الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة 98: أبنية المصادر
مدخل
…
المسألة98: أبنية المصادر 1
المصادر الصريحة ثلاثة أنواع قياسية:
أولها: "المصدر الأصلي"، وهو ما يدل على معنى مجرد، وليس مبدوءًا "بميم" زائدة، ولا مختومًا بياء مشددة زائدة، بعدها تاء تأنيث مربوطة؛ ومن
1 إذا أطلق المصدر كان المراد النوع الأول من الثلاثة الآتية، وهو:"الصريح الأصلي" دون المؤول، ودون النوعين الآخرين -كما سيجيء في ص185، 188، 207.
وهنا موضع الكلام على المصادر الثلاثة الصريحة، وكل واحد منها يصح أن يتعلق به شبه الجملة. مع ملاحظة ما سبق في باب:"المفعول المطلق""ج2 م74 ص166" من أمور هامة تختص بالمصدر من ناحية تقسيمه إلى: مؤكد لعامله، ومبين للنوع، ومبين للعدد
…
، ومن ناحية ذكر عامله أو حذفه
…
إلخ..... أما المصدر المؤول فقد سبق تفصيل الكلام عليه "في ج1 م29 ص295 آخر باب: الموصول" حيث سردنا الحروف المصدرية، ومهمة كل منها؛ وصلته، وطريقة السبك، وما يمتاز به المصدر المؤول دون الصريح، وسائر أحكامه المختلفة.
وقد وضع ابن مالك في "ألفيته" هذا الباب بعد بابي "إعمال المصدر" و"إعمال اسم الفاعل، واسم المفعول" ولعل حجته ما ردده بعض النحاة من أن الإعمال أمر نحوي وثيق الصلة بالأبواب التي سبقت، وأن الأبنية والصيغ أمر صرفي يجيء في المنزلة التالية لمسائل النحو وأبوابه. وهذه حجة واهية -فيما نرى- إذ الترتيب المنطقي يقتضي تقديم الأبنية والصيغ ليكون إعمالها وأحكامها وكل ما يختص بها منصبًا على شيء معلوم مفهوم. ولا يعقل سرد الأحكام الخاصة بشيء دون أن يكون معلومًا من قبل. لهذا لم نأخذ بترتيب ابن مالك هنا، وقدمنا باب أبنية المصادر.
كلمة عن الجمود والاشتقاق، ومكان المصدر منها:
الاسم قسمان:
أ- جامد؛ وهو: ما لم يؤخذ من غيره. "أي: أنه وضع على صورته الحالية ابتداء. فليس له أصل يرجع إليه، وينتسب له". مثل: شجرة، قلم، أسد، حجر
…
ومثل: فهم، نبوغ، ذكاء، سماحة
…
والجامد قسمان: "اسم ذات"؛ وهو: ما يدل على شيء مجسم محسوس، كالأمثلة الأربعة الأولى، وما شابهها من أسماء الأجناس الحسية "وهي التي لها كيان مجسم محسوس يدخلها في دائرة الحس"، و"اسم معنى"؛ وهو: ما يدل على شيء عقلي محض "أي: شيء معنوي يدرك بالعقل، ولا يقع في دائرة المحسوس" كالأمثلة الأربعة الأخيرة وأشباهها مما ليس مجسمًا ولا مشخصا؛ كسائر الأجناس المعنوية.
أمثلته: علم، فهم، تقدم، استضاءة، إبانة. ومثل: بلاء، نضال
= ب- مشتق: هو ما أُخذ من غيره؛ بأن يكون له أصل ينسب له، ويتفرع منه، ويتردد ذكر المشتق أحيانًا باسم:"الوصف أو الصفة"، وهذان غير الوصف أو الصفة المراد منهما النعت الآتي في ص434، ولا بد في المشتق أن يقارب أصله في المعنى، وأن يشاركه في الحروف الأصلية. وأن يدل -مع المعنى- على ذات أو على شيء آخر يتصل به ذلك المعنى بوجه من الوجوه، كأن تكون الذات هي التي فعلته "كما في اسم الفاعل" أو هي التي وقع عليها؛ "كاسم المفعول" أو غير ذلك من زمان، أو مكان، أو آلة
…
مما سيجيء تفصيله في أبواب المشتقات
…
والمشتقات الأصلية التي تدل على معنى وذات أو شيء آخر، سبعة؛ هي: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، أفعال التفضيل، اسم الزمان، اسم المكان، اسم الآلة. أما المصدر الميمي فالصحيح أنه ليس من المشتقات -كما سيجيء في ص186، وفي الباب الخاص به ص231، وأما المصدر الصناعي فجامد مؤول بالمشتق -كما سيأتي في ص187- ويتوسع كثيرًا في المراد من المشتق حتى يشمل ثلاثة أشياء أخرى تدل على معنى وزمن مجردين من الذات وغيرها، وهي: الفعل الماضي، والمضارع، والأمر، والقرائن هي التي تحدد المراد من نوع المشتق، أهو مما يدل على المعنى والذات معًا؟ أم على المعنى والزمان معًا؟ أم المعنى وشيء آخر؟
وإذا استعمل علمًا فإنه يصير بمنزلة الجامد، فيفقد خواص المشتق وأحكامه: وتطبق عليه أحكام الجامد التي منها: أنه إذا أضيف كانت إضافته محضة، بالتفصيل والشروط السابقة في ص4 "راجع هامش ص89 ج1 م10".
وهناك بعض أسماء جامدة قد تلحق -أحيانًا- بالمشتق الدال على الذات والمعنى؛ وتسمى: "الأسماء الجامدة الملحقة بالمشتق"، أو:"الأسماء المشتقة تأويلًا"، ومنها: اسم الإشارة، ومنها: الاسم الجامد المنسوب، والاسم الجامد المصغر، وأكثر ألفاظ "الموصول"؛ كالموصولات المبدوءة بهمزة وصل. وسيجيء البيان في باب النعت -ص458- فكل هذه الأسماء جامدة، ملحقة بالمشتق. ويلاحظ أن هذه الأسماء "الملحقة بالمشتق"، أو "المشتقة تأويلًا" إنما تكون كذلك في بعض الحالات دون بعض؛ فليست ملحقة بالمشتق في جميع حالاتها: وإنما تلحق به حيث تكون في موضع لا يصلح فيه إلا المشتق، كالنعت مثلًا؛ إذ الأصل في النعت أن يكون مشتقًا، ولا مانع أن يكون لفظًا ملحقًا بالمشتق كالألفاظ السابقة.
"وفي مجلة المجتمع اللغوي ج1 ص381 بحث مستقل في الاشتقاق. وفي الجزء الثاني منها بحث آخر، في ص195، 245".
أصل المشتقات:
أ- المصدر الصريح -في الرأي الشائع المختار- هو أصل المشتقات العشرة، ومنه تتفرع. ولا يعنينا اليوم سرد كل الأدلة التي قام عليها اختياره وتفضيله، وحسبنا أقواها. وهو قولهم: إنه "بسيط"؛ لدلالته على المعنى المجرد، و"البسيط" أصل المركب. بخلاف "الفعل الماضي" الذي يعده آخر -كالكوفيين- الأصل؛ بحجة أنه يدل على المعنى المجرد وعلى الزمن؛ فهو يدل على ما يدل عليه المصدر =
فضل، صلاح
…
في قول شوقي يخاطب رجال الصحف الوطنية:
= وزيادة، وبتغيير يسير يدخل على بنيته يجيء المضارع أو الأمر
…
؛ فالمصدر لهذا أحق عندهم بأن يكون الأصل
…
، ولا يعنينا هذا ولا غيره بعد اشتهار الرأي الأول وشيوعه من غير ضرر لغوي في الأخذ به. فالخلاف لا قيمة له؛ -كما سيجيء البيان في هامش ص210- ولا سيما أن المشتقات الواردة عن العرب -وهي كثيرة- لا دليل معها، على الأصل الذي تفرعت منه.
ب- وإذا كان المصدر الصريح هو أصل المشتقات العشرة، فهل الاشتقاق من غير ممنوع؟
بعبارة أخرى: هذا المصدر يدل على المعنى المجرد؛ فلا دلالة له على ذات، أو زمان، أو مكان، أو تذكير، أو تأنيث أو عدد
…
" -وهذا هو الغالب: لأنه قد يدل على المرة أو الهيئة، كما سيجيء في ص225 أما المصدر المؤول فيدل على زمن، وغيره "كما سبق في ج1 ص302 م29
…
و
…
" فهل يترتب على هذا أن يكون الاشتقاق مأخوذًا من أسماء المعاني المصدرية وحدها دون الاشتقاق من أسماء "الذوات" التي يسمونها أسماء: "الأعيان"، "يريدون: الأشياء المجسمة المحسوسة" ودون الاشتقاق من أسماء المعاني التي ليست بمصادر، كالاشتقاق من أسماء الأعداد وغيرها مما سيأتي؟ "مع ملاحظة أن بعض القدماء كان يطلق كلمة: "الأخذ" على الاشتقاق من غير المصادر الصريحة -كما في كتاب "أصول اللغة الذي أصدره المجمع في القاهرة سنة 1969 ص22".
الجواب عن هذا: أن الاشتقاق من أسماء الأجناس الخاصة بالمعاني المصدرية جائز لا يكاد يمنعه مانع. أما الاشتقاق من أسماء الأجناس الحسية، فنوعان:
أ- نوع جرى الترجيح قديمًا وحديثًا على قبوله، وهو اشتقاق صيغة "مفعلة" -بفتح الميم والعين- من الجامد الثلاثي الحسي للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء الحسي المجسم؛ "كمعنبة"؛ لمكان يكثر فيه العنب، و"مخشبة" لمكان يكثر فيه الخشب
…
"وهكذا مما سيجيء تفصيله وإيضاح حكمه في مكانه المناسب من بابي: "اسم الزمان والمكان" ص318 و"ح" ص326" ولا بد في هذا النوع من أن تكون الصيغة مقصورة على "مفعلة" دون غيرها. وأن تكون من ثلاثي حسي جامد؛ لتحقيق الدلالة على المكان والشيء الحسي الذي يكثر به، كما سنبينه في الموضع المشار إليه.
