المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب [في أحكام شرب الخمر] - تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل - جـ ٥

[بهرام الدميري]

الفصل: ‌باب [في أحكام شرب الخمر]

‌باب [في أحكام شرب الخمر]

(المتن)

بَابٌ بِشُربِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، وَظَنِّهِ غَيْرًا وَإنْ قَلَّ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، أَوِ الْحُرمَةِ لِقُربِ عَهْدٍ، وَلَوْ حَنَفِيا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَصُحِّحَ نَفْيُهُ: ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ، وَتَشَطرَ بِالرِّقِّ، وَإِنْ قَلَّ، إِنْ أَقَرَّ، أَوْ شَهِدَا بِشُربٍ، أوْ شَمٍّ وَإنْ خُولِفَا، وَجَازَ لإكْرَاهٍ، وَإسَاغَةٍ، لَا دَوَاءٍ، وَلَوْ طِلَاءً. وَالْحُدُودُ بِسَوْطٍ وَضَربٍ مُعْتَدِلَيْنِ، قَاعِدًا، بِلَا رَبْطٍ، وَشَدِّ يَدٍ. بِظَهْرِه، وَكَتِفَيْهِ، وَجُرِّدَ الرَّجُلُ. وَالْمَرأَةُ مِمَّا يَقِي الضربَ، وَنُدِبَ جَعْلُهَا فِي قُفَّةٍ، وَعَزَّرَ الإمَامُ لِمَعْصِيَةِ اللهِ، أَوْ لِحَقِّ آدَمِي، حَبسًا، وَلَوْمًا، وَبِالإِقَامَةِ، وَنَزْعِ الْعِمَامَةِ، وَضَرب بِسَوْطٍ، أَوْ غَيْرِه، وَإنْ زَادَ علَى الْحَدِّ، أَوْ أَتَى عَلَى النفْسِ،

(الشرح)

قوله: (بِشُربِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، وَظَنِّهِ غَيْرًا وَإنْ قَلَّ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، والْحُرمَةِ لِقُربِ عَهْدٍ، وَلَوْ حَنَفِيا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَصُحِّحَ نَفْيُهُ ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ) أي: يجب بشرب المسلم المكلف على الأوصاف المذكورة ثمانون جلدة، فاحترز بالمسلم من الكافر، وبالمكلف من الصبي والمجنون، فلا حد على واحد منهما، ولا فرق بين القليل والكثير، ولهذا قال:(وإنْ قَل) لأنه وإن لم يسكر فجنسه مما يسكر (1)، فلو أكره على شربها أو شربها لضرورة من إساغة غصة ونحوها أو شربها يظنها غيرها فلا شيء عليه.

واعلم أن هذه الأمور الثلاثة وإن كانت تدخل تحت العذر إلا أنه إنما عدها تبعًا لبعض الأشياخ، ولا خلاف في وجوب الحد على من علم بالتحريم، وإن جهل وجوب الحد، واختلف إذا جهل الحرمة هل يعذر أم لا؟ والذي عليه مالك وأصحابه إلا ابن وهب؛ وجوب الحد، قال مالك: لما ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود، وإنما يجهل ذلك في الغالب من هو قريب العهد بالإسلام (2)، وكذلك يجب

(1) زاد بعده في (ن 4): (كما في الرسالة وغيرها).

(2)

زاد بعده في (ن 4): (لكن لا يعذر مع ذلك لشهرة الدين الشريف). وانظر: النوادر والزيادات: 14/ 311 و 312، والمنتقى: 4/ 290.

