما معرفة3 ناقصة، فاعلًا، والجملة بعدها صلتها.
1 راجع: "أ" ص369.
2 انظر بعض أنواع "ما في رقم 1 من هامش ص372 ثم ما يجيء في الصفحة التالية.
3 اسم موصول.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3-
إعرابها حين تنفرد فلا يليها شيء؛ "نحو: الرياضة نعما، والإسراف فيها بئسما" إمَّا أن تكون نكرة تامة فاعلًا، وإمَّا تمييزًا، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها.
ففي كل الأحوال السابقة يجوز أن يكون الفاعل ضميرًا مستترًا يعود على "ما" لا فرق بين أن تكون نكرة تامة، وناقصة، ومعرفة تامة. كما يجوز أن تكون "ما" باعتباراتها المختلفة فاعلًا.
فإذا اعتبرناها نكرة ناقصة فالجملة بعدها صفتها، وإذا اعتبرناها معرفة ناقصة فالجملة بعدها صلتها، وإذا وقع بعدها كلمة منفردة، أو لم يقع بعدها شيء، فهي تامة، تعرب فاعلًا، أو تعرب تمييزًا والفاعل ضمير.
ولما كان كل نوع من أنواع "ما" مختلفًا في دلالته اللغوية عن النوع الآخر، كان تعدد هذه الأوجه الإعرابية جائزًا حين لا توجد قرينة توجه المعنى إلى أحدها دون الآخر؛ فإذا وجدت القرينة وجب الاقتصار على ما تقتضيه، فليس الأمر على إطلاقه -كما قد يتوهم بعض المتسرعين؛ ففي مثل:"لا أجد ما أتصدق به إلا اليسير؛ فيجيب السامع: نِعْم ما تجود به". تكون "ما" هنا نكرة موصوفة؛ فكأنه يقول: نِعم شيئًا أي شيء تجود به، وفي مثل؛ أعطيتك الكتاب الذي طلبته؛ فتقول: نعم ما أعطيتني؛ فكلمة "ما" موصولة، وهكذا
…
وإلا كانت الألفاظ ودلالتها فوضى. والقرائن والأسرار اللغوية لا قيمة لها، ومثل هذا يقال في "ألْ" السابقة، من ناحية أنها للعهد أو للجنس
…
وفي غيرها من كل ما يجوز فيه أمران، أو أكثر وتقوم بجانبه قرينه توجه إلى واحد دون غيره.
4-
امتناع توكيد فاعلهما المفرد الظاهر توكيدًا معنويًا، فلا يصح نعم الرجل كلهم1 محمد، ولا بئس الرجل أنفسهم عليّ. كما لا يصح: نعم الرجل كله محمد، ولا بئس الرجل نفسه عليّ2.... فإن كان فاعلهما مثني أو جمعها جاز، نحو: نعم الصديقان كلاهما، محمد وعلي- نعم الأصدقاء كلهم محمد وعلي وحامد.... ومثلهما المثنى والجمع للمؤنث
…
أما التوكيد اللفظي فلا يمتنع، وكذلك:"البدل، والعطف3". وأما النعت فيجوز إذا أريد به الإيضاح والكشف، لا التخصيص4، كقول الشاعر:
لعَمْري -وما عَمْرِي عليَّ بِهَيِّنٍ
…
لبِئْس الفتَى المدعُوُّ بالليَّلِ حاتِمُ
1 "كلهم" بالجمع مراعاة لمعنى الفاعل لا لفظه؛ لأنه بمعنى الجنس المشتمل على أفراد كثيرة، كما سبق في "أ" من ص369. "انظر رقم 2 التالي".
2 لا يصح التوكيد المعنوي إذا كان لفظه للجمع كالمثالين الأولين؛ لأن فيه تناقضا بين ظاهره اللفظي الدال على الجمع، وظاهر الفاعل الدال لفظه على الإفراد. كما لا يصح أيضًا إذا كان لفظه للمفرد؛ منعًا لمتناقض بين ظاهره اللفظي ومعنى الفاعل الملحوظ فيه الجنس كله، أو أنه بمنزلة الجنس كله.
