المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مدخل إلى التعليم المزدوج - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٣

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأولالتعليم في المدارس القرآنية والمساجد

- ‌مدخل

- ‌حالة التعليم العربي الإسلامي غداة الاحتلال

- ‌التعليم في المدارس القرآنية

- ‌التعليم في المساجد

- ‌بعض أعيان المدرسين في العاصمة

- ‌التدريس بإقليم الوسط (غير العاصمة)

- ‌مدرسو المساجد في إقليم وهران

- ‌مدرسو المساجد في مدينة قسنطينة

- ‌مدرسو المساجد في إقليم قسنطينة والجنوب

- ‌المرتبات والتلاميذ والبرامج

- ‌الفصل الثانيالتعليم في الزوايا والمدارس الحرة

- ‌التعليم في الزوايا

- ‌زوايا الجنوب

- ‌زاوية طولقة

- ‌زاوية الخنقة

- ‌زاوية الهامل

- ‌الزاوية التجانية

- ‌زاوية قصر البخاري

- ‌زوايا أخرى

- ‌المدارس الحرة

- ‌معهد بني يسقن وشيخه أطفيش

- ‌الفصل الثالثالتعليم الفرنسي والمزدوج

- ‌مدخل

- ‌آراء حول تعليم الجزائريين

- ‌ التعليم الفرنسي

- ‌نشأة المدرسة الابتدائية الفرنسية:

- ‌حلقات اللغة العربية

- ‌مدخل إلى التعليم المزدوج

- ‌المدرسة الابتدائية المزدوجة

- ‌المدارس الشرعية الثلاث

- ‌المعاهد (الكوليجات) العربية - الفرنسية

- ‌ مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال)

- ‌البرنامج والميزانية

- ‌التعليم المهني

- ‌حول تعليم المرأة والفنون التقليدية

الفصل: ‌مدخل إلى التعليم المزدوج

1849 فإن توصياتها لم تؤد إلى مس هذه الحلقات ولم يحدث جديد بشأنها. وكان برينييه قد توقف فترة سنة 1850 عن الدروس لمرضه، وعندما رجع سنة 1851 جعل درسه الساعة 11.30 في كل مرة. لكن الجديد في الموضوع، ولعله من وحي دراسة اللجنة، هو إنشاء جوائز سنوية لمن يعرف اللغة العربية (جائزة أولى قيمتها 400 فرنك، وجائزة ثانية قيمتها 200 فرنك) بعد امتحان ومسابقة تقوم على الترجمة الشفوية بالفرنسية والعربية وكتابة رسالة باللغة العربية، والنقل من الفرنسية إلى العربية الخ. أما الجديد الثاني في هذا المجال فهو إعلان وزارة الحربية التي تقع الجزائر تحت طائلتها، عن تفضيلها في التوظيف المدني لمتقني اللغة العربية، وكان ذلك سنة 1853 (1).

هذا هو نمط التعليم الذي تسميه الوثائق الفرنسية عاليا، والمختص بتوصيل اللغة العربية إلى عدد كبير من الأوروبيين في الجزائر. وقد تواصل هذا النوع من التعليم إلى عقد السبعينات. وتطور عبر السنين على أيدي مستشرقين آخرين تولوا كلية الآداب والمدارس الرسمية الثلاث. وهؤلاء هم الذين كانوا قد أضافوا أيضا حلقة اللغة البربرية، وتبادلوا الأيدي بين الجزائر وفرنسا على حلقات العربية والبربرية. وستتكاتف جهود أصحاب حلقات اللغة العربية والمدارس الحكومية الثلاث ومدرسة الآداب العليا (ثم كلية الآداب) ثم المعاهد المتخصصة، على خدمة المصالح الفرنسية العليا، أي خدمة الاستشراق والاستعمار. وسنعالج هذه النقطة في فصل الاستشراق.

‌مدخل إلى التعليم المزدوج

نتناول الآن التعليم العربي - الفرنسي أو المزدوج، وهو بيت القصيد من هذا الفصل. والمقصود به ذلك النوع من التعليم الموجه إلى الجزائريين.

(1) اعتمدنا على كور، مرجع سابق، ص 45 - 53 بخصوص تقرير لجنة بيدو - بارو. وسترى أن هذه اللجنة هي التي أوصت أيضا بإنشاء المدارس الحكومية الثلاث سنة 1850.