ب- ونوع يخالف ما سبق. واتجه رأي الأغلبية من القدماء إلى منعه، والتشدد في حظر القياس عليه. وقد عرض المجمع اللغوي القاهري لهذا النوع، وأطال البحث فيه، وعقد بشأنه فصلًا طويلًا تربى صفحاته على ست وثلاثين "في الجزء الأول من مجلته، في ص232 وما بعدها" بعنوان: "الاشتقاق من أسماء الأعيان"، وقد وفى البحث حقه، وأولاه من العناية ما هو به جدير، وعرض مئات من الكلمات المسموعة عن العرب الفصحاء، مشتقة من أسماء الأجناس الجامدة العينية، غير الثلاثية واستخلص منها قرارًا نصُّه الحرفي -كما جاء في المرجع السابق:"اشتق العرب كثيرًا من أسماء الأعيان، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم" ا. هـ.
ومن هذا النص يتبين أنه غير مقصور على صيغة معينة، ولا نوع خاص من المشتقات العينية بالرغم من مخالفته لنص آخر سنذكره بعد، وبالرغم من أنه مقصور على لغة العلوم. وقد سجل المجمع في بحثه عدم حاجة الفن والأدب إلى استخدامه؛ لكثرة الوسائل اللغوية الأخرى التي تغني عنه. وكان =
حمدنا بلاءكمو في النضال
…
وأمس حمدنا بلاء السلف
ومن نسي الفضل للسابقين
…
فما عرف الفضل فيما عرف
أليس إليهم صلاح البناء
…
إذا ما الأساس سما بالغرف؟
= الأولى أن يجعله عامًّا بعد أن عرض مئات من الكلمات المنقولة عن العرب، والتي استند إليها في قراره. وكثر منها ليس مقصورًا على ما يستخدم في لغة العلوم وحدها؛ فالاستناد إلى تلك الكثرة الوافرة يجعل القياس عليها صحيحًا قويًّا، ويقتضي أن يكون ذلك القياس عامًّا شاملًا لغة العلم وغيره. هذا إلى أن قصره على لغة العلم وحده وفصلها من لغة الأدب عسير أشد العسر في معاهد التعليم، وفي الخطابة، وفي غيرها من كل ما يقوم على اللغة الصحيحة، وتتشابك فيه لغة العلم ولغة الأدب. وها نحن أولاء نرى الاشتقاق من أسماء الأعيان قد شاع بين طوائف المثقفين في الشئون المختلفة، غير مقصور على نوع معين، واشتهر حتى صار بمنزلة:"الاصطلاح" ومن الخير قبوله ما دام لا يؤدي إلى خفاء أو لبس.
وقد أصلح المجمع قراره السابق، وجعله مطلقًا غير مقيد بشيء مما سبق؛ فقد جاء في ص69 من كتابه المجمعي الصادر في سنة 1969 مشتملًا على القرارات المجمعية الصادرة من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين ما نصه تحت عنوان:"الاشتقاق من أسماء الأعيان دون قيد الضرورة" بناء على رأي لجنة الأصول، وهو:
"قرر المجمع من قبل إجازة الاشتقاق من أسماء الأعيان للضرورة في لغة العلوم، كما أقر قواعد الاشتقاق من الجامد. واللجنة تأسيسًا على أن ما اشتقه العرب من أسماء الأعيان كثير كثرة ظاهرة، وأن ما ورد من أمثلته في البحث الذي احتج به المجمع لإجازة الاشتقاق، يربى على المائتين -ترى التوسع في هذه الإجازة بجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائزًا من غير تقييد بالضرورة" ا. هـ.
وقد وافق المجمع ومؤتمره على رأي اللجنة، وصدر قرارهما في الجلسة الثامنة من مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين سنة 1968. أما قواعد الاشتقاق المشار إليها في القرار السالف فقد ورد بيانها في الكتاب المجمعي الذي تقدم ذكره؛ ففي ص62 منه النص الآتي تحت عنوان:"قواعد الاشتقاق من الجامد العربي والمعرب" ومعها البحوث الخاصة بها.
أولا: في الاسم الجامد العربي:
1 إذا أريد اشتقاق فعل ثلاثي لازم من الاسم العربي الجامد الثلاثي مجرده ومزيده، فالباب فيه "نصر" ويعدى إذا أريدت تعديته بإحدى وسائل التعدية، كالهمزة والتضعيف
…
؛ مثل: قطنت الأرض تقطن، كثر قطنها. وقطنها زرعتها قطنًا".
2 أما إذا أريد اشتقاق فعل ثلاثي متعدٍّ فالباب فيه "ضرب" مثل: قطنت الأرض أقطنها زرعتها قطنًا.
3 وفي كلتا الحالتين يستأنس بما ورد في المعجمات من مشتقات للأسماء العربية الجامدة؛ لتحديد صيغة الفعل؛ تبعًا لما ورد من هذه المشتقات.
4 ويشتق الفعل من الاسم العربي الجامد غير الثلاثي على وزن "فعلل" متعديًا، وعلى وزن "تفعلل" لازمًا. وإذا كان الاسم رباعي الوصول، أو رباعيًّا مزيدًا فيه، مثل: درهم وكبريت، اشتق منه على وزن "فعلل" بعد حذف الزائد من المزيد؛ فيقال درهم الزهر وكبرت، أي: صار كالدرهم والكبريت =
ومئات أخرى. وهذا النوع -وحده- هو المقصود من كلمة: "مصدر" حين تذكر مطلقة بغير قيد يبين نوعًا معينًا. أما غيره فلا بد أن يذكر معه ما يبين نوعه.
= وإذا كان خماسيًّا؛ مثل سفرجل، اشتق منه على وزن "فعلل" بعد حذف خامسة، فيقال سفرج النبت، بمعنى: صار كالسفرجل.
5 وتؤخذ المشتقات الأخرى من هذه الأفعال على حسب القياس المصرفي.
ثانيًا: في الاسم الجامد المعرب:
6 ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب الثلاثي على وزن "فعل" بالتشديد متعديًا، ولازمه "تفعل".
7 ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب غير الثلاثي على وزن "فعلل" ولازمه "تفعلل"
…
"ا. هـ المنقول من كتاب المجمع.
هذا، ولعل قرار المجمع يشمل -فيما يشمل- الاشتقاق من أسماء المعاني التي ليست مصادر؛ كالاشتقاق من أسماء العدد؛ فإن هذه أسماء معادن جامدة وليست بحسية، ولا بمصادر، وكالاشتقاق من أسماء الأزمنة وأسماء الصوت، وهما من أسماء المعاني الجامدة أيضًا. وفي مجلة المجمع "ج1 ص381" بحث مفيد في هذا، وفي الاشتقاق وأنواعه عامة. وقد سبقت الإشارة إليه وإلى أن بعض القدماء كان يسمى الاشتقاق من غير المصادر الصريحة:"الأخذ".
بناء على ما سبق من جواز الاشتقاق من أسماء الأعيان يقال "كما جاء في مجلة المجمع اللغوي القاهري، ص8 من العدد الخاص بالبحوث والمحاضرات التي ألقيت في مؤتمر الدورة الثلاثين لسنة 1963-1964" "مغنطَ من المغناطيس، وقصدر من القصدير، كما قيل قديمًا ذهب من الذهب، وكبرت من الكبريت
…
" ا. هـ.
وجاء في العدد الخاص مؤتمر الدورة التاسعة والعشرين -ص هـ- ما نصه في الاشتقاق السالف من الاسم الجامد: "أن يكون الثلاثي اللازم من باب: "نصر" والمتعدي من باب: "ضرب" وغير الثلاثي من باب: "فعلل" في المتعدي: "وتفعلل" في اللازم" ا. هـ. وقد سبقت الأمثلة.
"ملاحظة": يتصل اتصالًا وثيقًا بما سبق ما قرره المجمع من صحة اشتقاق "فعل" من العضو للدلالة على إصابته. ونص القرار -"كما جاء في ص39 من كتابه الذي أخرجه سنة 1696 باسم: "كتاب في أصول اللغة" مشتملًا على مجموعة القرارات التي أصدرها المجمع من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين" بعنوان: "اشتقاق "فعل" من العضو للدلالة على إصابته" قال بعد العنوان: "كثيرًا ما اشتق العرب من اسم العضو "فعلًا" للدلالة على إصابته. وقد نص أبو عبيد على أن ذلك عام في كل ما يشكى منه في الجسد، وكذلك نص ابن مالك في التسهيل على أنه مطرد" ا. هـ. لهذا ترى لجنة الأصول بالمجمع قياسيته. ووافقها المجلس والمؤتمر على رأيها، وصدر قرارهما بالموافقة في جلسة المؤتمر الثامنة من دورة 29 سنة 1963 هذا وفي الكتاب المجمعي السالف البحوث المفيدة التي اعتمد عليها المجمع ومؤتمره في إصدار القرار السالف، مدعومة بعشرات من الكلمات المسموعة التي تؤيده، ومن مثل: جلده. رأسه. بطنه
…
، أي: أصاب جلده. ورأسه. وبطنه
…
و....
ويدخل في نوع المصدر الأصلي المصدر الدال على "المرة1 والهيئة" فوق دلالته على المعنى المجرد، ولكنه لا يذكر إلا مقيدًا بذكر المرة أو الهيئة2.
ثانيهما: المصدر الميمي3، وهو:"ما يدل على معنى مجرد، وفي أوله "ميم" زائدة، وليس في آخره ياء مشددة زائدة بعدها تاء تأنيث مربوطة4"، ومن أمثلته: مطلب، مضيعة، مجلبة، مَعدل
…
"بمعنى: طلب، ضياع، جلب، عدول" في قول بعض الحكماء: "ينبغي للعاقل إذا عجز عن إدراك مطلبه ألا يسرف في الهم؛ فإن الإسراف فيه مضيعة للحزم؛ مجلبة لليأس، معدل عن السداد. وإذا ضاع الحزم، وأقبل اليأس، واختفى السداد -فرّت فرص النجاح، وساءت الحياة".
وهو قياسي، ويلازم الإفراد، والراجح أنه لا يعد من المشتقات5. وسيجيء تفصيل الكلام على طريقة صياغته، وفائدته، وبقية أحكامه الأخرى6:
ثالثها: المصدر الصناعي؛ -وهو قياسي- ويطلق على: كل لفظ "جامد أو مشتق، اسم أو غير اسم" زيد في آخره حرفان، هما: ياء مشددة، بعدها تاء تأنيث مربوطة؛ ليصير بعد زيادة الحرفين اسمًا دالًا على معنى مجرد لم يكن يدل عليه قبل الزيادة. وهذا المعنى المجرد الجديد هو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ، مثل كلمة: إنسان؛ فإنها اسم، معناه الأصلي:"الحيوان الناطق"
1 سيجيء الكلام عليه في ص225.