هذا على اعتبار "أل" جنسية؛ أما على اعتبارها للعهد فلم يقطعوا فيه برأي، وإنما قالوا لا يستبعد جوازه "راجع الصبان وغيره في هذا الموضع"، وهذه فتوى مضطربة. والأحسن الأخذ بالرأي الذي لا يبيح التوكيد المعنوي مطلقًا؛ لأن الغرض منه لا يتحقق هنا مع "أل" العهدية؛ إذ مقام المدح والذم لا يتطلب الإحاطة والشمول فتأتي له بلفظ:"كل، أو جميع، أو عامة"، أو نحوها من ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول، وليس المقام بمقام رفع احتمال الشك عن ذات الفاعل فتأتي له بلفظ التوكيد الذي يزيل الشك عنها؛ مثل كلمة:"نفس"، أو ما يشبهها
…
3 اشترط بعض النحاة في "البدل والعطف" ن يكون كل منهما صالحًا لمباشرة "نعم""بأن يكون معرفًا "بأل" أو مضافًا إلى المعرف بها، ولو بواسطة
…
و."، وبعض آخر لم يشترط هذا؛ محتجًا بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع. ولم يوضح لنا أحد الفريقين موقفه من السماع الكثير الوارد عن العرب؛ لتكون الحجة قاطعة، ولهذا كان من التيسير المقبول الأخذ برأي من لا يشترط ما سبق.
4 لأن تخصيصه منافٍ للشمول والتعميم عند من يجعل "أل" جنسية، فإذا أريد به الكشف والإيضاح على تأويل أنه الجامع لكل الصفات، صح النعت به. وأما القائلون بأنها للعهد فلا يشترطون هذا، ويبيحون النعت. فهنا صورتان؛ يجوز النعت مع التأول في إحداهما، وعدم التأول في الأخرى، ومن الخير ترك هذا العناء كله، والاقتصار على النتيجة النافعة التي ينتهي إليها الرأيان وهي: النعت، وإهمال ما يحف به من جدل.
وقال الآخر:
نعمَ الفتَى المُرِّيّ1 أنْتَ، إذا همو
…
حضَروا لدى الحَجَرَات2 نارَ الْمُوقِد
فإن كان الفاعل ضميرًا مستترًا فلا يجوز أن يكون له تابع من نعت، أو عطف، أو توكيد، أو بدل.
5-
حاجتهما -في الغالب- إلى اسم مرفوع بعدهما هو المقصود بالمدح أو الذم، ويسمى:"المخصوص بالمدح أو بالذم". وعلامته: أن يصلح وقوعه مبتدأ، وخبره الجملة الفعلية التي قبله مع استقامة المعنى، نحو:"نِعْم المغرد البلبلُ، بئس الناعب الغرابُ"؛ فالبلبل هو: المخصوص بالمدح، والغراب: هو المخصوص بالذم، كلاهما يصلح أن يكون مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره؛ فنقول: البلبل نعم المغرد. الغرابُ بئس النَّاعب.
ويشترط في هذا المخصوص أن يكون معرفة، أو نكرة مختصة بوصف، أو إضافة، أو غيرهما من وسائل التخصيص3
…
وأن يكون أخص من الفاعل4، لا مساويًا له، ولا أعم منه5؛ وأن يكون مطابقًا له في المعنى، "فيكون مثله في مدلوله تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وتثنية، وجمعًا".... وأن يكون متأخرًا عن الفاعل؛ فلا يتوسط بينه وبين فعله6، -ويجوز تقدمه على الفعل والفاعل معًا- كما يجب تأخره عن التمييز إذا كان الفاعل ضميرًا مستترًا له تمييز؛
1 المنسوب لقبيلة مُرَّة -والمقصود به: سِنَان بن أبي حارثة المري.
2 الحجرات، جمع: حَجَرة "بفتح الحاء والجيم" وهي شدة برد الشتاء. وقد تقرأ: حُجُرات جمع: حُجْرة: بضم فسكون.
3 أو يصلح أن يكون خبرًا إذا جعلنا الفاعل مبتدأ موصوفًا بكلمة: "الممدوح" أو كلمة: "المذموم" على حسب المعنى؛ "لأن مفسر الفاعل كالفاعل"، نحو: نعم الصانع خليل، وبئس المصنوع النسيج، أي:"الصانع، الممدوح خليل""المصنوع، المذموم النسيج" وسيجيء الكلام، على إعراب المخصوص في ص378.
4 لأن المراد من الفاعل هو الجنس كله طبقًا للرأي الأغلب.
