المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة هذا هو الكتاب الذي وعدنا به القراء - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٣

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأولالتعليم في المدارس القرآنية والمساجد

- ‌مدخل

- ‌حالة التعليم العربي الإسلامي غداة الاحتلال

- ‌التعليم في المدارس القرآنية

- ‌التعليم في المساجد

- ‌بعض أعيان المدرسين في العاصمة

- ‌التدريس بإقليم الوسط (غير العاصمة)

- ‌مدرسو المساجد في إقليم وهران

- ‌مدرسو المساجد في مدينة قسنطينة

- ‌مدرسو المساجد في إقليم قسنطينة والجنوب

- ‌المرتبات والتلاميذ والبرامج

- ‌الفصل الثانيالتعليم في الزوايا والمدارس الحرة

- ‌التعليم في الزوايا

- ‌زوايا الجنوب

- ‌زاوية طولقة

- ‌زاوية الخنقة

- ‌زاوية الهامل

- ‌الزاوية التجانية

- ‌زاوية قصر البخاري

- ‌زوايا أخرى

- ‌المدارس الحرة

- ‌معهد بني يسقن وشيخه أطفيش

- ‌الفصل الثالثالتعليم الفرنسي والمزدوج

- ‌مدخل

- ‌آراء حول تعليم الجزائريين

- ‌ التعليم الفرنسي

- ‌نشأة المدرسة الابتدائية الفرنسية:

- ‌حلقات اللغة العربية

- ‌مدخل إلى التعليم المزدوج

- ‌المدرسة الابتدائية المزدوجة

- ‌المدارس الشرعية الثلاث

- ‌المعاهد (الكوليجات) العربية - الفرنسية

- ‌ مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال)

- ‌البرنامج والميزانية

- ‌التعليم المهني

- ‌حول تعليم المرأة والفنون التقليدية

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة هذا هو الكتاب الذي وعدنا به القراء

بسم الله الرحمن الرحيم

‌مقدمة

هذا هو الكتاب الذي وعدنا به القراء منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وهو كتاب يغطي، بمختلف أجزائه، عهد الاحتلال الفرنسي، أي من 1830 إلى 1954 (1). وقد درسنا فيه موضوعات ومظاهر الثقافة من تعليم وتصوف، ورجال دين وقضاء ونخبة، ومعالم وأوقاف، ومنشآت، كما عالجنا فيه الاستشراق والتبشير، والترجمة والمترجمين، والتيارات والمذاهب، وأنشطة المهاجرين، إضافة إلى دراسة الإنتاج الثقافي نفسه في العلوم الدينية والاجتماعية والتجريبية، وفي الآداب والفنون والتاريخ (2).

ومصادر الكتاب غنية ومتنوعة تنوع محتوى الكتاب نفسه. وربما يكون من العبث أن نحاول وضع قائمة بالمصادر التي قرأناها أو رجعنا إليها. غير أن القارئ سيجد المصادر الأساسية في تعاليق كل فصل. وننبه إلى أن معظم المصادر كنا قد اطلعنا عليها خلال الثلاثين سنة الماضية، ولكن بطاقاتها ضاعت سنة 1988. وقد استدركنا الكثير منها وبقي البعض بدون استدراك، سيما المخطوطات والمقابلات والمراسلات. ومن ناحية أخرى فإن عددا من المصادر كان معروفا لدينا، بل ونملكه، ولكننا لم نستطع الوصول إليه لأننا كتبنا هذا الكتاب خارج الجزائر. وقد أمدنا أصدقاؤنا

(1) أما العهد العثماني فقد خصصنا له الجزئين الأول والثاني. وقد طبعا طبعة أولى سنة 1981 وثانية سنة 1985.

(2)

انظر فصول كل جزء ومحتواها في فهرس الموضوعات.

