المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب [أحكام الدماء والقصاص] - تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل - جـ ٥

[بهرام الدميري]

الفصل: ‌باب [أحكام الدماء والقصاص]

‌باب [أحكام الدماء والقصاص]

(المتن)

بَابٌ إِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ، - وَإِنْ رُقَّ، غَيْرُ حَرْبِي، وَلا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ وَإِسْلامٍ حِينَ الْقَتْل إِلَّا لِغِيلَةٍ - مَعْصُومًا لِلتلَفِ وَالإصَابَةِ بِإِيمَانٍ أَوْ أمَانٍ، كَالْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَأدِّبَ كَمُرْتَدٍّ، وَزَانٍ أَحْصِنَ، وَيَدِ سَارِقٍ فَالْقَوَدُ مُتَعَيِّنًا، وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَتَلْتَنِي أَبْرَأْتُكَ، وَلا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلقًا إِلَّا أَنْ تَظْهَرَ إِرَادَتُهَا فَيَحْلِفُ، وَيَبقَى على حَقِّهِ إِنِ امْتَنَعَ، كَعَفْوِه عَنِ الْعَبْدِ، وَاسْتَحَق وَلِيٌّ دَمَ مَنْ قَتَلَ الْقَاتِلَ، أَوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ، كَدِيَةِ خَطَإٍ، فَإِنْ أَرْضَاهُ وَلِيُ الثَّانِي فَلَهُ. وَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ، أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ، وَلَوْ مِنَ الْوَليِّ بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ لَهُ فَلَهُ الْقَوَدُ. وَقُتِلَ الأَدْنَى بِالأَعْلَى كَحُرٍّ كِتَابِي بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ.

(الشرح)

(إِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ، وَإِنْ رَقَّ، غَيْرُ حَرْبيٍّ) هذا الباب يعبر عنه بعض الشيوخ بباب أحكام الدماء والحدود كما في الرسالة (1)، ومنهم من يقول باب الجراح ونحو ذلك، والمراد بالمكلَّف هنا البالغ العاقل، فيشمل الحر والعبد، ولهذا قال:(وَإِنْ رَقَّ)؛ لأنه يقتص منه كالحر، وكذلك السكران؛ لأنه مكلف (2)، ويخرج الصبي والجنون، لأنهما لا يقتص منهما لرفع القلم عنهما (3).

ونبه بقوله: (غَيْرُ حَرْبِيٍّ) على أن الحربي إذا أتلف شيئًا من المعصومات لا يؤاخذ به إذا أسلم وقدم بأمان إلى أرض الإسلام (4)، ولهذا قال ابن شاس: شرط القاتل (5) أن يكون ملتزمًا للأحكام (6) فلا يقتص من صبي ولا مجنون ولا حربي ويجب على الذمي والسكران (7).

(1) قوله: (والحدود كما في الرسالة) ساقط من (ن 3) و (ن 5)، وقوله:(كما في الرسالة) ساقط من (ن)، وانظر: الرسالة، ص:121.

(2)

زاد هنا في (ن 4) قوله: (إذ لا يعذر بسكره).

(3)

زاد هنا في (ن 4) قوله: (كما في الحديث).

(4)

قوله: (إذا أسلم وقدم بأمان إلى أرض الإسلام) ساقط من (ن 3) و (ن 5).

(5)

في (ن) و (ن 3) و (ن 5): (العاقل).

(6)

في (ن): (للإسلام).

(7)

قوله: (فلا يقتص من صبي

الذمي والسكران) يقابله في (ن): (ولا قصاص على حربي). انظر =

ص: 220

قوله: (وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ) أي: على المقتول، فلا يقتص من حر لعبد، يريد: وهما متساويان في الدين، وإلا فلو تميز القاتل بالحرية والمقتول بالإسلام لاقتص له (1) منه على المشهور.

قوله: (وَإِسْلامٍ) أي: وألا يكون القاتل زائدًا على المقتول بالإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر، يريد: ولو كان المقتول متميزًا عن القاتل بالحرية.

قوله: (حِينَ الْقَتْلِ) هو جار على مذهب ابن القاسم في مسألة إسلام القاتل والمقتول، أو تحريرهما بين الرمية والإصابة، ، بيانه لو رمي عبدٌ عبدًا ثم عَتَق الرامي ثم أصابه، أو كافر كافرًا ثم أسلم ثم أصابه فلا قصاص على الرامي لزيادة في الحرية والإسلام حين الإصابة، وكذلك لو أُعتق الضارب أو أسلم بين الجرح والموت.

وقوله: (حين القتل) يريد: أو سببه وهو الرمي [ ...... ](2) الإصابة أو الجرح والمسبب عنه الموت، فلو رمى حرٌّ عبدًا عمدًا ثم عتق ثم أصابه، أو مسلم ذميًّا ثم أسلم ثم أصابه، فلا قصاص لزيادة الحرية والإسلام حين السبب، ولهذا أشار ابن الحاجب بقوله:(فأما القصاص فبالحالتين معًا)(3) أي: فيشترط دوام التكافؤ من حصول السبب إلى حصول المسبب اتفاقًا، فلو لم يتساويا حين السبب أو المسبب فلا قصاص كما مر.

ولو رمى عبدٌ حرًّا عمدًا ثم عتق ثم [

] (4) ثم أسلم ثم أصابه فالقصاص، لأن كلا منهما حال السبب أدنى [

] (5) الأدنى بالأعلى وحال المسبب يتكافئان، وأما الواجب فيما [

] (6) القصاص فيه من المثل، فالواجب على الأول قيمة عبد وعلى الثاني دية كافر وعلى الثالث دية حر، وعلى الرابع دية مسلم، على قول ابن القاسم

= عقد الجواهر الثمينة 3/ 1095 و 1096.

(1)

قوله: (له) زيادة من (ن).

(2)

كلمتان غير واضحتين في (ن 5).

(3)

انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص:729.

(4)

مقدار أربع كلمات غير واضحة في (ن 5).

(5)

كلمة غير واضحة في (ن 5).

(6)

كلمة غير واضحة في (ن 5).

ص: 221

القائل: المعتبر في الضمان حال الإصابة والموت، لا على قول أشهب القائل: حال الرمي والجرح (1).

قوله: (إِلا لِغِيلَةٍ) أي: فلا يراعى فيها زيادة حرية ولا إسلام، لأن القتل فيها لأجل الفساد، ولهذا لو عفا ولي الدم لم يقبل منه ذلك، ومثل الغِيلَة في ذلك الحرابة.

قوله: (مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ والإِصَابة) يريد: أنه يشترط في المجني عليه أن يكون معصومًا إلى حين إتلافه أو إصابته، فلو زالت عصمته قبل ذلك فلا قصاص.

ثم نبه على أن العصمة تكون بأمرين: الإيمان والأمان، وإليهما أشار بقوله:(بِإِيمانٍ أَوْ أَمَانٍ)، فأما الإيمان فلقوله عليه الصلاة والسلام:(أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ (2) "، وغالب عبارات الأشياخ عن هذا بالإسلام، وهو قريب.

وأما الأمان فلقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6] وإذا كانت العصمة تثبت بالأمان فلأن تثبت بضرب الجزية أولى، لهذا اكتفى عنها بما ذكر هنا (3).

قوله: (كَالْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِق) يعني: أن العصمة أيضًا تثبت للقاتل من غير المستحق لدمه، ولهذا لو قتله أجنبي لكان دمه لأولياء المقتول الأول على ما سيأتي، وأما إن قتله المستحق لدمه، فلا قصاص عليه، وإنما عليه الأدب فقط لافتياته على الإمام، ولهذا قال:(وأُدِّبَ).

قوله: (كَمُرْتَدٍّ، وزَانٍ أُحْصِنَ، ويدِ سَارِقٍ) يريد: أن من استوفى منهم أو من واحد منهم فعليه الأدب، وقاله في الجواهر (4).

قوله: (فَالْقَوَدُ) هو جواب عن قوله: (إِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ) إلى آخره، وأشار بقوله:(مُتَعَيِّنًا) إلى قول ابن القاسم: أنه لا يجوز العفو لأخذ الدية، وإنما هو عفو أو قود، وهو

(1) قوله: (بيانه لو رمى

حال الرمي والجرح) يقابله في (ن) و (ن 3) و (ن 4): (وسيأتي ذلك خلافًا لأشهب)، وانظر: الجامع بين الأمهات، ص:729.

(2)

قوله: (وحسابهم على الله) ساقط من (ن).

(3)

قوله: (بها عنها بما ذكر هنا) في (ن 3): (بما ذكر عنه هنا).

(4)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1095.

ص: 222

المشهور، ورواه ابن القاسم (1) عن مالك، وقال أشهب: له أن يعفو ليأخذ الدية (2).

قوله: (وَلَوْ قَالَ إِنْ قتَلْتَني أَبْرَأْتكَ) أي: فإنه لا يبرأ إن قتله وعليه القود؛ لأن المقتول قبل القتل لا حق له، وبعده (3) فالحق للولي إن شاء قتل وإن شاء عفا، ابن يونس (4): وأما إذا قال له (5): اقطع يدي ففعل فإنما عليه العقوبة.

قوله: (وَلَا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلقًا) قد تقدم أن الواجب عند ابن القاسم في العمد القود أو العفو لا غير، وليس لولي الدم تركه وأخذ الدية خلافًا لأشهب، ورواه عن مالك، واختاره جماعة من المتأخرين، فعلى قول ابن القاسم؛ إذا عفا الولي عن القاتل فليس له مطالبته بعد ذلك بدية المقتول (6)، وسواء قال: عفوت عن القصاص أو أطلق في ذلك (7). واستغنى الشيخ عن قوله: عفوت عن القصاص بقوله: (مُطْلقًا)؛ لأنه إذا لم يمكن من المطالبة بالدية مع العفو المطلق، فلأن لا يمكن منها إذا قال عفوت عن القصاص من باب أولى، وفيه نظر لا يخفى.

قوله: (إلَّا أَنْ تَظْهَرَ إِرَادَتُهَا فيحْلِفُ، وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إنِ امْتَنَعَ) وفي المدونة: إلا أن يتبين (8)، وهو أقوى من لفظ يظهر، والمعنى: أن ولي الدم إذا عفا فلا شيء له، إلا أن تظهر أمارة قوية تدل على أنه ما عفا إلا لأخذ الدية، فإنه يحلف حينئذٍ على ذلك ويبقى على حقه في القصاص إذا امتنع القاتل من دفع الدية.

قوله: (كَعَفْوِهِ عَنِ الْعَبْدِ) يريد: أن العبد إذا عفا عنه ولي الدم، وقال: إنما عفوت عنه لآخذ الدية أو لآخذ قيمته فإنه لا شيء له، إلا أن يتبين (9) أنه أراد ذلك فيحلف حينئذٍ،

(1) قوله: (ابن القاسم) ساقط من (ن).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: و/ 407.

(3)

في (ن): (وبعد القتل).

(4)

قوله: (ابن يونس) زيادة من (ن).

(5)

قوله: (له) زيادة من (ن).

(6)

قوله. (المقتول) ساقط من (ن).

(7)

قوله: (في ذلك) ساقط من (ن).

(8)

انظر: تهذيب المدونة: 4/ 579.

(9)

في (ن): (تبين).

ص: 223

ويخير بعد ذلك سيد العبد في دفع رقبة (1) العبد، أو قيمة العبد المقتول (2)، أو الدية إن كان المقتول حرًّا.

قوله: (وَاسْتَحَقَّ وَلِيٌّ دَمَ مَنْ قتَلَ الْقَاتِلَ، أوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ كَدِيَةِ خَطَإٍ، فَإِنْ أَرْضَاهُ وَلِيُّ الثَّانِي فَلَهُ) قال في المدونة: ومن قتل رجلًا عمدًا (3) فعدا عليه أجنبي عمدًا فقتله فدمه لأولياء المقتول الأول، ويقال لأولياء المقتول آخرًا: أرضوا أولياء المقتول أولًا وشأنكم بقاتل وليكم في القتل أو العفو، فإن لم يرضوهم فلأولياء الأول قتله أو العفو عنه، ولهم أن لا (4) يرضوا بما بذل لهم من الدية أو أكثر منها (5)، وقاله في الجواهر، وقال: وروى ابن عبد الحكم أنه لا دية لأولياء المقتول الأول، ولا قود، والأول هو المشهور، ولو كان قتل الثاني خطأ لكان الخلاف في الدية كالخلاف في القود، وحكم اليد والعين حكم النفس في ذلك (6)، وإلى ذلك كله أشار بقوله:(أَوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ كَدِيَةِ خَطَإٍ).

قوله: (فَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ، أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ، ولَوْ مِنَ الْوَليِّ بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ لَهُ فَلَهُ الْقَوَدُ) أي: إذا فقأ أجنبي عين القاتل عمدًا أو خطأ أو قطع يده كذلك فله أن يقتص من الفاعل به (7)، ذلك في العمد، وله أن يعفو عنه، وله أخذ الدية في الخطأ، ولا مقال لولي الدم في ذلك، وإنما له سلطان على من أذهب نفس القاتل كما تقدم.

ابن شاس: وكذا لو أسلم إلي ولي المقتول ليقتله فقطع رَجُلٌ يده قبل القتل فإن له القود فيها (8)، وله العفو لا للولي، ويقتل هو بمن قتل، ثم قال: وإن كان ولي الدم هو القاطع ففي المجموعة من رواية ابن القاسم وأشهب: أنه يقتص منه كالأجنبي (9)، كما

(1) قوله: (رقبة) ساقط من (ن).

(2)

في (ن): (للمقتول).

(3)

قوله: (عمدًا) زيادة من (ن).

(4)

قوله: (لا) زيادة من (ن).

(5)

انظر: المدونة: 4/ 655.

(6)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1095.

(7)

قوله: (به) ساقط من (ن).

(8)

قوله: (فيها) زيادة من (ن).

(9)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1095.

ص: 224

أشار إليه هنا.

وروى أصبغ أنه لا يقاد من الأولياء؛ لأن النفس كلها كانت لهم (1).

قوله: (وَقُتِلَ الأَدْنَى بِالأَعْلى كَحُرٍّ كتَابيٍّ بعَبْدٍ مُسْلِمٍ) لما قدم أن القصاص مشروط بألا يكون القاتل زائدًا على المقتول بحرية أَو إسلام، نبه على أن العكس لا يمنع من ذلك وأن من كان ناقصًا عن المقتول باعتبار الإسلام أو الحرية فإنه يقتل، فلهذا يقتل (2) الحر الكتابي بالعبد المسلم؛ لأن حرمة الإسلام لا توازيها حرية الكافر، وذهب سحنون إلى أن الحر الكتابي لا يقتل بالعبد المسلم وهو أحد قولي ابن القاسم (3).

(المتن)

وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ: مِنْ كِتَابِي، وَمَجُوسِي، وَمُؤَمَّنٍ، كَذَوِي الرّقِّ، وَذَكَرٍ، وَصَحِيحٍ، وَضِدّهِمَا، وإنْ قَتَلَ عَبْدٌ عمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ خُيِّرَ الْوَليُّ، فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ فَلِسَيِّدِهِ إِسْلامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ إِنْ قَصَدَ ضَرْبًا وَلوْ بِقَضِيبٍ. كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، وَمُثَقَّلٍ. وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا، وَكَطرْحِ غَيْرِ مُحْسِنٍ الْعَوْمِ عَدَاوَةً. وَإِلَّا فَدِيَةٌ، وَكَحَفْرِ بِئْرٍ وَإِنْ بِبَيتِهِ، أَوْ وَضْعِ مُزْلِقٍ، أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ أَوِ اتِّخَاذِ كَلْب عَقُورٍ تُقُدِّمَ لِصَاحِبِهِ قَصْدَ للضَّرَرِ، وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ، وَكَالإِكْرَاهِ، ، وَتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ، وَرَمْيِهِ حَيَّةً عَلَيْهِ، وَكَإِشَارَتِهِ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ، وَطَلَبَهُ، وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، وَإِنْ سَقَطَ فَبِقَسَامَةٍ، وَإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَاٌ، وَكَالإمْسَاكِ لِلْقَتْلِ.

(الشرح)

قوله: (وَالْكُفارُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ مِنْ كِتَابي ومَجُوسيٍّ ومُؤَمَّنٍ) أي: ويقتل الكفار بعضهم ببعض؛ لأن الكفر كَمِلَّة واحدة على الخلاف في ذلك (4)، فقوله:(مِنْ كِتَابيٍّ ومَجُوسيٍّ) بيان لقوله: (والْكُفارُ). والمؤمَّن من دخل دار الإسلام بأمان.

ابن شاس: ويقتل كل واحد من اليهود والنصارى والمجوس بالآخر، وبالجملة فكل من لا يقتص له من المسلم لنقصه عنه في الدين يقتص لبعضهم من بعض، وإن

(1) انظر: عقد الجواهر: 3/ 1095.

(2)

قوله: (فلهذا يقتل) زيادة من (ن).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 542.

(4)

قوله: (لأن الكفر .... الخلاف في ذلك) ساقط من (ن).

ص: 225

اختلفت مللهم في أحكامهم (1)، وقال الشيخ:(وَالْكُفارُ) ليشمل عبدة الأوثان وعباد النار ونحوهم.

قوله: (كَذَوِي الرِّقِّ) أي: فإنه يقتص لبعضهم من بعض (2) سواء القِنُّ منهم، ومن فيه شائبة رق أو (3) عقد من عقود الحرية.

قوله: (وَذَكَرٍ، وصَحِيحٍ، وضِدِّهِمَا) المراد بضد الذكر الأنثى، وبضد الصحيح السقيم، قال في المدونة وغيرها: ويقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل (4)، وكذلك (5) يقتل الصحيح بالضعيف، وبالأجذم والأبرص والمقطوع اليدين أو الرجلين إلى غير ذلك.