2 في ص207 تعريف مفيد آخر المصدر.
3 له بحث مستقل في ص231.
4 يسميها بعضهم: "تاء التأنيث"، ويسميها غيرهم:"تاء النقل" من حالة إلى أخرى؛ كالنقل من المذكر للمؤنث، أو من الوصفية "الاشتقاق" إلى الاسمية المحضة
…
"كما في مجلة المجمع اللغوي،ج1 ص14، وانظر رقم 1 من هامش الصفحة الآتية" والأمران سيان. ولكن التسمية الأولى أشهر وأوضح. وهي بكل أسمائها علامة قاطعة على التأنيث اللفظي "وقد فصلنا هذا في ج4 م169 ص542 باب: التأنيث، وفي هامشي ص546، 547".
5 كما سبق في "ب" هامش ص182، وكما سيجيء في ص234، 235 لكن يصح أن يتعلق به شبه الجملة؛ كالشأن في المصادر الأصلية الصريحة.
6 في ص231.
فإذا زيد في آخره الياء المشددة، وبعدها تاء التأنيث المربوطة1، صارت الكلمة:"إنسانية" وتغيرت دلالتها تغيرًا كبيرًا؛ إذ يراد منها في وضعها الجديد معنى مجرد، يشمل مجموعة الصفات المختلفة التي يختص بها الإنسان، كالشفقة، والحلم، والرحمة، والمعاونة، والعمل النافع
…
و
…
ولا يراد الاقتصار على معناها الأول وحده، ومثلها: الاشتراك والاشتراكية، الأسد والأسدية، الوطن والوطنية، التقدم والتقدمية، الحزب والحزبية، الوحش والوحشية، الرجع والرجعية و.... وهكذا.
وليس لهذا النوع من المصدر القياسي صيغ أخرى، ولا دلالة غير التي شرحناها. ولا أحكام نحوية تخالف الأحكام العامة التي لكل اسم من سائر الأسماء، إلا أنه اسم جامد، مؤول بالمشتق، يصح أن يتعلق به شبه الجملة -كما سبق22- ويصح أن يكون نعتًا وحالًا
…
و
…
3 بخلاف النوعين السابقين، فهما اسمان جامدان، ولكل منهما أحكام خاصة به، وأوزان وطرق لصياغته4 على حسب البيان التالي:
1 وتسمى "تاء النقل"؛ لأن الاسم قبل مجيئها كان مختومًا بياء النسب التي تجعله في حكم المشتق. فلما جاءت هذه التاء نقلته إلى الاسمية المحضة، وخلصته للدلالة على الحدث، أي: على المعنى المجرد.
2 في "ب" من هامش ص182.
3 عرضت المراجع القديمة لهذا المصدر الصناعي القياسي بما لا يخرج عما قدمناه. وكذلك عرض له مجمع اللغة القاهري عرضًا موجزًا في دور انعقاده الأول، وفيما يلي النص الحرفي -كما ورد في محضر الجلسة الثانية والثلاثين من محاضر جلسات دور الانعقاد الأول ص426- على لسان أحد الأعضاء قال:
"حاجتنا إلى المصدر الصناعي ماسة في علم الكيمياء وغيره من العلوم. وقد قال العلماء إنه من المولَّد المقيس على كلام العرب. وتخريجه سهل؛ لأن هذا المصدر مكون من اللفظ المزيد عليه ياء النسب، وتاء النقل، على رأي أبي البقاء في: "الكليات". ا. هـ. وتقدم المراد من تاء النقل في رقم 4 من هامش الصفحة السالفة.
ثم جاء في المحضر بعد ذلك ما نصه: "أن عضوًا قرأ نصوصًا من شرح القاموس في مادة: "كيف" ونصوصًا أخرى من "كليات أبي البقاء"، وأن مناقشة الأعضاء في هذه النصوص انتهت إلى القرار الآتي وهو: "إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد ياء النسب والتاء" ا. هـ. وقد وافق عليه المجلس نهائيًّا طبقًا لهذا، ولما في ص21 من كتاب المجمع المشتمل على القرارات السليمة من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين.
4 والأصل في المصدر الصريح بأنواعه الثلاثة السالفة الخالية من الدلالة على المرة أو الهيئة أن يدل على المعنى المجرد.... "وهو -كما في ص181 وب من ص183- المعنى العقلي المحض الذي لا وجود له في غير الذهن"، فلا يدل -بصيغته- على ذات، ولا على زمن، ولا إفراد ولا تثنية، ولا جمع =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ولا تأنيث، ولا تذكير، ولا علمية، ولا شيء أكثر من ذلك المعنى المجرد. والمعاني المجردة كثيرة، لا تكاد تحصر، والحاجة إلى استعمالها شديدة. ومن العسير على غير العرب الأوائل معرفة المصدر الصحيح للفعل، والاهتداء إليه بين غيره من المصادر الأخرى الكثيرة المتنوعة. بل أن العرب الأوائل -وهذا أمر يجب التنبة له- نطقوا المصادر بفطرتهم ارتجالًا، دون أن يعرفوا أسماءها الاصطلاحية، وأحكامها المختلفة، وغير هذا مما وضع عند تدوين العلوم العربية، ولا سيما النحو.
فلوضع ضوابط للكشف عن هذا المصدر، والاهتداء إليه في يسر وسهولة وتوفيق، عكف اللغويون والنحويون -منذ عصور بعيدة- على فصيح الكلام العربي المأثور، وعرضوا للمصادر الواردة بأكثره خلال ما عرضوا له من المسائل، ودرسوها دراسة وافية من نواحيها المختلفة، وبذلوا فيها الجهد -كعادتهم- مصممين أن يصلوا من وراء هذه الدراسة الصادقة المضنية إلى تجميع أكثر المصادر الواردة، واستخلاص ظواهرها وخواصها، ثم تصنيفها أصنافًا متماثلة، لكل صنف أوصافه وخصائصه التي ينفرد بها، وتشترك فيها أفراده واحدًا واحدًا، دون غيرها، بحيث يصح أن ينطبق على كل صنف عنوان خاصٍّ به، تندرج تحته أفراده، ولا يشاركها فيه أفراد صنف آخر، له عنوانه الخاص، وله أوصافه وخصائصه التي تغاير ذاك. كما هو الشأن في كل القواعد والضوابط العلمية.
وقد نجحوا فيما أرادوا. فجمعوا المصادر المأثورة جمعًا حميدًا -قدر استطاعتهم- ثم صنفوها، ونوعوها، وجعلوا لكل صنف ونوع قواعد وضوابط مركزة؛ تضم تحتها أفراده الكثيرة، المبعثرة، وتنطبق عليها وعلى نظائرها مما نطق به العرب، وما ستنطق به -قياسًا على ما نطقت به العرب- أجيال قادمة لإعداد لها من خلفائهم؛ فهذا صنف لمصدر الثلاثي المتعدي، وهذا صنف آخر لمصدر الثلاثي اللازم. وكلاهما قد يكون دالًا على حركة، أو صوت، أو غيرهما
…
-وصنف ثالث لمصدر الرباعي أو الخماسي
…
و.... والعارف بتلك الضوابط والقواعد يستطيع أن يهتدي إلى صيغة "المصدر الأصلي" الذي يريده في سرعة وتوفيق.
وتخلص من هذا أمرين هامين:
أولهما: أن تلك الضوابط والقواعد التي وضعوها، وحصروا بها أنواع المصادر، وأوزانها، ونسقوا صنوفها، ونظموا استعمالها -مستنبطة من أكثر الكلام العربي فصاحة، وصحة، وشيوعًا؛ فتطبيقها مباح لكل عارف بها، محسن لاستخدامها، من غير أن يلزمه أحد الرجوع إلى أصولها الأولى التي استنبطت منها، "وهي؛ المصادر الواردة في الكلام العربي الأصيل"؛ فإن هذا الرجوع عبث واضح، وجهد ضائع بعد أن استنفد الأئمة والعلماء جهدهم في استنباط قواعدهم وضوابطهم من ذلك الكلام الفصيح، وانتزعوا أحكامهم من أصيله للغالب، في دقة وحيطة، وبالغ أمانة. فالعمل بما استنبطوه إنما هو تطبيق صحيح على ذلك الكثير المسموع، أو مجاراة سليمة للشائع الوارد عن العرب، ومحاكاة سائغة لا مكان معها لإيجاب الرجوع إلى "الأصل" الأول، وتحتيم المعاودة إليه قبل استعمال الضوابط والقواعد؛ ففي هذا الرجوع إضاعة الجهد والوقت، فلن تأتي المعاودة بجديد. وقد يكون في هذا الإيجاب والتحتيم -فوق ما فيه من إضاعة الجهد، والوقت، والمال -تعجيز لغير المتفرغين المشتغلين "باللغويات" عامة، و"النحويات" =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= خاصة، فليس بد من الأخذ الحر بما استنبطه ثقات العلماء الحاذقين، والاستناد إلى ما قالوه؛ فإذا قرروا، -مثلًا- أن مصدر الفعل الماضي الرباعي الذي على وزان:"فعَّل" هو: "التفعيل" وجب الإيمان بما قرروا؛ فنقول في مصادر: قوَّم، علَّّم، كسَّر، كرَّم
…
وأمثالها: تقويم، تعليم، تكسير، تكريم
…
و
…
وهكذا من غير بحث عنه في كلام عربي قديم. أو في مرجع لغوي، أو غيره
…
فلا داعي لهذا البحث مع وجود القاعدة وانطباقها. وإذا قالوا: إن مصدر الفعل الثلاثي المتعدي هو: "فعل" وجب الاطمئنان لقولهم، والأخذ به، وتطبيقه -في غير تردد- على كل فعل ثلاثي متعدٍّ، نريد الوصول إلى مصدره، نحو: سمع سمعًا، فهم فهمًا، كتب كتابًا، ونظائر هذا من مئات، بغير رجوع إلى مرجع لغوي أو غير لغوي، ولو كان الرجوع إليه لا يكلفنا جهدًا، أو وقتًا، أو مالًا. وبهذه الطريقة المثلى نجنب أنفسنا الشطط، ونوقيها مساءة العافية التي تترتب على إهمال رأي الثقات البارعين من العلماء المتخصصين المتفرغين إهمالا يستحيل معه أن تستقيم أمور اللغة، أو يستقر لها وضع صالح، وحياة قوية ناهضة. فالواجب أن نعتمد على القاعدة في الوصول إلى المصدر القياسي للفعل، ولا نبالي بعد ذلك أله مصدر سماعي آخر أم لا؟
وما سبق مستمدٌّ من أقوال أئمة كبار يقررون: "أن استعمال المصدر القياسي جائز وإن سمع غيره"، وفي مقدمتهم:"الفراء" الذي وصفه الإمام اللغوي النحوي "ثعلب" -كما جاء في مقدمة كتاب معاني القرآن، للفراء -أحد أئمة الكوفة- بقوله: "لولا الفراء لما كانت عربية: لأنه خلصها وضبطها. ولولا الفراء ما كانت عربية؛ لأنها كانت تتنازع، ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس فيها على قدر عقولهم وقرائحهم فتذهب
…
" والذي وصفه عالم آخر "كما جاء في معجم الأدباء -ج20 ص110" بقوله: "لو لم يكن لأهل بغداد من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان بهما الافتخار على جميع الناس". ا. هـ. وقيل عنه أيضًا -كما جاء في تهذيب ج11 ص212 -"والفراء أمير المؤمنين في النحو". ا. هـ، وفي تاريخ بغداد: "كان يقال: النحو الفراء، والفراء أمير المؤمنين في النحو". وقد وصفه يحق أحد أعضاء المجمع اللغوي القاهري. بأنه "إمام الكوفيين، ووارث علم الكسائي، ولا يترتب علينا إذا أخذنا بمذهبه" -راجع ص108 من محاضر جلسات الدور الرابع.