ص: 5

وأقاربنا بالكثير من المصادر عن طريق البريد الذي لم ينقطع بيننا طيلة فترة البحث والتحرير. ونشير أيضا إلى أن بعض الفصول قد اعتمدت على مصادر متنوعة بينما بقيت مصادر بعض الفصول الأخرى محدودة إما لعدم وصولنا إليها وإما لأن الموضوع نفسه لم يعالجه إلا القليل من الكتاب.

بنينا خطة الكتاب ليكون بأجزائه المختلفة موسوعة ثقافية جزائرية. وبناء على ذلك فإنك ستلاحظ أنه غطى الآداب والفنون والعلوم والتعليم والدين والتصوف، كما أنه لم يقتصر على مساهمة الجزائريين فقط بل درس مساهمة الفرنسيين أيضا، لأن دراسات الفرنسيين للفن واللغة والآثار والطرق الصوفية وما إلى ذلك، داخلة في صميم موضوعنا الثقافي. إن أعمال المترجمين والمستشرقين والفنانين والمؤرخين الفرنسيين كانت مستوحاة من تراث الجزائر وكانوا يحاولون توجيهه وجهة تخدم المصالح الفرنسية. وهنا يكمن الفرق بين العثمانيين والفرنسيين. فالعثمانيون لم يكتبوا عن الثقافة الجزائرية وإنما تركوا أهل البلاد يتولون ذلك بأنفسهم، أما الفرنسيون فقد تولوا شؤون الثقافة بأنفسهم وزحزحوا عنها علماء وأدباء البلاد. كما غطى الكتاب دور المهاجرين الجزائريين في المشرق والمغرب. ذلك أن الهجرة شملت في أغلب الأحيان رجال العلم والأدب والصحافة والسياسة والدين. فكانت مساهمة المهاجرين في البلاد العربية والإسلامية كبيرة، رغم أن بلادهم الأصلية قد خسرتهم.

والواقع أن هناك صعوبة في هذا الصدد في تحديد الأسماء والمصطلحات والأدوار. فمن هو الجزائري في هذا الكتاب؟ إننا نؤمن بوحدة الثقافة العربية الإسلامية، وإن تتبعنا لدور الجزائريين في الشام أو تونس أو إسطنبول أو غيرها لا يعني فصلهم عن بيئتهم الجديدة التي استبدلوا فيها أهلا بأهل والتي وجدوا فيها الراحة والعزاء عما فقدوه من أرض وولد وجاه. فإذا تحدثنا عن (جزائرية) المكي بن عزوز والطاهر السمعوني وأحفاد الأمير عبد القادر وغيرها فإننا نفعل ذلك لنذكر الجيل الجديد بأجداده الذين ضربوا في الأرض مراغمين والذين أجبرهم الإحتلال على العيش في

ص: 6

المنافي، ولنذكرهم كذلك بدور أولئك الأجداد في خدمة الثقافة العربية الإسلامية. ومع ذلك فإننا لم ننتبع كل إسم ولا (كل) الأحفاد الذين نشأوا وانتشروا في العالم العربي الإسلامي.

والكتاب، كما هو واضح من خطته، ليس كتابا في التراجم بالمعنى التقليدي. إن تركيزنا فيه منصب على الأفكار والتيارات وتصنيف المواد العلمية وليس على الأشخاص. فإذا ترجمنا لأحدهم فإننا ترجمنا له داخل التصنيف الذي نعالجه في أغلب الأحيان، أي حسب ما غلب عليه من نشاط، كالطب والصحافة والتاريخ والتصوف، وما إلى ذلك. وأغلب من ترجمنا إليهم هم من الأموات، وإذا ما تعرضنا لإنتاج أحد الأحياء أو المتأخرين فإننا توقفنا عادة عند سنة 1954، كما فعلنا مع الشيخ عبد الرحمن الجيلالي والشيخ أحمد توفيق المدني. وقد نشير في الهامش إلى بعض التفاصيل عن الأحياء أو المتأخرين.