قوله: (وَإِنْ قتَلَ عَبْدٌ عَمْدًا بِبَيِّنهٍ أَوْ قَسَامَةٍ خُيِّرَ الْوَليُّ؛ فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ فَلِسَيِّدِهِ إِسْلامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ) وحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، والمعني: إن قتل عبدٌ حرًّا قتل عمد ثبت عليه ببينة أو إقرار المقتول مع قسامة، أو إقراره هو (6)، فإن وليه يخير بين أن يأخذ بالقصاص، لأن الأدنى يقتل بالأعلى فيقتل العبد (7)، أو يستحييه، فإن قتله فلا كلام، وإن استحياه خير حينئذٍ سيده في فدائه بدية الحر أو إسلامه لولي الحر.

واحترز بقوله: (عَمْدًا) مما إذا قتله خطأ، فإنه لا قصاص على العبد بل تتعلق الجناية برقبته فيخير سيده بين أن يفديه بدية الحر أو يسلمه لولي الدم.

قوله: (إِنْ قَصَدَ ضَرْبًا) اعلم أن القاتل إذا قصد الضرب والقتل فإنه يقتص منه، واختلف إذا قصد الضرب دون القتل (8) وكان الضرب على وجه الغضب ففي المقدمات: المشهور والمعروف من قول مالك أن ذلك عمد، وفيه القصاص إلا في

(1) انظر: عقد الجواهر: 3/ 1096.

(2)

قوله: (وإن اختلفت مللهم في أحكامهم .... يقتص لبعضهم من بعض) ساقط من (ن).

(3)

قوله: (شائبة رق أو) ساقط من (ن 4) و (ن 5).

(4)

انظر: المدونة: 4/ 651.

(5)

قوله: (قال في المدونة .... وكذلك) ساقط من (ن).

(6)

قوله: (أو إقرار المقتول مع قسامة، أو إقراره هو) في (ن 3): (أو إقرار)، وفي (ن 5):(أو قسامة).

(7)

قوله: (يأخذ بالقصاص لأن الأدنى يقتل بالأعلى فيقتل العبد) يقابله في (ن): (يقتل العبد).

(8)

قوله: (دون القتل) يقابله في (ن): (ولم يقصد القتل).

ص: 226

الأب والأم (1).

قوله: (وَلَوْ بِقَضِيبٍ) كذا قال في المدونة، وجعل اللطمة كذلك (2).

قوله: (كخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، ومُثَقَّلٍ) هكذا قال في الجواهر، وجعل من ذلك القتل بالمحدَّد وبإصابة المقاتل كعصر الأنثيين، أو هدم عليه بيتًا (3)، أو يضربه بحجر عظيم أو خشبة لها حدٌّ أو لا حدَّ لها، أو يصرعه، أو يجر برجله في غير اللعب، أو يغرقه في الماء، أو يحرقه بالنار، أو يخنقه، أو يطين (4) عليه بيتًا، أو يمنعه الطعام والشراب حتى يموت (5).

قوله: (وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، أوْ مَاتَ مَغْمُورًا) أي: بل يقتل القاتل بلا قسامة، ولا فرق مع إنفاذ المقاتل بين أن يأكل ويشرب ويعيش أيامًا أم لا. ابن القاسم: وأرى أنه إذا أنفذ مقتله حتى يعلم أنه لا يعيش من ذلك إنما حياته (6) إلى خروج نفسه فلا أرى في هذا أو شبهه قسامة (7)، وأما المغمور وهو الذي لم يتكلم إلى أن مات، ففي أصل المدونة أن فيه القسامة (8)، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب (9)، وهو خلاف ما نص عليه هنا.

قوله: (وَكطَرْحِ غَيْرِ مُحْسِنِ الْعَوْمِ عَدَاوَةً) وظاهره، سواء كان القاتل يعلم أنه لا

(1) انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 375.

(2)

انظر: المدونة: 4/ 560.

(3)

قوله: (هدم عليه بيتًا) يقابله في (ن): (يهدم عليه بنيانًا).

(4)

قوله: (يطين) هكذا في كل الأصول، وفي المطبوع من عقد الجواهر:(يطبق).

(5)

قوله: (أو يمنعه الطعام والشراب حتى يموت) ساقط من (ن 3) و (ن 5)، وانظر: عقد الجواهر: 3/ 1090.

(6)

قوله: (إنما حياته) في (ن) و (ن 4): (وأن جنايته تفضي).

(7)

قوله: (فلا أرى في هذا أو شبهه قسامة) ساقط من (ن 4)، وانظر: المدونة: 4/ 657.

(8)

قوله: (أن فيه القسامة) كذا في جميع الأصول، وهو يتعارض مع ما في المطبوع من المدونة: 4/ 657 ونصه: (مغمورًا لم يأكل، ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات فهذا الذي لا قسامة فيه)، ولعل هذا الذي نقله بهرام عن المدونة نجد له أصلًا في التوضيح لخليل 8/ 54، ونصه:(وقوله: "مَغْمُورًا لَمْ يَتكَلَّمْ"، بل صريحه أنه مات مغمورًا لا قسامة في ذلك، وظاهر المدونة أن في ذلك القسامة).

(9)

انظر: الجامع بين الأمهات، ص:723.

ص: 227

يحسن العوم أم لا، وهو ظاهر المدونة، بل نص فيها على أنه يقتل به، وإن رماه على وجه العداوة، وإن لم يدر أنه لا يحسن العوم فما بالك بمن علم أنه لا يحسن العوم (1). قال في المدونة: وإن طرحه في نهر ولم يدرِ أنه لا يحسن العوم فمات، فإن كان على وجه العداوة والقتل قتل به، وإن كان على غير ذلك ففيه الدية فلا يقتل به (2)، وإليه أشار بقوله:(وَإِلا فَدِيَةٌ). ابن يونس: يريد: وتكون الدية على العاقلة.

ولما انقضى كلامه على المباشرة أتبعه بالكلام على التسبب فقال: (وَكَحَفْرِ بِئْرٍ، وَإِنْ بِبَيْتهِ).

ابن شاس: عن مالك فيمن حفر بئرًا لإهلاك لص فهلك فيها، أو حفرها في طريق المسلمين فهلك فيها أحد فإنه يقتل به، فأما قول مالك في المجموعة والموازية: فيمن حفر بئرًا على طريق المسلمين مما (3) لا يجوز له أنه ضامن لما أصاب من ذلك، وجعل فيه الدية دون القصاص- فلأنه لم يفعله لقتل أحد، وقد قال أشهب: إنه إذا حفرها لسارق أو طارق أو عدو فإنه ضامن لمن أصيب منهم فيها، ولو كانت في أرضه أو داره (4)، ولهذا قال هنا:(وإِنْ بِبَيْتهِ).

قوله: (وَوَضْعِ مُزْلقٍ) أشار بهذا إلى ما وقع لمالك فيمن رش فناءه بالماء ليزلق من مر به من إنسان وغيره فهو ضامن، وفي المجموعة عن مالك: إذا كان تبردًا أو تنظفًا فزلق به أحد فهلك -فلا يضمن (5). بعض البغداديين: ومن وضع قشور البطيخ في طريق المسلمين قصدًا لإهلاكهم فهلك بذلك بعضهم- فإنه يقتل به (6).

قوله: (أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ) يعني: إذا فعل ذلك قصدًا للإضرار وحيث لا يجوز

(1) قوله: (العوم فما بالك بمن علم أنه لا يحسن العوم) يقابله في (ن): (ذلك فهل ظنك عن علم أنه لا يحسن ذلك).

(2)

انظر: المدونة: 4/ 673.

(3)

في (ن 3): (فيما).

(4)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1091 و 1092.

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 519.

(6)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1091.

ص: 228

له (1)، وأما لو فعل ذلك حيث يجوز له مثل أن ينزل عنها ويدخل لحاجة وهي واقفة في الطريق- فلا يضمن، وكذا على باب المسجد أو باب الأمير أو باب السوق فلا يضمن شيئًا من ذلك، وليس هذا كمن اتخذ (2) مربطًا في طريق المسلمين.

قوله: (وَاتِّخاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ تُقُدِّمَ لِصَاحِبِهِ) أي: بالإنذار من اتخاذه، ومثل الجدار المائل يتركه صاحبه بعد التقدم إليه فيه، وهو مذهب المدونة فيهما (3)، وإن لم يكن ثم سلطان، وفي سماع عبد الملك: لا يضمن إلا أن يتقدم إليه في ذلك السلطان، وقال أشهب: يضمن وإن لم يتقدم إليه ولا أشهد عليه، وقيل: لا يضمن بحال وإن تقدم إليه. ابن رشد: وهذا إنما هو إذا اتخذ الكلب حيث يجوز له، فأما إذا اتخذه في موضع لا يجوز له فلا خلاف أنه ضامن (4).

قوله: (قَصْدًا لِلضَّرَرِ، وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) يريد: أنه إنما يقتص منه (5) بشرطين، الأول: أن يفعل ذلك قصدًا لإهلاك شخص، الثاني: أن يهلك فيه ذلك الشخص بعينه، فلو فعلها لا لقصد ضرر أو فعلها كذلك إلا أن المقصود لم يقع فيها، وإنما وقع فيها غيره، فهلك فإنه لا قود عليه، وإنما عليه الدية، وإليه أشار بقوله:(وَإِلا فَالدِّيَةُ) فالاستثناء راجع لقوله: (وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) لا إليه وإلى ما قبله، وإلا لزم عليه أنه إذا احتفرها في موضع يجوز له من ملكه لضرورة عرضت له لا لقصد إضرار أحد (6) فوقع فيها إنسان أو غيره- أنه يضمنه (7)، وليس كذلك.

قوله: (وَكَالإِكْرَاه) هو معطوف على قوله: (وَكَحَفْرِ بِئْرٍ) والمعني أن من أكره شخصًا على قتل غيره فإنه يقتل لتسببه، وسيأتي في المكرَه بفتح الراء مفصلًا.

قوله: (وتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ) يريد: أن من قدم لشخص طعامًا مسمومًا فأكله فمات، فإنه

(1) قوله: (إذا فعل ذلك قصدًا للإضرار وحيث لا يجوز له) يقابله في (ن): (إذا جعل ذلك عادة).

(2)

في (ن): (اتخذها).

(3)

انظر: المدونة: 4/ 666.

(4)

انظر: البيان والتحصيل: 397/ 9 و 398.

(5)

قوله: (يقتص منه) في (ن 3): (يضمن)، وفي (ن):(يقتص).

(6)

قوله: (أحد) ساقط من (ن).

(7)

قوله: (يضمنه) في (ن 4): (لا يضمنه).

ص: 229

يقتص منه إذا كان عالمًا بذلك.

قوله: (وَرَمْيِهِ حَيَّةً عَلَيْهِ (1)) أي: كرمي حية عليه؛ أي: إذا مات منها. ابن شاس: فإن كان من الحواه فألقى الحية وهو يعلم أنها (2) مسمومة على غير وجه اللعب؛ فإنه يقتل به، ولا يقبل قوله: أردت اللعب، مثل هؤلاء الذين يعرفون الحيات المسمومات والأفاعي التي لا يلبث لديغها؛ فإنه يقتل به ولا يقبل قوله: أردت اللعب (3)، وإنما معنى اللعب مثل ما يفعل الشبان بعضهم مع بعض فيطرح بعضهم على الآخر (4) الحية الصغيرة التي لا تعرف بمثل هذا فهو خطأ، فأما من يعرف ما هو ويطرح متعمدًا لطرحها؛ فإنه يقتل ولا يقبل قوله: لم أرد قتله. انتهى (5).

الشيخ: ولو قيل بالقصاص وإن (6) لم يعرف أنها قاتلة ما بَعُدَ، قلت: ولهذا لم يقيد كلامه هنا بعلم ولا غيره.

قوله: (وَكَإِشَارَتهِ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ وَطَلَبَهُ وبَيْنهمَا عَدَاوَةٌ، وَإِنْ سَقَطَ فَبِقَسَامَةٍ، وإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَأٌ) جعل رحمه الله المسألة على ثلاثة أوجه كما فعل الباجي: الإشارة مع الهروب، وهو يطلبه حتى مات وبينهما عداوة ففيه القصاص نص عليه ابن المواز ونحوه لابن القاسم، والإشارة مع ذلك والسقوط فيه القصاص بقسامة، قاله ابن القاسم، قال: يقسم الولاة خمسين يمينًا لمات خوفًا منه (7)، ابن القاسم: ولو أشار عليه بالسيف فمات وبينهما عداوة فهو خطأ، هذا هو الوجه الثالث (8).

ابن شاس: عن عبد الملك فيمن طلب رجلًا بالسيف فعثر فمات ففيه القصاص،

(1) قوله: (وَرَمْيِهِ حَيَّةً عَلَيْهِ) يقابله في (ن) و (ن 3): (وَرَمْيِهِ عَلَيْهِ).

(2)

قوله: (فإن كان من الحواه فألقى الحية وهو يعلم أنها) يقابله في (ن 4): (قال أصبغ: ومن طرح على رجل حية).

(3)

قوله: (مثل هؤلاء الذين يعرفون الحيات المسمومات والأفاعي التي لا يلبث لديغها؛ فإنه يقتل به ولا يقبل قوله: أردت اللعب) زيادة من (ن 4).

(4)

قوله: (على الآخر) ساقط من (ن).

(5)

قوله: (انتهى) ساقط من (ن)، وانظر: عقد الجواهر: 3/ 1093.

(6)

قوله: (إن) ساقط من (ن).

(7)

قوله: (لمات خوفًا منه) في (ن 3): (لمات من فعله).

(8)

انظر: المنتقى: 9/ 69.

ص: 230

وقاله المغيرة وابن القاسم وأصبغ، وقال ابن ميسرة: لا قصاص على واحد من هؤلاء، يعني: في الثلاثة الأوجه، واستحسنه بعض القرويين؛ إذ لا يدرى هل مات من شدة الخوف أو من شدة الجري أو من مجموعهما، ولا وجه لتعمد القتل، ولا يمكن إثبات القصاص إلا على نفي شبه العمد (1).

قوله: (وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) أي: إذا أمسكه لغيره فقتله، ولا خفاء أنهم يقتلان معًا، هذا لتسببه، وهذا لمباشرته، وظاهره سواء علم أن القاتل يقدر على قتله دون إمساكه أم لا، وشرط بعضهم في وجوب القصاص على الممسك أن يعلم أنه لولا الممسك لم يقدر على ذلك، واحترز بقوله:(وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) مما إذا أمسكه لكن لغير ذلك (2) بل ليضربه ضربًا معتادًا بين الناس (3)، ولا يرى أنه يتعمد لقتله، فإذا مات من ذلك فلا يقتل به إلا القاتل فقط، وقال في الموطأ: ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويحبس سنة (4).

(المتن)

وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ، وَالْمُتَمَالِئُونَ، وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْط، وَالْمُتَسَبّبُ مَعَ الْمُبَاشِرِ. كَمُكْرِهٍ، وَمُكْرَهٍ، وَكَأبٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَمَرَ صَبِيًا صَغِيرًا، أَوْ سَيّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَأمُورُ اقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ، وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِي الْقِصَاصُ إِنْ تَمَالآ على قَتْلِهِ، لا شَرِيكِ مُخْطِئٍ وَمَجْنُونٍ، وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ، وَجَارِحِ نَفْسِهِ، وَحَرْبِيّ وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ، أَوْ عَلَيهِ نِصْفُ الدّيَةِ؟ قَوْلان. وَإِنْ تَصَادَمَا، أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدًا فَمَاتَا أَوْ أحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ، وَحُمِلا عَلَيهِ، عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ؛ إِلَّا بِعَجْزٍ حَقِيقِي، لا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ على عَاقِلَةِ الآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الآخَرِ كثَمَنِ الْعَبْدِ.

(الشرح)

قوله: (ويُقْتَلُ الجمِيعُ بِوَاحِدٍ) لا خلاف فيه عندنا (5) بشرط أن يجتمعوا على قتله،

(1) انظر: عقد الجواهر: 3/ 1093.

(2)

قوله: (لكن لغير ذلك) يقابله في (ن): (لا لذلك).

(3)

قوله: (الناس) ساقط من (ن 3).

(4)

الموطأ: 2/ 872.

(5)

قوله: (عندنا) ساقط من (ن 4).

ص: 231

وقاله في المدونة (1) وغيرها، وفي الجواهر: إذا اجتمع جماعة على رجل يضربونه فقطع رجل يده، وفقأ آخر عينه، وجَدَع آخر أنفه، وقتله آخر، وقد اجتمعوا على قتله فمات؛ قتلوا به كلهم (2).

قوله: (وَالْمُتَمَالِئُونَ) أي: وكذلك يقتل المتمالئون على قتل واحد لقول عمر رضي الله عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به (3).

قوله: (وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْطٍ) أي: وإن لم يضربه كل واحد منهم إلا بسوط؛ أي (4): بشرط أن يقصدوا جميعًا إلى قتله على هذا الوجه (5)، وإلا فليس السوط الأول وما يقارب منه (6) مما يكون عليه القتل غالبًا فينبغي أن يقتل به الآخر، ومن قصد إلى قتله ممن تقدمه.

قوله: (وَالْمُتَسَبِّبُ مَعَ الْمُباشِرِ، كَمُكْرِهٍ ومُكْرَهٍ) المتسبب هو الآمر، والمباشر هو المأمور، والمكرَه هو الفاعل (7)، فيقتلان معًا: المكْرِهُ لتسببه والمكْرَه لمباشرته، والمراد بالمكرَه هنا: من كان عليه خوف في مخالفة الأمر، وإلا فالقصاص على المباشر وحده.

قوله: (وَكَأَبٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ أمَرَ صَبِيًّا صَغِيرًا، أَوْ سَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا) أي: فيقتل الآمر في المسائل الثلاث، وهو قول ابن القاسم (8)، سواء كان العبد كبيرًا أو صغيرًا فصيحًا أو عجميًّا (9)، وهو مراده بالإطلاق.