ص: 399

الحد على من شرب النبيذ المسكر (1) ولو كان حنفيا، هكذا حكي عن مالك وأصحابه، قالوا: ولا تقبل شهادته (2). الباجي: ولعله فيمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم، فأما من كان من أهل العلم والاجتهاد فالصواب أنه لا حد عليه إلا أن يسكر منه، وقد جالس مالك (3) سفيان الثوري وغيره ممن يرى شرب النبيذ مباحًا، فما أقام على أحد منهم حَدًّا ولا دعا إليه مع إقرارهم وتظاهرهم ومناظرتهم (4) عليه (5)، وقد صحح هذا القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إن قلنا أن كل مجتهد مصيب فواضح، وإن كان المصيب واحدًا فلا أقل من أن يكون هذا شبهة (6)، وإلى هذا أشار بقوله:(وصُحِّحَ نَفْيُهُ) أي: نفي الحد، والمعروف من المذهب وهو قول ابن القاسم وغيره أنه لا يحد إلا بعد صحوة كما ذكر، وقال اللخمي وصاحب البيان: إن جلد في حال سكره وعنده ميز اعتد بذلك، وإن كان طافحا (7) أعيد عليه الحد، وإن لم يحس بالألم في أوائل الحد وأحس به في أثنائه حسب من أول ما أحس به (8).

قوله: (وتَشَطَّرَ بِالرِّقِّ) أي: في جلد العبد والأمة، يريد ومن فيه بقية رق أربعون.

قوله: (إِنْ أَقرَّ أَوْ شهِدا بِشُرْبٍ، أَوْ شَمٍّ وإن خولفا) يعني: أنه يجب الحد بالإقرار أو بالشاهدين على الشرب أو على الشم (9)، ولا خلاف في الأولين، فإن رجع إلى شبهة قبل (10) وإلى غيرها فكما في الزنى، وأما قبول (11) الشهادة على الشم فهو قول مالك

(1) قوله: (وكذلك يجب الحد على من شرب النبيذ المسكر) ساقط من (ن 3).

(2)

انظر: الفروق: 1/ 371.

(3)

قوله: (مالك) زيادة من (ن).

(4)

قوله: (ومناظرتهم) ساقط من (ن 4).

(5)

انظر: المنتقى: 4/ 291.

(6)

زاد بعده في (ن 4): (يسقط به الحد).

(7)

في (ن 3): (طامحا).

(8)

انظر: التوضيح: 8/ 334، التبصرة، للخمي، ص:6117.

(9)

قوله: (يعني: أنه يجب الحد

الشم) في (ن 5): (أي ويشهدان)، وفي (ن):(أي ويثبت الشرب بالإقرار أو بأن يشهد عليه شاهدان أنه شرب أو يشهدان على الشم).

(10)

زاد بعده في (ن 4): (فيهما).

(11)

قوله: (قبول) ساقط من (ن).

ص: 400

وجمهور أهل الحجاز خلافًا للشافعي وجمهور أهل العراق. بعض الأشياخ: ولابد أن يكون الشاهد على الشم ممن يعرف الخمر، يريد سواء تقدم شربه لها كالكافر والعاصي ثم يتوب، أم لا، وهو قول الباجي، وقال ابن القصار لا تقبل شهادة من هذه صفته لكونه كان كافرا أو عاصيا، وصحح ابن عبد السلام الأول (1) قال: إلا أن (2) تخفى رائحتها كثيرًا عن الناس فيحمل (3) الشاهد من ذلك ما تحمل.

قوله: (وَجَازَ الإِكْرَاهُ) أي: لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فهو غير مؤاخذ به فيسقط عنه الحد، وظاهر كلام أصحابنا جواز ذلك مطلقًا مع الإكراه، وهو نص كلامه هنا، وعبارة غير واحد من الأشياخ غير معرجة (4) على الجواز وعدمه، وإنما يعترض (5) لسقوط الحد عنه فقط، وكلامه هنا أتم فائدة؛ لأن الجواز يستلزم سقوط الحد بخلاف العكس.

قوله: (وإِسَاغَةٍ) إنما جازت الإساغة صونًا لإحياء النفوس، وهو الظاهر، ولا يبعد وجود (6) ذلك، وذكر ابن شاس قولين في حِلِّيَّتها للغصة، ولا يجوز ذلك بجوع ولا عطش إذ لا يفيده ذلك بل ربما زادت العطش، وقال الشيخ أبو بكر: إن ردت الخمر عنه الجوع والعطش شربها، واختاره ابن العربي؛ لأنها تفيد تخفيف ذلك على الجملة ولو لحظة (7).