ومنهم العبقري: "ابن جني". في كتابه الخصائص "ج1 ص362، 367، 439" ومن أوضح النصوص في هذه الصفحات ما جاء في ص367 من الباب الذي عنوانه: "باب في اللغة تؤخذ قياسًا""وقد سجلته مجلة المجمع اللغوي في أحد أعدادها، وسجلته محاضر جلسته في دور الانعقاد الرابع ص45. وسجلناه في آخر الجزء الثاني من كتابنا. ثم هو صاحب المذهب الذي أخذه من المازني، ونصه -كما ورد في ص44 من تلك المحاضر، وفي ج1 ص367 من كتابه: "ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب". وهو القائل: "ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع، فإذا حذا إنسان على مثالهم، وأمَّ مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعًا، ولا أن يرويه رواية". ومثل هذا ما جاء =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= في "المصباح المنير"، مادة:"خلف"، -ونصه: "عدم السماع لا يقتضي عدم الأطراد مع وجود القياس
…
" ا. هـ. وأقوى من هذا كله ما دونه أبو البركات ابن الأنباري -المتوفى سنة 577 هـ- في كتابه: "لمع الأدلة" في أصول النحو""الفصل الحادي عشر ص95" وفي مطلعه يقول ما نصه: "اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق؛ لأن النحو كله قياس؛ ولهذا قيل في حده: "النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب؛ ومن أنكر القياس فقد أنكر النحو. ولا نعلم أحدًا من العلماء أنكره؛ لثبوته بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة
…
" ا. هـ. وقد رأى المجمع اللغوي الاعتماد على ما قاله ابن جني، وعلى أدلته في كثير من المسائل الأخرى -كما في "جـ1 ص226" من مجلته. ومن القائلين بقياسية المصدر: الزمخشري، ومكانته في العلوم العربية والشرعية معروفة "راجع كلامه ص13 من كتاب "القياس والسماع" لأحمد تيمور".
لكل هذا لم يكن مقبولًا رأي "سيبويه"، ومن انضم إليه قديمًا وحديثًا، مخالفين رأي "الفراء" ومن وقف إلى جانبه؛ إذ يرى سيبويه أن الضوابط التي تحدد وتضبط مصادر الفعل الثلاثي لا يصح استخدامها قياسًا مطردًا قبل الرجوع إلى السماع، ويجب الاقتصار على المسموع وحده بعد البحث عنه والعثور عليه، وإنما تستخدم الضوابط والأقيس للوصول إلى المصدر حين لا يكون للفعل مصدر مسموع من العرب، فإذا ورد فعل لم يُعرف عن العرب كيف نطقوا بمصدره جاز استخدام القياس بتطبيق الضابط والقاعدة. أما مع ورود المصدر المسموع المعروف فلا يجوز؛ لأننا مقيدون "بالمصدر" الذي نطقت به العرب الخلص، وعرفناه عنهم، ولا داعي معه لخلق مصدر جديد لم ينطقوا به نصًّا.
وهذا رأي غريب يعوق الانتفاع باللغة، ويسلمها إلى الجمود والتخلف. وأعجب من هذا، وأوغل في الغرابة أن يكون هناك رأي آخر يحرم استخدام الصيغ القياسية مطلقًا "أي مع وجود أخرى سماعية أو عدم وجودها، وسيجيء في ص291". والفراء وأنصار رأيه يخالفون. ولعل أظهر حججهم أن في رأي سيبويه إعناتًا من غير داعٍ؛ لأن القاعدة -أي قاعدة- إنما هي حكم عام مستنبط، كما شرحنا من الكثير الوارد عن فصحاء العرب، وضابط متنزع من الغالب الذي استعملوه، فكيف يراد منا أن نمتنع عن القياس على ذلك الكثير حين يوجد ما يخالفه ولو كان شاذًّا، وأن نقتصر على هذا المخالف وحده، دون استخدام القياس الذي يجري على نهج الكثير الفصيح المخالف له؟ كيف يتحتَّم علينا استعماله ولو كان شاذًّا، ويحرم علينا صوغ ألفاظنا وعباراتنا على النهج الغالب في كلام العرب الخلص مع علمنا أن الشاذ هو القليل النادر في كلامهم؟ ومع علمنا -كما تقدم- أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ كما سجله ابن جني في المراجع السابقة، وكما يقرره جمهرة النحاة في مراجعهم، ومنه ما نقله الهمع -في باب الحال جـ1 ص247- عن أبي حيان ونصه:"إنما نبني المقاييس العربية على وجود الكثرة" -كما سيأتي هنا -وما نقله أيضًا -في باب التصريف جـ2 ص217- من مذاهب القياس، وفيها يقول ما نصه: "المذهب الثالث: التفصيل بين ما تكون العرب قد فعلت مثله في كلامها كثيرًا واطرد، فيجوز لنا إحداث نظيره، وإلا فلا
…
" ا. هـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فليس استخدامنا المصدر القياسي مع وجود السماعي إلا كاستخدامنا الألفاظ والكلمات التي تجري عليها الرفع، أو النصب، أو الجزم في أساليبنا الخاصة التي تنشئها إنشاء يختاره كل منا على حسب هواه، ونؤلفها تأليفًا مبتكرًا لم تنطق به العرب نصًّا، ولم تعلم عنه شيئًا، وإن كان لا يخرج في هيئة تكوينه، ومادة كلماته، وترتيبها، وضبط حروفها -على النسق الوارد عنهم، ولا يتعدى حدودهم العامة، فهي أساليبنا، ومن صنعنا، وهي في الوقت نفسه أساليب عربية صميمة، وتسمى بهذا الاسم؛ لجريانها على النظام العربي الأصيل في مفرادتها، وطرائق تركيبها، وضبط حروفها؛ فلا مسوغ عند هؤلاء لمنع استخدام المصدر القياسي مع وجود السماعي المعروف.
وشيء آخر: هو أن قصر القياس في هذا الباب على الأفعال التي لم يرد لها مصادر مسموعة، يقتضينا أن نرجع لكل المظان المختلفة، ونطيل البحث؛ حتى نطمئن إلى عدم وجود مصدر سماعي للفعل؛ كي نستبيح استعمال المصدر القياسي. وفي هذا من الجهد المضني والوقت ما لا يقدر عليه خاصة الناس، بلْه عامتهم. ولو أخذنا به قبل استعمال كل مصدر لحملنا أنفسنا مالا تطيق، ودفعناها إلى اليأس، والانصراف عن لغتنا، وأنكرنا واقع الحياة الذي قضي باستقلال العلوم والفنون، وتفرغ طوائف العلماء للفروع المستقلة، والاعتماد على رأيهم الخاص فيما تفرغوا له، واستحالة أن يتخصصوا معه في "اللغويات".
ثم ما هو المراد الدقيق من عدم معرفة المصدر الوارد للفعل؟ ما حدود هذا؟ وما ضبطه؟ وكيف يتحقق مع تفاوت الناس علمًا، وعملًا، واقتدارًا على استحضار المراجع وغيرها؟..
إن رأي الفراء وأنصاره رأي سديد؛ فيه رفق، وحكمة، ومسايرة واضحة لطبائع الأشياء. وليس فيه ما يسيء إلى اللغة، أو يسد المسالك أمام الراغبين فيها، المقبلين على اصطناعها وإعلاء شأنها. ولهذا يجب الأخذ به وحده، والاقتصار عليه؛ حفاظًا على حياة اللغة، وإبقائها -على الأيام- فتية متجددة الشباب والنفع. وقد يكون المصدر الذي نصنعه ولم ينطق بلفظه العرب نصًّا -غريبًا على الأسماع، ولكن هذه الغرابة والوحشة يزولان بالاستعمال.
ثانيهما: أن الراجع إلى الكلام العربي الأصيل، أو المطولات اللغوية. قد يجد مصادر أخرى مسموعة لا تساير تلك الضوابط والقواعد برغم دقتها وإحكامها. وهذه المصادر الأخرى هي التي يسمونها:"مصادر سماعية"، أو "مصادر شاذة"، أو "مصادر قليلة الاستعمال"؛ أو ما شاكل هذا من الأسماء الدالة على قلتها وعدم صحة القياس عليها
…
والحكم الصحيح على مثل هذه المصادر السماعية أنه يجوز استعمال كل واحد منها -بذاته- مصدرًا سماعيًّا مقصورًا على فعله الخاص؛ فلا يجوز استخدام وزنه في إيجاد صيغة كصيغته لفعل آخر غير فعله المعين، ويجوز -أيضًا- استعمال المصدر القياسي لفعله، فاستعمال المصدر السماعي لفعل معير لا يمنع استعمال المصدر القياسي لهذا الفعل؛ فمن شاء أن يصطنع المسموع أو القياسي فله ما شاء، ويجري هذا على كل فعل له مصدران مقيس ومسموع، فإن استعمال أحدهما مباح. وإلا كلفنا جمهرة الناس ما لا تطيق -كما تقدم؛ إذ نطالبها بمعرفة المسموع لكل قياسي، والاقتصار على هذا المسموع وحده. وفي هذا من التعجيز وتعطيل القياس أفدح الضرر. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ومما يؤيد استعمال القياس مع ورود السماع -وما أكثر ما يؤيده- ما جاء في "القاموس المحيط" -للفيروزآبادي- ج1 مادة: "سجد" من كلمات وردت في صيغة اسم الزمان أو المكان بالكسر، وكان قياسها الفتح، ومنها: مسجِد، مشرِق، مفرِق، مطلِع، مسقِط، مجزِر، مسكِن، منبِت، منسِك، مرفِق
…
"ولهذا الحكم الخاص بالكلمات السالفة بيان وتحقيق مفيدان -في ص".