وقال ابن وهب: لا يقتل الآمر في جميع ذلك، بل يضرب (10) ضربًا، ويقتل

(1) انظر: المدونة: 4/ 651.

(2)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1094.

(3)

انظر: الموطأ: 2/ 871، برقم:(1561).

(4)

قوله: (أي) زيادة من (ن).

(5)

قوله: (على هذا الوجه) ساقط من (ن 5).

(6)

قوله: (وما يقارب منه) يقابله في (ن): (ولا ما يقرب منه).

(7)

قوله: (والمكرَه هو الفاعل) في (ن 3): (والمكرَه على الفعل)، وفي (ن 5):(المكرَه على الفعل)، وفي (ن 4):(والمكره هو الأفعل والمكره على الفعل).

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 84 و 85، وانظر: البيان والتحصيل: 16/ 306 و 307.

(9)

في (ن): (أعجميًّا).

(10)

(في (ن): (يوجع).

ص: 232

العبد (1)؛ أي: الكبير. وحكى ابن شعبان أن السيد يقتل دون العبد.

وروى ابن وهب (2) عن مالك أنه يقتل العبد إن كان فصيحًا، وإن كان أعجميًّا قتل السيد وحده، وقال أصبغ: يقتلان معًا كان العبد فصيحًا أم لا (3)، واحترز بالصغير في مأمور الأب والمعلم من الكبير فإنه يقتل وحده دون الآمر.

قوله: (وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَأمُورُ اقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ) لأنه قادر على عدم القتل، ابن القاسم وأشهب: ويضرب الآمر مائة (4) ويحبس سنة (5).

قوله: (وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِي الْقِصَاصُ، إِنْ تَمَالآ عَلَى قَتْلِهِ) يريد: أن الكبير العاقل إذا اشترك مع صبي في قتل شخص، فإنه يقتل به وحده. وقال في المدونة: إذا كانا متعمدين (6)، وقيده اللخمي وابن يونس بما إذا تعاقدا (7) على ذلك، ولذلك قال هنا:(إِنْ تَمَالآ عَلَى قَتْلِهِ). اللخمي: وإن لم يتمالآ (8) على قتله وتعمد كل واحد رميه، ولم يعلم بالآخر، لم يقتل الرجل لإمكان أن تكون رمية الصبي هي القاتلة (9)، انظر الكبير.

قوله: (لَا شَرِيكِ مُخْطِئٍ، ومَجْنُونٍ) أي: فإنه لا يقتل وتكون عليه نصف الدية، وحكى عبد الوهاب أنه يقتل (10)، والأول قول ابن القاسم في شريك المخطئ؛ إذ لا يدرى (11) من أيهما مات (12)، وقال أشهب: يقتل، واختاره محمد (13). اللخمي: قول ابن

(1) انظر: النوادر والزيادات: 14/ 85.

(2)

قوله: (ابن وهب) في (ن 3): (ابن القاسم).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 85.

(4)

قوله: (مائة) ساقط من (ن 3).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 85.

(6)

انظر: المدونة: 4/ 633.

(7)

قوله: (تعاقدا) في (ن 4): (تعاونا).

(8)

قوله: (يتمالآ) في (ن 3) و (ن 5): (يتعاقدا).

(9)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6442.

(10)

انظر: المعونة: 2/ 256.

(11)

قوله: (يدرى) في (ن 5): (يدرون).

(12)

انظر: المدونة: 4/ 633.

(13)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 70.

ص: 233

القاسم أحسن؛ لئلا يقتل الرجل بالشك، إلا أن يدعي الأولياء أن ضربة أحدهما هي القاتلة فيقسمون عليها، فإن أقسموا على ضربة الرجل -أي: العامد- قتلوه (1).

قوله: (وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ، وجَارحِ نَفْسِهِ، وحَرْبيٍّ، وَمَرَضٍ بَعْدَ الجْرحِ، أَوْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؟ قَوْلَانِ) أي: القولان معًا لابن القاسم: أحدهما أن الأولياء يقسمون على المتعمد ويقتلونه، والآخر أن عليه نصف الدية في ماله بغير قسامة، ويضرب مائة ويحبس سنة (2)، والأحسن منهما عدم القتل، ومعنى (وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ) أن من جرح إنسانًا ثم حصل للمجروح مرض ثم مات منه، ولا يدرى أمات من الجرح أم من المرض؛ فإنه يختلف فيه على القولين، وقد قال مالك: إذا مرض المجروح، ثم مات فليقسموا (3) لمات من ضربه في الخطأ والعمد (4).

قوله: (وَإِنْ تَصَادَمَا أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدا فَماتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ) ومراده بالإطلاق سواء كانا فارسين أو ماشيين أو مختلفين (5)، وسواء كانا بصيرين أو ضريرين أو مختلفين (6) و (قَصْدًا) مصدر؛ أي: اصطدامًا مقصودًا (7) أو تجاذبًا مقصودًا، أو مصدر في موضع الحال، أو منصوب بفعل دل عليه المذكور؛ أي: يجذب أحدهما الآخر قصدًا، وإنما يتصور القود إذا مات أحدهما دون الآخر.

قوله: (وَحُمِلا عَلَيْهِ) أي: حملا (8) على القصد إذا لم يعلم هل كانا قادرين على صرف (9) فرسيهما أم لا، وهو ظاهر، أما إذا جمح فرساهما وعلم أنهما غير قادرين على

(1) انظر: التبصرة، للخمي، ص:6441.

(2)

قوله: (أحدهما أن الأولياء

ويحبس سنة) ساقط من (ن 3) و (ن 5)، وانظر: النوادر والزيادات: 14/ 161.

(3)

في (ن): (فليقتسموا).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 161.

(5)

في (ن): (متخالفين).

(6)

في (ن 5): (متخالفين).

(7)

قوله: (مقصودًا) زيادة من (ن).

(8)

قوله: (حملا) ساقط من (ن).

(9)

قوله: (صرف) في (ن 3): (ضرب).

ص: 234

صرفهما (1)؛ فلا ضمان كما سيذكره.

قوله: (عَكْسُ السَّفِينَتَينِ) أي: فإذا جهل أمر أصحاب السفينتين (2) في اختيار الصرف وعدمه حملوا على غير الاختيار، والفرق أن جري السفينتين بالريح وليس من عملهم بخلاف الفارسين قال أشهب: في السفينتين (3) إذا علم أن ذلك من أمر غَلَبهم وليس (4) من أمر أحد نواتية (5)؛ فلا شيء عليهم، وإن لم يعلم فذلك على عواقلهم (6).

قوله: (إِلَّا بِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) يعني: أن ما قدمه من الفرق بين الفارسين والسفينتين إنما هو إذا لم يتحقق العجز عن الصرف (7) فيهما، أما إذا علم العجز حقيقة فيهما وعدم القدرة، فإن الحكم مستوٍ في المسألتين في عدم الضمان.

قوله: (لَا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ) يريد: أن النوَّاتِيَّة إذا كانوا قادرين على صرف السفينة، إلا أنهم يخافون الغرق فلم يصرفوها حتى صدموا سفينة غيرهم فكسروها وهلك ما فيها من آدمي أو غيره فإنهم يضمنون؛ إذ ليس لهم أن يصونوا (8) أنفسهم بإهلاك غيرهم.

قوله: (أَوْ ظُلْمَةٍ) يريد: أن اصطدامهم لو كان لأجل ظلمة؛ فإنه لا يسقط عنهم الضمان، كالمصطدمين في البر في ظلمة، ويحتمل أن يريد أن (9) خوف الظلمة يشارك خوف الغرق فيما تقدم؛ لأن الدخول في الظلمة ربما نشأ منه (10) ما هو أضر من الغرق، والمسألة منقولة على الوجه الأول.

قوله: (وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الآخَرِ) هو راجع إلى قوله: (قَصْدًا) أي: وإن لم يقصدا ذلك ولا تعمداه، بل كانا معًا مخطئين فإن على عاقلة كل

(1) قوله: (صرفهما) في (ن 3): (ضربهما).

(2)

قوله: (أمر أصحاب) في (ن 5): (من أصحاب)، وفي (ن 4):(أمر).

(3)

في (ن): (السفينة).

(4)

في (ن 3): (عليهم وليهم).

(5)

في (ن 4): (نواتيه).

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 528.

(7)

في (ن 4): (التصرف).

(8)

في (ن 5): (يصدموا).

(9)

قوله: (يريد أن) ساقط من (ن 4).

(10)

في (ن): (عنه).

ص: 235

واحد منهما دية الآخر، وقلنا مخطئين، لأن أحدهما لو كان متعمدًا دون الآخر فإن عليه القصاص إذا مات صاحبه دونه، وإن مات هو دون المخطئ فعلى عاقلة المخطئ ديته.

قوله: (وَفَرَسُهُ) أي: فرس كل واحد منهما في مال الآخر.

وأشار بقوله: (كَثَمَنِ الْعَيْدِ) إلى مسألة اصطدام الحر مع العبد، ومراده بالثمن القيمة، قال مالك في المدونة وكتاب محمد: إذا اصطدم الحر والعبد فماتا معًا فقيمة العبد في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد يتقاومان (1)، فإن كان ثمن الغلام أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد الغلام في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على سيد العبد (2) من ذلك شيء (3)، وقال أشهب (4): إلا أن يكون للعبد مال فيكون بقية العقل في ماله (5).

(المتن)

وَإنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ؛ فَفِي الْمُمَالأَةِ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ وَإِلَّا قُدِّمَ الأَقْوَى، وَلا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهَا بِعِتْقٍ، أَوْ إِسْلامٍ وَضَمِنَ وَقْتَ الإِصَابَةِ، وَالْمَوْتِ. وَالْجُرْحُ كَالنَّفْسِ فِي الْفِعْلِ، وَالْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِ؛ إِلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا. وَإِنْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتٌ بِلا تَمَالُؤٍ فَمِنْ كُلٍّ، كَفِعْلِهِ، وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ، أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ، وَإِنْ كَإِبْرَةٍ وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ، وَحَارِصَةٍ شَقَّتِ الْجِلْدَ، وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَتِ اللَّحْمَ، وَمُتَلاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدٍ، وَمِلْطَاةٍ قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، وَجِرَاحِ الْجَسَدِ، وَإِنْ مُنَقِّلَة بِالْمِسَاحَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ، كَطَبيبٍ زَادَ عَمْدًا، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتِ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ، وَبِالْعَكْسِ، وَعَيْنِ أعْمَى، وَلِسَانِ أَبْكَمَ.

(الشرح)

(1) في (ن 4): (يتقاصان).

(2)

قوله: (العبد) ساقط من (ن 3).

(3)

انظر: المدونة: 4/ 666، وانظر: النوادر والزيادات: 13/ 528.

(4)

قوله: (وقال أشهب) كذا في كل الأصول، ولعله تصحيف، أو أن بهرام وهم في نقله عن أشهب، أو أنه تعمد نقل هذا القول عن أشهب، وذلك على الرغم من أننا وجدناه في النوادر (13/ 528) معزوًّا لمحمد بن المواز نقلًا عن كتابه الموازية، كما وجدناه أيضًا في المنتقى شرح الموطأ (9/ 88) معزوًّا لمحمد، وكذلك أيضًا في التوضيح (8/ 65).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 528.

ص: 236

قوله: (وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُباشِرُ، فَفِي الْمُمَالأَةِ يُقْتَلُ الجْمِيعُ) يعني: أن الجماعة إذا باشروا قتل رجل فضربه واحدٌ بعد واحد (1) أو جرحوه كذلك- فإن كانوا متمالئين فإنهم يقتلون جميعًا، وهو ظاهر (2)، وينبغي أن يقيد بما إذا مات في الحال، وإلا فمتى عاش وأكل وشرب فإنه لا يقسم في العمد إلا على واحد منهم فقط.

قوله: (وَإِلَّا قُدِّمَ الأَقْوَى) أي: وإن لم يكن ذلك عن ممالأة، بل قصد (3) كل واحد منهم الضرب ولم يرد ضرب القتل فحصل عن ذلك الموت؛ أي: فإن الأقوى -أي: من كان القتل عن ضربه أكثر- فإنه يقدم بأن يقتل وحده، يريد: ويقتص من غيره في الجرح، ويعاقب من لم (4) يجرح كما إذا ضربه بعصا فلم يجرحه بها، وذلك كله إذا تميزت الضربات، وأما إن لم تعرف ضربة كل واحد منهم ففي النوادر عن مالك: إن مات مكانه قتلوا كلهم، وإن لم يمت مكانه ففيه القسامة (5)، وعند اللخمي: إذا أنفذ أحدهم مقاتله (6) ولم يُدْرَ من هو ولا من أي الضربات مات (7) - فإن القصاص يسقط (8).

قوله: (وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهًا بِعِتْقِ، أَوْ إِسْلامِ) يريد: أن القاتل والمقتول إذا كانا متساوين حين القتل في الدين وغيره، فإن القصاص لا يسقط بزوال تلك المساواة بعد ذلك، كالكافرين يقتل أحدهما الآخر، ثم يسلم القاتل، وكالعبدين ثم (9) يعتق القاتل؛ إذ لا أثر للمانع بعد ترتب الحكم.

قوله: (وَضَمِنَ وَقْتَ الإِصَلابةِ، والْمَوْتِ) أشار بهذا إلى أن المساواة إذا زالت بين حصول السبب والمسبب كعتق أحدهما أو إسلامه بعد الرمي وقبل

(1) قوله: (فضربه واحدٌ بعد واحد) في (ن): (فضربوه واحدًا بعد الآخر)، وفي (ن 3) و (ن 4):(فضربوه واحدًا بعد واحد).

(2)

قوله: (وهو ظاهر) ساقط من (ن) و (ن 4).

(3)

في (ن): (أقصد).

(4)

قوله: (من لم) يقابله في (ن 3) و (ن 5): (إن لم).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 62/ 14.

(6)

قوله: (منهم ففي النوادر عن مالك

مقاتله) ساقط من (ن 3).

(7)

قوله: (مات) ساقط من (ن 4).

(8)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6500.

(9)

قوله: (ثم) ساقط من (ن 4).

ص: 237

الإصابة وبعد الجرح، وقبل الموت فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان حال الإصابة والموت، فالمعتبر حال الإصابة (1) وهو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب وسحنون: المعتبر حال الرمي، ثم رجع سحنون لقول ابن القاسم واتفقوا على أن المعتبر في القصاص حال الإصابة (2)، والمراد بالضمانِ ضمانُ دية الحر وقيمة العبد.

قوله: (وَالْجرْحُ كَالَّنفْسِ فِي الْفِعْلِ، والْفَاعِلِ، والْمَفْعُولِ، إِلا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا) يريد: أن ما تقدم في النفس من الأحكام يجري فيما دونها إلا في مسألة ما إذا جرح الناقص كاملًا كالعبد يقطع يد حر، وكافر يقطع يد مسلم؛ فإنه لا يقتص منه له على المشهور، الأستاذ أبو بكر (3): وهو ظاهر المذهب (4)، وقال ابن نافع وابن عبد الحكم: المسلم يخير إن شاء اقتص أو أخذ الدية وخرَّج مثله في العبد (5)، وقيل: يجتهد السلطان في ذلك (6)، وروى ابن القصار وغيره عن مالك القصاص في ذلك، وعنه أيضًا أنه توقف (7).

قوله: (وَإِنْ تَميَّزتْ جِنَايَاتٌ بِلَا تَمَالُؤٍ فَمِنْ كُلٍّ كَفِعْلِهِ) أي: إذا جَنَا جماعة على شخص وتميزت جناية كل واحد ولم يتمالؤوا على قتله، فإن كل واحد يقتص منه بقدر جنايته بالمساحة، وهو مراده بقوله:(كَفِعْلِهِ).

قوله: (وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرأسِ والْجبْهَةِ وَالخَديْنِ وَإِنْ كَإِبْرَةٍ، وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ وحَارِصَةٍ شَقَّتِ الجْلْدَ، وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَّتِ اللَّحمَ، وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدِ، وَملْطَاةٍ قَرُبَتْ للْعَظْم) يحتمل أن تكون (من) من قوله: (مِنْ مُوضِحَةٍ) بمعنى (في) أي: واقتص في الموضحة وسابقها في العمد.

قوله: (أوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأسِ وَالجْبْهَةِ وَالخدِّيْنِ) هو بيان الموضحة، والواو من

(1) قوله: (والموت، فالمعتبر حال الإصابة) ساقط من (ن).

(2)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1098 و 1599.

(3)

قوله: (أبو بكر) ساقط من (ن) و (ن 3) و (ن 4).

(4)

انظر: التوضيح: 8/ 82.

(5)

قوله (وخرَّج مثله في العبد) يقابله في (ن 4): (وجرح مثله في العمد)

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 544، وانظر نقل ابن عبد الحكم في الذخيرة: 12/ 324.

(7)

انظر: التوضيح: 8/ 82.

ص: 238

قوله (1): (وَالْجبْهَةِ) للتقسيم؛ إذ ليس المراد أنها لا تكون موضحة إلا بعد حصولها في المواضع الثلاثة، بل المراد كل موضع من هذه المواضع الثلاثة إذا حصلت فيه ضربة أوضحت شيئًا من عظمه تسمى موضحة، ولهذا عطف ابن شاس الجبهة بأو لا بالواو (2).

ومعنى: (أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرأسِ) أي: أظهرته، وأزالت الساتر الذي يحجبه وهو الجلد وما تحته من اللحم، ولا يشترط في كونها موضحة أن توضح ماله قدر وبال، بل لو أوضحت منه مقدار إبرة كفى في تسميتها موضحة، كما قال.

والمراد بـ (سابقها)؛ أي: سابق الموضحة من الجراحات وهي ستة: ثلاثة في الجلد، وثلاثة في اللحم؛ ففي الجلد: الدامية: وهي التي يسيل منها الدم، ولم يفسرها استغناءً بلفظها، أو يقال لها دامعة بعين مهملة؛ لأن الدم يندفع (3) منها كالدمع، ثم الحارصة بألف وغيرها: وهي التي شقت الجلد، ثم السمحاق: وهي التي كشطت الجلد (4)، ومنهم من جعل الحارصة مرادفة الدامية، وذهب بعضهم إلى أن الحارصة هي السمحاق، والصحيح ما تقدم.