ص: 321

وهو على أنواع، منه المدرسة الحضرية - الفرنسية، فالمدرسة العربية - الفرنسية، ثم المدرسة الخاصة بالأهالي. وكلها كانت مدارس في مستوى التعليم الابتدائي.

ثم هناك المدارس الرسمية الثلاث التي ابتدأت عربية محض ثم أصبحت مزدوجة. وهي مدارس كانت تخرج القضاة والمترجمين والمدرسين. وكان مستواها هو التعليم المتوسط والثانوي، رغم أن بعض الاستعمالات الفرنسية تعطيها صفة التعليم العالي أيضا، وسنتناولها على حدة.

وأخيرا هناك المدرسة السلطانية، كما تسميها (المبشر) أو الكوليج الامبريالي (الامبراطوري) كما هو أصل التسمية الفرنسية، وهو معهد (كوليج) أسس للدراسة المزدوجة والعالية في الجزائر بإدارة فرنسية. وسنتناوله على حدة أيضا.

إن هناك قدرا مشتركا بين هذه الأصناف الثلاثة من مؤسسات التعليم، وهو تنفيذ مخططات الحكومة الفرنسية في السيطرة على الجزائر ودمج شعبها إذا أمكن، في الحضارة الفرنسية. ومهما اختلفت التسمية ومهما تدخلت اللجان والقرارات فإن الهدف من التعليم في هذه المؤسسات هو خدمة المدرسة الاستعمارية وإبعاد الجزائريين عن أصولهم وتراثهم وسلخهم عن ماضيهم وإدخالهم في بوتقة الفرنسة بالذبذبة في البداية والجاذبية في النهاية.

إن ما قيل وكتب عن مقاطعة الجزائريين في البداية للمدرسة الفرنسية، ومقاومتها بكل الوسائل هو حقيقة لا يتنازع فيها الباحثون اليوم. ولكن المقاطعة والمقاومة لم تكونا للمدرسة والتعليم بل للفرنسة وفرض برامج لا يرضون عنها لأبنائهم، لأنهم تأكدوا من التصريحات والتصرفات الفرنسية منذ اللحظة الأولى، إن الهدف من الاحتلال هو مسخ الجزائريين وسلخهم عن دينهم وعن تراثهم. إن السلطة التي استطاعت أن تنصر المسجد بجعله كنيسة لا يعجزها أن تنصر الأطفال الذين يأتون إلى مدرستها. ثم إن السلطة التي

ص: 322

هدمت المدارس القرآنية والزوايا كزاوية الجامع الكبير وزاوية القشاش، لا تتوانى في هدم آثار الدين واللغة في قلوب وألسنة الأطفال. ولذلك كان موقف الجزائريين الأولين بطوليا وداخلا في برنامج المقاومة. وهم لم يبقوا مكتوفي الأيدي إزاء تعليم أبنائهم، الذي هو واجب مقدس، بل تصرفوا بما في طاقتهم، فعلموهم في بيوتهم وفي المكاتب (الكتاتيب) الباقية، وأرسلوا بهم إلى زوايا المرابطين في رؤوس الجبال والمناطق النائية، وهاجروا بهم إلى المغرب وتونس وغيرهما، وطالبوا السلطات الفرنسية أن تعلمهم بلغتهم تعاليم دينهم، ثم أصبحوا يطلبون الرخص بفتح المدارس الابتدائية لأبنائهم وتحت إدارتهم، فكانت مدرسة الشيخ محمد أطفيش في ميزاب ومدرسة عباس بن حمانة في تبسة، ثم مدرسة السلام والشبيبة بالعاصمة، وأخيرا جاءت مدرسة التربية والتعليم في قسنطينة، ومدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مختلف أنحاء القطر.

وكانت هذه المدارس تنافس المدرسة الفرنسية والمزدوجة، فكان الطفل يجمع بين التعليم الوطني والتعليم الفرنسي بطريقة تثير الدهشة والإعجاب إذ كان يختلس له معلمو المدارس العربية الأوقات التي لا يكون فيها في المدرسة الفرنسية، فيعلمونه فيها. بالإضافة إلى أن هناك من تفرغ منهم للتعليم العربي فقط، كما أن الزوايا من جهتها كانت تقوم بمهمة كبيرة في مسيرة المقاومة. وهناك من رحل للتعلم خارج الجزائر.