وقد حرصنا على أن يضم الكتاب الروافد المختلفة للثقافة. فقد تناولنا أيضا الأدب الشعبي بأنواعه ولهجاته. ورجعنا إلى إنتاج اللهجات العربية والبربرية. وقد لاحظنا أنه أدب يعبر عن مختلف أحزان وآمال الشعب الجزائري أمام جبروت الإحتلال. فكانت موضوعاته هي البكائيات والحب والفخر والإصرار على الأمل والتفاؤل رغم المأساة. وأثناء دراستنا للغة واللهجات ذكرنا أيضا جوانب من الدراسات البربرية. وقد ظهر في الثلث الأخير من عهد الاحتلال إنتاج جزائري باللغة الفرنسية، في القصة والشعر والمقالة والمسرحية. فرأينا أن كتابا في تاريخ الجزائر الثقافي لا بد أن يتتبع أيضا هذا الإنتاج ويدرس كيف تولد وكيف نما وإلى أين كان يسير. ولكن الكتاب يظل في صميمه يمثل الثقافة (الوطنية) المشتركة بين الجزائريين مهما تباعدت أجيالهم واختلفت لهجاتهم وتعددت اللغات الأجنبية التي يستفيدون منها، وهي الثقافة العربية التي انتشرت بالإسلام.

ويأتي هذا الكتاب ونحن ندلف إلى القرن الواحد والعشرين. وكم هو

ص: 7

مفيد أن يقف المرء وقفة تأمل نحو الماضي ونحو المستقبل. إن الجزائر قبل سنة 1830 كانت، مثل كل البلاد العربية والإسلامية، تعاني من مرض التخلف والجهل، ومن مرض الجمود الفكري الذي اتفق الحكام والعلماء عندئذ على تأبيده. ولكن التخلف والجهل والجمود لا يناقض وحدة التفكير والشعور. فكان الناس يعيشون أنماطا من العيش يحدوهم فيها فكر واحد، ويتبادلون مشاعر مشتركة، وكانوا يسعدون ويحزنون في حياتهم حسب مقاييس ثقافية وضعوها لأنفسهم يباركها اللسان الواحد والدين الواحد والانتماء الواحد. وذلك هو معنى (الجزأرة) عندئذ، وهو معنى الثقافة الأصلية المشتركة بينهم وبين المغاربة والمشارقة. ويظهر ذلك في توجه الآلاف منهم نحو المغرب والمشرق عندما ادلهم الخطب وغزا العدو بلادهم ونكبوا في دينهم وأموالهم وأهليهم.

ومنذ 1830 دخلت الجزائر في نفق مظلم. فكان على أهلها أن يصارعوا قوات الاحتلال العسكرية والثقافية، بل لقد كان عليهم أن يصارعوا من أجل بقاء الذات. وقد فهم أولئك الجزائريون بعد حوالي خمسين سنة من ذلك الصراع أن بقاء الذات يكمن في الخروج من التخلف والجهل والجمود. واكتشفوا أن للفرنسيين ثقافة غير ثقافتهم وأن لهم علوما كانت من قبل مزدهرة عند العرب والمسلمين، وتأكدوا أن خروجهم من النفق المظلم يمر بالسيطرة على العلوم الحديثة، وأن (الإستعمار) رغم أنه شر كله، فإنه لا بد لقهره من التقدم بدل التخلف والعلم بدل الجهل والحركة بدل الجمود. ولكن خروج الجزائريين من هذه الدائرة الشريرة احتاج إلى حوالي خمسين سنة أخرى. وعندما أتيحت لهم الفرصة مع الإستقلال انطلقوا يتعلمون ويتقدمون ويتحركون. وبلغوا في ذلك شوطا حير المعاصرين وأزعج المتربصين بهم، فكاد لهم الكائدون كيدا جعلهم ينحرفون عن سيرهم ويعانون محنة من أخطر ما عرفوه من محن.