قوله: (لا دَوَاءٍ): أي لا يجوز التداوي بالخمر ونحوه على المشهور لقوله عليه الصلاة والسلام: "فمن تداوى بالخمر (8) لا شفاه الله".

قوله: (ولو طلاء) هذا هو المشهور، وأظن أن فيه قولا آخر بجواز ذلك، وقوله

(1) قوله: (وهو قول الباجي

وصحح ابن عبد السلام الأول) ساقط من (ن 3) و (ن 4).

(2)

قوله: (إلا أن) في (ن): (إذ لا).

(3)

قوله: (كثيرا عن الناس فيحمل) في (ن): (على كثير من الناس فيتحمل).

(4)

قوله: (معرجة) في (ن): (معرفة).

(5)

قوله: (يعترض) في (ن): (يتعرضوا).

(6)

قوله: (وجود) في (ن): (وجوب).

(7)

قوله: (على الجملة ولو لحظة) في (ن 4): (وأظن أن فيه قولا آخر بجواز ذلك).

(8)

قوله: (بالخمر) في (ن): (بالنجس).

ص: 401

عليه الصلاة والسلام (فمن تداوى بالخمر فلا شفاه الله) عام سواء كان من داخل الجسد (1) أو من خارجه، ونحوه طلاء الجسد (2) من خارجه (3).

قوله: (والحُدُودُ بِسَوْطٍ وضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ) أي: حد الزنى وشرب الخمر والقذف ونحوه، والمشهور تساويها في الصفة، وقال ابن حبيب: ضرب حد الخمر (4) أشدها.

وقوله: (مُعْتَدِلَيْنِ) صفة لسوط وضرب. ابن شاس: وكيفية الجلد ضرب بسوط معتدل بين سوطين. ابن القاسم: وضرب معتدل بين ضربين ليس بالخفيف ولا بالمبرح (5).

قوله: (قَاعِدًا، بِلا رَبْطٍ، ولا شَديَدٍ) أي: يضرب قاعدا، قال في المدونة: ولا يقام ولا يمد وتحل له يداه، وإذا اضطرب اضطرابا لا يصل الضرب معه إلى موضعه (6) فإنه يربط. قال مالك في كتاب محمد: ويجلد على الظهر والكتفين دون ما عداهما، وإليه أشار بقوله:(بِظَهْرِهِ وكَتِفَيْهِ) وقال ابن شعبان: يعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج، واستحسن اللخمي الأول (7).

قوله: (وجُرِّدَ الرَّجُلُ والمرْأَةُ ممَّا يَقِي الضرب) قال في المدونة: ويجرد الرجل، وظاهره أنه لا يترك عليه شيء ألبتة، وظاهر كلامه هنا أنه يترك عليه ما لا يقيه الضرب، وأما المرأة فيترك عليها من الثياب ما يستر جسدها عن الأعين، ولا يقيها الضرب.

قوله: (ونُدِبَ جَعْلُهَا في قُفَّةٍ) هذا كقول صاحب الجواهر واستحسن أن تجعل في قفة (8). وقال غيره: بلغ مالكًا أن بعض الأمراء أقعد امرأة في قفة فأعجبه ذلك.

(1) في (ن 3): (الجسم).

(2)

في (ن 3): (الجسم).

(3)

قوله: (وأظن أن فيه قولا آخر

ونحوه طلاء الجسد من خارجه) في (ن 4): (وطلاء هو أن يجعله عليه من خارج).

(4)

في (ن 3): (اللخمي).

(5)

في (ن 5): (بالمطرح).

(6)

قوله: (موضعه) في (ن): (مواضعه).

(7)

انظر: التبصرة، للخمي، ص: 6178، 6179.

(8)

قوله: (هذا كقول صاحب الجواهر واستحسن أن تجعل في قفة) ساقط من (ن 4).