وأما المتعلقة باللحم؛ فالباضعة: هي التي شقت اللحم؛ أي: بضعته (5)، ثم المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم في غير موضع، ولهذا قال:(وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدٍ (6))، وقيل: هي مرادفة الباضعة، ثم الملطاة بهاء وغيرها: وهي التي يبقي بينها وبين العظم ستر رقيق.

قوله: (كضَرْبَةِ السَّوْطِ) أي: فإن فيها القصاص وهو المشهور، وقاله في المدونة، وقيل: لا قصاص في ذلك كاللطمة (7)، ويعسر (8) الفرق بينهما.

(1) قوله: (قوله) زيادة من (ن 4).

(2)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1101.

(3)

في (ن): (ينبع).

(4)

زاد هنا في (ن 5) قوله: (قوله).

(5)

في (ن): (أبضعته).

(6)

في (ن) و (ن 5): (بتعدد).

(7)

انظر: المدونة: 4/ 653.

(8)

في (ن 4): (ويبعد).

ص: 239

قوله: (وَجِرَاحِ الجَسَدِ، وإنْ مُنَقِّلَةً بِالمسَاحَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ) يريد: أن جراح الجسد من الهاشمة والمنقلة ونحوهما فيها القصاص بالمساحة، فيقاس طول الجرح وقصره (1) بذلك، وهو قول ابن القاسم، وصوبه ابن رشد لقوله تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45](2)، واعتبر أشهب في ذلك نسبة العضو (3)، وإليه رجع ابن القاسم في الموازية (4)، فيقتص من الجاني بنسبة ذلك من رأسه إن ربعًا فربعًا، وإن نصفًا فنصفًا إلى غير ذلك، ابن المواز: وبه أقول (5)، ويشترط في كون القصاص بالمساحة الاتحاد في العضو الواحد، فلهذا لو عظم عضو المجني عليه حتى كان القدر الذي جرح منه يزيد على المماثل له من الجاني؛ فإنه لا يكمل من غيره بلا خلاف.

قوله: (كطَبِيبٍ زَادَ عَمْدًا) أي: فإنه يقتص منه بمقدار ما زاد على القدر المطلوب، وقاله غير واحد.

قوله: (وَإِلَّا فَالْعَقْلُ) أي: فإن كانت زيادته خطأ وجب العقل وهو الدية أو بعضها، فإن كان دون ثلث الدية ففي ماله، وإلا فعلى عاقلته.

قوله: (كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتِ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ، وَبِالْعَكْسِ) أي: وكذلك يتعين العقل دون القصاص إذا قطع صاحب يد شلاء عدمت النفع يدًا صحيحة والعكس لعدم المماثلة التي هي شرط في قصاص الأطراف ونحوها، واحترز بـ (عَدِمَتِ النَّفْعَ) من التي فيها منفعة فإنها تقطع بالصحيحة، والعكس إذا رضي المجني عليه، قاله ابن شاس، وفي كتاب أسد: ليس له إلا العقل، وكذا ذكر ابن عبدوس، وقال أشهب: إن كانت شلاء شللًا فاحشًا أذهب أكثر منافع يده، وأما في الخفيف فله أن يقتص. ابن شاس: والذكر المقطوع الحشفة والحدقة العمياء ولسان (6) الأبكم كاليد الشلاء، وإليه أشار

(1) قوله: (فيقاس طول الجرح وقصره) في (ن 5) و (ن 3): (فيقتص في طول الجرح وقصره).

(2)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 110.

(3)

في (ن): (العظم).

(4)

في (ن) و (ن 4): (المدونة).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 45 و 46.

(6)

في (ن 3): (واللسان).

ص: 240

بقوله: (وَعَيْنِ أَعْمَى، وَلسَانِ أَبكَمَ) أي: كذلك (1).

(المتن)

وَمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ: مِنْ مُنَقِّلَةٍ طَارَ فِرَاشُ الْعَظْمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وَآمَّةٍ أَفَضْتْ لِلدِّمَاغِ، وَدَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ، كَلَطْمَةٍ، وَشَفْرِ عَينٍ وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالْخَطَإِ إِلَّا فِي الأَدَبِ، وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا كَعَظمِ الصَّدْرِ، وَفِيهَا أَخَافُ فِي رَضِّ الأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ، وَإنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ أَوْ زَادَ، وَإِلَّا فَدِيَةُ مَا لَمْ يَذْهَبْ. وَإنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنِ اسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ، وَإنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَمَاوِي، أوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ؛ فَلا شَيءَ لِلْمَجْنِي عَلَيهِ، وَإِنْ قَطَعَ أَقْطعُ الْكفّ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِي عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ. وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ إِصْبَعًا بِالْكَامِلَةِ بِلا غُرْمٍ، وَخُيِّرَ -إِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ- فِيهِ وَفِي الدّيَةِ.

(الشرح)

قوله: (وَمَا بَعْدَ المُوضِحَةِ مِنْ مُنَقِّلَةٍ أَطَارَتْ فِرَاشَ الْعَظْمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وَآمَّةٍ أَفْضَتْ للدِّمَاغِ، ودَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطتَهُ) أي: وكذلك لا قصاص في هذه الجراح لعظم خطرها، ويصار فيها إلي العقل، والمراد بالمنقلة هنا التي في الرأس، وأما التي في الجسد ففيها القصاص، ولم يذكر هنا الهاشمة، وهي التي تهشم العظم؛ لأنها لا بد أن تصير منقلة، خلافًا لأشهب، ولهذا قال: إن الواجب فيها القصاص إلا أن تصير منقلة (2)، والمنقلة بكسر القاف وفتحها، وهي التي يطير معها فراش العظم، قال في الرسالة: ولم تصل إلى الدماغ، فإن وصلت إليه فهي المأمومة (3)، ولهذا قال هنا:(وَآمَّةٍ أَفْضَتْ للدِّمَاغِ)(4)، ويقال: آمة ومأمومة، فإن خرطت خريطة الدماغ سميت دامغة بالغين المعجمة، وبعضهم فسر المأمومة بما فسر به هنا الدامغة.

ابن عبد السلام: والأظهر أنهما مترادفان أو كالمترادفين (5)، وما ذكره من نفي

(1) قوله: (أي: كذلك) ساقط من (ن 3)، وفي (ن 5):(كذلك).

(2)

قوله: (خلافا لأشهب

منقلة) ساقط من (ن 3)، وانظر النوادر والزيادات: 14/ 37.

(3)

الرسالة، ص:124.

(4)

قوله: (فإن وصلت

للدِّمَاغ) ساقط من (ن 3).

(5)

انظر: التوضيح: 8/ 84.

ص: 241

القصاص في المنقلة هو قول مالك (1)، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب (2)، وروى القاضي عبد الوهاب القصاص فيها (3).

قوله: (كَلَطْمَةٍ) أي: لا قصاص فيها، وهو مذهب المدونة (4)، والفرق بينهما وبين ضربة السوط عسير، كما تقدم (5).

قوله: (وَشُفْرِ عَيْنٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالخطَإِ إِلا فِي الأَدَبِ) أي: وكذا لا قصاص في هذه الأشياء الثلاثة، لأنها ليست من الجراح، فلا تدخل في قوله تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ومراده: إذا زال الشعر دون الجلد، واللحم، ومعناه إذا نبت، وأما إن (6) لم ينبت فيه الشعر ففيه حكومة، ولهذا استوى عمده وخطؤه إلا في الأدب المتعمد (7)، وقال أصبغ وأشهب فيه وفي إزالة شعر الرأس (8) القصاص (9).

قوله: (وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخطَرُ فِي غيرهَا كَعَظْم الصَّدْرِ، وفِيهَا: أَخَافُ فِي رَضِّ الأُنثيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ) هذا معطوف على قوله: (وَإِلَّا فَالْعَقلُ) وإنما كرر أداة الاستثناء خشية توهم عطفه على ما قبله، على أنه لو قال: وكذلك إن عظم الخطر في غيره أو نحوه لكان أحسن، والضمير في (غيرها) عائد على الجراح التي هي المنقلة والمأمومة والدامغة، والضمير المجرور بـ (في) عائد على المدونة، وفاعل (أخاف) إما مالك أو ابن القاسم (10)، وقد وقع ذلك في بعض النسخ (11)، وإنما لم يكن في هذه الأشياء قصاص لأنها من المتالف، فلو فعلنا بالجاني ذلك بأن يكسر عظم صدره كما فعل بالمجني عليه،

(1) انظر: المدونة: 4/ 563.

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 37.

(3)

انظر: المعونة: 2/ 261.

(4)

انظر: المدونة: 4/ 653.

(5)

قوله: (كما تقدم) ساقط من (ن 4).

(6)

قوله: (نبت، وأما إن) ساقط من (ن 5).

(7)

في (ن): (للمتعمد).

(8)

قوله: (فيه ولا إزالة شعر الرأس) لا (ن 3): (في إزالة شعر الرأس)، ولا (ن 4):(لا إزالة هذه).

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 40.

(10)

انظر: المدونة: 4/ 565.

(11)

قوله: (وقد وقع ذلك في بعض النسخ) ساقط من (ن 3).

ص: 242

فربما أدى إلى إهلاكه، وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: يقتص من كل جرح، وإن كان متلفًا إلا ما خصصه الحديث من المأمومة والجائفة.

قوله: (وَإِنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ أَوْ زَادَ، وَإِلا فَدِيَة مَا لَمْ يَذْهَبْ) أراد بـ (كبصرٍ) السمع والشم والذوق ونحو ذلك، ومراده أن زوال ذلك إذا حصل بسبب جرح من الجراح التي فيها القصاص مع العمد كما لو ضربه مثلًا فأوضحه فذهب بسبب ذلك شيء من هذه الأمور، فإنه يقتص منه مثل (1) الموضحة، فإن ذهب من الجاني مثل ما ذهب من المجني عليه أو زاد فلا كلام، وإن لم يذهب وجب (2) ذلك المعنى للمجني عليه.

قوله: (وَإِنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنِ اسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإلَّا فَالْعَقْلُ) أي: وإن ذهب بصره بأن ضرب شخص غيره ضربة عمدًا أذهب معها بصره والعين قائمة لم تنخسف (3)، فإن كان يستطاع القود منه على هذه الصورة أقيد، وإلا فالعقل، وقاله في المدونة (4).

قوله: (كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ) أي: فيفرق فيها بين ما يستطاع القود فيه على ما فعل الجاني وإلا فالعقل، قال في المدونة: ومن ضرب يد رجل أو رجله فشلت فإن كان عمدًا ضرب مثلها قصاصًا، فإن شلت يده وإلا فالعقل في ماله دون العاقلة (5)، أشهب: وهذا إذا كانت الضربة يجري فيها القود، وأما إن ضربه (6) في رأسه فشلت يده فلا قود فيه وعليه دية اليد (7).

قوله: (وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَماوِيٍّ، أوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ (8)، فَلا

(1) في (ن): (لتلك).

(2)

قوله: (وجب) في (ن): (وجبت دية).

(3)

في (ن 4): (تنقسم).

(4)

انظر: المدونة: 4/ 564.

(5)

انظر: المدونة: 4/ 564 و 565.

(6)

في (ن): (كانت).

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 35.

(8)

قوله: (لِغَير) ساقط من (ن 4).

ص: 243

شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) يريد: أن من قطع يد رجل عمدًا فلم يقتص منه حتى قطع يد القاطع بآفات سماوية أو سرق فقطعت يده (1)، أو جنى على أحد فقَطَعَ يده عمدًا فاقتص منه الثاني، فإن الأول لا شيء له، لأن حقه إنما هو في القصاص، فلما تعذر محله (2) بطل حقه.

قوله: (وَإِنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْكَفِّ مِنَ المرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ كَمَقْطُوعِ الْحشَفَةِ) في كلامه حذف تقديره: فإن قَطَعَ أقطعُ الكفِّ اليمني (3) يمين رجل من المرفق أو قطع مقطوعُ الحشفة ذكرَ رجلٍ مع حشفته (4)، فإن المجني عليه يخير بين القصاص وأخذ الدية.

قوله: (وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ إِصْبَعًا بِالْكَامِلَةِ) يريد: أن من كانت يده ناقصة بأن ذهب منها أصبع بجناية أو غيرها فقطع يدًا كاملة لغيره فإنه يقتص له منه، ولا يزول القصاص عنه بذلك، وقاله في المدونة وغيرها (5)، واختلف هل يكون للمجني عليه عوض ذلك الأصبع أو لا، والمشهور أنه لا شيء له، ولهذا قال هنا:(بِلَا غُرْمٍ) وقيل: له ذلك، والقولان لمالك (6).

قوله: (وَخُيِّرَ إِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ فِيهِ وَفِي الدِّيَةِ) أي: وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أكثر من إصبع في القصاص وفي أخذ الدية من غير قصاص، وقال أشهب وعبد الملك: ليس له إلا العقل (7)، وفي العتبية ثالث (8): أن يده تلك تقطع ويكون عليه عقل ما نقص (9).

(1) قوله: (فقطعت يده) ساقط من (ن 5).

(2)

في (ن 4): (عليه).

(3)

قوله: (اليمنى) ساقط من (ن 4) و (ن 5).

(4)

في (ن) و (ن 3) و (ن 5): (حشفته).

(5)

انظر: المدونة: 4/ 654.

(6)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 123.

(7)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1103.

(8)

في (ن 4): (ثالثها).

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 14 و 15، وانظر: البيان والتحصيل: 16/ 123.

ص: 244

(المتن)

وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِي عَلَيهِ فَالْقَوَدُ وَلَوْ إبْهَامًا لا أَكْثَرَ، وَلا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ وَإِنْ رَضِيَا. وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ كِبَرٍ. وَلِجُدَرِيّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوَدُ إِنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَبحِسَابِهِ. وَإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ فَلَهُ الْقَوَدَ، أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ فَقَأ أَعْوَرُ مِنْ سَالِمٍ مُمَاثِلَتَهُ فَلَهُ الْقِصَاصُ، أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ، وَغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ، وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَيِ السَّالِمِ فَالْقِصَاصُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فَنَبَتَتْ فَالْقَوَدُ، وَفِي الْخَطَأ كَدِيَةِ كَالْخَطَأ.

(الشرح)

قوله: (وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْني عَلَيْهِ فَالْقَوَدُ، وَلَوْ إِبْهَامًا لَا أَكْثَرَ) فقال في المدونة: من قطع يد (1) رجل عمدًا وقد ذهب منها إصبعان أو ثلاثة بأمر من الله تعالى، أو بجناية، لم يقتص منها ولكن عليه العقل في ماله، فإن ذهب منها إصبع واحدة قطعت يده قصاصًا سواء كانت الإبهام هي المقطوعة أم غيرها (2)، وقال أشهب: لا قصاص مطلقًا، وقيل: إن كان غير الإبهام اقتص منه وإلا فلا، ابن المواز وغيره: ولا خلاف في نفي القصاص إذا كانت يد المجني عليه ناقصة إصبعين فصاعدًا (3).

قوله: (وَلا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ، وَإِنْ رَضِيَا) يعني: لو قطع شخص يد غيره (4) من المرفق، ثم اتفقا على قطع يد الجاني من الكوع، لم يجز؛ لأنه على خلاف قوله تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} .

قوله: (وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضَّعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ مِنْ كِبَرٍ) يريد: أن الأجزاء مساوية للكل (5) في عدم اشتراط التساوي، وكما يقتل الصحيح بالضعيف والشاب بالشيخ فكذلك الحكم في العين، ولو اشترط التساوي في هذا لتعذر القصاص غالبًا؛ إذ لا يوجد شخصان متساويين في قدر الإبصار.

قوله: (وَلجُدَرِيٍّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوَدُ إِنْ تَعَمَّدَ، وّإِلَّا فَبِحِسَابِهِ) أي: إن كان ذلك

(1) في (ن) و (ن 3) و (ن 5): (كف).

(2)

انظر: المدونة: 2/ 572.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 12 و 13.

(4)

قوله: (غيره) يقابله في (ن 4): (رجل أو غيرها).

(5)

قوله: (مساوية للكل) في (ن 4) و (ن 5): (متساوية للكل)، وفي:(ن 3): (متساوية كلها).

ص: 245

الضعف نشأ عن أمر طرأ على العين من جدري أو رمية أو قرحة (1) ونحو ذلك ففيها القصاص إن أصيبت عمدًا، وإن أصيبت خطأ فليس فيها إلا بحساب ما بقي، وقاله (2) ابن القاسم في المدونة (3)، وقيل: لا قصاص فيها، وإنما فيها بحسب ما بقي، وقيد عبد الملك نفي القصاص بما إذا كان النقص فاحشًا، قال: وله القصاص في النقص اليسير (4).

قوله: (وَإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ فَلَهُ الْقَوَدُ، أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةَ مِنْ مَالِهِ) وقوله: (سَالِمٌ) أي (5): سالم العينين، وإنما حذفه للدلالة عليه من قوله:(عَيْنَ أَعْوَرَ)، وقوله:(فَلَهُ) أي: للمجني عليه القصاص أو أخذ الدية، وقاله (6) مالك، وقيل: يجبر على الدية، وقوله:(كَامِلَةً) أي: يأخذ ديتها ألف دينار من مال الجاني، وبهذا قال مالك والخلفاء الأربعة، وغيرهم (7).

قوله: (وَإِنْ فَقَأَ أَعْوَرُ مِنْ سَالمٍ ومماثِلتَهُ فَلَهُ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ) أي: فإن فقأ الأعور من سالم العينين التي تماثل عينه السالمة فإن المجني عليه يخير بين أن يقتص من الأعور العين (8) الباقية له، وبين أن يتركها ويأخذ ديتها ألف دينار، وإلى هذا رجع مالك بعد أن كان يقول يخير في القصاص أو في أن يأخذ منه (9) خمسمائة دينار (10)، والقولان له في المدونة (11)، وعنه: ليس له سوى القصاص كغيرها (12).