وها نحن نكتب هذه المقدمة والمحنة ما تزال مشتدة بينما سنوات القرن العشرين تزحف إلى نهايتها، فماذا عن الثقافة الجزائرية بعد سنة

ص: 8

2000؟ إذا كان التنبؤ حميدا في بعض المجالات العلمية فإنه قد يكون ذميما في المجالات الثقافية. إنه من الأكيد أن الشعب الجزائري الذي قد عركته الأيام سيخرج من محنته هذه قويا متماسكا، وسيصحح مساره الفكري، وسينطلق للقرن الواحد والعشرين وهو متمسك بأصالته، متخلصا تماما من التخلف والجهل والجمود، ومتسلحا تماما بالعلم والإيمان واليقظة والفعالية. ونحن على يقين من أن الجيل الحاضر من الجزائريين يدرك أنه لا مكان له بين الآخرين بدون أن ينافسهم في المجالات العلمية والتقنية والإبداعات المختلفة.

وليس سرا أن نقول إن الكتاب يبرز الثقافة الجزائرية في ثوب المقاوم الصامد أمام أنواع الدمج والتذويب والنسيان. كما أنه ليس جديدا أن نكرر بأن الفرنسيين قد عملوا منذ وهلة الاحتلال على تهميش ثقافة الجزائر ومحاربة رموزها ومقوماتها ومحاربة القائمين عليها من أهل الأدب والعلم والفن والدين.

إن الذين سينظرون إلى الكتاب على أنه سرد وتصنيف وتجميع سيظلمونه. كما أن الذين سينظرون إليه على أنه يمثل موقفا فكريا (إيديولوجيا) ضيقا سيظلمونه أيضا. فهو في الواقع كتاب يعالج آراء الجزائريين والفرنسيين في كثير من الحذر وأحيانا في كثير من الموافقة والتسامح. على أن الطابع الموسوعي واضح في الكتاب كما ألمعنا إلى ذلك. والمؤلف لا يزعم أنه أحاط بكل ما تناوله من معارف على حد سواء، وأنه خبير بكل موضوع تعرض إليه. فقد توقفنا عند مسائل عديدة إما لعدم توفر مادتها أو لعدم اختصاصنا فيها. ولكن حسبنا أننا مهدنا الطريق أمام الباحثين الذين نتمنى أن يواصلوا ما بدأناه، أو أن يصححوا ما أخطأنا فيه. وهناك نقطة طالما أشرنا إليها في كتبنا الأخرى، ونوذ أن نكررها، وهي عزوف الجزائريين عن الكتابة وتدوين حياتهم بكل ما فيها. ولا ينسحب هذا العزوف على فترة الإحتلال فقط، بل أننا وجدنا الظاهرة عامة في مختلف

ص: 9

العصور. ولا نريد الآن أن ندرس أسباب الظاهرة، ولكننا ننبه الجيل الجديد إلى أن عدم الكتابة والتدوين قد ترك المجال فارغا أمام المغرضين والمؤولين لتاريخ البلاد وخصائص أهلها والطعن في قدرتهم الفكرية. وسيلاحظ الجيل الحاضر كيف وظف الفرنسيون وغيرهم من الأجانب، عزوف الجزائريين عن الكتابة، فاعطوا تفاسير لتطورهم لا تنصفهم. وما نرجوه هو أن يحفز كتابنا جيل القرن الواحد والعشرين على الكتابة في مختلف المجالات وتصحيح ما تقوله المتقولون والخراصون عن وطنهم وأجدادهم.