وبعد أن سردها قال ما نصه: "ألزموها كسر العين، والفتح جائز، وإن لم نسمعه" ا. هـ.. وكذلك ما جاء في "تاج العروس شرح القاموس، مادة: "حج" حيث نقل عن السابقين أن المصدر السماعي الدال على المرة للفعل: "حَجَّ" هو: "حِجَّة" -على وزن: "فِعلَة" بكسر، فسكون، ففتح -بالرغم من أن هذه الصيغة خاصة بالمصدر الدال على "الهيئة" فقط في غير هذا. ولكنها استعملت مصدرًا لهذا الفعل يدل على "المرة" فقط، ولا يدل على الهيئة مطلقًا. ثم قال بعد ذلك ما نصه الحرفي خاصًا بصيغة "المرة": قال الكسائي: كلام العرب كله على فعلت فَعْلَة -بفتح، فسكون، ففتح -في المرة؛ إلا حججت حِجة، ورأيت رِئية". ا. هـ. ثم أردف صاحب التاج هذا بقوله مباشرة ما نصه: "فتبين أن "الفعلة" للمرة تقال بالوجهين؛ الكسر على الشذوذ، ولا نظير له في كلامهم، والفتح على القياس" ا. هـ، فهو يبيح القياس وتطبيق القاعدة مع وجود السماع المخالف لها، الوارد عن العرب. ومعنى هذا أن ورود السماع لا يلغي القياس، ولا يمنع استخدام القاعدة المخالفة.
وكذلك جاء في القاموس مادة: "فسد" ما نصه: "لم يسمع انفسد" ا. هـ، فقال شارحه:"والقياس لا يأباه".
هذا، وكما ينطبق حكم السماع والقياس على المصادر المختلفة ينطبق على غيرها مما له سماع وقياس
…
كجموع التكسير، وسيجيء في بابها بالجزء الرابع، وكالمشقات، وسواها
…
ولا معنى لقصر هذا الحكم على نوع دون نوع يماثله، أو مسألة أخرى تشابهها. قال الصبان "ج4" في باب "جمع التكسير" تعليقًا على بيت ابن مالك الذي صدره:
"والزمه في نحو طويل
…
"
وعلى كلام ابن حيان،
…
ما نصه: "إذا سمع في جمع التكسير غير قياسه امتنع النطق بقياسه، وهذا أحد قولين في المصدر الوارد على خلاف قياسه، وهو نظير ما نحن فيه". ا. هـ. ويقول صاحب كتاب "القياس في اللغة العربية للخضر، ص41 ما نصه: "أما الألفاظ التي لم ترد إلا على الوجه المخالف للقياس؛ نحو: "عبيد" -تصغير عيد- فيقتصر فيها على ما ورد عن العرب، إلا أن يبدو لك أن تتعلق بمذهب من يجيز إجراء الألفاظ على مقتضى القياس زيادة على الوجه الثابت من طريق السماع"" أهم
وسيجيء -في ج4 أول باب: "جمع التكسير"- أن فريقًا من أئمة النحاة -في مقدمتهم الكسائي- زعيم المدرسة الكوفية -الذي أوضحنا منزلته في هامش ص189- يجيز استعمال السماع والقياس في الجموع، والمصادر، وغيرهما. فقد جاء في مقدمة:"القاموس المحيط"، في الأمر الخامس =
أ- أوزان المصدر الأصلي؛ "وهو المصدر الحقيقي الذي يراد عند الإطلاق؛ أي: عند عدم التقييد ببيان نوع معين من أنواعه1:
المصدر الأصلي إما أن يكون لفعل ماضٍ ثلاثي، أو غير ثلاثي؛ علمًا بأن الفعل -ماضيًا وغير ماض- لا تتجاوز صيغته ستة أحرف. وأن الثلاثي لا بد أن يكون مفتوح الأول2. أما ثانية فقد يكون مفتوحًا، أو مضمومًا، أو مكسورًا، فأوزانه ثلاثة2 فقط؛ هي: فَعَلَ، فَعِلَ، فَعُلَ.
والأساس الأول في معرفة مصادر الثلاثي، وإدراك صيغها المختلفة إنما هو الاطلاع على النصوص اللغوية الفصيحة، وكثرة قراءتها، حتى يستطيع القارئ بالدربة والمرانة أن يهتدي إلى المصدر السماعي الصحيح الذي يريد الاهتداء إليه. أما الأوزان والصيغ القياسية الآتية فضوابط أغلبية صحيحة تفيد كثيرًا في الوصول إلى المصدر القياسي؛ فيكتفي به من شاء، ولكن الاطلاع والقراءة أقوى إفادة، وأهدى سبيلًا. وفيما يلي أوزان المصادر القياسية للفعل الثلاثي المتعدي واللازم:
1-
إن كان الماضي ثلاثيًّا متعديًا غير دالٍّ على صناعة؛ فمصدره
= من الأمور التي اختص بها "القاموس" ما نصه عند الكلام على ضبط المضارع: "السماع مقدم على القياس عند غير الكسائي. وأجاز الكسائي القياس مع السماع أيضًا -على ما قرر في الدواوين الصرفية" ا. هـ.
ويجب التنبيه إلى ما أوضحناه؛ وهو أن استعمال المصدر "المسموع" مقصور على فعله، دون باقي الأفعال؛ فلا يجوز صوغ مصدر قياسي لفعل آخر على وزان هذا المصدر المسموع، بخلاف المصدر القياسي فإن صياغته غير مقصورة على فعل واحد، بل هي عامة شاملة لكل فعل توافرت فيه الشروط، وأدخلته تحت العنوان العام الذي ينطبق عليه وعلى نظائره المصدر القياسي، وهذا الحكم عامٌّ في كل مسموع مخالف للقياس، وليس مقصورًا على المصادر المسموعة. فيجب قصر المسموع على نفسه وحده دون استنباط حكم عام منه يمتد إلى غيره.
"ملاحظة": من الألفاظ التي تتردد في النحو: المطرد، القياسي، القليل، النادر
…
وبعض ألفاظ اصطلاحية أخرى؛ منها ما يفيد القياس، ومنها ما يمنعه. وتوضيح هذا كله مدون في الجزء الرابع، باب "جمع التكسير" ص585 م172.
1 إيضاح هذا في ص181 وما بعدها.
"2، 2" من النادر أن يكون غير ذلك؛ ومنه ساكن الوسط في مثل: نعم، بئس
…
القياسي: "فَعْل"، نحو: أخذ أخْذًا، فتح فتْحًا، حمد حَمْدًا، سمع سمْعًا1.
فإن دل على صناعة فمصدره الغالب: "فعالة"، نحو: صاغ الخبير المعادن صياغة دقيقة -حاك العامل الثوب حياكة متقنة، ثم خاطه الصانع خياطة جميلة2.
ويلاحظ أن الثلاثي المعتدي لا يكون إلا مفتوح العين أو مكسورها. أما مضمومها فلا يكون إلا لازمًا، نحو: حسن، ظرف، شرف
…
2-
وإن كان الماضي ثلاثيًّا، لازمًا، مكسور العين، غير دالٍّ على لون، أو على معالجة3، أو على معنى ثابت، فمصدره القياسي:"فَعَل" نحو: تعِب تَعَبًا، جزِع جَزَعًا، وجِع وَجَعًا، أسِف أَسَفًا.
فإن دل على لون، فالغالب في مصدره:"فُعْلَة"؛ نحو: سَمِر الفتى سُمرة، خضر الزرع خُضرة.
1 سيجيء "في ج4 م184 ص607" أن الواو التي هي "فاء" الفعل الثلاثي، مفتوح العين في الماضي، مكسورها في المضارع؛ "مثل: وعد، يعد" يجب حذفها في المضارع والأمر، وكذا في المصدر، بشرط أن يصير هذا المصدر على وزن: "فِعْلَة" "بكسر، فسكون، ففتح" لغير الهيئة، ومختومًا بالتاء في آخره عوضًا عن هذه الواو المحذوفة؛ فيقال: وعد، يعد، عِدْ، عِدَة
…
ولا تحذف الواو من المضارع إلا بشرط أن يكون حرف المضارعة "وهو الحرف الذي يبتدئ به المضارع" مفتوحًا، وأن تكون عين المضارع مكسورة.
ومن الأمثلة قول الشاعر:
متى وعدتك في ترك الهوى عِدَةً
…
فاشهد على عِدَتي بالزور والكذبِ
وقول الناصح: لا تعِدْ عِدَة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى -وإن كان سهلًا- إذا كان المنحدر وعرًا. ولهذه المسألة تفصيلات وأحكام موضحة هناك.
2 وفيما سبق يقول ابن مالك:
"فَعْلٌ" قياس مصدر المعدَّى
…
من ذي ثلاثة؛ كردَّ ردّا
3 وهي المحاولة الحسية، وبذل الجهد العملي الجسمي للوصول إلى غاية ما، واتخاذ الوسيلة للتغلب على صعوبتها.
وإن دل على معالجة فمصدره: "فُعُول"؛ نحو: قدم قدومًا، صعد صعودًا، لصق لصوقًا.
وإن دل على معنى ثابت فقياسه: "فُعُولة"؛ نحو: يبس يبوسة1.