5 حجتهم في أن يكون أخص: أن يحصل التفصيل بعد الإجمال؛ ليكون أوقع في النفس
…
والحجة الحقيقية وحدها هي استعمال العرب، كالشأن في باقي الحجج التالية.
6 بزعم أن هذا أدعى للتشويق، لكن يجوز أن يتقدم على الفعل والفاعل وفي هذه الصورة لا يسمى: مخصوصًا. والسبب في المنع هو استعمال العرب ليس غير، ويجب إهمال هذه التعليلات.
نحو: نعم رجلًا المخترعُ.
أما إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا، فيجوز تقديم "المخصوص" على التمييز وتأخيره، فنقول: نِعم العالِمُ رجلًا إبراهيم، أو: نِعم العالِمُ إبراهيم رجلًا.
وإذا كان المخصوص مؤنثًا جاز تذكير الفِعل وتأنيثه، وإن كان الفاعل مذكرًا؛ نحو: نعم الجزاء الهدية، ونعم الشريك الزوجة، أو نعمتْ، فيهما. والتذكير في هذه الحالة أحسن ليطابق الفاعل1.
حذف المخصوص:
يجوز حذف "المخصوص"، إن تقدم على جملته لفظ يدل عليه بعد حذفه، ويغني عن ذكره متأخرًا، ويمنع اللبس والخفاء في المعنى؛ ويُسمَّى هذا اللفظ؛ بـ"المُشْعِر بالمخصوص"؛ سواء أكان صالحًا لأنْ يكون هو "المخصوص" أم غير صالح2؛ ويعرب على حسب الحالة؛ مثل: سمعت شعرًا عذبًا لم أتعرَّف صاحبه، ثم تبينتُ أنه البُحْتريّ؛ فنعم الشاعر. أي: فنعم الشاعر البُحْتريّ. وقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} ، أي: نعم العبد الصابر، ويصح: نعم العبد أيوب. وعلى التقدير الأول يكون "المشعر" -وهو كلمة: "صابرا"- من النوع الذي لا يصلح أن يكون "مخصوصًا"؛ لأنه نكرة غير مختصة، بخلافه على "التقدير الثاني".
إعراب المخصوص:
المشهور إعرابان؛ أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخرًا، والجملة الفعلية التي قبله خبر عنه، كما في المثالين السالفين3
…
وثانيهما: اعتباره خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبًا، تقديره:"هو"، أو: هي أو غيرهما مما يناسب المعنى، ويقتضيه السياق، فيكون في المثالين السابقين3
1 لهذا إشارة في رقم 3 من هامش ص369.
2 وهذه الصورة قليلة.
"3، 3" في رقم 5 من ص377.
مثلًا: نِعم المغرد هو البلبل، وبئس الناعب هو الغراب. أي: الممدوح البلبل، والمذموم الغراب. فالمراد من الضمير هنا:"الممدوح" أو: "المذموم".
وهناك إعراب ثالث؛ هو: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف؛ تقديره: "الممدوح" أو "المذموم".
تلك هي الأوجه الثلاثة المشهورة، ويلاحظ أن كُلَاّ منها قائم على الحذف والتقدير، أو التقديم والتأخير، مع الركاكة والضعف، مع أن هناك رأيًا قديمًا آخر أولى بالاعتبار؛ لخلوه من تلك العيوب وغيرها؛ هو: إعراب المخصوص "بدلًا"1 من الفاعل؛ فيكون: "البلبل" بدلا من "المغرد"، ويكون:"الغراب" بدلًا من: "الناعب"
…
هكذا
…
وحبذا الأخذ بهذا الرأي السهل الواضح في تقديرنا.
يجوز في هذا المخصوص أن تعمل فيه النواسخ؛ نحو: نعم مداويًا كان الطبيب؛ فهو اسم "كان" والجملة قبلها خبرها2
…
1 الأحسن أن يكون بدل كل من كل على جميع الاعتبارات؛ لأن المراد من البدل هو المراد من المبدل منه. ومن العجيب أن يكون هذا رأي قلة من النحاة مع وضوحه، وقوة انطباق قواعد البدل عليه، وعدم تناقضه مع قاعدة أخرى. وأما ما وجِّه إليه من عيب فقد دفعه العائبون أنفسهم، وانتهوا إلى خلوه من العيوب "كما يدل على هذا ما ورد في المطولات، ومنها حاشية الصبان في هذا الموضع، وقد نقل عن بعض المحققين جواز البدلية، وسجله في آخر باب عطف البيان" فلماذا لم يجعلوه في قوة غيره؟ بل لماذا لم يقدموه على غيره؟ ولا نريد أن نسجل هنا تلك العيوب وطرق دفعها؛ كي لا نسجل ما لا طائل وراءه. ومن شاء أن يطلع عليها فليرجع إليها في مظانها التي ذكرناها والتي لم نذكرها.