وإن خوف الجزائريين من تدوين التاريخ والكلمة المكتوبة قد أفضى بهم إلى حساسية مفرطة من النقد، فهم لا يتسامحون مع الناقد ولا يظهرون الإستعداد للجدل والمناقشة، بل يريدون من الكاتب أن (يقول خيرا أو يسكت)، وهذه الحكمة إن جازت في الأخلاق فإنها لا تجوز في العلم والتاريخ، فنحن مثلا قد نقلنا آراء وجلونا مواقف وعلقنا بما بدا لنا أنه أقرب إلى منطوق ومفهوم النصوص والظروف. وكل ما نرجوه أن يتقبل البعض ذلك منا بصدر رحب، وأن يناقشوه إن ظهر لهم أنه خلاف ما انتهينا إليه، وأن يتأكدوا أن السلف لم يكونوا ملائكة ولا شياطين وإنما كانوا بشرا مثلنا، تحكم فيهم الجهل والهوى أحيانا، وأجبرتهم الحوادث والظروف أحيانا أخرى. فليعتبر شبابنا بهم جميعا، في نجاحهم وخطئهم.

ومن حق القارئ أن يعرف أن هذا الكتاب قد ولد مرتين: فقد كتبت منه ثلاثة فصول ونصفا عندما كنت أستاذا زائرا في جامعة ميشيقان سنة 1988. وأثناء رجوعي إلى الوطن ضاعت محفظتي التي فيها الفصول المكتوبة وبطاقات الفصول الأخرى ومراجع وأوراق ومصورات كثيرة. وكانت النكبة التي ذكرناها والتي هزت كياني وشلت فكري فترة طويلة (1). ثم أمرع الفكر ورجع الأمل، فأخذنا في تصفح الذاكرة بحثا عن المراجع التي عرفناها من قبل والمخطوطات التي سافرنا إليها. وهكذا استأنفنا المسيرة في

(1) انظر ما كتبناه عن هذه النكبة في كتابنا (في الجدل الثقافي)، تونس، 1993.

ص: 10

البحث. وقد واتت الفرصة يوم تحصلنا على منحة (فولبرايت) فسافرنا إلى أمريكا واستقبلتنا جامعة منيسوتا أستاذا زائرا، سنة 1993. وفي هذه الجامعة ولد الكتاب ميلاده الثاني في خلوة (كيرول) بمكتبة ويلسون. فقضينا فيها الأيام وجزءا من الليالي على مدى ثلاث سنوات بين البحث والتحرير والتنقيح والتصحيح. ويجب القول أن خطة الكتاب الأصلية قد طرأ عليها تعديل كبير بين الميلاد الأول والثاني. فقد كانت الخطة الأولى تشغل جزئين فقط ولا تتوسع في التعليم والتصوف والإستشراق ونحوها من الموضوعات. فإذا بالخطة الجديدة تشمل كل ذلك وتتوسع فيه وفي غيره، فأصبح الكتاب في عدة أجزاء، كما فصلنا. وصدق الله العظيم إذ يقول:{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} . فإذا كان هدف المعتدي على المحفظة هو عرقلتي بعض الوقت فقد نجح، أما إذا كان هدفه هو سحق المشروع فقد خاب (1).

بعد استئنافنا العمل في الكتاب مر إنجازه بثلاث مراحل: المرحلة الأولى جمعنا من الجزائر وغيرها ما استطعنا من مادته العلمية. ثم سافرنا إلى أمريكا واستمر عملنا في جمع المادة أيضا بعد أن توفرت شروط البحث. وكنا في سباق مع الزمن إذ كان علينا أن ننجز أكبر نصيب من الكتاب في ظرف تسعة أشهر (مدة المنحة). وبعد حوالي أربعة أشهر شرعت في تسويد كل فصل توفرت عندي مادته أو قاربت. فكنت أحرر ما استطعت في الصباح وأواصل البحث في المساء. وأثناء ذلك كنت أجد معلومات إضافية تهم الفصول التي حررتها فأضعها في حزم موزعة على الفصول المسودة. ثم مددت إقامتي بدون منحة، فكان علي أن أدرس بعض الوقت لتدبير العيش بينما حافظت على النظام السابق في التحرير والبحث. فلم يحن يناير 1995 حتى انتهيت من تسويد كل الفصول تقريبا.