(1) قوله: (أو رمية أو قرحة) ساقط من (ن 4)، وفي (ن 3):(أو رمية).

(2)

في (ن): (وقال).

(3)

انظر: المدونة: 4/ 570.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 10.

(5)

زاد هنا في (ن) قوله: (للمجني عليه القصاص).

(6)

قوله: (أي: للمجني عليه القصاص أو أخذ الدية وقاله) في (ن): (فَلَهُ الْقَوَدُ، أو أَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَة، قاله).

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 450.

(8)

قوله: (العين) ساقط من (ن).

(9)

قوله: (منه) ساقط من (ن).

(10)

قوله: (خمسمائة دينار) ساقط من (ن 3).

(11)

انظر: المدونة: 4/ 637.

(12)

في (ن): (كغيرهما)، وانظر: النوادر والزيادات: 14/ 17.

ص: 246

قوله: (وَغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ) أي: فإن كان الأعور إنما فقأ من السالم العين التي ليس له مثلها؛ فإنما له (1) عليه نصف الدية خمسمائة دينار ولا قصاص لانعدام مجله، ولا خلاف فيه، وقوله:(في ماله)(2) أي: في مال الأعور؛ لأنها جناية عمد.

قوله: (وَإِنْ فَقَا عَيْنَيِ السَّالِمِ فَالْقِصَاصُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ) وهكذا قال (3) ابن القاسم في المدونة وهو أن (4) المجني عليه يقتص من الأعور العين المماثلة له ويأخذ للعين الأخرى نصف الدية (5)، ووافق أشهب على هذا إذا فقأهما معًا دفعة واحدة (6) أو بدأ بالتي ليس له مثلها، وأما لو بدأ بالتي له مثلها فإن عليه القصاص والدية ألف دينار (7)؛ لأنه لما فقأ التي له مثلها وجب القصاص وصار أعور فيجب أن يكون في عينه الدية كاملة، انظر الكبير.

قوله: (وَإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فنبتَتْ فَالْقَوَدُ وَفي الخطأِ كَدِيَةِ الخَطأِ) يريد: أن السن إذا قلعها شخص فردت فنبتت؛ فأما في العمد فالقود ولا خلاف فيه، وقال ابن القاسم في الخطأ: له (8) العقل وليس ثبوتها (9) بمانع له من ذلك، لأن لها عقلًا مسمي، وذهب أشهب إلى أن ثبوتها يمنع من أخذ العقل كسائر جروح الخطأ غير المقدرة (10)

(المتن)

وَالاِسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِب كَالْوَلاءِ، إِلَّا الْجَدَّ وَالإِخْوَةَ فَسِيَّانِ، وَيَحْلِفُ الثُّلُثَ وَهَلْ إِلَّا فِي الْعَمْدِ فَكَأَخٍ؟ تأَوِيلانِ. وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَم تَبْعُدْ غَيبَتُهُ، وَمُغْمًى، وَمُبَرْسَمٌ لا

(1) قوله: (له) زيادة من (ن).

(2)

قوله: (أي: فإن كان الأعور

وقوله في ماله) ساقط من (ن 4).

(3)

قوله: (وهكذا قال) يقابله في (ن): (هذا قول).

(4)

قوله: (أن) ساقط من (ن).

(5)

انظر: المدونة: 4/ 655.

(6)

قوله: (دفعة واحدة) زيادة من (ن 3).

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 12/ 14.

(8)

قوله: (له) ساقط من (ن 4).

(9)

في (ن 3): (نباتها).

(10)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 442 و 443.

ص: 247

مُطْبَقٌ وَصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفِ الثبُوتُ عَلَيْهِ، وَلِلنِّسَاءِ إِنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ، وَلِكُلٍّ الْقَتْلُ، وَلا عَفْوَ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِن، كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ، وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ وَالْوَارِثُ كَمُوَرِّثِهِ، وَلِلصَّغِيرِ إِنْ عُفِا الْكَبيرُ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ. وَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي الْقَتْلِ وَالدّيَةِ كَامِلَةً، كَقَطْعِ يَدٍ إِلَّا لِعُسْرٍ فَيَجُوزُ بِأقَلَّ، بِخِلافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ.

(الشرح)

قوله: (وَالاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ) أي: استيفاء القصاص في النفس للعاصب، فيخرج الزوج والأخ للأم، ومراده بالعاصب الذكر، وهو ظاهر من كلامه، وأشار بقوله:(كَالْوَلاءِ) إلى أن الاستيفاء إنما يكون للأقرب فالأقرب، ولهذا قال في البيان: إن ترتيبهم بالقيام بالدم كترتيبهم في ميراث الولاء والصلاة على الجنائز، وفي النكاح لا يستثنى (1) من ذلك على مذهب ابن القاسم إلا الجد مع الإخوة فإنه بمنزلتهم في العفو عن الدم والقيام به (2)، وإليه أشار بقوله:(إِلا الْجدَّ والإِخْوَةَ فَسِيَّانِ).

قال في المدونة: فإن كانوا (3) عشرة إخوة وجدًّا حلف الجد ثلث الأيمان (4)، وإليه أشار بقوله:(وَيَحْلِفُ الثُّلُث). واختلف هل كلامه في المدونة محمول (5) على العموم في الخطأ والعمد وإليه ذهب. ابن رشد: أو إنما ذلك في الخطأ، وأما في العمد فتقسم الأيمان على عددهم (6)، قاله بعض أشياخ (7) عبد الحق (8)، وإلى هذا أشار بقوله (9):(وهَلْ إِلَّا فِي الْعَمْدِ فكَأَخٍ؟ تَأَوِيلانِ)؛ أي: على المدونة.

قوله: (وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ) أي: فإن بعدت غيبته لم ينتظر ولمن (10) حضر

(1) قوله: (لا يستثنى) في (ن 5): (لا يشذ).

(2)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 515.

(3)

في (ن 3) و (ن 4): (كان).

(4)

انظر: المدونة: 4/ 644.

(5)

قوله: (محمول) ساقط من (ن 4).

(6)

انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 392.

(7)

قوله: (بعض أشياخ) ساقط من (ن 3)، وفي (ن 4):(بعض الأشياخ).

(8)

انظر: النكت والفروق: 2/ 315.

(9)

قوله: (وإلى هذا أشار بقوله) ساقط من (ن 4).

(10)

قوله: (ولمن) في (ن 5): (ولو).

ص: 248

القتل، ولم يقيد الغيبة في المدونة بل قال: ينتظر وأطلق (1)، فقال ابن يونس: إلا في البعيد الغيبة فلمن حضر القتل، ونقله محمد عن ابن القاسم، وفرق سحنون بين بعيد الغيبة وقريبها (2).

قوله: (ومُغْمًى، ومُبَرْسَمٌ) أي: وكذلك ينتظر المغمى عليه والمبرسم (3) لقصر مدة مرضهما في الغالب.

قوله: (لَا مُطْبَقٌ) يعني لا مجنون مطبق؛ أي: فإنه لا ينتظر لأن إفاقته لا تعلم، وفهم من قوله:(مُطْبَقٌ) أنه ينتظر إن لم يكن مطبقًا كما لو كان يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا.

قوله: (وَصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفِ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ) يشير به (4) إلى ما وقع في المدونة: أن المستحق لو لم يكن إلا واحدًا كبيرًا وهذا الصغير، فإن الكبير يحلف نصف الأيمان (5) خمسًا وعشرين يمينًا، ويستأنى بالصبي حتى يبلغ فيحلف بقية الخمسين، ويستحق الدم، وأما إن كان فيهم اثنان من الكبار فصاعدًا فلهم أن يقسموا ويقتلوا، ولا ينتظر الصغير لعدم ثبوت توقيف القتل على بلوغه (6)، وحكي عن ابن القاسم (7) انتظاره، ولم يقيده بما ذكرنا، وقال عبد الملك: ينتظر كالغائب وأطلق، وقال سحنون: إن كان قريبًا من البلوغ انتظر وإلا فلا (8).

قوله: (وَللنِّسَاء إِنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ) أي: وكذلك تكون ولاية الاستيفاء أيضًا للنساء بشرطين، الأول: كونهن ممن يرثن احترازًا من العمات وشبههن؛ فإنهن لا يدخلن في ولاية الاستيفاء (9).

(1) انظر: المدونة: 4/ 663.

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 119.

(3)

البرسام: علة معروفة، وقد بُرْسِمَ الرجل فهو مُبَرْسَمٌ. والإِبْرِيسِم معرب، انظر: الصحاح 5/ 1871.

(4)

قوله: (به) زيادة من (ن) و (ن 3).

(5)

في (ن): (أيمان القسامة).

(6)

انظر: المدونة: 4/ 644.

(7)

زاد في (ن 3): (عدم).

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 117 و 118.

(9)

في (ن 4): (الدم).

ص: 249

الثاني: ألا يساويهن عاصب، واحترز به مما إذا كان في درجتهن عاصب كالبنت (1) مع الابن والأخوات مع الأخ؛ إذ لا دخول لهن في عفو، ولا في (2) قود باتفاق (3)، وبقي عليه شرط وهو أن يكنَّ ممن لو كان في درجتهن ذكر ورث (4) بالتعصيب احترازًا (5) من الإخوة للأم، فإذا توفرت هذه الشروط دخلن النساء على أشهر الروايتين (6) عن مالك، اللخمي: وهو المعروف، وحكى ابن القصار عن مالك أنهن لا يدخلن جملة.

قوله: (وَلكُلٍّ الْقَتْلُ، ولا عَفْوَ إِلا بِاجْتِماعِهِن) يريد: أن النساء مع غير المساوي لهن من العصبة في ولاية الاستيفاء سواء لكل واحد (7) منهم أن يقوم بالدم ويكون أولى من غيره، ولا يتم العفو إلا باجتماعهم، وقاله في المدونة (8)، وقال ابن القاسم في العتبية: إن ثبت الدم ببينة فكذلك، وإن ثبت بقسامة فلا حق للنساء في عفو ولا قيام (9)، ولمالك من رواية ابن الماجشون ومطرف: إن ثبت ببينة فهنَّ (10) أولى بالعفو، وإلا فلا عفو إلا باجتماعهم، ومن قام بالدم فهو أولى (11).

وأشار بقوله: (كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ) إلي أن العصبة غير الوارثين إذا ثبت الدم بقسامة يكون حكمهم مساويًا لحكم النساء اللاتي حزن الميراث في ولاية الاستيفاء كما تقدم، فمن قام بالدم كان أولى من غيره، ولا عفو إلا باجتماعهم، وهو مذهب المدونة، وفي العتبية عن مالك أن العصبة غير الوارثين (12) أحق بالقيام

(1) في (ن): (كالبنات).

(2)

قوله: (في) ساقط من (ن).

(3)

قوله: (باتفاق) زيادة من (ن).

(4)

في (ن 3) و (ن 4): (لورثن).

(5)

في (ن): (واحترز بالوارث بالتعصيب).

(6)

في (ن): (الروايات).

(7)

قوله: (واحد) ساقط من (ن).

(8)

انظر: المدونة: 4/ 645.

(9)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 514.

(10)

في (ن 5): (فهو)، وفي (ن 3):(فهذا).

(11)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 104.

(12)

قوله: (عن مالك أن العصبة غير الوارثين) ساقط من (ن 4)، وفي (ن 5):(أن العصبة غير الوارثين)، وفي (ن):(أن العصبة).

ص: 250

والعفو (1)، واحترز بقوله:(وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ) مما إذا ثبت ببينة، فإن العصبة غير الوارثين (2) لا حق لهم، ولا خلاف فيه.

قوله: (وَالْوَارِثُ كَمُوَرِّثهِ) يريد: أن من مات (3)، وله حق في ولاية الاستيفاء، فإن وارثه يقوم مقامه، فإن كان أحق من (4) غيره في العفو والقتل فوارثه كذلك، وإن لم يكن له حق في العفو كالبنت مع الابن فوارثها مثلها لا حق له إلا في المال إن عفا الابن، بخلاف ما لو كانت أخت (5) مع بنت، فإنها تكون مساوية لها في القصاص والعفو وورثتها كذلك.

قوله: (وَللصَّغِير -إِنْ عَفَا الْكَبِيرُ- نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ) أي: دية عمد (6). يريد: أن الكبير من المستحقين الدم (7) إذا عفا عن القاتل، ومعه صبي (8) صغير؛ فإنه يكون له نصيبه من الدية؛ أي (9): دية عمد، حتى إنهم لو صالحوا على دية الخطأ أو أقل منها لم يلزم ذلك الصغير.

قوله: (وَلوَليَّهِ النَّظَرُ في الْقَتْلِ، أَوِ الدِّيَةِ كَامِلَةً) أي: فإن لم يكن مع الصغير كبير، فإن وليه ينظر في القتل وأخذ الدية كاملة فأيهما شاء فعل، وليس له أن يصالح بأقل عند ابن القاسم إن كان القاتل مليًّا (10)، وإليه أشار بقوله:(إِلَّا لِعُسْرٍ فيجُوزُ بِأَقَل)، وقال أشهب: يجوز وإن كان ملئًا. وقيده ابن رشد بما إذا لم يتهم فيه بمحاباة لقاتله (11).

(1) انظر: البيان والتحصيل: 15/ 514 و 515.

(2)

قوله: (غير الوارثين) زيادة من (ن).

(3)

قوله: (أن من مات) يقابله في (ن): (إن مات).

(4)

قوله: (أحق من) يقابله في (ن): (الحق للميت المستحق مع).

(5)

قوله: (أخت) ساقط من (ن).

(6)

قوله: (أي: دية عمد) زيادة من (ن).

(7)

قوله: (الدم) ساقط من (ن).

(8)

قوله: (صبي) ساقط من (ن).

(9)

قوله: (الدية أي) ساقط من (ن).

(10)

انظر: المدونة: 4/ 663 و 664.

(11)

في (ن 4) و (ن 5): (لقتله)، وانظر: البيان والتحصيل: 16/ 78.

ص: 251

وأشار بقوله: (كَقَطْعِ يَدٍ إِلَّا لِعُسْرٍ) إلي أن (1) الولي كما يجوز له النظر فيما ورثه الصغير من دم وغيره، فكذلك يجوز له أن ينظر في الجناية الكائنة في بدنه ما دام حيًّا، أما لو قتل الصغير فإن الحق ينتقل لوارثه (2) دون الوصي لأنه انعزل بموته (3)، وإليه أشار بقوله:(بِخِلافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ)، وإنما قال:(لعاصبه)(4)، ولم يقل لوارثه تنبيهًا على أن القتل لا يقوم به في ولاية الاستيفاء إلا العاصب (5)، وأن الزوجة لا مدخل لها في ذلك، وحكم النساء هنا حكمهن (6) فيما تقدم.

(المتن)

وَالأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ فِي عَبْدِهِ وَيَقْتَصُّ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ. بأَجُر على الْمُسْتَحِقّ، وَلِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَلِيّ، وَنُهِيَ عَنِ الْعَبَثِ. وَأُخِّرَ لِحَرٍّ وَبَرْدٍ كَالْبُرْءِ، كَدِيَةِ خَطَأٍ وَلَوْ كَجَائِفَةٍ. وَالْحَامِلُ، وَإِنْ بِجُرْحٍ مَخُوفٍ لا بِدَعْوَاهَا وَحُبِسَتْ، كَالْحَدِّ، وَالْمُرْضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ، وَالْمُوَالاةُ فِي الأَطْرَافِ كَحَدَّيْنِ لِلهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا، وَبُدِئَ بِأشَدِّهما لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ، لا بِدُخُولِ الْحَرَمِ. وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي، وَالْبِنْتُ أَوْلَى مِنَ الأُخْتِ فِي عَفْوٍ وَضِدِّهِ. وَإِنَّ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إِلّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِمَا، وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ عَمْدًا، كَإِرْثِهِ، وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ، وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ بِأَقَل أَوْ أكثَرَ. وَالْخَطَإِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ.

(الشرح)

وقوله: (وَالأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ في عَبْدِهِ) هكذا وقع لفظ أحب في كلام ابن القاسم في المدونة (7)، والمعنى أن الصغير إذا قتل له عبد فالأولى لوليه أن يأخذ له (8) القيمة ممن

(1) في (ن): (إلا أن).

(2)

في (ن 4): (لعاصبه).

(3)

في (ن): (بعد موته).

(4)

قوله: (وإنما قال لعاصبه) ساقط من (ن).

(5)

قوله: (إلا العاصب) ساقط من (ن 3) و (ن 5).

(6)

قوله: (هنا حكمهن) يقابله في (ن): (فيها كحكمهن).

(7)

انظر: المدونة: 4/ 664.

(8)

قوله: (له) زيادة من (ن).

ص: 252

قتله، ولا يقتص له منه إن كان قُتل عمدًا و (1) القاتل عبدًا، إذ لا نفع له في القصاص.

قوله: (وَيَقْتَصُّ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ) إذ ليس كل أحد يعرف ذلك، ابن عبد السلام: ويكون من أهل العدالة (2).

قوله: (بِأَجْرٍ على الْمُسْتَحِقّ) أي: من المستحِقِّ وهذا هو المشهور، إذ الواجب على الجاني (3) التمكين وقد فعل والقطع أمر زائد، وحكى ابن شعبان قولًا بأن الأجرة على الجاني؛ لأن الواجب في حقه التسليم (4).

قوله: (وَللْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَليِّ، وَنَهَى عَنِ الْعَبَثِ) المشهور -كما قال- أن للحاكم أن يفوض للولي القتل (5) بأن يدفع القاتل له، ويقتص منه (6) لنفسه، "وقد فعل عليه الصلاة والسلام"، وقال أشهب: ليس له ذلك. وعلى الأول يُنْهَي الولي عن العبث في قتل الجاني والتشويه في صفة قتله (7) والتمثيل به (8)، فإن تولاه من غير إذن الإمام أدب كما تقدم.

