الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مدخل
قبل الحديث عن تفاصيل التعليم في العهد الفرنسي رأينا أن نضع بين يدي القارئ جملة من الآراء حول تجربة التعليم في الجزائر عموما منذ الاحتلال. ذلك أن المؤلفين والمعلقين قد تضاربت أقوالهم في هذا الموضوع. فمنهم من ينسب الجهل الذي خيم على الجزائر خلال القرن الماضي إلى رفض الجزائريين إرسال أولادهم إلى المدارس تعصبا منهم ضد الفرنسيين وضد حضارتهم، ومنهم من ينسب التقصير إلى الحكومة الفرنسية وإدارتها في الجزائر لأنها قصدت إهمال تعليم الجزائريين وأرادت تجهيلهم وقطعهم عن ماضيهم وتعلم قرآنهم ولغتهم. ومن المؤلفين من ذهب إلى أن الجزائريين غير قابلين للتعلم أصلا رغم جهود الفرنسيين. وهناك من يرى أن الفرنسيين باستيلائهم على الأوقاف التي هي المصدر الأساسي للتعليم قضوا على التعليم من جهة وأفقروا من كانوا يعيشون به ومنه من جهة أخرى. وهكذا تتعدد الآراء حول هذا الموضوع الحساس. فمن يتحمل مسؤولية الجهل الذي خيم على الجزائر طيلة سبعين سنة (1830 - 1955) أي قبل الشروع الجدي في تأسيس بعض المدارس للجزائريين وتأطيرهم في النظام التربوي الفرنسي.
ويفهم من الكتابات الفرنسية أن هذا التحول الذي بدأ في العشرية الأخيرة من القرن الماضي إنما جاء عن تفضل وتكرم من فرنسا. وإنه عمل إنساني تقوم به نحو (رعاياها) الجزائريين. والواقع أن هذا التحول إنما كان أيضا لمصلحة فرنسا من جهة وتمشيا مع سياسة الدول الاستعمارية من جهة
أخرى. وهذا ما دعا ضابطا مشهورا في إدارة الشؤون الأهلية وفي شؤون النهضة الإسلامية، وهو لوشاتلييه Le Chatelier، إلى القول بصراحة: إن ما سمي بحملة نشر التعليم الابتدائي في الجزائر إنما جاء تحت ضغط (قوة الأشياء)، لأنه لا يمكننا ترك (ستعمرتنا (الجزائر) معزولة عن العالم) (1). وهو الصوت الذي ردده لوري بوليو، ولويس فينيون L.Vignon، كما سنرى. أن هولندا قد أخذت تغير من سياستها نحو أندونيسيا في نفس الوقت، وكذلك بريطانيا في الهند. وكانت حركة الجامعة الإسلامية الفكرية قد تدعمت سياسيا بتأييد السلطان عبد الحميد الثاني لمبدإ العثمنة وتجديد الخلافة. ثم كان الخوف من تلاقي أفكار الطرق الصوفية في الجزائر والعالم الإسلامي. فكان موقف فرنسا من تعليم الجزائريين إنما هو استجابة لهذا الضغط الدولي أو قوة الأشياء والظروف، كما سماها لوشاتلييه.
لقد احتلت فرنسا الجزائر بقوة السلاح، وهيمنت على مقدراتها وفرضت سيادتها. وأعلنت أنها صاحبة رسالة حضارية وأنها بهذا العنوان تتحمل مسؤولية (التنوير) والتحرير والتقدم. وكان مدنيوها وعسكريوها ورجال دينها ومستوطنوها يرددون هذا الشعار آناء الليل وأطراف النهار، حتى أن الذي يقرأ كلامهم ولا يرى واقعهم يحكم أن الجزائر في العهد الفرنسي كانت جنة الدنيا وأن أهلها قد تحضروا وبلغوا القمة في التقدم والتحرر والتنور. فلنتذكر هذه الأقاويل والشنشنات عندما نصطدم بالأرقام المذهلة لعدد السكان وعدد المدارس وعدد الأطفال الذين يترددون عليها. ولنتذكرها عندما نعلم عدد الأميين في الجزائر في فاتح هذا القرن ثم عند استقلال الجزائر 1962. إن بعض الكتاب الفرنسيين أمثال
(1) لوشاتلييه، مجلة العالم الإسلامي (R.M.M)، 1910، ص 80، وهنا وهناك. وكان لوشاتلييه هو الذي يدير هذه المجلة القوية عندئذ. وهو مؤلف كتاب (الطرق الصوفية في الحجاز)، وقد تولى وظيفة رئيس المكتب العربي (العسكري) في ورقلة. وهو عارف بتيارات الحركة الإسلامية. وقد أصبح أستاذا لعلم الاجتماع الإسلامي في الكوليج دي فرانس.