3-
وإن كان الماضي الثلاثي لازمًا، مفتوح العين، صحيحها، غير دال على إباء وامتناع، ولا على اهتزاز وتنقل وحركة متقلبة، ولا على مرض، ولا سير، أو صوت، ولا على حرفة أو ولاية -فإنَّ مصدره القياسي:"فُعُول" نحو: قعد قعودًا، سجد سجودًا، ركع ركوعًا، خضع خضوعًا
…
فإن كان معتل العين فالغالب في مصدره أن يكون على: "فَعْل"، مثل: نام نومًا، صام صومًا. أو على "فِعَال"، نحو: صام صِيَامًا، قام قيامًا
…
و
…
فإن دل على إباء وامتناع فمصدره: "فِعَال" نحو: أبى إِبَاء، نفر نِفَارًا، شرد شِرَادًا، جمح جِمَاحًا.
وإن دل على تنقل وحركة متقلبة فيها اهتزاز فمصدره: "فَعَلان"؛ نحو: طاف طوفانًا، جال جولانًا2- غلى غليانًا.
وإن دل على مرض فمصدره: "فُعَال"، نحو: سعل سُعَالًا، رعف3 الأنف رُعَافًا.
وإن دل على نوع من السير فمصدره: "فَعِيل"، نحو: رحل رحيلًا، ذمل4 ذميلًا.
1 وفي هذا النوع يقول بن مالك:
و"فَعِل اللازم بابه: "فَعَلْ"
…
كفَرَح، وكجَوًى، وكشَلَلْ
تقول: فرِح المنتصر فرَحًا عظيمًا، وجوِي المحب جوًى، بمعنى اشتدت به حرقة لحب "وأصل جوًى:"جَوَيٌ"، على وزن: فَعَل
…
تحركت الياء، وانفتح ما قبلها. فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان؛ الألف والتنوين؛ فحذفت الألف لالتقاء الساكنين؛ فصارت: جوًى
…
" وشلل المريض شللًا، أصابه مرض الشلل. وهو المرض الذي يمنع الأعضاء عن الحركة.
2 أما المصدر "تَجوال" -بفتح التاء- فيجيء الكلام عليه في رقم 1 من هامش ص200 وبيان أن فعله هو: "جال" أو "تجول".
3 سال منه الدم.
4 مشى مشيًا فيه رفق ولين.
وإن دل على نوع من الصوت فمصدره: "فَعِيل" و"فُعَال"؛ نحو: صرخ الطفل صريخًا وصراخًا، ونعب1 الغراب نعيبًا ونعابًا. وقد اشتهر "فعيل" مصدرًا لبعض الأفعال أكثر من "فعال"؛ مثل صهلت الخيل صهيلًا، أزت2 القدور أزيزًا.
"ويؤخذ مما سبق أن وزن: "فعال" يكون مصدرًا لما يدل على مرض أو صوت، وأن وزن "فعيل" يكون مصدرًا لما دل على سير أو صوت أيضًا".
وإن كان دالَّا على حرفة أو ولاية فمصدره: "فعالة": نحو: تجر تجارة، سفر سفارة، أمر إمارة، نقب نقابة3.
4-
إن كان الماضي ثلاثيًّا، لازمًا، مضموم العين4 فمصدره: إما: "فَعَالة"، وإما "فُعُولة". فيكون "فعالة" إذا جاءت الصفة المشبهة منه على وزن "فعيل": نحو: ملُح فهو مليح، ظرُف فهو ظريف، شجُع فهو شجيع
…
فالمصدر: ملاحة، ظرافة، شجاعة. ويكون:"فعولة" إذا جاءت الصفة المشبهة منه على: "فعْل"، نحو: سهُل فهو سهْل، عذُب فهو عذْب، صعُب فهو صعْب
…
فالمصدر: سهولة، عذوبة5، صعوبة
…
وهذا الضابط في الحالتين أغلبي منقوض بأمثلة أخرى، مثل: ضخُم فهو ضخْم، مع أن المصدر الشائع هو ضَخَامة. وملُح الطعام -أي: صار مِلحًا- ومصدره: المُلُوحة. مع أن الصفة المشبهة منه ليست على فعل ولا فعيل5.
تلك هي الأوزان القياسية للفعل الثلاثي بنوعيه؛ المعتدي واللازم؛ وهي أوزان أغلبية. وقد يرد في الكلام المأثور ما يخالفها، فيجب قبوله على اعتباره مسموعًا يصح استعماله -بنصه- مصدرًا لفعله الخاص به، دون استخدام
1 صاح.
2 ارتفع لها صوت من شدة الغليان.
3 بمعنى: رأس رياسة، أي: صار رئيسًا.
4 أشرنا في ص194 إلى أن الثلاثي، مضموم العين، لا بد أن يكون لازمًا.
"5، 5" راجع الخضري في هذا الموضع.
صيغته ووزنها في أفعال أخرى، أو القياس عليها في فعْل غير فعله. وهذا الوزن السماعي لا يمنع استعمال الصيغة القياسية؛ كما أوضحنا أول الباب1. ومن أمثلة السماعي: سخط سُخْطًا، ذهب ذَهَابًا، شكر شُكْرًا، عظم عَظَمَة
…
وغير هذا كثير؛ جعل النحاة يقررون ما سبق من أن أوزان المصادر القياسية للماضي الثلاثي، أوزان جارية على الأغلب، ولا تفيد الحصر؛ لوجود كثير سماعي غيرها2؛ حتى قيل إنها لا تكاد تنضبط3، واقتصر بعض النحاة على سرد تسٍع وتسعين صيغة تخالف كل واحدة منها القياس
1 في ص191 عند الكلام على: "ثانيهما".
2 انظر "الملاحظة" التي في هامش ص193.
3 وفي مصادر الثلاثي اللازم مفتوح العين يقول ابن مالك:
و"فَعَلَ" اللازم مثل: قعدا
…
له "فُعُول" باطراد كَغَدَا
ما لم يكن مستوجبًا "فِعالًا"
…
أو: "فَعَلان" فادْرِ، أو "فُعالا"
أي: أن مصدر "فعل" اللازم، مفتوح العين، هو:"فُعول" باطراد؛ كغدا غدوًّا؛ "بمعنى ذهب في وقت الغدوة، وهي أول النهار" وهذا يكون في الحالة التي لا ستوجب فيها الفعل مصدرًا آخر على وزن: "فعال" أو: "فعلان" أو "فعال" وقد بين في البيتين التاليين هذه الحالة بقوله:
فأولٌ لذي امتناعٍ كأبى
…
والثانِ للذي اقتضى تقلبا
يريد: أن الوزن الأول وهو "فعال" يكون مصدرًا لكل فعل دل على امتناع، نحو: أبى إباء، وأن الوزن الثاني؛ "فعلان" يكون مصدرًا لكل فعل دل على حركة وتقلب واضطراب. مثل جال جولانًا، طاف طوفانًا. أما الوزن الثالث وهو:"فُعال" فقد بيَّن فعله بقوله:
للدَّا "فُعَال"، أو: لصوت وشملْ
…
صوتًا وسيرًا: "الفعيل"، كصهلْ
"للدا: أي: للداء والمرض" ففعله يدل على داء ومرض؛ نحو: سعل سعالا، أو يدل على صوت، نحو: نعب، نعيبًا، وقد يستعمل "الفعيل" مصدرًا للفعل الدال على الصوت أو على السير، نحو صهل الحصان صهيلًا، رحل الغريب رحيلًا. ثم بين أن ما جاء مخالفًا لأنواع المصادر القياسي فأمره مقصور على النقل، أي على السماع. يقول:
وما أتى مخالفًا لما مضَى
…
فبابه النقل؛ كسُخْط، ورِضَا
لأن فعلهما ثلاثي مكسور العين، فإن كان متعديًا فقياس مصدره:"فعل" كما عرفنا. فيقال فيهما سَخْط، ورَضْي، وإن كان لازمًا فقياس مصدره، فعل، كفرح، وغضب
…
فجاء السماع فيهما مخالفًا للقياس في الحالتين. ثم أشار إلى مصدر الثلاثي مضموم العين "وهو لازم حتمًا، كما سبق، في ص194 وفي رقم 4 من هامش ص196".
"فعولة""فعالة" لفعُلا
…
كسهل الأمر وزيد جزلًا
يريد: أن لهذا الفعل اللازم، مضموم العين، مصدران، هما "فعولة"؛ مثل: سهل الأمر سهولة
…
و"فعالة" نحو: جزل جزالة، بمعنى جاد وأعطى، أو بمعنى: عظم
…
الخاص بمصدر فعلها"
…
1 أما المصادر القياسية لغير الثلاثي فمضبوطة محصورة -غالبًا- وقل أن تخرج على الضوابط والحدود الموضوعة لها. كما سنرى.
"ملاحظة": وردت ألفاظ سماعية، كل واحد منها يؤدي معنى المصدر ولكن بصيغة اسم المفعول من الثلاثي، فهي في حقيقة أمرها مصادر سماعية من جهة المعنى، جاءت ألفاظها على وزن:"مفعول"؛ منها: معقول، مجلود "في قولهم: فلان لا معقول له ولا مجلود له؛ أي: لا عقل له ولا جلد
…
" مفتون2، ميسور3، معسور4. وكل ما سبق مقصور على السماع. ويرى سيبويه: أن تلك الألفاظ، ونظائرها ليست مصادر في المعنى، وأن كل واحد منها هو اسم مفعول في صيغته وفي معناه؛ فيجب عند تأويل الكلام الذي يحويه تأويلًا يساير اسم المفعول في المبنى والمعنى، دون التفات إلى المصدر5.
مصادر الماضي غير الثلاثي:
1-
إن كان رباعيًّا على وزن: "فعَّل"6 مضاعف العين، صحيح اللام "أي: صحيح الآخر" غير مهموزها، فمصدره القياسي: "تفعيل" مثل: قوَّم تقويمًا، وقصَّر تقصيرًا؛ في قولهم: من قوَّم نفسه بنفسه أدرك بالتقويم ما يبتغي، ومن قصَّر في إصلاح عيبه قعد به تقصيره عن بلوغ الغاية.
وقد يكون على وزن: "فِعَّال" كقوله تعالى: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} ،
1 راجع شرح التصريح في هذا المكان.
2 فتنة، "خبرة".
3 يُسْر "سهْل".
4 عُمْر.
5 لما سبق إشارة في " " ص272 من باب: اسم المفعول.
6 الأكثر في هذه الصيغة أن تكون للتكثير والمبالغة -قياسًا- كما سيجيء في الصفحة التالية، وكما سجله المجمع اللغوي القاهري فيها -وفي "التفعال" القياسية أيضًا على الوجه المبين بعد.
وقد يكون على "فِعَال" بتخفيف العين؛ كقراءة من قرأ: "وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَابًا".