قوله: (وَأخِّرَ لِحَرٍّ وَبَرْدٍ) يريد: المفرطين؛ أي: فيما دون النفس خشية أن يهلك، وقد نص مالك في السرقة على التأخير في البرد الشديد، وقال ابن القاسم: إن كان الحر مما يعلم خوفه كالبرد، فأراه مثله (9)، وقال في كتاب الرجم: والحرُّ عندي بمنزلة البرد (10) وظاهر الموازية عدم التأخير في الحرِّ (11).

(1) قوله: (قتل عمدا و) زيادة من (ن).

(2)

انظر: التوضيح: 8/ 110.

(3)

قوله: (على الجاني) في (ن 5): (في حق المجني عليه)، وفي (ن) و (ن 4):(في حق الجاني).

(4)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1105.

(5)

قوله: (القتل) ساقط من (ن 4) و (ن 5).

(6)

قوله: (منه) زيادة من (ن).

(7)

قوله: (والتشويه في صفة قتله) ساقط من (ن 3).

(8)

قوله: (والتشويه في صفة قتله والتمثيل به) في (ن): (ويفعل به في صفة قتله كقتله لوليه وما مثل به قتل به والتشديد في صفة قتله والتمثيل به).

(9)

انظر: المدونة: 4/ 548.

(10)

انظر: المدونة: 4/ 513.

(11)

قوله: (في الحَرِّ) زيادة من (ن)، وانظر: النوادر والزيادات: 14/ 445.

ص: 253

قوله: (كَالْبُرْءِ) أي: أن التأخير يكون أمده ممتدًّا إلى البرء وظاهره ولو زاد التأخير على السنة وهو مذهب المدونة (1)، وقال أشهب: لا يؤخر بعد السنة (2)، عياض: يريد: في الخطأ (3)، ويُعقل الجرح بحاله عند تمام السنة (4)، وطالب بما زاد بعدها، وظاهر كلامه هنا أنه إذا برئ قبل السنة لا يؤخر إلى تمامها، ويقتص منه، وهو قول الأكثر، وقال ابن شاس: لا بد من سنة لتتم عليه الفصول الأربعة خوفًا أن ينتقص (5).

قوله: (كَدِيَةِ خَطَأٍ) يريد: أن دية جرح الخطأ تؤخر إلى مثل ما يؤخر إليه في العمد إلى (6) البرء؛ إذ قد يؤول الأمر فيه إلى النفس أو إلى ما تحمله العاقلة، فإن برئ على غير شين فلا عقل فيه (7)، ولا أدب؛ إذ لم يتعمد، وإن برئ على شين فحكومة، ومثل هذا ما لا يستطاع القوَدُ فيه إذا كان عمدًا ككسر عظام الصدر والصلب والعنق، فإن برئ على شين فحكومة (8) فإن كان فيه شيء (9) مقدر كالجائفة والمأمومة أخر أيضًا عقله عند ابن القاسم (10)، وإليه أشار بقوله:(كَجَائِفَةٍ) وقال أشهب: لا تؤخر (11).

قوله: (وَالحْامِلُ) أي: وكذلك تؤخر (12) الحامل إذا قتلت شخصًا بقدر (13) الحمل عند ظهور حملها (14) لا بدعواها، قال في المدونة: وينظرها النساء

(1) انظر: المدونة: 4/ 564.

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 438.

(3)

انظر: التوضيح: 8/ 111.

(4)

قوله: (تمام السنة) يقابله في (ن): (تمامها).

(5)

في (ن 5): (ينتقض)، وفي (ن):(ينقص)، وانظر: عقد الجواهر: 2/ 719.

(6)

قوله: (مثل ما يؤخر إليه في العمد إلى) ساقط من (ن 3) و (ن 5).

(7)

قوله: (فلا عقل فيه) في (ن 4): (فلا شيء عليه)، وفي (ن):(فلا عقل عليه).

(8)

قوله: (ومثل هذا ما لا يستطاع

على شين فكحومة) ساقط من (ن 3).

(9)

في (ن 4): (شين).

(10)

في (ن 3): (ابن يونس).

(11)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 437.

(12)

قوله: (تؤخر) ساقط من (ن 4).

(13)

في (ن) و (ن 4): (لعذر).

(14)

قوله: (ظهور حملها) في (ن 3): (تحاكم)، وفي (ن 5):(ظهور محايلته)، وفي (ن 4):(ظهور محاملة).

ص: 254

فإن صدقنها (1) لم يعجل عليها (2)، محمد: وكذلك تؤخر في القصاص. أبو محمد: يريد في الجراحة المخوفة (3)، وهو تقييد المذهب، وإليه أشار بقوله:(وَإِنْ بِجُرْحٍ مَخُوفٍ (4) لَا بِدَعْوَاهَا).

قوله: (وَحُبِسَتْ كَالْحَدِّ) يريد: أَنَّا إذا أخَّرناها لأجل حملها فلا بد من حبسها كما في الحدود الواجبة عليها، وليس في ذلك كفالة.

قوله: (وَالْمُرضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ) يريد: وكذلك تؤخر المرضع حتى يوجد للرضيع من يرضعه؛ لئلا يؤدي قتلها إلى إهلاكه، وقد جاء هذا في "حديث العامرية"(5).

قوله: (وَالْمُوَالاةُ فِي الأَطْرَافِ) أي: وكذلك تؤخر الموالاة (6)، يريد: إذا اجتمع على الجاني قطع في طرفين فأكثر وخيف عليه من قطعهما في فور واحد الهلاك، فإنها تفرق عليه (7). بعض الأشياخ: فإن اجتمع عليه حدان لله تعالى أو لآدمي أو أحدهما لله تعالى والآخر للآدمي، وكان فيه محل (8) لهما أقيما عليه وإن كان فيه محل (9) لأحدهما فقط (10) بدئ بأشدهما (11) كالحد للزنا وشرب الخمر؛ فيحد للزنا (12)، وإلى هذا أشار بقوله:(كَحَدَّيْنِ للهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِما، وَبُدِئَ بِأَشَدِّهما).

قوله: (لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ) أي: فإن خيف عليه من الأشد بدئ بالأخف، انظر الكبير.

قوله: (لَا بِدُخُولِ الحْرَمِ) أي: فإن الجاني لا يؤخر بدخوله إياه، وسواء كانت

(1) في (ن 3) و (ن 5): (صدقتها).

(2)

انظر: المدونة: 4/ 514.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 542.

(4)

في (ن): (مُخِيفٍ).

(5)

قوله: (قوله والْمُرضِعُ

العامرية.) ساقط من (ن 3).

(6)

قوله: (تؤخر الموالاة) في (ن 3): (تؤخر في الموالاة)، وفي (ن 5):(الموالاة).

(7)

في (ن 5): (على الجاني).

(8)

في (ن): (محمل).

(9)

في (ن): (محمل).

(10)

قوله: (لله تعالى والآخر للآدمي

لأحدهما فقط) ساقط من (ن 5).

(11)

في (ن 3): (بأكبرهما)، وفي (ن 5):(بآكدهما).

(12)

انظر: التوضيح: 8/ 114.

ص: 255

جنايته قتلًا أو جرحًا، قال في العتبية: والحرم أحق أن تقام فيه حدود الله تعالى (1).

قوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي) أي: إذا تعدد المستحق للدم فعفا منهم رجل فلا قيام للباقين بالدم كعفو جميعهم، فظاهره كانوا كلهم أولادًا أو إخوة أو أعمامًا، أو موالي، ولا خلاف فيه بالنسبة إلى الأولاد والإخوة، واختلف في الأعمام وغيرهم، فقال مالك وابن القاسم: يسقط القَوَدُ أيضًا، وعن مالك (2) أيضًا: لا يسقط، ولمن بقي القتل (3)، وحكى ابن رشد في عفو أحد الأولياء إذا ثبت الدم ببينة أو بقسامة ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث وهو مذهب المدونة بين أن يكون قد عفا فيكون لمن بقي حظه من الدية، أو أكذب نفسه فلا شيء لمن بقي، ويردون ذلك إن قبضوه (4).

قوله: (وَالْبِنْتُ أَوْلى مِنَ الأُخْتِ فِي عَفْوٍ، وَضِدِّهِ) أي: فإن كان المستحق للدم بنتًا أو أختًا، فإن البنت أولى من الأخت في العفو والقصاص، وقاله في المدونة، وهذا إذا مات مكانه (5).

قوله: (وَإِنْ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتِ نَظَرَ الحْاكِمُ) أي: قال في المدونة بالاجتهاد إذا كان عدلًا، قال: فإن رأى العفو أو القتل أمضاه (6)، قيل: لأبي عمران: فإن لم يكن الحاكم عدلًا؛ فقال: الذي تبين لي أنه لا سبيل إلى القتل إلا أن يكون البلد فيه جماعة عدول يجتمعون وينظرون، فإن رأوا القتل قتلوا وينوبون مناب الحاكم (7).

قوله: (وفي رِجَالٍ ونسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إِلَّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِما (8)) أي: فإن كان المستحقون ذكورًا وإناثًا لم يسقط القود إلا بالفريقين، وهذا إنما يتصور إذا كانت النساء أعلى درجة من الرجال؛ إذ لا كلام لهن مع الذكر المساوي كما تقدم، ومراده (بِبَعْضِهِمَا) أي: ببعض

(1) انظر: النوادر والزيادات: 14/ 226، وانظر: البيان والتحصيل: 16/ 77.

(2)

قوله: (وعن مالك) في (ن 3): (وقيل).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 97.

(4)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 515.

(5)

انظر: المدونة: 4/ 658.

(6)

انظر: المدونة: 4/ 659.

(7)

انظر: التوضيح: 8/ 123.

(8)

قوله: (أو ببعضهما) ساقط من (ن) و (ن 4).

ص: 256

الذكور وبعض النساء (1)، بأن يكون عفا من كل صنف بعضه، وأحرى إذا عفا مجموع فريق مع بعض الفريق الآخر، وفهم من كلامه أنه لو عفا أحد الصنفين وأراد النصف الآخر القتل أن الدم لا يسقط وهو مذهب المدونة (2)، وهذا إذا ثبت الدم بقسامة، وعن مالك: القول للعصبة في القتل والعفو، وعنه أيضًا: أن القول لمن أراد العفو فيهما (3).

قوله: (وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَّةِ عَمْدًا) أي: ومهما اسقط بعض من له العفو والقود وجب للباقي نصيبهم من دية العمد؛ لأن القتل كان عمدًا، يريد (4): وكذلك لو عفا بعضهم أو كلهم على الدية فإنه تجب لهم دية العمد (5)، وبه قضى عمر رضي الله عنه (6).

قوله: (كَإِرْثِهِ) أي: كإرث القصاص وهو راجع لقوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَفَا)(7) يريد: أن الدية تقسم على فرائض الله لمستحقها، ونبه على هذا خشية أن يتوهم أنها على التساوي ونحو ذلك.

قوله: (وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ) يريد: أن الجاني إذا ورث شيئًا من دمه فإن القود يسقط، ولمن بقي نصيبه من الدية، وقاله ابن شاس، ومثل ذلك بأمور منها: أن يقتل أحد الأولاد (8) أباه فيثبت القصاص عليه لجميع الإخوة، ثم يموت أحد الإخوة فيسقط القصاص عن القاتل؛ لأنه ورث حظه، فهو كالعفو، ولبقية الإخوة عليه حظهم (9) من الدية، ومنها أن يقتل أحد الابنين أباه والآخر أمه فلكل منهما أن يقتل الآخر، فإن بادر أحدهما فقتل الآخر فقد استوفى حقه، وكان لورثة المقتول أن يقتلوا

(1) في (ن 4): (الإناث).

(2)

انظر: المدونة: 4/ 645 و 658.

(3)

قوله: (فيهما) ساقط من (ن)، وانظر: التفريع: 2/ 189 و 190.

(4)

قوله: (يريد) ساقط من (ن 3).

(5)

قوله: (دية العمد) ساقط من (ن).

(6)

قوله: (وبه قضى عمر رضي الله عنه) ساقط من (ن 3) و (ن 5).

(7)

قوله: (أي كإرث .... وَسَقَطَ إِنْ عَفَا) زيادة من (ن).

(8)

في (ن 4): (الأولياء).

(9)

قوله: (عليه حظهم) في (ن 4): (عليه حظه)، وفي (ن 5):(عليهم حظهم).

ص: 257

القاتل، فإن تنازعا من يبدأ منهما اجتهد السلطان وفعل في ذلك حسبما يرى، وإن عفا كل واحد عن صاحبه جاز، ووجب لأحدهما دية أبيه وللآخر دية أمه (1)، ومنها: أربعة إخوة قتل (2) الثاني الكبير، والثالث الصغير، فوجب القصاص على قاتل الصغير؛ لأن الثاني لما قتل الكبير ثبت القصاص عليه للثالث والصغير، فلما قتل الثالث الصغير وورثه الثاني وحده فورث ما كان له عليه من القصاص فسقط، وسقطت حصة الشريك إلى نصف الدية، وكان له قتل الثالث بالصغير، فإن عفا كان له الدية يقاصه بنصفها (3).

قوله: (وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ) أي: وإرث القصاص على نحو ميراث (4) المال، فيدخل الذكور والإناث مع استواء الدرجة، وكذلك الزوجة (5)، وهو قول ابن القاسم في المدونة (6)، وقال غيره: إنما ذلك نحو استيفاء الدم، فلا يدخل الإناث إلا إذا كن أعلى درجة (7) من الذكور.

قوله: (وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) أي: وجاز صلح الجاني في العمد على مال أكثر من الدية أو أقل؛ يريد: إلى أي أجل شاء، ونص أشهب على جوازه بذهب أو ورق أو عرض مثل الدية أو أكثر منها مؤجلًا (8) أو نقدًا (9).

قوله: (وَالْخَطَإِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ) أي: والصلح في الخطأ حكمه حكم ثمن (10) بيع الدين؛ لأن الواجب في الخطأ مال، فإذا وقع بمال مؤخر فهو كبيع الدين بالدين،

(1) قوله: (القاتل، فإن تنازعا .... دية أبيه وللآخر دية أمه) زيادة من (ن).

(2)

قوله: (الآخر فقد استوفى حقه

أربعة إخوة قتل) ساقط من (ن 3).

(3)

قوله: (فإن عفا كان له الدية يقاصه بنصفها) زيادة من (ن)، وانظر: عقد الجواهر: 3/ 1108.

(4)

في (ن): (إرث).

(5)

قوله: (الزوجة) ساقط من (ن 3).

(6)

انظر: المدونة: 4/ 662.

(7)

قوله: (درجة) ساقط من (ن 4).

(8)

في (ن 5): (معجلًا).

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 130.

(10)

قوله: (ثمن) ساقط من (ن).

ص: 258

وهو ظاهر إذا صالح الجاني؛ لأنه وقع بين ديتين (1)، وأما إذا صالحت العاقلة فهو فسخ دين في دين (2).

(المتن)

وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلَتِهِ كَعَكْسِهِ، فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ. وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وَإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا، أَوْ بثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيءٍ إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ وَالْقَتْلُ، وَرَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ. وَلِلْقَاتِلِ الاِسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ. وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ. وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا، إِلَّا بِخَمْرٍ، وَلِوَاطٍ، وَسِحْرٍ، وَمَا يَطُولُ وَهَلْ وَالسَّمُّ؟ أَوْ يُجْتَهَدُ فِي قَدْرهِ؟ تَأْوِيلَانِ. فَيُغَرَّقُ، وَيُخْنَقُ، وَيُحَجَّرُ، وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ، كَذِي عَصَوَيْنِ. وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنَ السَّيْفِ مُطْلَقًا، وَانْدَرَجَ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ؛ وَإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَتَهُ كَالأَصَابعِ فِي الْيَدِ.

(الشرح)

قوله: (وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلِته كَعَكْسِهِ) أي: ولا يمضي (3) صلح الجاني على العاقلة؛ يريد: لأن العاقلة تدفع الدية (4) من أموالها ولا يرجعون بها عليه فلا يلزمه صلحه عليهم، كما لا يلزم الأجنبي ما صالح عليه غيره، وكذلك لا يلزم الجاني صلح العاقلة عنه إذا تعلقت الجناية بماله (5)، وهو مراده بعكسه.

قوله: (فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ) أي: فإن عفا المجني عليه في الخطأ فهي وصية معتبرة من الثلث، وإن خرجت منه صحت، وإن زادت على الثلث وقف الزائد على إجازة الوارث.

قوله: (وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا) أي: فإن أوصى المجني عليه بوصايا فإنها تدخل في ثلث الدية، ولو كانت تلك الوصايا بعد سبب الدية وهو الجرح أو إنفاذ

(1) قوله: (لأنه وقع بين ديتين) زيادة من (ن).

(2)

قوله: (وهو ظاهر

فسخ دين في دين) ساقط من (ن 3).

(3)

قوله: (ولا يمضي) في (ن 4): (ولا يصح).

(4)

في (ن 3) و (ن 5): (الدين).

(5)

قوله: (إذا تعلقت الجناية بماله) زيادة من (ن 5).

ص: 259

المقاتل وأحرى إذا كانت الوصية قبل ذلك، ولهذا حَسُنَ منه لفظ المبالغة، وأشار بقوله:(أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ) إلى أنه يدخل في ثلث الدية أيضًا من أوصى له بثلث ماله، وكذلك يدخل في ثلثها من أوصى له بشيء بعينه كحانوته أو داره أو دابته ونحو ذلك.

قوله: (إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ) وهو شرط فيما يوصي به قبل طريان سببها، و (مَا) من قوله:(مَا يُمْكِنُهُ) مصدرية؛ أي: إذا عاش مدة يكون فيها ثابت الذهن يمكنه تغيير الوصية فلم يغيرها، فإن لم يكن في تلك المدة ثابت الذهن بل عجز بمجرد الضرب أو الجرح (1)؛ فإن الوصايا لا تدخل (2) فيها.