2 وفي المخصوص وإعرابه يقول ابن مالك:
وَيُذْكَرُ "الْمَخْصُوصُ" بَعْد مبتدا
…
أَوْ خَبَرَ اسْمِ لَيْس يَبْدُو أَبَدا
أي: يذكر المخصوص بعد الفاعل، ويعرب المبتأ، أو خبرا لمبتدأ محذوف وجوبًا، لا يجوز أن يظهر. ويقول في حذفه:
وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفَى
…
كَالْعِلْمُ نِعْمَ المقُتَنَى وَالمقْتَفَى
يريد: إن تقدم على المخصوص ما يشعر بمعناه ويدل عليه من غير لبس، أو فساد -كفى وأغنى عنه وجاز حذفه، كالأمثلة التي سبقت في الشرح. أما مثال: العلم نعم المقتنى والمقتفي فالمخصوص قد تقدم فصار في الظاهر هو المشعر، والأصل:"نعم المقتنى والمقتفي العلم"، فأغنى عن المخصوص؛ منعًا للتكرار الذي لا فائدة منه هنا، و"المقتنى": الشيء الذي يُتَّخَذ قِنْية، أي: الشيء الغالي، الذي يحرص الناس على ادخاره والاحتفاظ به. و"المقتفى" الذي يُقْتَفى؛ أي: يتبع وتراعى أحكامه
…
ومن النوع الأول الصريح1: الفعل: حب" يكون للمدح العام مع الإشعار بالحُبّ، ويكثر أن يكون فاعله كلمة: "ذا" التي هي اسم إشارة2 نحو: حبذا الموسيقيّ إسحاق، وقول الشاعر:
يا حبذا النيل على ضوء القمرْ
…
وحبذا المساء فيه والسحرْ
فإن جاء بعده الفاعل "ذا" وقبله: "لا" النافية كان للذم العام، نحو: لا حبذا البخيل مادر3.
وإنما كان معنى الفعل: "حب" هو: المدح مع الإشعار بالحب والقرب من القلب؛ لأنه فعل مشتق من مادة: "الحب"، وفاعله اسم إشارة للقريب. وهو ينفرد بهذه المزية دون "نعم".
ومما يدل على الذم العام الصريح أيضًا الفعل: "ساء"، تقول: ساء البخيل مادر، كما تقول: بئس للبخيل مادر، وقول الشاعر:
أألوم من بخلت يداه وأغتدي
…
للبخل تربًا4؟ ساء ذاك صنيعا!
فمعناهما واحد، هو: الذم العام5، وكذلك أحكامهما.
ومما تقدك نعلم "حبذا" جملة فعلية -على الرأي الأرجح -الفعل: فيها: "حب"، وهو هنا ماضٍ جامد6، وفاعله هو كلمة:"ذا" اسم الإشارة، مبنية
1 أي: الذي يدل على المدح أو الذم دلالة صريحة بغير قرينة.... "انظر ص367".
2 وعندئذ تتصل بآخره في الكتابة وجوبًا؛ طبقًا لقواعد رسم الحروف. ومن الأمثلة أيضًا قول الشاعر:
حبذا ليلة تَغَفَّلْت عنها
…
زمني فانتزعْتها من يديه
تغفلته: خدعته وهو غافل. أما الحرف "يا" فيجيء تفصيل الكلام عليه في مكانه الأنسب، وهو باب:"النداء" -ج3 م127 ص5 -ومنه يتعين أن الحرف: "يا" هنا: حرف تنبيه، أو حرف نداء
…
3 اسم رجل يضرب به المثل قديمًا في البخل.
4 صديقًا وصاحبًا.
5 إلا إن لوحظ في الفعل "ساء" أنه محول من أصله إلى صيغة "فعل" بقصد الذم الخاص مع التعجب، كما سيجيء الكلام على تحويل الأفعال الثلاثة إلى هذه الصيغة ص384 و385.