ص: 402

اللخمي (1): ويجعل فيها ترابًا وماء (2) للسترة (3).

قوله: (وَعَزَّرَ الإِمَامَ لمعْصِيَةِ اللهِ أَوْ لِحقِّ آدمِيٍّ) يريد: كالأكل في رمضان لغير ضرورة، وتعطيل شيء من الصلوات عن أوقاتها وكشتم الآدمي وضربه ونحوه، وهو أيضًا لا يخلو من حق الله تعالى لأن من حقه تعالى (4) على كل مكلف كف (5) أذاه عن غيره، فمَن وقع في ذلك عزره الإمام (6) بحسب اجتهاده بالنظر إلى القائل والمقول له.

قوله: (حَبْسًا، ولَوْمًا، وبِالإِقَامَةِ، ونَزْعِ الْعِمامَةِ، وضَرْبِ بِسَوْطٍ، أَوْ غَيره) الأولى أن يكون هذا منصوبًا على إسقاط الخافض، والتقدير: وعزر الإمام من عصا بالحبس واللوم ونحوه، ويدل عليه التصريح بالمحذوف في قوله:(وبِالإِقَامَةِ)، وقوله:(وضَرْبٍ) معطوف على الأولين (7)، ومراده أن التعزير موكول إلى اجتهاد الإمام، وقد كان المتقدمون يقولون: الشخص على قدره، وقدر جنايته، فمنهم من يضرب ومنهم من يحبس، ومنهم من يقام واقفًا على قدميه في المحافل، ومنهم من تنزع عمامته، ومنهم من يحل إزاره.

قوله: (وإِنْ زَادَ عَلَى الحدِّ أَوْ أَتَى عَلَى النفْسِ) هذا هو المشهور عن مالك وابن القاسم فقد روي عن مالك في العتبية أنه أمر بضرب شخص وجد مع (8) صبي فوق ظهر مسجد وقد جرده وضمه إلى صدره أربعمائة سوط فانتفخ ومات، ولم يستعظم ذلك مالك. وقال أشهب: لا يزاد في الأدب على عشرة أسوط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يجلد (9) أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى"، وروى القعنبي (10) عن مالك

(1) قوله: (اللخمي) ساقط من (ن 3).

(2)

قوله: (وماء) ساقط من (ن 3).

(3)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6179.

(4)

قوله: (لأن من حقه تعالى) ساقط من (ن 4).

(5)

قوله: (كف) في (ن): (ترك).

(6)

في (ن 5): (الحاكم).

(7)

في (ن 5): (الأولى).

(8)

قوله: (مع) في (ن): (معه).

(9)

في (ن 4): (يحد).

(10)

قوله: (القعنبي) في (ن 4): (العتبي).

ص: 403

أنه لا يزاد على خمسة وسبعين سوطًا، وعن أصبغ أقصى ذلك مائتا سوط، وعن مالك ثلاثمائة. ابن الماجشون: له ذلك، وإن أتى على النفس، وقاله مطرف.

(المتن)

وَضَمِنَ مَا سَرَى، كَطَبيبٍ جَهِلَ، أَوْ قَصَّرَ، أَوْ بِلَا إِذْنٍ مُعْتَبَرٍ، أوْ أذْنَ عَبْدٍ بِفَصْدٍ، أَوْ حِجَامَةٍ، أَوْ خِتَانٍ، وَكَتَأجِيجِ نَارٍ فِي يَوم عَاصِفٍ، وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ، وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ، وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ، أَوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أَسْنَانَهُ، أَوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كَوَّةٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ ففقأها وَإِلَّا فَلَا كَسُقُوطِ مِيزَابٍ أَوْ بَغْتِ رِيحٍ لِنَارٍ، كَحَرقِهَا قَائِمًا لِطَفْيِهَا، وَجَازَ دَفْعُ صَائِلٍ بَعْدَ الإنْذَارِ لِلْفَاهِم، وإِنْ عَنْ مَالٍ. وَقَصْدُ قَتْلِهِ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إِلا بِهِ، لَا جُرْحٌ، إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهُ بِلَا مَضَرَّةٍ، وَمَا أَتْلَفَتْ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبّهَا، وإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتِه عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، لَا نَهَارًا إِنْ لَمْ يَكنْ معَهَا رَاعٍ، وَسُرِّحَتْ بُعْدَ الْمَزَارعِ، وَإلَّا فَعَلَى الرَّاعِي.