قوله: (بِخِلافِ الْعَمْدِ) أي: فلا مدخل للوصية فيه؛ إذ ليس بمال الميت، وإنما هو إذا قبلت الدية بعد موته مال طارئ (3) لورثته بعد الموت.

قوله: (إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَّةَ وَعَلِمَ) لما ذكر أن الوصية لا مدخل لها في العمد نبه على أن هذه المسألة ليست من ذلك، وأن الموصى له يدخل فيها، وذلك إذا أنفذ له مقتلًا من مقاتله، وبقي حيًّا يتكلم فيقبل أولاده الدية، وعلم بها، فيوصي فيها؛ لأنه مال علم به قبل خروج روحه، ونقله ابن المواز (4).

قوله: (وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ، فَمَاتَ، فَلأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ والْقَتْلُ، ورَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ) أي: وإن عفا المجني عليه عن جرحه أو صالح الجاني بمال أخذه منه ثم ترامى جرحه فمات؛ فإن أولياءه يخيرون في إمضاء العفو والصلح وفي نقض ذلك، ويرجعون إلى حقهم في النفس في العمد والدية في الخطأ بقسامة، فإذا نقضوا ذلك رجع الجاني فيما أخذ منه وليهم، وقال أشهب: إلا أن يقول: عفوت عن الجرح وعن ما ترامى إليه، فيكون عفوًا عن النفس (5).

قوله: (وَلِلْقَاتِلِ الاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ) أي: إذا ادعى أن ولي الدم عفا عنه وأنكر

(1) في (ن 4): (الخروج).

(2)

في (ن): (تؤخذ).

(3)

في (ن 5): (صار).

(4)

انظر: الذخيرة: 7/ 93، والتوضيح: 8/ 487، حيث عزاه إلى ابن يونس.

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 422.

ص: 260

ذلك فإن له تحليفه على ذلك على المشهور، وقال أشهب: لا يمين عليه لأنه لا (1) يكون في استحقاق الدم إلا خمسون يمينًا (2).

قوله: (فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ) أي: فإن نكل ولي الدم ردت اليمين على القاتل فحلف يمينًا واحدة لا خمسين، وقاله ابن يونس، فإذا حلفها برئ كما قال، يريد: وإن لم يحلف قتل، وهو واضح.

قوله: (وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ) أي: إن القاتل إذا ادعى بينة غائبة على العفو تَلَوَّم له الإمام ونحوه في المدونة (3).

قوله: (وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا) أي: وقُتِل الجاني بالشيء الذي قتل به غيره إن بالسيف فبالسيف، أو بغيره فكذلك لقوله تعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126]، وقوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وهو مقيد بمن لم يقتل بقسامة، فأما من قتل بها فليس إلا السيف، قاله ابن رشد (4)، والمشهور أن من قتل بالنار فإنه يقتل بها خلافًا لعبد الملك (5).

قوله: (إِلا بِخَمْرٍ، ولِوَاطٍ، وسِحْرٍ، وَمَا يَطُولُ) أي: فإنه لا يُقْتَلُ بشيء من ذلك ولو قَتَلَ به. عبد الوهاب: والصحيح من قول علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن يدخل في حد التعذيب؛ أي: بالتطويل فليُعْدَل إلى السيف (6)، ومقابل الأصح هو ظاهر الإطلاقات.

قوله: (وَهَلْ وَالسُّمُّ، أَوْ يَجْتَهِدُ فِي قَدْرهِ تَأْوِيلانِ) قال في المدونة: ومن سقى رجلًا

(1) قوله: (لا) ساقط من (ن).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 92.

(3)

انظر: المدونة: 4/ 660.

(4)

في (ن 3): (ابن شاس)، وانظر: البيان والتحصيل: 15/ 463.

(5)

انظر كلام عبد الملك نقلًا عن الموازية في النوادر والزيادات: 14/ 31، وانظر المشهور في المنتقى: 9/ 105.

(6)

وقفت على هذا الكلام بنصه للقاضي أبي بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن: 1/ 128، وكذلك نسبه إليه في التوضيح: 8/ 117، وأما لفظ القاضي عبد الوهاب في التلقين: 2/ 188 فهو: (أن يكون بمعصية كاللواط أو ما في معناه فيقتصر به على السيف أو أن تكون الآلة معذبة كالعصى التي تحتاج إلى الإكثار من الضرب بها أو السكين الكالَّة فيعدل على ما هو أوحى، ولا يراعى في ذلك الزمان ولا الحال إلا أن يعرض ما يوجب مراعاته

).

ص: 261

سمًّا فقتله فإنه يقتل بقدر ما يرى الإمام (1)، فحملها ابن رشد في البيان على أنه يقتص منه به، ويكون رأي الإمام راجعًا إلى قلة السم وكثرته؛ لأن من الناس من يسرع موته باليسير، ومنهم من لا يسرع موته إلا بالكثير لاختلاف أمزجة الناس، قال: وهو ظاهر لفظ الإمام، وظاهر الواضحة (2)، وتأولها ابن أبي زيد على خلاف هذا، وقال: يعني يجب له القود بغير السم (3)، وإلى تأويل ابن رشد أشار بقوله:(يَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ) أي: الإمام، وإلى تأويل أبي محمد أشار بقوله:(وَهَلْ وَالسُّمُّ) أي: وكذلك كالخمر ونحوه.

قوله: (فَيُغَرَّقَ، ويُخْنَقَ، ويُحَجَّرَ) أي: فيقتص بالتغريق والخنق، وإن قتله بحجر قتل به، واشترط عبد الملك أن يكون الحجر مما يشدخ (4).

قوله: (وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ كَذِي عَصَوَيْنِ) يشير به إلى أنه لا يشترط في الضرب بالعصا ونحوه عدد الضربات بل لو ضربه بالعصا مرتين فمات فإنه يضرب بها إلى أن يموت، وقاله في المدونة (5)، وقال ابن نافع عنه: وذلك إذا كانت الضربة تجهزه (6)، وأما إن ضربه ضربات فلا (7)، وحكى اللخمي القولين هكذا عن مالك وابن القاسم، وزاد في البيان (8): إذا كانت العصا تجهز بضربة واحدة (9) فله أن يقتص بها أو بالسيف (10).

قوله: (وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنَ السَّيْفِ مُطْلَقًا) يريد: أن المستحق إذا طلب أن يقتص بالسيف (11) فإنه يمكن منه؛ لأنه الأحق غالبًا على المقتول، ولو اتفق أن يكون قَتَلَهُ

(1) انظر: المدونة: 4/ 656.

(2)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 62.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 31.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 31.

(5)

انظر: المدونة: 4/ 650.

(6)

في (ن 4): (مجهزة).

(7)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 461.

(8)

في (ن 4): (الثاني).

(9)

قوله: (ضربات فلا

بضربة واحدة) ساقط من (ن 3).

(10)

انظر: التبصرة، للخمي، ص: 6474، 6475.

(11)

قوله: (قوله: وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ

بالسيف) ساقط من (ن 4).

ص: 262

بأخفَّ (1) من السيف وطلب المستحق أن يقتص بالسيف لم يمكن (2) من ذلك، وقاله بعض الأشياخ وهو مخالف (3) لإطلاقه هنا.

قوله: (مُطْلَقًا) أي: سواء قتل بالسيف أو غيره أو سواء كان ذلك الغير مما يطول في مثله أم لا، وسواء أيضًا كان القتل بغير السيف في مدافعة ومضاربة أم لا (4).

قوله: (وَانْدَرَجَ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ، وَإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَتَهُ) يريد: أن ما دون النفس يندرج تحتها إن تعمد قطع الطرف وإن لغيره ولم يقصد (5) به المثلة، فإن قطع يد واحد وفقأ عين آخر، وقتل آخر فإنه يقتل ولا شيء عليه فيما عدا ذلك؛ لأن القتل يأتي عليه، فلو قطع يد واحد خطأ وقتل آخر عمدًا فإن دية اليد لا تسقط بل يجب ذلك على العاقلة، ثم يقتص منه للقتل، ولا خلاف فيه، ولو فعل ذلك قاصد المثلة فإنه يفعل ذلك به ثم يقتل.

قوله: (كَالأَصَابِعِ فِي الْيَدِ) أي: كما تندرج الأطراف في النفس كذلك تندرج الأصابع في اليد، فإذا قطع الأصابع عمدًا ثم قطع الكف عمدًا ولم يقصد المثلة بذلك فإنه يقطع من الكف (6)؛ لأن القطع منه يأتي على الأصابع (7)، وإن قصد المثلة فعل به ذلك، ونحوه كما تقدم.

(المتن)

وَدِيَةُ الْخَطَإِ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَوَلَدَا لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ. وَرُبِّعَتْ فِي عَمَدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ. وَثُلِّثَتْ فِي الأَبِ وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، كَجَرْحِهِ بِثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً بِلَا حَدِّ سِنٍّ، وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ. وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ فَيُزَادُ بِنِسْبَةِ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ. وَالْكِتَابِيُّ وَالْمُعَاهَدُ نِصْفُهُ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرْتَدُّ

(1) قوله: (بأخف) ساقط من (ن 4).

(2)

قوله: (منه؛ لأنه الأخف

لم يمكن) ساقط من (ن 3).

(3)

في (ن): (بخلاف)، وفي (ن 3) و (ن 5):(موافق).

(4)

قوله: (قوله: مُطْلَقًا

ومضاربة أم لا) زيادة من (ن).

(5)

قوله: (ولم يقصد) في (ن): (ويقصد).

(6)

في (ن 4): (الكل).

(7)

قوله: (لأن القطع منه يأتي على الأصابع) زيادة من (ن 3).

ص: 263

ثُلُثُ خُمُسٍ. وَأُنْثَى كُلٍّ نِصْفِهِ؛ وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ.

(الشرح)

قوله: (وَدِيَةُ الْخَطَإ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَوَلَدَا لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ) أي: ودية الذكر الحر المسلم، وإنما حذفه للتنبيه عليه فيما يأتي بذكر مقابله، واحترز بالخطأ من العمد كما سيذكره، واحترز بقوله:(عَلى الْبَادِي) من أهل الذهب والورق، وجعل (1) أصبغ وابن حبيب أهل مكة والمدينة أهل ذهب، وقال أشهب: أهل الحجاز أهل إبل وأهل مكة منهم، وأهل المدينة أهل ذهب (2). (مُخَمَّسَةٌ) صفة لمحذوف؛ أي: مائة من الإبل مخمسة؛ أي: من خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وولدا لبون؛ أي: عشرون ذكرًا وعشرون أنثى، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعَة.

قوله: (وَرُبِّعَتْ في عَمْدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ) أي: فإن كانت الجناية عمدًا ربعت الدية، فتكون من أربعة أنواع: كل واحد منها خمسة وعشرون، وذلك مائة، ويحذف منها ابن اللبون، فتصير خمسًا وعشرين بنت مخاض وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين حقة (3)، وخمسًا وعشرين جذعة (4).

قوله: (وَثُلِّثَتْ فِي الأَبِ) شمل قوله: (الأَبِ) الآباء والأمهات والأجداد والجدات، بخلاف العم، ومراده أن الدية على الأب مغلظة من ثلاثة أنواع كما سيذكره.

قوله: (وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ) يريد: أن ذلك لا يختص بالمسلم بل لو فعل ذلك المجوسي بابنه وترافعوا إلينا غلظت الدية عليه بحسب الدية، هذا هو الأصح، ولعبد الملك: أنها لا تغلظ عليه، ونقله في النوادر عن مالك والمغيرة (5).

واحترز بقوله: (فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ) من الخطأ فإنه لا يوجب تغليظًا عليه، وكذا لا تغلط عليه (6) إذا فعل به ما يوجب عليه القتل كما إذا أضجعه وشَقَّ جوفه أو ذبحه

(1) في (ن 4): (وقال).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 471 و 472.

(3)

قوله: (خمسًا وعشرين حقة) ساقط من (ن 4).

(4)

قوله: (وخمسًا وعشرين جذعة) ساقط من (ن 3).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 479.

(6)

قوله: (عليه وكذا لا تغلط عليه) ساقط من (ن 4).

ص: 264

ونحو ذلك فإنه يقتل به، ولا دية (1) عليه، وإنما التغليظ في مثل فعل المدلجي بابنه؛ رماه بسيف فأصاب ساقه فَنُزِيَ جرحه فمات، وفي الموطأ أنه رفع إلى عمر رضي الله عنه فقال له: اعْدُدْ لي على ماء قُدَيْدٍ عشرين ومائة من الإبل حتى أقدم عليك (2) فقدم عمر رضي الله عنه فأخذ من تلك الإبل ثلاثين حِقَّةً وثلاثين جَذَعَةً، وأربعين خَلِفَةً أي: في بطونها أولادها، ثم قال: أين أخو المقتول (3)، فقال: هَأَنَا، فقال: خذها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس للقاتل شيء"، وفي غير الموطأ: ثم دعا بأم المقتول وأخيه فدفعها (4) إليهما.

قوله: (كَجُرْحِهِ) يريد: أن التغليظ كما يكون في النفس، فكذلك يكون في الجرح، وهو قول مالك في المدونة (5) والمبسوط، وله أيضًا في المختصر عدم التغليظ فيها لانحطاط رتبتها عن رتبة النفس، ولعبد الملك وسحنون: إن كان الجرح مما يقتص فيه من الأجنبي غلظت فيه الدية، وإلا كالجائفة والمأمومة، وعن ابن القاسم: إن بلغ ثلث الدية ففيه التغليظ وإلا فلا (6).

قوله: (بِثَلاثِينَ حِقَّةً، وَثَلاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلفَةَ) كما تقدم هذا من فعل عمر رضي الله عنه في الموطأ، والباء في (بثلاثين) متعلقة بـ (ثُلِّثَتْ).

قوله: (بِلَا حَدِّ سِنٍّ) أي: راجع للخلقة (7)، هذا كقول ابن الجلاب: غير محدودة أسنانها (8)، وهو المشهور، ولأشهب في الموازية: ما بين ثنية إلى بازل عامها (9).

قوله: (وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ والْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ) أي: وكذا من ألحق بهم، وقال ابن حبيب (10): أهل الأندلس أهل ورق (11).

(1) في (ن 4): (تغلظ).

(2)

قوله: (عليك) زيادة من (ن).

(3)

في (ن 4): (الميت).

(4)

في (ن 4): (فوضعها).

(5)

انظر: المدونة: 4/ 498.

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 475 و 477.

(7)

قوله: (أي: راجع للخلقة) زيادة من (ن)، ولعل كلمة (للخلقة) مصحفة وصوابها:(للخلفة).

(8)

انظر: التفريع: 2/ 195.

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 473.

(10)

في (ن 3): (أبو حنيفة).

(11)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 471.

ص: 265

قوله: (وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) ابن شاس: وألحق بهم أهل فارس وخراسان (1)، وقد تقدم لأصبغ أن أهل مكة والمدينة أهل ذهب، وقال أشهب: أهل الحجاز أهل إبل، وأهل مكة منهم، وأهل المدينة أهل الذهب (2).

قوله: (إِلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ) أي: فإنها تغلظ أيضًا باعتبار الذهب والورق (3)، وهو المشهور، وقاله مالك في المدونة (4)، وكتاب محمد، ثم رجع فيه إلى عدم التغليظ (5)، واختلف في المربعة هل تغلظ في الذهب والورق وهو قول أشهب، أو لا وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقال به ابن وهب (6).

قوله: (فَيُزَادُ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ) هو بيان لصفة التغليظ، وهو أن ينظر إلى قيمة أسنان المخمسة وأسنان المثلثة في البلد إن كان بلد إبل وإلا فما قرب منه من بلدان الإبل كما قال أصبغ. ابن رشد: فينظر كم بينهما فيسمى ذلك من قيمة دية الخطأ فإن كان الثلث أو الربع زيد على الألف ربعها أو ثلثها (7) فما زاد من خمس أو ربع أو أقل أو أكثر أخذ نسبته فزيد على ألف (8) ذهب أو الاثني عشر ألف درهم، وهذا هو المشهور، وقيل: بل يزاد على ذلك ما بين القيمتين من العددين من غير نسبة، وقيل: تقوم المثلثة فتكون هي الدية ما لم تنقص عن ألف (9) ذهب أو الاثني عشر ألف درهم فلا يحط من ذلك شيء (10).

(1) انظر: عقد الجواهر: 3/ 1110.

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 471.

(3)

قوله: (والورق) ساقط من (ن 4).

(4)

انظر: المدونة: 4/ 558 و 559.

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 476 و 477.

(6)

قوله: (ابن وهب) كذا في كل الأصول، وأما ما وقفت عليه في البيان والتحصيل ونصه:(وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك وقول ابن نافع) فيتضح منه أنه قول ابن نافع وليس قول ابن وهب، انظر: البيان والتحصيل: 15/ 436، وكذا انظر نفس القول منقولًا عن البيان ومعزوًّا لابن نافع أيضًا في التوضيح: 8/ 134.

(7)

قوله: (ابن رشد: فينظر كم

ربعها أو ثلثها) زيادة من (ن).

(8)

في (ن): (أهل).

(9)

في (ن): (أهل).

(10)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 436.

ص: 266

ابن يونس: وتقوم المغلظة حالَّة، والمخمسة على تأجيلها حسبما جعلت (1)، وقال بعض القرويين: تقوم أيضًا حالَّة والأول أظهر.

قوله: (وَالْكِتَابِيُّ والْمُعَاهِدُ نِصْفُهُ) أي: نصف دية الذكر المسلم المفهوم من السياق، والمعنى أن دية اليهودي والنصراني والمعاهد على النصف من دية الحر المسلم، ولعل عطف المعاهد على الكتابي من باب عطف الخاص على العام، ولو قال والذمي والمعاهد لكان أحسن.

قوله: (وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرتَدُّ ثُلُثُ خُمُسٍ) أي: ثلث الخمس (2) من الورق ثمانمائة درهم، ولا إشكال أن دية المجوسي كذلك ورواه في الموطأ، قال: وهو الأمر المجتمع عليه عندنا (3).