6 هو في الأصل مشتق. ولكنه صار جامدًا، كامل الجمود بعد انتقاله إلى حالته الجديدة التي قصد بها إنشاء المدح فصار مع فاعله جملة إنشائية خالية من الدلالة الزمنية على الوجه الذي شرحناه في رقم 1 من ص368.
على السكون في محل رفع. "الموسيقي" هو المخصوص بالمدح، ويعرب مبتدأ خبره الجملة التي قبله، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو غير هذا مما فصلناه1 في إعراب "مخصوص: نعم وبئس إلا بدليل فلا يصح هنا.
ومن أحكام هذا المخصوص أيضًا أنه لا يصح تقدمه على الفاعل وحده، دون الفعل، ولا على الفعل والفاعل معًا، فلا يصح: حب على ذا، ولا على حبذا؛ لأن تقدمه غير مسموع في الكثير الفصيح من كلام العرب؛ فصارت:"حبذا" معه ثابتة الموضع والصورة كالمثل؛ والأمثال لا تتغير مطلقًا. هذا إلى أن تقدمه قد يوهم "في مثل الصورة الثانية التي يكون فيها المخصوص مفردًا مذكرا" أن الفاعل ضمير مستتر، وأن "ذا" مفعول لا فاعل، وفي هذا إفساد للمعنى، لكن يصح أن يتقدم على التمييز أو يتأخر عنه؛ نحو: حبذا رجلًا العصامي، أو: حبذا العصامي رجلًا، ويصح الفصل بالنداء بينه وبين "حبذا" كما يصح حذفه إن دلت عليه قرينة لفظية أو حالية2. كقول الشاعر:
ألا حبذا لولا الحياة، وربما
…
منحت الهوى ما ليس بالمتقاربِ
1 في آخر ص378.
2 كثير من النحاة يمنع أن يكون الفاعل "ذا" تابع من التوابع الأربعة شأنه في هذا شأن فاعل "نعم" وبئس، إذا كان ضميرًا مستترًا، فإذا وقع بعد "ذا" اسم فهو "المخصوص" وهذا الرأي سديد هنا؛ لأن حاجة اسم الإشارة المخصوص الذي يوضحه ويزيده جلاء أشد من حاجته إلى البدل، أو غيره من التوابع. ويجب الأخذ بهذا الرأي في صورتي "حب" المنفية وغير المنفية، ما دام الأسلوب لإنشاء المدح أو الذم. لهذا يقولون في كلمة:"المجاهد" في مثل: حبذا المجاهد -إنها المخصوص، ويعربونها إعرابه، ولا يعربونها بدلًا. لكن يجوز توكيد جملة: حبذا توكيدًا لفظيًّا، ومنه قول الشاعر:
ألا حبذا، حبذا، حبذا
…
حبيب تحملت منه الأذى
ومما يقوي منع إعرابه عطف بيان أن عطف البيان لا بد أن يكون كمتبوعه -في الرأي الأصح- تعريفًا وتنكيرًا كما سيجيء في ص550، وقد وردت أمثلة كثيرة فصيحة وقع فيها مخصوص حبذا نكرة، منها قول جرير:
وحبذا نفحات من يمانية
…
تأتيك من قِبَل الريان أحيانا
فلو أعربنا كلمة: "نفحات" عطف بيان لخالفت متبوعها -وهو اسم الإشارة- في تعريفه.
والأصل مثلًا: ألا حبذا أخبار الحب، أو النساء
…
لولا الحياء، ولا يصح أن تعمل فيه النواسخ، بخلاف مخصوص "نعم" كما سبق1.