(الشرح)

قوله: (وَضَمِنَ مَا سَرَى) أي: فإن سرى التعزير حتى أتى على النفس ضمن، وهذا كالمتناقض لما قدمه؛ لأنه أجازه التعزير، وإن أتى على النفس فلا يضمن إذا سرى وقد تقدمت الحكاية عن مالك ولم يرد فيها ضمان، فتضمين الإمام مع أمره بذلك من تكليف ما لا يطاق.

قوله: (كَطَبيبٍ جَهِلَ، أَوْ قَصرَ، أَوْ بِلا إِذْنٍ مُعْتَبَرٍ أوْ أذنَ عَبْدٍ بفَصْدٍ أَوْ حِجَامَةٍ، أَوْ خِتَانٍ) يريد: أن الطبيب أيضًا يضمن موجب فعله إذا كان جاهلا أو عالمًا إلا أنه أراد أن يقطع شيئًا فقطع غيره (1)، ومثله ما إذا أخذ ذلك من مأخوذه إلا أنه تجاوز الحد المعلوم في ذلك عند أربابه، وهذا وما قبله من التقصير، وكذلك إذا فعل بغير إذن أو بإذن غير معتبر كإذن العبد يريد أو الصبي ونحوهما، وفي المجموعة إن أذن العبد في الختان والحجامة والفصد غير معتبر وهو ظاهر بالنسبة إلى الختان دون الفصد والحجامة، فإن العرف جارٍ بعدم احتياج إذن السادات فيهما لاسيما عند مسيس الحاجة إليهما، وكلامه ظاهر في أن الطبيب يضمن ذلك من ماله، وهو ظاهر قول مالك في

(1) قوله: (أو عالمًا إلا أنه أراد أن يقطع شيئًا فقطع غيره) في (ن 5): (فتولى علاج ذلك على وجه الجرأة من غير علم بالطب فأدى ذلك إلى العطب وكذلك لو لم يكن جاهلًا إلا أنه أراد أن يقلع سنا فقلع غيرها).

ص: 404

العتبية. ابن رشد: ويؤدب الجاهل بالضرب والسجن ولا يؤدب المخطئ.

قوله: (وكَتَأجِيجِ نَارٍ في يَوْمٍ عَاصِفٍ) هذا أحد موجبات الضمان، وهو أن يؤجج نارًا في يوم شديد الريح فتعدو على شيء فتهلكه، وظاهره ولو مع الأمن، وليس كذلك، فقد قيد ذلك في المدونة بعدم الأمن (1)، فقال: ومن أرسل في أرضه ماء أو نارًا فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه (2)، فإن كانت أرض جاره بعيدة فتحاملت بريح أو غيره فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن من وصول ذلك (3) لقربها فهو ضامن، وكذلك الماء، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها وكذلك الماء (4)، فانظر كيف قيد الضمان بعدم الأمن، ونفاه بالأمن (5)، وهكذا قال سحنون، ورأى اللخمي الضمان ولو مع (6) البعد إذا كانت الريح من تلك الجهة إلا أن تكون بعيدة جدًّا، ورأى عدم الضمان إن لم يكن ثَم ريح حين إرسالها إلا أنها حدثت بعد الإرسال وكانت إلى جهة غير المحترقة ثم تغيرت (7) إليها (8).