(1) يمكنني القول إنني عوضت تقريبا كل ما ضاع مني عدا شيئا واحدا، وهو يومياتي، إذ من المستحيل استعادة ما فيها من الأسفار والمشاهدات والإنطباعات والأحداث من الذاكرة وحدها. وهي تضم سنوات 1984 - 1988.

ص: 11

ثم توقفت فترة انتابتني فيها الحيرة حول المرحلة الثانية: هل أترك العمل كما هو مسود إلى أن أرجع إلى الجزائر حيث بعض المواد الإضافية التي أعرف أنها عندي أو عند الآخرين؟ ولكن متى ستكون عودتي والأوضاع كما هي والزمن لا يرحم؟ وأثناء حيرتي كنت أملأ الفراغ بمواصلة البحث في مظان أخرى سواء في الكتب الواردة علي عن طريق الإستعارة بين المكتبات أو عن طريق المراسلات مع الأصدقاء والأقارب في الجزائر. وقد ظلت مكتبة جامعة منيسوتا أيضا معينا لا ينضب لبحثي.

وحين بدا لي أن الرجوع إلى الجزائر سيطول أمره وأن إرادة البحث والتحرير عندي ما تزال نشطة قررت الشروع في المرحلة الثانية من المشروع، وهي مراجعة كل فصل وتصحيحه وتنقيحه والإضافة إليه بناء على المعلومات الجديدة. وقد استغرقت هذه العملية حوالي سنة أخرى. وأثناء ذلك كنت أكتشف أيضا بعض الثغراب وأتردد أمام بعض التواريخ والأسماء والعبارات والمراجع فقررت أن أسجل ذلك إلى حين الطبع.

والواقع أننا منذ السبعينات ونحن نتلقى المراسلات والوثائق والآراء والتسهيلات لإنجاز هذا الكتاب. وعندما صدر الجزآن الأولان (1981) راسلنا عدد من العلماء والمهتمين بصور من الوثائق وبالمعلومات المتعلقة بالمخطوطات والعائلات. وقد صدم الغيورون على الثقافة الوطنية عندما وقعت نكبة المحفظة وواسونا برسائلهم وهواتفهم. وتأثر بعضهم بما حدث فأعادوا مدنا بالمعلومات، ولكن بعضهم اعتراه الفشل والقنوط - كما اعترانا - فأحجم عن مراسلتنا.

وإنه لمن المستحيل علينا الآن أن نورد قائمة بالأفراد والمؤسسات التي ساهمت من قريب أو من بعيد في إنجاز الكتاب، قبل نكبة المحفظة وبعدها. على أنه لا يمكنني أن أغفل مساهمة المرحومين المهدي البوعبدلي وعلي أمقران السحنوني. وتنويها بفضلهما ذكرتهما كلما رجعت إلى مراسلاتهما. وكان الأخ محمد الحسن عليلي نعم الرفد لي وأنا في الغربة إذ أمدني

ص: 12

بمصورات ومنسوخات كثيرة وكان بريده العلمي لا يكاد ينقطع عني. وكان الشيخ محمد الطاهر التليلي حاضرا لإجابتي كلما توجهت إليه بالسؤال رغم بعد المسافة وتقدم السن به. وكان أخي علي سعد الله واسطة لي في الحصول على معلومات هامة، ولا بد من التنويه بأبحاث بعض طلابنا في معهد التاريخ إذ استفدت منها فوائد جمة في بعض الفصول. وأخص بالذكر محمد العربي معريش وأحمد مريوش، وقد راسلنا كل منهما بمعلومات إضافية طلبناها منه. كما استفدت من بحث إبراهيم الونيسي حول جريدة المبشر، ومن أطروحة عبد الحميد زوزو المخطوطة عن الأوراس. أما أخي خالد (أبو بكر) سعد الله فقد كان هو الواسطة في كل مراسلاتي الأخرى، وكان هو المتلقي للفصول بعد تحريرها، والمنسق مع محمد الطيب عقاب في رقن الكتاب تباعا. ولا بد من إشادة خاصة بجهد الأخ عقاب في الرقن إذ خصص لي الكثير من وقته، وهو من القلائل الذين يحسنون قراءة خطي في المسودات.

