الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما أن اقتنع رضي الله عنه بصواب الفكرة حتى اهتمّ لها اهتماما بالغا وسعى لتحقيقها، فأخذ يجيل النظر ويعمل الفكر، فيمن يصلح للقيام بهذا الأمر الجليل، فاهتدى بنور الله تعالى، ووقع اختياره على زيد بن ثابت رضي الله عنه، لما اجتمع فيه من مواهب، واختصّ به من مزايا، لها كبير أثر في هذا الأمر الخطير، لم تجتمع في غيره من الصحابة. فهو من حفّاظ القرآن، ومن كتّاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن شهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته صلى الله عليه وسلم.
وهو إلى جانب ذلك كان معروفا بخصوبة العقل وشدّة الورع وعظم الأمانة، وكمال الخلق واستقامة الدّين. كلّ هذه الصفات وغيرها رجّحت لدى أبي بكر رضي الله عنه أنه أولى من يقوم بهذا العمل، وأكّد ذلك عنده أنه استشار فيه عمر رضي الله عنه فوافقه على اختياره.
أرسل أبو بكر إلى زيد- رضي الله عنهما ولما حضر عرض عليه الأمر، وبيّن له الأسباب الداعية إليه، وإشارة عمر في الموضوع، وما كان منه من تردّد ثم اقتناعه بذلك، وأنه وقع الاختيار عليه للقيام بهذه المهمة، لما يعهد فيه من صفات. ولكن زيدا رضي الله عنه لم يكن أقلّ تردّدا من أبي بكر رضي الله عنه بادئ الأمر، وهاب الموقف واستثقل المسئولية، ولكن أبا بكر ما زال به حتى أقنعه بصواب ما ندب إليه، فاطمأنت نفسه وسكن قلبه وشرح الله صدره، فشرع بالعمل العظيم، يشرف عليه ويعاونه كبار الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم أجمعين، واستمرّ العمل حتى تمّ لهم ما أرادوا، وأتمّ الله تعالى عليهم نعمته وأكمل لهم دينهم الذي ارتضى لهم.
4 - منهج زيد رضي الله عنه في الجمع:
لقد اتبع زيد في جمعه القرآن منهجا قويما وطريقة دقيقة محكمة، وضعها له أبو بكر، وساعده على تنفيذها صاحب الرأي عمر، رضوان الله عليهم أجمعين.
أخرج ابن أبي داود: أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعمر وزيد رضي الله عنهما: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه «1» .
وأخرج أيضا: عن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في المصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان «2» .
قال ابن حجر: المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة.
وكلام السخاوي في (جمال القرّاء) يفيد: أن المراد بهما رجلان عدلان، فإنه قال: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» .
والذي يدلّ على ما أفاده كلام السخاوي ما أخرجه ابن أشتة «4» في (المصاحف) عن الليث بن سعد «5» قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل.
ويتلخّص لدينا أن الطريقة التي اتّبعت في الجمع كانت تقوم على أمرين:
الأمر الأول: معتمده فيما يجمع من آيات، فقد اعتمد رضي الله عنه على
(1) الإتقان في علوم القرآن؛ للسيوطي (1/ 184).
(2)
المصدر السابق (1/ 184) والعسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل العريض.
(3)
الإتقان (1/ 184).
(4)
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أشتة، نحوي محقق ثقة، اشتغل كثيرا بعلوم القرآن.
(5)
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء، إمام أهل مصر في عصره، حديثا وفقها، أصله من خراسان ووفاته في القاهرة سنة (175 هـ). قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به.
مصدرين يأخذ منهما آيات الله تعالى:
* المصدر الأول: ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات على الرقاع ونحوها.
* المصدر الثاني: ما كان محفوظا في صدور الرجال من قرّاء الصحابة وحفّاظهم.
الأمر الثاني: الاستيثاق مما يجمع من الآيات، وقد كان هذا الاستيثاق قائما على أساسين:
* الأساس الأول: أنه كان رضي الله عنه لا يقبل شيئا محفوظا إلا إذا دعّم بالكتابة، فمن جاءه بآية يحفظها لم يثبتها حتى يأتيه بها هو أو غيره مكتوبة.
* الأساس الثاني: أنه كان لا يقبل ما كان مكتوبا إلا إذا شهد شاهدان أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الرقعة هكذا.
وإذا علمنا أنّ زيد بن ثابت رضي الله عنه كان حافظا لكتاب الله تعالى وأحد كتّاب الوحي، وكذلك كان مساعده في الجمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أدركنا مدى الدّقة والحيطة والحذر، ومدى التّحرّي الشامل، الذي أخذ المسلمون به أنفسهم، في كتابة آيات الله تعالى وتبليغها، حيث لم يكن أحدهم ليكتفي بما حفظ في قلبه، ولا بما كتب بيده، ولا بما سمع بأذنه، حتى يضمّ إلى ذلك وثائق أخرى، زيادة في الوثوق، ومبالغة في الاحتياط، وإبعادا للشك والارتياب. ولقد كانت هذه الشدة في المنهج نابعة عن الشعور بعظم المسئولية وخطورة العمل، الذي عبّر عنه زيد رضي الله عنه بقوله: فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن.
وهذه الدّقة وهذا الحذر هو الذي يفسر لنا قول زيد رضي الله عنه: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها عند غيره