قوله: (وكَسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ، وأنذر صَاحِبُهُ، وأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ) أي: وهكذا يضمن صاحب الجدار ما عطب بسبب سقوطه بشروط ثلاثة:

الأول: أن يكون الجدار مائلًا قبل سقوطه، يريد: وقد كان بني على استقامة، فأما لو بني مائلًا من أول الأمر لضمن من غير تفصيل، قاله في الجواهر (9)، ولهذا قال هنا: مال بصيغة الماضي لأنها تدل ظاهرًا على تغيير حاله الأصلي.

(1) قوله: (بعدم الأمن) زيادة من (ن 5).

(2)

في (ن 4): (أرضه).

(3)

قوله: (ذلك) في (ن): (النار لذلك).

(4)

قوله: (وما قتلت النار

مرسلها وكذلك الماء) زيادة من (ن 5).

(5)

قوله: (ونفاه بالأمن) ساقط من (ن 4).

(6)

قوله: (مع) في (ن): (بعد).

(7)

في (ن): (تعدت).

(8)

قوله: (وكانت إلى جهة غير المحترقة ثم تغيرت إليها) في (ن 4): (أو كانت وتغيرت إلى الناحية المحترقة، ويضمن إن اتصلت الأعشاب، ولو مع البعد، وقاله غير واحد).

(9)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1181.

ص: 405

الشرط الثاني: أن ينذر (1) صاحبه، يريد: أن يشهد عليه كما قال مالك في المدونة (2)، معناه عند قاض أو من له النظر في ذلك، ولا ينفع الإشهاد إذا لم يكن كذلك إذا كان رب الحائط منكرًا لميله بحيث يخشى عليه السقوط، ولو كان مقرًا فإنه يكتفى بالإشهاد، وإن لم يكن عند حاكم، وقاله بعض القرويين. وقال أشهب وسحنون: إذا بلغ الحائط ما لا يجوز لصاحبه تركه لشدة ميله والتغرير (3) به فهو متعد ضامن أشهد عليه أم لا (4). وقال ابن الماجشون وابن وهب: لا يضمن إلا إذا قضى عليه السلطان بالهدم فلم يفعل (5).

الشرط الثالث: أن يكون الحائط لما يمكن صاحبه تداركه فيه إما بهدم أو تدعيم وتراخى، وأما إذا لم يمكنه فبادر إلى دفع الأذى فسقط الحائط فلا ضمان، ولو تقدم إليه ذلك وأنذر.

قوله: (أوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أَسْنَانَهُ) أي: وكذلك يضمن دية أسنانه إذا عضه في يده فجذب يده فقلع أسنانه وهو المشهور، ونقل المازري عن بعض الأصحاب أنه لا شيء عليه (6)، وهو الأظهر (7) لكونه غير متعمد، والآخر متعديا (8)، وفي الصحيح في الذي عض يد غيره فنزعها منه فوقعت ثناياه فتحاكما (9) إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، فلا دية لك".

قوله: (أَوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كَوَّةٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ ففقأها وإلا فَلا) انظر كيف عطف هذا هنا على ما يوجب الضمان، وإنما فيه القود، قال في الجواهر: ومن نظر إلى حرم إنسان من كوة أو

(1) في (ن 3) و (ن 5): (ينظر).

(2)

انظر: المدونة: 4/ 667.

(3)

في (ن 4): (أو التغرير).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 512، والمنتقى: 7/ 453، والبيان والتحصيل: 9/ 393.

(5)

انظر: البيان والتحصيل: 9/ 393.

(6)

انظر: شرح التلقين: 2/ 876.

(7)

قوله: (وهو الأظهر) ساقط من (ن 5).

(8)

قوله: (لكونه غير متعمد، والآخر متعديا) في (ن): (لكون الآخر متعديا عليه).

(9)

في (ن) و (ن 5): (فتخاصما).

ص: 406

من باب لم يجز أن يقصد عينه بمدر أو غيره (1)، وفيه القود إن فعل، ونقل المازري (2) عن أكثر الأصحاب القود فيه (3)، ونقل عن بعضهم نفيه، اللهم إلا أن يحمل الضمان في كلامه على ما هو أعم من الغرامة، فنعم.