وإن الشكر والإمتنان يذهبان أيضا إلى عدد من المؤسسات. فقد فرغني معهد التاريخ بالجزائر فترة أطول من المعتاد وتحمل زملائي وطلابي فيه العبء أكبر في التدريس والإشراف على الأطروحات نيابة عني في غيابي. وأخص بالذكر في هذا المجال الدكتور ناصر الدين سعيدوني. وقد تفهموا بصدر رحب مهمتي وأبعاد مشروعي. ووافقت جامعة الجزائر على التفرغ، ودعمت وزارة التعليم العالي موافقة لجنتها الخاصة بالتعاون على منحة فولبرايت. وسهلت مؤسسة فولبرايت بمختلف موظفيها في الجزائر وأمريكا، مهمتي في السفر والإقامة. وقدرت مهمتي العلمية حق قدرها. وكان قسم التاريخ بجامعة منيسوتا كريما معي، فخصص لي درسا أعيش من دخله عندما توقفت المنحة. ومنحتني مكتبة ويلسون بالجامعة كل التسهيلات في استعارة الكتب واستعمال أجهزة الحاسوب (الكومبيوتر) والتصوير، ولعل من أكبر التسهيلات التي وجدتها في هذه المكتبة هو الحصول على الكتب والمجلات عن طريق الإستعارة بينها وبين المكتبات الأخرى، وهي خدمة جليلة لا

ص: 13

يعرف قدرها إلا الباحثون المجربون.

ومن الواجب كذلك التنويه ببول بامفورد Paul Bamford الأستاذ المتقاعد بقسم التاريخ والذ! عينته مؤسسة فولبرايت ليكون زميلا لي أثناء تمتعي بالمنحة. فلقد وفر لي شروط الإقامة وزكى مطالبي، وتخلى لي عن خلوته الخاصة في مكتبة ويلسون بالجامعة، وهي الخلوة التي حررت فيها الكتاب كما ذكرت. ولو اتسع المقام لذكرت عددا آخر من الأساتذة الذين زكوني عندما تقدمت للتدريس، وأخص بالذكر توماس نونان T. Noonan، وجيمس تراسي J. Tracy وكيم مانهالند K. Munholland (وهو أحد أساتذتي الذين درست عليهم في الستينات).

ومهما نوهت بفضل زوجتي، أم أحمد، فلن أوفيها حقها، فهي التي وفرت الشروط المعنوية لإنجاز الكتاب. وكانت تحفزني وتشجعني كلما رجعت إلى المنزل خائر القوى، وكان دورها في تضميد جراح نكبة المحفظة وفي الإنطلاقة الجديدة دورا فعالا. وطالما ساهمت معي في مناقشة الأفكار، وفي وضع الخطة وترجمة بعض العبارات الأجنبية.

وأثناء تحريري للكتاب توفيت والدتي، هالي العبيدية، رحمها الله، وكان بيني وبينها المحيط والقارات، وكانت تنتظر عودتي وأنتظر رؤيتها، وكنت أمني نفسي بحمل الكتاب إليها لتقبله، كما كانت تفعل مع كتبي الأخرى، ولكن الموت تخطفها فلم أستطع رؤيتها في لحظات الحياة الأخيرة، بل إن أبناءها أشقائي في الجزائر لم يدركوها إلا بعد أن فارقت الحياة. فإلى روحها الطاهرة أقدم هذا الكتاب قربانا لعلها تغفر لي خطيئتي يوم حذرتني من السفر، ولكني سافرت، لكي أنجز هذا التذكار للجزائر والعروبة والإسلام

ولها.

أبو القاسم سعد الله

مدينة مينيابلس، أول أبريل 1996

ص: 14