لقد مرت المدارس المزدوجة بعدة مراحل يمكننا تلخيصها فيما يلي: المرحلة الأولى من 1830 إلى 1850 والمرحلة الثانية من هذا التاريخ إلى 1870، والمرحلة الثالثة من هذا التاريخ إلى إصلاحات 1892، والمرحلة الرابعة منذ هذا التاريخ.

في المرحلة الأولى كان الإهمال المطلق لتعليم الجزائريين هو الظاهرة العامة رغم التظاهر بالقول إن الجزائريين هم الذين لم يهتموا بالمدرسة الفرنسية ولم يأتوا إليها. والرأي الصحيح هو أن هناك مقاومة من جانب

ص: 323

الجزائريين وحربا عوانا من جانب الفرنسيين (وقد تقدم ذلك في تقريرهم الرسمي). والحرب ليست في الميدان العسكري والاقتصادي فقط، بل كانت في الميدان الحضاري (الديني واللغوي) كما عرفنا في فصل المعالم الإسلامية. فقد صودرت البنايات الدينية التي كانت للعبادة والتعليم، وضمت أوقافها، واستخدمت أموالها في الحرب بدل التعليم، بل في فرض الجهل بالقوة. وبينما أسس الفرنسيون مدارس خاصة ثم عمومية لأبنائهم، كما عرفنا، لم يفتحوا مدرسة للجزائريين إلا سنة 1836. وهي مدرسة لم يبذلوا فيها أي جهد لأن المبنى كان قائما من قبل، وقد أطلقوا عليها اسم المدرسة الحضرية - الفرنسية، ولهذا الاسم ينسبونها إلى الحضر، سكان المدينة أو أهل المدر، كما يقول ابن خلدون، لأنها موجهة في نظرهم إلى أبناء فئة التجار الباقين والموظفين وأهل الحرف والصنائع والمتعلمين. والمعروف أن مدينة الجزائر عندئذ (1836) قد جلا عنها أهلها من علماء وأغنياء وسياسيين بالنفي والتهجير أو بالخوف من البقاء تحت حكم الأجنبي وانضموا للمقاومة تحت لواء الأمير عبد القادر، ففي هذه الفترة وقع نفي ابن العنابي وحمدان خوجة، ووقع التحاق علماء أمثال قدور بن رويلة وعلي بن الحفاف بالأمير عبد القادر، وسجن إبراهيم بن مصطفى باشا وغيره. فمن هم الحضر الذين أسس الفرنسيون المدرسة لأبنائهم؟

وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه المرحلة، نقول إنه ابتداء من حوالي 1846 أنشأ الفرنسيون لجنة من خبرائهم لدراسة الوضع الديني واللغوي في الجزائر، ومصير التعليم الذي تشرف عليه نظريا وزارة الحربية ويطبق الحاكم العام تعليماتها فيه. وتقول التقارير إن الفرنسيين استمروا أربع سنوات في دراسة الوضع التعليمي في الجزائر، وكتبوا عن الزوايا وعن الكتاتيب القرآنية وعن دروس المساجد وعلاقة ذلك بالأوقاف، ومعاناة هذا التعليم نتيجة الاستيلاء على الأوقاف وأموالها. وكيف كان التعليم في كل مدينة وفي كل منطقة ريفية سواء احتلت أو ما زالت، وكذلك دراسة وضع حلقات اللغة العربية التي مر ذكرها، وحال كوليج الجزائر الذي تحول إلى ثانوية (وهو غير

ص: 324

الكوليج الإمبريالي). وبعد أن انتهت هذه اللجنة من أعمالها وقدمت توصياتها، ظلت الحكومة الفرنسية سنة أخرى يقال إنها كانت فترة تأمل، وهي في الحقيقة فترة إهمال للتعليم في الجزائر وانشغال بغيره. إذ في هذه الفترة (1848 - 1850) كانت الجمهورية الثانية قد وضعت بندا في دستورها يعتبر الجزائر جزءا من فرنسا. وكانت الجمهورية تعيش صراعها مع الملكيين والرجعيين وأنصار نابليون الأول. فقد هجرت عددا كبيرا من هؤلاء السياسيين والمغامرين إلى الجزائر أو بالأحرى نفتهم إليها وفرضت عليهم الإقامة بها. وفي هذه الأثناء زار الجزائر الكسيس دي طوكفيل عدة مرات، وقدم أيضا تقاريره وآراءه، وكان نائبا في برلمان الجمهورية، وسنعرض إلى آرائه فيما يتعلق بالتعليم الفرنسي والتعليم الإسلامي. فالحكومة الفرنسية لم تكن في لحظة تأمل عندئذ وإنما في لحظة انشغال تام عن مصلحة الجزائريين، فإذا احتج واحد من هؤلاء على وضع البلاد حكم عليه بأنه متعصب ومتوحش وضد الحضارة والتقدم. ولنذكر أيضا أن سنة 1849 - 1850، هي سنة ثورة الزعاطشة وظهور الشريف بوبغلة في زواوة والشريف محمد في ورقلة والأغواط والصحراء الشرقية.