ومثل الإعراب السابق يقال في: لا حبذا البخيل مادر، مع إعراب "لا" حرف نفي، فليس ثمة خلاف بين الصيغتين في شيء إلا في وجود "لا" النافية قبل:"حبذا" مباشرة "أي بغير فاصل مطلقًا"2
…
وبسببها تصير الجملة لإنشاء الذم لا المدح. ولا يصح أن يحل حرف نفي آخر محل: "لا" في هذا الموضع ومن الأمثلة الجامعة للصورتين قول الشاعر:
ألا حبذا عاذري في الهوى
…
ولا حبذا الجاهل العاذل
وقول الآخر:
ألا حبذا أهل الملا، غير أنه
…
إذا ذكرت ميٌّ فلا حبذا هيا
وإذا كان فاعل؛ "حب" -في حالتي النفي وعدمه- هو كلمة: "ذا" وجب أمران؛ فتح الحاء في "حب3"
…
وأن يبقى الفاعل: "ذا" على صورة واحدة لا تتغير في الحالتين؛ هي صورة الإفراد والتذكير مهما كان أمر المخصوص من الإفراد، أو التثنية، أو الجمع، أو التذكير، أو التأنيث
…
نحو: حبذا الطبيبة فاطمة. حبذا الطبيبتان الفاطمتان. حبذا الطبيبات الفاطمات. حبذا الطبيب محمد. حبذا الطبيبان المحمدان. حبذا الطبيبون -أو الأطباء- المحمدون، فلا يصح إخراج "ذا" عن الإفراد
1 في ص379.
2 ويصح وقوع الحرف "يا" قبل "حبذا المثبتة، وفيما سبق خاصًّا بالفعلين: "ساء وحب" يقول ابن مالك:
واجعل كبئس ساء واجعل: "فعلا"
…
من ذي ثلاثة كنعم مسجلا
وسيجيء شرح هذا البيت في هامش ص391، ثم يقول بعده:
ومثل "نعم" حبذا الفاعل "ذا"
…
وإن ترد ذمًّا فقل: "لا حبذا"
أي: مثل: "نعم" مع فاعلها في إنشاء المدح، جملة، "حبذا": وهي جملة فعلية، الفاعل فيها هو كلمة:"ذا". أما عند إرادة الذم فقل: "لا حبذا" بزيادة "لا" النافية.
3 يشترط وصلها: بـ"لما" كتابة -كما سبق في رقم 2 من هامش ص380.
والتذكير؛ لأنها دخلت في أسلوب يشبه المثل، والأمثال لا تتغير مطلقًا، ولا تخالف الصورة الأولى التي وردت بها عن العرب1
…
فإن كان فاعل: "حب" اسمًا آخر غير كلمة: "ذا" فإنه لا يلتزم صورة واحدة، وإنما يساير المعنى، فيكون مفردًا أو غير مفرد، مذكرًا، أو غير مذكر، كل هذا على حسب ما يقتضيه المعنى. وعندئذ يجوز رفعه أو جره بباء زائدة في محل رفع، كما يجوز في "حاء" الفعل:"حب" أن تضبط بالفتحة أو الضمة، مثل: حب المضيء القمر، حب المضيئان القمران. حبت المضيئات الأقمار
…
وهكذا2؛ "لأنه يجري على "حب" من ناحية ضبط فائها وعينها ما يجري على مثلهما من الفعل الذي يحول إلى "فعل" وسيجيء الكلام عليه3".
1 يقول ابن مالك:
وأوْلِ: "ذا" المخصوص، أيا كان، لا
…
تعدل بـ"ذا" فهو يضاهي المثلا
"أوْلِ ذا: أتْبِعْ كلمة "ذا"
…
وجيء بعدها بالمخصوص أيًا كان، في أي مكان وصورة وجد من الأسلوب الخاص بالمدح والذم، أي: سواء أوجد للمفرد وفروعه أم المذكر وفروعه، لا تعدل بذا: لا تمل بلفظ "ذا" إلى غيره، ولا تنصرف عنه إلى سواء، والمراد لا تدخل عليه تغييرًا مطلقًا، يضاهي: يشابه".
2 يقول ابن مالك في الفاعل إذا كان غير كلمة "ذا"؛ وفي رفعه أو جره بالباء الزائدة، وفي ضبط "حاء" الفعل معه ومع "ذا":
وما سوى "ذا" ارفع بِحَبَّ، أو: فجُرْ
…
بالبا، ودون "ذا" انضمام الحا كَثُرْ
"الفاء في: "فجُر" زائدة، أو في جواب شرط مقدر؛ أي: إن شئت فجر؛ لأن حرف العطف لا يدخل على مثله": يقول: ارفع الفاعل إذا كان اسمًا غير كلمة "ذا"، أو: جره بالباء الزائدة. ودون "ذا" أي: في غير الفاعل: "ذا"، كثر انضمام الحاء في فعله "حب"، ويفهم من هذا أن ضم الحاء لا يصح إذا كان الفاعل هو كلمة:"ذا" كما شرحنا.
3 في ص390.