الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن فقال: ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوالّ على طاعته، المبينة لاجتناب معصيته «1» .
ويوضّح عبد القاهر الجرجاني أهمية الأمثال في إبراز المعاني فيقول: «واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو أبرزت هي باختصار في
معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وأكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها .. فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم .. وإن كان اعتذارا كان إلى القبول أقرب وللقلوب أخلب، وإن كان وعظا كان أشفى للصدر وأدعى إلى الفكر
…
» «2» .
4 - نماذج من أمثال القرآن مع تحليلها:
1 -
قال الله تعالى في سورة البقرة:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).
وفي هذه الآيات مثالان يوضح الله بهما شأن المنافقين، الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح، ولا يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح، فهم يتحلون بظاهر من الدين ليكسبوا مغانمه ويتقوا مغارمه، ولكنهم يعودون في نهاية الأمر خائبين خاسرين.
(1) الإتقان؛ للسيوطي (2/ 1041).
(2)
دلائل الإعجاز (92 - 95).
ففي المثال الأول: يشبه الله تعالى حال المنافقين العجيبة الشأن بحال من استوقد نارا ليستضيء بها، ولكنها ما كادت تضيء له ما حوله حتى انطفأت، وعاد الظلام يلفه من جديد، وبقيت نفسه في حيرة وشك وضياع.
والآية مثل ضربه الله لمن آتاه شيئا من الهدى فأضاعه، ولم يتوصل به إلى النعيم الأبدي، وإنما بقي متحيرا ضائعا لا يجد نفسه، وهذا يدخل تحت غمومه هؤلاء المنافقون.
وفي المثال الثاني: يشبه الله سبحانه حالهم بحال من أصابهم مطر هاطل غزير، في ليلة مظلمة مليئة بوميض البرق وزمجرة الرعد، كلما أضاء لهم نور البرق مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون، وهم في هذه الحالة خائفون فزعون، إذا لمع البرق كادت أن تنخطف منه أبصارهم، وإذا قصف الرعد جعلوا أصابعهم في آذانهم من مخافته.
وكذلك المنافقون متلبسون في ظاهرهم بالإسلام الذي هو كصيب من السماء، ولكنهم يشعرون حقيقة بقلق واضطراب، ويتأرجحون بين لقاء المؤمنين وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه بألسنتهم وما تخفيه صدورهم، بين ما يطلبونه من هدى ونور، وما يفيئون إليه من ضلال وظلام، بين ما يريدونه من فوائد الإسلام وثمراته، وما يخافونه من تبعاته ووظائفه وزواجره.
ومن الواضح أن التمثيل هنا اتبع الطريقة القصصية في تفصيل صوره وأجزائه، وجاء مبنيا على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى، دون النظر إلى مقارنة أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما.
2 -
وقال تعالى في سورة الأعراف:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177).
وفي هذه الآيات مثال واضح للإنسان الذي ينحرف عن الفطرة السوية، وينقض عهد الله، وينكص عن آيات الله بعد رؤيتها والعلم بها
…
ذلك الإنسان آتاه الله آياته، وخلع عليه من فضله، وأعطاه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع، ولكنه انسلخ من هذا كله، وانحرف عن الهدى ليتبع الهوى، والتصق بالأرض وأغراضها فاستولى عليه الشيطان، وطرد من حمى الله، وأصبح ممسوخا كالكلب يلهث إن طورد، ويلهث إن لم يطارد.
والنبأ في الآية نبأ رجل من علماء بني إسرائيل، وقيل: هو بلعام بن باعوراء من الكنعانيين، وقيل: أمية بن أبي الصلت من العرب. أوتي علم بعض كتب الله، ولكنه انسلخ منها وأعرض عنها، فاتبعه الشيطان وأضله.
وقيل: إن الله تعالى ضرب هذا النبأ مثلا لكفار بني إسرائيل، إذ علموا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
وقيل: إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من نعمة الله، ليصبح تابعا ذليلا للشيطان.
وهذا المثل منتزع من قصة واقعة، وليس مجرد فرضية مؤلفة.
3 -
وقال الله تعالى في سورة إبراهيم:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26).
يضرب الله في هذه الآيات مثل الكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، لتصوير سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة.
فالكلمة الطيبة- كلمة الحق- كالشجرة الطيبة ثابتة سامقة مثمرة، ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل، سامقة متعالية تطل على الشر والظلم من عل، مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنا بعد آن.
والكلمة الخبيثة- كلمة الباطل- كالشجرة الخبيثة، قد تهيج وتتعالى، ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظل نافشة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض، وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض، فلا قرار لها ولا بقاء.
وفسرت الكلمة الطيبة: بكلمة التوحيد، ودعوة الإسلام، والقرآن.
والشجرة الطيبة: بالنخلة، وبشجرة في الجنة.
أما الكلمة الخبيثة: فهي الشرك بالله، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحق.
والشجرة الخبيثة: بالحنظلة. ولعل المراد من هذه الألفاظ جميع المعاني المتقدمة.
والعبرة ظاهرة ومقنعة في هذه النماذج الثلاثة، وهي قليل من كثير مما في القرآن من أمثال هادفة ورائعة.