واختلف إذا لم يقصد من هو داخل الدار إلى فقء عين الناظر، وإنما قصد زجره ففقأ عينه، هل يضمن موجب فعله أم لا؟ وهذا الأخير هو الذي أشار إليه بقوله:(وَإِلا فَلا) أي: وإن لم يقصد عينه بل جسده فأصاب عينه (4) فلا شيء عليه. ثم شرع في الأمور التي لا ضمان فيها، فقال (كَسُقُوطِ مِيزَابٍ)(5)، هو معطوف على قوله:(وَإِلا فَلا) قال في الجواهر: ومن سقط ميزابه على رأَس إنسان فلا ضمان عليه، بل هو هدر (6)، وكذلك الظلمة والعسكر (7)، لأنه اتخذه حيث يجوز له اتخاذه.

قوله: (أَوْ بَغْتِ رِيحٍ لِنَارٍ)(بَغْتِ) بالغين المعجمة، ومعناه: أن من أجج نارًا في حالة لا يظن بها الوصول إلى مال أحد، ولا إتلاف شيء لسكون الريح ونحوه، فعصفت الريح بغتة فنقلت النارَ إلى ذلك فإنه لا يضمن لأنه غير متعد بفعله.

قوله: (كَحَرْقِهَا قَائِمًا لِطَفْيِهَا) يريد: أن النار إذا وصلت إلى زرع إنسان فخاف على زرعه (8) فقام إليها ليطفئها فأحرقته فدمه (9) هدر، وقاله أشهب (10).

قوله: (وجَازَ دَفْعُ صَائِلٍ بَعْدَ الإِنْذَارِ لِلْفَاهِمِ، وإِنْ عَنْ مَالٍ) المراد بالجواز هنا أنه مشروع، وإلا فقد يكون دفعه واجبًا، وسواء كان الصائل مكلفًا أو غيره من صبي أو مجنون، أو بهيمة، صال على النفس أو الأهل أو لأخذ المال، ولا يجوز دفعه إلا بعد

(1) انظر: عقد الجواهر: 3/ 1182.

(2)

قوله: (قال في الجواهر: ومن نظر. . . وفيه القود إن فعل، ونقل المازري) ساقط من (ن 3).

(3)

انظر: التوضيح: 8/ 344.

(4)

قوله: (بل جسده فأصاب عينه) زيادة من (ن) و (ن 4).

(5)

قوله: (أي فلا شيء عليه فيه لأنه) زيادة من (ن).

(6)

قوله: (بل هو هدر) ساقط من (ن 3).

(7)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1181.

(8)

قوله: (فخاف على زرعه) ساقط من (ن 4).

(9)

في (ن 3): (فإنه).

(10)

انظر: الذخيرة: 6/ 174.

ص: 407

الإنذار كما قال، إلا أنه قيد ذلك بالفاهم احترازًا من الصبي والمجنون والبهيمة فإن إنذارهم غير ممكن وغير مفيد.

قوله: (وَقَصْدُ قَتْلِهِ، إِنْ عَلِمَ أنّه لا يَنْدَفِعُ إِلا بِهِ) أي: فإن علم المصول عليه أن الصائل لا يندفع عنه إلا بالقتل فإنه يجوز له قصد قتله ابتداء، ومقتضى قوله لا يقدم على قتله ابتداء إذا ظن أنه يندفع بغير القتل، وهو كذلك، فقد قال ابن العربي: لا يقصد قتله وإنما يقصد الدفع، فإن أدى إلى القتل فذلك له (1) إلا أن يعلم أنه لا يندفع عنه إلا بالقتل، فجائز له أن يقصد القتل ابتداء (2).

قوله: (لا جُرْحٌ، إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ، بِلا مَضَرَّةٍ) أي: فإن كان المصول عليه يقدر على الهروب بلا مضرة تحصل له لم يجز له جرح الصائل، وقد أشار الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى أن هذا من باب تغيير المنكر، ومن ارتكاب أخف المفسدتين، فإذا أمكن الهروب من غير مشقة ينجي من القتل والقاتل (3) تعين.