فإن كان معتل اللام فمصدره "التفعيل" أيضًا، ويجب حذف ياء "التفعيل" والاستغناء عنها بزيادة تاء التأنيث في آخر المصدر، وزيادتها في هذه الصورة لازمة، فيصير:"تفعلة"؛ نحو: رضَّى ترضية، وزكَّى تزكية، وورَّى تورية، مثل:"رضَّى الأخ البار أخاه ترضية كريمة، وزكَّاه تزكية صادقة، وحين رأى منه بادرة إساءة ورَّى1 تورية تمنعه من التمادي".
وأصل الأفعال: من غير التضعيف: رَضِيَ، زَكَا، وَرِيَ، فهي معتلة اللام ومصادرها مع التضعيف من غير حذف وتعويض هي: ترضِّيًا، تزكِّيًا، تورِّيًا
…
فحذفت الياء الأولى التي هي "ياء التفعيل" وعوض عنها -وجوبًا- تاء التأنيث في آخر المصدر؛ فصار: ترضية. تزكية. تورية
…
كما عرفنا. ومن الشاذ عدم الحذف. أو عدم التعويض.
وإن كان مهموز اللام2 فمصدره "التفعيل"، أو "التفعلة" -وهذه هي الأكثر- نحو: برأ تبريئًا وتبرئة، وجزأ تجزيئًا وتجزئة، وهنأ تهنيئًا وتهنئة، وخطأ تخطيئًا وتخطئة3.
"ملاحظة": مذهب البصريين أن "التَفعال" -بفتح التاء وإسكان الفاء- مثل4: تذكار، بمعنى: التذكر، هو مصدر:"فَعَل" "المفتوح
1 دفع، أو أشار.
2 أي: أن الحرف الأخير من أصول الكلمة همزة؛ نحو: برأ، خبأ، هَنِئَ.
3 يجوز في الكلمات: تبريئًا، تجزيئًا، تهنيئًا، تخطيئًا، وما شبابههما أن يقال فيها تبرِّيًا، تجزِّيًا، تهنِّيًا، تخطِّيًا
…
فقد جاء على هامش القاموس في مادة: "خطأ" عند الكلام على "خطية" ما نصه الحرفي:
"عبارة الجوهري: "خطيئة" هي "فعيلة"، ولك أن تشدد الياء، -يريد أنك تقول: "خطية" بقلب الهمزة ياء ثم تدغم الياءين؛ لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة، أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمد لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة فإنها تقلب الهمزة بعد الواو واوًا، وبعد الياء ياء، وتدغم. فتقول في مقروء: مقروّ، وفي خبئ: خبي" ا. هـ.
3 ومن الأمثلة أيضًا: "تطيار" مصدر بمعنى: "طيران" في قول عمرو السدوسي:
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه
…
إذا رام تطيارًا يقال له قع
و"تعقاد" مصدر بمعنى: "العقد" في قول المرقش السدوسي:
لا يمنعنك من بغا
…
ء الخير تعقاد التمائمْ
جاء في كتاب الامتناع والمؤانسة "لأبي حيان التوحيدي -ج2 ص2 الليلة السابعة عشرة" بيان لكلمة "تذكار" وأنها مصدر له نظائر على وزنه.
الأول والثاني بغير تشديد الثاني" -وجيء بالمصدر على ذلك الوزن للتكثير. وقال الفراء وجماعة من الكوفيين: إنه مصدر: "فعَّل" -مفتوح العين المشددة- ورجحه ابن مالك وغيره؛ لكون هذا المصدر للتكثير، و"فعل" المضعف العين للتكثير أيضًا، ولكونه نظير "التفعيل" في الحركات، والسكنات، والزوائد؛ ومواقعها1.
وأسماعي هو أم قياسي؟ قولان؛ أظهرهما أنه قياسي2. أما "التِفعال" بكسر التاء، كالتبيان والتلقاء فليس بمصدر، بل بمنزلة اسم المصدر3.
وإن كان الماضي رباعيًّا على وزن: "أفعل" صحيح العين فمصدره على "إفعال" نحو: أجمل الخطيب القول إجمالًا محمودًا، وأحسن الإلقاء إحسانًا بارعًا. فإن كان معتل العين نقلت في المصدر حركة عينه إلى فاء الكلمة، وحذفت العين، وعوض عنها -غالبًا- تاء التأنيث في آخره، نحو: أقام إقامة. أبان إبانة. أعان إعانة
…
والأصل: إقوام. إبيان. إعوان. فعين المصدر حرف علة متحرك بالفتح وقبله حرف صحيح ساكن؛ فنقلت حركة حرف العلة "العين" إلى الساكن الصحيح قبله؛ "تطبيقًا للأساليب العربية وضوابطها". وحذف حرف العلة الأول للتخلص من التقاء الساكنين؛ فصار
1 من الأمثلة أيضًا: تَجوال وتَطواف -بفتح التاء فيهما- وقد عرض لهما الصبان "ج3 باب: "مالا ينصرف" في آخر الكلام على صيغة منتهى الجموع" وسجل ما نصه: "إنهما مصدران لجال وطاف. وقيل: لتجوَّل وتطوَّف" ا. هـ.
2 أخذ مجمع اللغة العربية القاهري بهذا الأظهر بعد دراسة وافية، ورجوع لآراء المتقدمين ومنها:"ما قاله صاحب التسهيل، ونصه: "قد يغني في التكثير عن "التفعيل""تفعال"، فقال شارحه ابن أم قاسم ما نصه:"ظاهر كلام النحويين أنه مقيس، وقد نص بعضهم على أنه مقيس" ا. هـ. راجع ص257 الجلسة السابعة من محاضر الدورة العاشرة.
3 ما سبق منقول عن الصبان في هذا الوضع. لكن ما المراد مما هو بمنزلة اسم المصدر؟
لعله يريد: أنه اسم مصدر "وسيجيء الكلام عليه في ص207" والمراجع اللغوية -كالقاموس وشرحه- مختلفة في الحكم على هاتين الكلمتين؛ فقيل: إنهما مصدران على الشذوذ -بسبب كسر التاء- وقيل: اسما مصدر؛ وقيل
…
غير ذلك
…
اللفظ: إقام، إبان، إعان، ثم زيدت تاء التأنيث في آخره؛ عوضا عن المحذوف؛ فصار المصدر: إقامة، إبانة، إعانة
…
ومن الجائز ألا تزاد هذه التاء. ولكن الغالب زيادتها، كما سبق.
وإن كان رباعيًّا مجردًا على وزن "فعلل" فمصدره الغالب: "فعللة". وقد يكون على "فعلال"1 مع قلته، نحو: دحرجت الكرة دحرجة ودحراجًا، سرهفت2 الصبي، سرهفة وسرهافًا. بهرج3 المنافق حديثه بهرجة، وبهراجًا1.
ومثله الماضي الرباعي الذي على وزان: "فوعل" و"فيعل" فإن مصدرهما القياسي الغالب: "فعللة" -وهذه أكثر، و"فعلال"؛ نحو: حوقل4 حوقلة وحيقالا، وبيطر5 بيطرة وبيطارًا.
وإن كان رباعيًّا على وزن: "فاعل" غير معتل الفاء بالياء -فمصدره "فِعَال" و"مفاعلة"، نحو: خاصمت الباغي مخاصمة، أو: خصامًا. صارعت الطاغية مصارعة، أو: صراعًا
…
فارقت أهل السوء مفارقة، أو: فراقًا
…
و"المفاعلة" أكثر وأعم اطَّرادًا6.
فإن كان رباعيًّا معتل الفاء بالياء فمصدره "المفاعلة"، نحو: يامَنْتُ ميامنة، وياسَرْتُ مياسرة، "أي: ذهبت جهة اليمين، وجهة اليسار".
"1، 1" إذا كان "فعلال" مصدرًا مضاعفًا؛ كالزلزال، والوسواس، ونحوهما -جاز فتح أوله وكسره. وقد يراد -كثيرًا- بالمفتوح اسم الفاعل في المعنى؛ نحو: أعوذ بالله من شر الوسواس. يكره الناس الصلصال المزعج برنينه، والوعواع الصاخب بنباحه
…
والمراد: الموسوس - المصلصل؛ بمعنى: الرنان - الموعوع، بمعنى النابح. "وعوع الكلب، نبح". وكل هذا قياسي.
2 أحسنت غذاءه.
3 أتي فيه بالزائف والباطل.
4 قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
5 عالج الخيل والدواب، وما ليس بإنسان من أنواع الحيوان.
6 ومن أمثلتها المسموعة أيضًا: "متاركة" في قول شاعرهم:
متاركة اللئيم بلا جواب
…
أشد على اللئيم من الجواب
2-
وإن كان خماسيًّا، على وزن:"تفعل" فمصدره "تفعل" نحو: تعلَّم الراغب تعلمًا، ثم تخرَّج تخرجًا، وتدرَّب تدربًا
…
وإن كان خماسيًّا مبدوءًا بهمزة وصل على وزن: "انفعل" فمصدره "انفعال"، "والوصول إليه يكون بكسر ثالث الفعل، وزيادة "ألف" قبل الحرف الأخير" نحو: انشرح صدري انشراحًا عظيمًا حين رأيت عدونا ينهزم انهزامًا ساحقًا.
وإن كان خماسيًّا مبدوءًا بهمزة وصل، على وزن:"افتعل" فمصدره: افتعال، "والوصول إليه يكون بكسر الثالث من الفعل، وزيادة "ألف" قبل الحرف الأخير" نحو: إذا اقتصد الفقير بلغ باقتصاده الغنى. من اعتمد على نفسه كان خليقًا أن يدرك باعتماده ما يريد.
وإن كان خماسيًّا على وزن "تفعلَلَ" فإن مصدره يكون على وزن: "تفعلُل"، بضم الحرف الرابع؛ نحو: تدحرَج الحجر تدحرُجا.
3-
وإن كان سداسيًّا مبدوءًا بهمزة وصل، على وزن:"استفعل" وليس معتل العين فمصدره: "استفعال"، "والوصول إليه يكون بكسر الحرف الثالث من الفعل، وزيادة "ألف" قبل حرفه الأخير"؛ نحو: استحسان، واستقباح
…
وأشباههما، مثل: إني أستحسن قراءة الأدب الرفيع استحسانًا لا يعادله إلا سماع الأغاني العالية الشجية، وأستقبح تافه الكتب استقباحًا لا يعادله إلا الأغاني الماجنة الخليعة.