وابتداء من 1851 صدرت بعض القرارات حول تعليم الجزائريين. ولكن كيف؟ أولا، هناك قرار بإنشاء عدة مدارس تحت عنوان جديد، وهو (المدرسة العربية - الفرنسية). وقد استحدثت فعلا بعض هذه المدارس في عدة مدن، سنذكرها، كما بدأت المدارس الشرعية الرسمية الثلاث، تؤدي مهمتها، وهي مدرسة المدية (ثم العاصمة)، ومدرسة قسنطينة، ومدرسة تلمسان. وكانت في أول أمرها تحت إدارة جزائرية وتلاميذها جزائريون وبرنامجها عربي - إسلامي، هدفه سد الفراغ الذي حدث بغلق المساجد والزوايا أو هدمها، وكان هدف المدارس الثلاث أيضا هو توفير موظفي القضاء والديانة للسلطات الفرنسية. وبعد حوالي سبع سنوات (1857) أنشأت هذه السلطات مدرسة في العاصمة ثم أخرى في قسنطينة (1867) أطلق عليها اسم الكوليج الإمبريالي ولنسمها المدرسة السلطانية - كما سمتها

ص: 325

المبشر. وهذه المدرسة بفرعيها قد استمرت إلى 1870. ولما كان اسمها مرتبطا (بفكرة المملكة العربية) وباسم نابليون الثالث، فإن الجمهورية الثالثة التي قامت بعد حرب 1870 سارعت إلى إلغاء المدرسة السلطانية بفرعيها. كما سارعت إلى إلغاء المدارس العربية - الفرنسية الابتدائية التي نحن بصددها، ولم تبق إلا على المدارس الشرعية الثلاث المذكورة، على أنها ستتدخل أيضا في (تنظيمها) ابتداء من سنة 1875 - 1876، كما سنرى.

وبذلك دخلنا في الحقيقة في المرحلة الثالثة التي شهدت عدة تغييرات في مجرى التعليم. فهي مرحلة ألغت بعض مؤسسات التعليم تماما، وأعادت تنظيم بعضه لصالح المؤسسة الاستعمارية التي جاءت الجمهورية الثالثة متحمسة لها إلى أقصى الحدود، ومن جهة أخرى فهي مرحلة جاءت بتغييرات هامة لصالح التعليم، بين 1883 و 1892، فهناك عدة إجراءات اتخذت على يد جول فيري J.Ferry الذي كان وزيرا للتعليم عندئذ، وزملائه مثل لوبورجوا. وهذه التغييرات كانت في الحقيقة نتيجة لتغييرات مماثلة حدثت في فرنسا نفسها، حين أعيد النظر في المنظومة التعليمية التي اتهمت بأنها كانت وراء هزيمة فرنسا سنة 1870. وهكذا تأثر الفرنسيون بالمنظومة الألمانية. وقد قرروا إجبارية التعليم في فرنسا 1873 وكذلك في الجزائر بالنسبة للأوروبيين (1). كما قرروا إعادة تنظيم مدرسة ترشيح المعلمين، وغير ذلك من الإجراءات. ولكن أكبر خطوة اتخذت في هذه المرحلة هي زيارة لجنة مجلس الشيوخ للجزائر برئاسة جول فيري نفسه. وكان من أعضائها كومبس الذي تولى فيها قضية التعليم. ونتيجة للتحقيق الطويل الذي جرى على يد اللجنة المذكورة والاستماع إلى شكاوى الجزائريين ومطالبتهم الملحة بتعليم أبنائهم بلغتهم العربية ودينهم، صدرت التوصيات بوضع برنامج واسع للتعليم والرؤية جديدة للعلاقات الجزائرية - الفرنسية.

(1) سبق القول إن إجبارية التعليم بالنسبة للجزائريين لم تطبق إلا جزئيا على بعض البلديات في زواوة، ابتداء من سنة 1883.

ص: 326