قوله: (وَمَا أَتْلَفَتْ الْبَهَائِمُ لَيْلًا، فَعَلى رَبِّها وإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتهِ عَلَى الرَّجَاءِ والْخَوْفِ) اختلف في ضمان ما أتلفته البهائم فمن العلماء من ذهب إلى نفي الضمان مطلقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "جرح (4) العجمي جبار" ومنهم من ذهب إلى ثبوته مطلقًا وهو مروي عن مالك (5) ويحيى بن يحيى (6) والمذهب كما ذكر هنا التفصيل بين الليل والنهار وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى على أهل الحوائط بحفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فضمانه على أهلها، قال في الاستذكار: وهو من مراسيل الثقات، وتلقاه أهل الحجاز وطائفة من أهل العراق بالقبول (7)، قال: وإنما سقط الضمان عن أرباب الماشية نهارا إذا

(1) قوله: (وهو كذلك، فقد قال ابن العربي. . . فإن أدى إلى القتل فذلك له) ساقط من (ن 3)، وزاد بعدها في:(ن 5): (فعلى الكر). وانظر التوضيح 8/ 343.

(2)

قوله: (له أن يقصد القتل ابتداء) في (ن 3): (أن يقتله). وانظر: عقد الجواهر: 3/ 1182، والتوضيح: 8/ 343.

(3)

في (ن 3): (قتال).

(4)

في (ن): (فعل).

(5)

انظر: الكافي: 2/ 851.

(6)

انظر: الاستذكار: 7/ 208.

(7)

انظر: الاستذكار: 7/ 205.

ص: 408

أطلقت دون راع، وأما إن كان معها راع فلم يمنعها وهو قادر على دفعها، فهو المسلط عليها وهو حينئذ كالقائد والراكب والسائق (1)، وإلى هذا أشار بقوله:(لا نَهَارًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ) وقال الباجي: هذا الحكم يختص عندي (2) بالموضع الذي يكون فيه الزرع والحوائط مع المسارح (3) فأما لو كان الموضع مختصا بالمزارع دون المسارح لضمن ربها ما أتلفته نهارا أيضا (4)، وقيل: إنما يسقط الضمان إذا أخرجها عن جملة مزارع القرية وتركها بالمسرح (5)، وأما إن أطلقها للرعي قبل خروجها عن مزارع القرية، فهو ضامن، وإن كان معها راع فالضمان على الراعي إن فرط أو ضيع، قال: وعلى هذا حمل أهل العلم الحديث، وإليه أشار بقوله:(وسُرِّحَتْ بَعْدَ الْمَزَارعِ، وإِلا فَعَلَى الرَّاعِي) وروى مطرف عن مالك: أن كانت المزارع ممتدة كثيرة لا يقدر أربابها على حراستها لم يكن على أرباب المواشي شيء مطلقا (6)، وقال بعضهم عكسه أولى لأنه إذا كان الأمر كذلك كان على أربابها ألا يخرجوها إلا براعٍ، وإذا قلنا بتضمين أرباب المواشي فإنهم يضمنون ما أتلفت، وإن زاد على قيمتها على المشهور، وقال يحيى بن يحيى: إنما عليهم الأقل من قيمتها أو قيمة ما أفسدت (7). مطرف عن مالك (8): وعليهم قيمة ذلك على الرجاء والخوف، على أن يتم أو لا يتم (9).

(1) انظر: الاستذكار: 7/ 207.

(2)

في (ن 3): (عند 5).

(3)

قوله: (والحوائط مع المسارح) في (ن 3): (مع المرعى).

(4)

انظر: المنتقى: 7/ 446.

(5)

قوله: (وتركها بالمسرح) ساقط من (ن 3).

(6)

انظر: التوضيح: 8/ 345.

(7)

انظر: التوضيح: 8/ 345.

(8)

قوله: (عن مالك) ساقط من (ن 3).

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 11/ 66، والمنتقى: 7/ 444.

ص: 409