فإن كان على وزن "استفعل" مع اعتلال عينه، نقلت في المصدر حركة عينه إلى الساكن الصحيح قبلها، وحذفت العين، وجاءت تاء التأنيث في آخره؛ عوضًا عنها وهو عوض لازم، نحو: استعاد المريض قوته استعادة، والأصل: استعوادًا، جرى فيها ما أسلفنا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
ضم الحرف الرابع في الفعل الخماسي المبدوء بتاء زائدة للوصول إلى مصدره، ليس مقصورًا على "تفعلَل" وإنما يجري عليه وعلى ما يماثله، من كل فعل مبدوء بتاء زائدة، وعدد حروفه، وحركاتها، وسكناتها -يماثل "تفعلَل" من غير تقيد بنوع الحركات والسكنات؛ فليس من اللازم أن يكونا على وزن صرفي واحد؛ إنما اللازم أن يقابل المتحرك متحركًا، والساكن ساكنًا، وهذا الضابط يشمل عشرة أوزان غالبة:
1-
تفعَّل؛ مثل: تجمَّل تجمُّلًا.
2-
تفاعَلَ؛ مثل: تغافَل تغافُلًا.
3-
تفعلَل؛ مثل: تلملَم تلملُمًا.
4-
تفعْيَل؛ مثل: تبيْطَر تبيْطُرًا.
5-
تمفْعَلَ؛ مثل: تمسْكَن تمسْكُنًا.
6-
تفوْعَل؛ مثل: تجوْرَب تجوْرُبًا.
7-
تفعْنَل؛ مثل: تقلْنَس تقلْنُسًا.
8-
تفعْوَل؛ مثل: ترهْوَك ترهْوُكًا1.
9-
تفعْلَتَ؛ مثل: تعفْرَت تعفْرُتا.
10-
تَفَعْلَى؛ مثل: تَسَلْقَى تسلْقِيًا2. لكن تقلب الضمة هنا قبل الياء كسرة.
1 ماج واضطراب في مشيه.
2 أي: استلقى على ظهره.
تلك هي أشهر المصادر القياسية للفعل الماضي الرباعي، والخماسي، والسداسي1.
وهي على ضبطها واطرادها لم تسلم من مصادر مسموعة تخالفها، نحو:
1 لبعض المعاصرين تلخيص موجز للمصادر المختلفة، سلك فيه مسلكًا غير الذي جرت عليه المطولات. ومسلكه حميد، وتلخيصه -على إيجازه- نافع مفيد؛ قال ما نصه في مصادر الثلاثي الكثيرة: إن الغالب:
أ- فيما دل على حرفة أن يكون على وزن: "فعالة"؛ كزراعة، وتجارة، وحياكة.
ب- وفيما دل على امتناع أن يكون على وزن: "فعال"؛ كإباء، وشراد، وجماح.
ج- وفيما دل على اضطراب أن يكون على وزن: "فَعَلان"؛ كغليان، وجولان.
د- وفيما دل على داء أن يكون على وزن: "فُعَال"؛ كصداع، وزكام، ودوار.
هـ- وفيما دل على سير أن يكون على وزن: "فَعِيل"، كرحيل، وذميل، ورسيم. "والأخيران نوعان من السير".
و وفيما دل على صوت أن يكون على وزن: "فُعَال" أو: "فَعِيل"؛ كصراخ، وزئير.
ز- وفيما دل على لون أن يكون على وزن "فُعْلة"؛ كحمرة، وزرقة، وخضرة.
فإن لم يدل على شيء مما سبق فالغالب:
أ- في: "فَعُل" أن يكون مصدره على: "فُعُولة" أو "فَعَالة"؛ كسهولة، ونباهة.
ب- وفي: فَعِل اللازم أن يكون مصدره على: "فَعَل؛ كفرح، وعطش.
ج- وفي: فَعَل اللازم أن يكون مصدره على: "فُعُول" كقعود، وخروج، ونهوض.
د- وفي المعتدي من "فَعِل" و"فَعَل" أن يكون مصدره على: "فَعْل"؛ كفهم، ونصر.
وأما الفعل الرباعي:
أ- فإن كان على وزن: "أفْعَل" فمصدره على "إفعْال"، كأكرم إكرامًا.
ب- وإن كان على وزن: "فعَّل" فمصدره "تفعيل"؛ كقدَّم تقديمًا.
ج- وإن كان على وزن "فاعَل" فمصدره على "فِعَال" أو: "مُفاعلة" كقاتل قِتالًا ومقاتلة.
د- وإن كان على وزن "فَعْلَلَ" فمصدره على "فَعْللة" كدحرَج دحرَجَة، ويجيء على وزن "فِعْلال" أيضًا إن كان مضاعفًا؛ كوسوس وَسوسة، ووُسواسًا.
وأما الخماسي والسداسي فالمصدر منهما يكون على وزن ماضيه، مع كسر ثالثه، وزيادة ألف قبل آخره إن كان مبدوءًا بهمزة وصل، كانطلق انطلاقًا، واستخرج استخراجًا. ومع ضم ما قبل آخره فقط إن كان مبدوءًا بتاء زائدة؛ كتقدم تقديمًا- وتدحرج تدحرجًا. ثم قال:
"تنبيه": الفعل إذا كانت عينه ألفًا تحذف منه ألف الإفعال والاستفعال، ويعوض عنها تاء في الآخر؛ كأقام إقامة، واستقام استقامة. وإذا كانت لامه "ألفًا" ففي:"فعَّل" تحذف ياء التفعيل، ويُعَوض عنها تاء أيضًا؛ كزكَّى تزكية. وفي "تفعل"، و"تفاعل" تقلب الألف ياء، ويكسر ما قبلها، كتأنَّى تأنيًا، وتغاضى تغاضيًا، وفي غير ذلك تقلب همزةً إن سبقتها "ألف" كألقى إلقاء، ووالى ولاء، وانطوى انطواء، واقتدى اقتداء، وارعوى ارعواء، واستولى استيلاء، واحلولى احليلاء. ا. هـ.
حوقل الطائع حيقالا1. تنزى2 سرير الطفل تنزيا. تملق المنافق تملاقًا
…
و.... والقياس: حوقلة. تنزية. تملقا3
…
1 سبق في ص201 الحكم بقلة المصدر: "حيقال" دون المصدر: "حوقلة"، -وكلاهما قياسي.
2 تحرك.
3 وفي بيان المصادر القياسية لغير الثلاثي يقول ابن مالك في مصدر الرباعي الذي على وزن "فعَّل"، والرباعي الذي على وزن:"أفعَلَ"، والخماسي الذي على وزن:"تَفَعَّل":
وغير ذي ثلاثة مقيسُ
…
مصدره كقُدِّس التقديسُ
وزكِّه تزكية، وأجمِلًا
…
إجْمال من تَجمُّلا تَجمَّلًا
يريد: أن "فعَّل" صحيح اللام مصدره "التفعيل"، مثل: قُدِّس التقديس. ومعتل اللام مصدره: "تفْعِلة"، نحو: زكى تزكية، أما:"أفْعَل" فمصدره: "إفْعَال"؛ نحو: أَجْمل إجمالًا.
وأما "تفعَّل" فمصدره: "التفعُّل" نحو: التجمُّل. وإليها أشار بقوله: إجمال من "تجمُّلا تجمَّلًا" أي: أجْمِلا إجمال من تَجمَّل تجمُّلًا. ثم أشار إلى الرباعي المعتل العين والسداسي المعتل العين كذلك فبين أن عينهما تحذف، ويعوض عنها -غالبًا- التاء، قال:
واستعذ استعاذة، ثم أقمْ
…
إقامة وغالبًا -ذا- التا لزمْ:
أي: وغالبًا أن هذا النوع يكن مختومًا بالتاء. والمراد من "استعاذ" السداسي معتل العين، ومن "أقام": الرباعي كذلك. وذكر مصدر الخماسي والسداسي المبدوء بهمزة وصل، وأنه يكون بفتح الحرف الذي قبل آخره ومده، فينشأ من مده ألف زائدة مع كسر الحرف الذي يلي الحرف الثاني. يريد: مع كسر الحرف الثالث:
وما يلي الآخر مد وافتحا
…
مع كسر تلو الثان مما افتتحا:
بهمز وصل، كاصطفى. وضم ما
…
يربع في أمثال قد تلملمًا
أي: ما يليه الآخر "ويقع بعده الحرف الأخير" مده، وافتحه، واكسر الحرف الذي يتلو الثاني من فعل خماسي أو سداسي، مبدوء بهمزة وصل، فينشأ من هذا كله المصدر القياسي؛ نحو اصطفى العاقل إخواته اصطفاء، واستهوى أفئدتهم بكريم خلقه استهواء.
وأشار إلى أن مصدر الخماسي الذي على وزن: "تَفَعْلَل" مثل: "تلملم" يكون بضم ما يربع فعله، أي: بضم ما يكون رابعًا، فينشأ المصدر المطلوب وهو:"تلملم". ثم بين أن "فعْلَلَة" هي المصدر القياسي للفعل: "فَعْلَلَ"، وقد يكون مصدره قليلًا "فعِلْال". يقول:
"فِعْلَالٌ" أو "فَعْلَلَةٌ" لـ"فَعْلَلَا"
…
وَاجْعَلْ مَقِيسًا ثَانيًا، لَا أَولًا
ثم عرض لمصدر "فاعل" فقال إنه: "الفِعَال" و"المفاعلة"، وصرح بأن ما جاء مخالفًا للمقيس =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= من المصادر السالفة كلها، مقصور على السماع، لا يقاس عليه، ونص تصريحه:
لِفَاعَل الفِعَالُ والمُفَاعَلَهْ
…
وَغَيْرُ مَا مَرّ السّمَاعُ عَادَلَهْ
أي: ساواه.
ثم ختم ابن مالك الباب ببيتين في بيان الوزن الذي يصاغ عليه المصدر الدال على "المرة والهيئة" -وسيجيء شرحهما في مكانهما المناسب من ص230- هما:
و"فَعْلَةٌ" لِمَرَّةٍ كَجَلْسَةْ
…
وَ"فِعْلَةٌ" لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَةْ
في غَيْرِ ذِي الثَّلَاثِ بِـ"التَّا" المَرَّهْ
…
وَشَذَّ فيه هَيْئَةٌ؛ كالْخِمْرَهْ