واختلف في دية المرتد، فقيل: كدية المجوسي، وهو قول ابن القاسم وأشهب وإليه أشار بما ذكر (4) هنا، ولأشهب أيضًا: ديته دية أهل الدِّين الذي ارتد إليه، وقال سحنون: لا دية فيه (5).

قوله: (وَأُنْثَى كُلٍّ نِصْفُهُ) يريد: أن دية نساء كل من تقدم على النصف من دية ذكورهن وقد نقل بعضهم الإجماع عليه.

قوله: (وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ) ولا خلاف فيه عندنا؛ لأنه مال أتلف كسائر السلع.

(المتن)

وَفِي الْجَنِينِ -وَإِنْ عَلَقَةً- عُشْرُ أُمِّهِ وَلَوْ أَمَةً نَقْدًا، أَوْ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِيهِ، وَالأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا وَالنَّصْرَانِيَّةُ مِنَ عَبْدٍ مُسْلِم كَالْحُرَّةِ إِنْ زَايَلَهَا كُلُّهُ حَيَّةً؛ إِلَّا أَنْ يَحْيَا فَالدِّيَةُ إِنْ أَقْسَمُوا وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا، وَإِنَّ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ، أَوْ

(1) في (ن 5): (فعلت).

(2)

قوله: (ثلث الخمس) ساقط من (ن 4).

(3)

انظر: الموطأ: 2/ 864.

(4)

قوله: (بما ذكر) في (ن 4): (بقوله).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 463 و 554، وانظر قول سحنون (لا دية فيه) حيث يرويه عن أشهب في عقد الجواهر: 3/ 1112.

ص: 267

رَأْسٍ: فَفِي الْقِصَاصِ خِلَافٌ؛ وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ وَوُرِّثَ عَلَى الْفَرَائِضِ. وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ، إِذَا بَرِئَ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا وفَرْضًا مِنَ الدِّيَةِ، كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ. إِلَّا الْجَائِفَةَ وَالْمَأمُومَةَ فَثُلُثٌ، وَالْمُوضِحَةَ فَنِصْفُ عُشْرٍ، وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْهَاشِمَةَ فَعُشْرٌ وَنِصْفُ، وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ؛ إِنْ كُنَّ بِرَأْسٍ أَوْ لَحْيٍ أَعْلَى، وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ؛ وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيرَ، وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِجَائِفَةٍ نَفَذَتْ كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالآمَّةِ إِنْ لَمْ تَتَّصِلْ، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ بِفَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ، وَالدِّيَةُ فِي الْعَقْلِ، أَوِ السَّمْعٍ، أَوِ الْبَصَرِ، أَوِ الشَّمِّ أَوِ النُّطْقِ، أَوِ الصَّوْتِ، أَوِ الذَّوْقِ، أَوْ قُوَّةِ الْجِمَاعِ، أَوْ نَسْلِهِ، أوْ تَجْذِيمِهِ، أَوْ تَبْرِيصِهِ، أَوْ تَسْوِيدِهِ، أَوْ قِيَامِهِ وَجُلُوسِهِ، أَوِ الأُذُنَيْنِ، أَوِ الشَّوَى، أَوِ الْعَيْنَيْنِ، أَوْ عَيْنِ الأَعْوَرِ لِلسُّنَّةِ؛ بِخِلَافِ كُلِّ زَوْجٍ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ، وَفِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَمَارِنِ الأَنْفِ، وَالْحَشَفَةِ، وَفِي بَعْضِهِمَا بِحِسَابِهمَا مِنْهُمَا؛ لَا مِنْ أَصْلِهِ وَفِي الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا. وَفِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ قَوْلَانِ.

(الشرح)

قوله: (وَفِي الْجَنِينِ -وإِنْ عَلَقَةً- عُشْرُ أُمِّهِ) أي: وسواء كان ذكرًا أم أنثى، كان عن ضرب أو تخويف أو نحوهما، ولا فرق عند ابن القاسم بين العلقة والكامل (1)، وأشار بقوله:(ولَوْ أَمَةً) إلى أن الأم لا فرق بين كونها حرة أو أمة ولا بين كونها مسلمة أو كتابية.

قوله: (نَقْدًا) أي: إنما تؤخذ ناجزًا لا مؤجلًا.

قوله: (أَوْ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِيهِ) أي: تساوي العشر وهو خمسون دينارًا أو ستمائة درهم في جنين الحرة. بعض الأشياخ: وتكون -أي: الغرة- من رقيق الخدمة لا من عَلِيِّهِ (2)، ونحوه للباجي فإنه فسرها بالإنسان (3)، وفسرها غيره (4) بالنَّسَمَة، وقال ابن عبد البر: هي من غرة الفرس (5). وعليه فلا بد أن تكون من البيض (6)، وقيل: هي

(1) زاد في (ن 3): (وأشار بقوله: "وإِنْ عَلَقَةً").

(2)

قوله: (لا من عَلِيِّهِ) ساقط من (ن 3)، وفي (ن 5):(لا من غلته)، وانظر: التوضيح: 8/ 178.

(3)

انظر: المنتقى: 9/ 30.

(4)

قوله: (وفسرها غيره) في (ن): (وفسره).

(5)

انظر: الاستذكار: 8/ 74.

(6)

ليس هذا هو المفهوم من كلام ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار ونص كلامه: (واختلفت =

ص: 268

بمعنى الغرة، وهي الخيار والأحسن (1). قال في المدونة: وإن فقد (2) الحمر من تلك البلدة، فلتؤخذ من السودان (3)، وفي المجموعة: من وسط السودان (4). انظر الكبير.

قوله: (وَالْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا وَالنَّصْرَانِيَّةُ مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ كَالْحُرَّةِ) لا إشكال أن جنين الأمة من سيدها حرٌّ إن كان مسلمًا (5)؛ لأن الأمة (6) تصير به أم ولد فهي كالحرة فيكون في جنينها ما في جنين الحرة، وأما جنين النصرانية -يريد: أو اليهودية- فهو كجنين الحرة عند ابن القاسم إن كان الأب مسلمًا، وقال أشهب: فيه عشر (7) دية أمِّه (8).

قوله: (وَإِنْ زَايَلَهَا كُلُّهُ حَيَّةً) أي: إن انفصل عن أمه في حال حياتها، واحترز بقوله:(كُلُّهُ) مما إذا خرج بعضه في حياتها وباقيه بعد وفاتها فإنه لا شيء فيه، ابن رشد: وهو الظاهر من قول مالك، وقيل: فيه الغرة (9)، واحترز بقوله:(حَيَّةً) مما إذا خرج منها بعد موتها فإنه على المشهور لا شيء فيه؛ إذ هو كعضو من أعضائها، وفي الموازية لأشهب وجوب الغرة فيه (10).

قوله: (إِلَّا أَنْ يَحْيَا فَالدَّيَةُ إِنْ أَقْسَمُوا) أي: فإن انفصل عن أمه حيًّا ثم مات -يريد:

= الروايات في الزيادة على قوله عليه السلام في الغرة عبد أو أمة: روى ابن عيينة قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بغرة عبد أو أمة أو فرس

، وهو قول مجاهد وطاوس وعطاء قالوا: في الغرة عبد أو أمة أو فرس، وقال بعضهم أو بغل) حيث يفهم من هذا الكلام أن الغرة قد تكون عبدًا أو أمة أو فرسًا، أما ما ذهب إليه من أن مفهومه هو أن الغرة تكون من بيض العبيد فليس بواضح من كلام ابن عبد البر.

(1)

زاد هنا في (ن 3) و (ن 4): (ما).

(2)

في (ن 3): (قلَّ).

(3)

انظر: المدونة: 4/ 634.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 464.

(5)

في (ن 3): (مليًا).

(6)

قوله: (مِنْ سَيِّدِهَا وَالنَّصْرَانِيَّةُ

لأن الأمة) ساقط من (ن 4).

(7)

قوله: (عشر) ساقط من (ن 4).

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 469.

(9)

انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 383.

(10)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 468.

ص: 269

سواء كان في حياتها أم لا، والجناية خطأ -فالدية لأولياء الجنين إن أقسموا ولا إشكال في ذلك مع تراخي الموت، وأما إن مات ناجزًا قال أشهب (1): فلا قسامة وقال ابن القاسم أيضًا: فيه القسامة (2)، وإليه أشار بقوله:(وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا).

قوله: (وَإنْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ أَوْ رَأْسٍ فَفِي الْقِصَاصِ خِلافٌ) يحتمل أن يكون الضمير راجعًا إلى الفعل؛ أي: تعمد الفعل، ويحتمل القتل، والمعنى: أن الجاني إذا تعمد قتل الجنين بأن ضرب ظهر أمه أو رأسها أو بطنها فإنه يجب عليه القصاص على قول، والدية من غير قصاص على قول، والأول مذهب ابن القاسم في المدونة (3) والمجموعة لكن بقسامة. والثاني لأشهب (4)، وهو مروي عن مالك وشهره الباجي (5)، وابن الحاجب (6) وغيرهما، ولهذا لم يقتصر هنا على الأول، وألحق ابن مناس (7) ضرب الرأس بالبطن والظهر، بخلاف ضرب الرِّجْل وشبهها (8)، وحكى ابن أبي زيد أن ضرب الرِّجْل كالضرب في الرأس (9) في نفي القصاص ووجوب الدية في مال الجاني (10).

قوله: (وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ) يريد: أن الواجب وهو العشر أو الغرة إن لم يستهل والدية إن استهل، تتعدد بتعدد الجنين وهو ظاهر.

قوله: (وَوُرِّثَ عَلَى الْفَرَائِضِ) يريد: أن الواجب الحاصل عن الجنين يورث على فرائض الله تعالى، ورجع إليه مالك بعد أن كان أولًا يقول: هو للأبوين على الثلث والثلثين، فإن لم يكن إلا أحدهما فهو له خاصة، وقال أشهب: إن الأم تختص بما وجب

(1) قوله: (قال أشهب) ساقط من (ن 4).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 465 و 466.

(3)

انظر: المدونة: 4/ 632.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 466.

(5)

انظر: المنتقى: 9/ 33.

(6)

انظر: الجامع بين الأمهات، ص:755.

(7)

قوله: (ابن مناس) في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (ابن شاس).

(8)

انظر: النكت والفروق: 2/ 313.

(9)

قوله: (الرجل كالضرب في الرأس) في (ن): (الرأس كالرجل).

(10)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 466.

ص: 270

في جنينها؛ لأنه كعضو منها (1)، وهو أحد قولي ابن القاسم.

قوله: (وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ -إِذَا بَرِئَ- مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا فَرْضًا مِنَ الدِّيَةِ) يريد: أن الجراح ليس فيها غير الحكومة إلا ما يستثنيه من الجائفة وأخواتها. و (من) في قوله: (مِنْ قِيمَتِهِ) متعلق بالنقصان أي: بنسبة نقصان الجناية من الدية (2)، و (عَبْدًا) حال؛ أي: يقوم المجني عليه في حال تقديره عبدًا، ولهذا قال (فَرْضًا)، أي: يفرض كذلك. والحاصل أن المراد بالحكومة أن يقوم المجني عليه عبدًا بالفرض سالمًا بمائة مثلًا، ثم يقوم ثانيًا معيبًا بتسعين فقد علمت أن التفاوت بين القيمتين هو العشر فيجب على الجاني نسبة ذلك من الدية، وهو مائة دينار أو ألف ومائتا درهم، وهذا هو المعروف، وقيل: الحكومة هي اجتهاد الإمام ومن حضره، ولا يكون التقويم إلا بعد بُرْء الجرح لا قبله خشية أن يترامى إلى النفس أو إلى ما تحمله العاقلة.

قوله: (كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ) أي: فإنها تقوم مرتين سالمة وناقصة، ثم يأخذ ربها نسبة ما بين القيمتين وقد سبق في باب العيوب.

قوله: (إِلَّا الْجَائِفَةَ وَالْمَأْمُومَةَ فَثُلُثٌ، وَالْمُوضِحَةَ فَنِصْفُ عُشْرٍ وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْهَاشِمَةَ فَعُشْرٌ وَنِصْفٌ) لما ذكر أن الواجب في الجراح إنما هو الحكومة أخرج من ذلك هذه لما في كتابه عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم: "في المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها، وفي الموضحة خمس"، وفي رواية غير مالك:"وفي المنقلة خمس عشرة فريضة". ابن رشد: واتفق العلماء على ذلك (3). وما ذكره (4) في الهاشمة هو الجاري على قول ابن القاسم إذ ما من هاشمة عنده (5) إلا وتصير منقلة، وقال ابن القصار: بل فيها ما في الموضحة وحكومة (6)، وقال في الجواهر عن الباجي: فيها ما في الموضحة (7)، وقيل: فيها عشر.

(1) انظر: البيان والتحصيل: 16/ 32.

(2)

في (ن): (القيمة).

(3)

انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 399.

(4)

في (ن): (ذكر).

(5)

قوله: (عنده) زيادة من (ن).

(6)

قوله: (وحكومة) ساقط من (ن 5).

(7)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1113.

ص: 271

قوله: (وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ) يريد: لأن الشارع جعل فيهن شيئًا مقدرًا وأطلق من غير تقييد بشين ولا غيره مع أن الجراح قد تشين وهو واضح بالنسبة إلى ما دون الموضحة، وأما الموضحة فاختلف في شينها على قولين الأول أنه يزاد فيها لأجل الشين قليلًا كان أو كثيرًا، وقال أشهب: لا يزاد فيه مطلقًا. وعن مالك: أنه يزاد فيها إلا أن يكون شيئًا يسيرًا (1).

قوله: (إِنْ كُنَّ بِرَأْسٍ أَوْ لَحْيٍ أَعْلَى وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ (2)) يريد: إلا الجائفة فإنها مختصة بالظهر والبطن، وأما المأمومة وما بعدها من الموضحة والمنقلة والهاشمة فإن الفرض المذكور في كل منها مشروط بأن يكون ذلك الجرح في الرأس واللحي الأعلى، وأما ما كان في البدن فليس فيه إلا الاجتهاد، وإليه أشار بقوله:(وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيرَ) وهو واضح.

قوله: (وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بجَائِفَةٍ نَفَذَتْ) يريد: أن من ضرب شخصًا ضربة فخرقت ظهره ونفذت من الجهة الأخرى فإن الواجب فيها دية جائفتين، وهذا هو الأصح واختاره ابن القاسم، وبه أخذ أشهب، ومحمد، وابن عبد الحكم (3)، وقيل: ليس فيها إلا دية جائفة واحدة، واختاره اللخمي (4)، والقولان في المدونة (5).

قوله: (كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ والْمُنقِّلَةِ وَالْآمَّةِ إِنْ لَمْ تَتَّصِلْ) أي: وكذلك يتعدد الواجب بتعدد الموضحة والمنقلة والمأمومة (6) بشرط أن يكون ما بين المواضح لم يبلغ العظم، وما بين المأمومات لم يبلغ أم (7) الدماغ، وما بين المنقلات لم ينقل العظم، وإليه أشار بقوله:(لَمْ يَتَّصِلْ)، ثم قال (وَإِلَّا فَلَا) أي: وإن اتصلت المواضح والمنقلات والمأمومات حتى صارت متسعة من قرنه إلى قرنه فلا يتعدد فيها الواجب ولو بضربة

(1) انظر: النوادر والزيادات: 13/ 417.

(2)

قوله: (وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ) زيادة من (ن).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 419.

(4)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6369.

(5)

انظر: المدونة: 4/ 566.

(6)

قوله: (أي وكذلك يتعدد الواجب بتعدد الموضحة والمنقلة والمأمومة) ساقط من (ن 4).

(7)

في (ن 4): (إلى).

ص: 272

واحدة أو ضربات في فور واحد، وإليه أشار بقوله:(وَإِنْ بِفَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ).

قوله: (والدِّيَةُ فِي الْعَقْلِ) هكذا جاء في الحديث "أن العقل فيه الدية كاملة، وقاله عمر وغيره"، وبه قال مالك وأصحابه (1). اللخمي: فإن جُنَّ من الشهر يومًا وليلة كان له جزء من ثلاثين جزءًا من الدية، وإن جُنَّ النهار دون الليل أو بالعكس كان جزءًا من ستين جزءًا (2).

قوله: (أَوِ السَّمْعِ) إنما عطفه بأو خشية أن يتوهم المشاركة مع الواو كذلك ما بعده من المعطوفات، ومراده أن السمع أيضًا تجب فيه الدية كاملة وهو متفق عليه.

قوله: (أَوِ الْبَصَرِ أَوِ الشَّمِّ (3)، أَوِ النُّطْقِ أَوِ الصَّوْتِ، أَوِ الذَّوْقِ، أَوْ قُوَّةِ الْجِمَاعِ أَوْ نَسْلِهِ، أَوْ تَجْذِيمِهِ أَوْ تَبْرِيصِهِ، أَوْ تَسْوِيدِهِ) أي: وكذلك تجب الكاملة في كل واحد من هذه الأمور على انفراده، وذكر النطق مع الصوت وجعل في كل واحد منهما دية؛ لأن الصوت أعم أما لو ذهبا معًا بضربة واحدة فدية واحدة. واضطرب المذهب في الذوق فقال ابن عبد السلام: المشهور أن فيه الدية على ما يظهر من كلام غير واحد من الشيوخ ولم يذكر فيه أكثرهم خلافًا، ونحا أبو الفرج إلى أن فيه حكومة، قال: وربما استقرئ هذا القول من المدونة وغيرها حيث لم يجعل في لسان الأخرس غير حكومة مع أن الذوق حاصل في لسانه (4)، وقال اللخمي: تجب فيه الدية بالقياس على الشم، ولا خلاف في وجوبها في إذهاب قوة الجماع. اللخمي (5): وتجب إذا ذهب النسل بشيء سقاه أو أطعمه وإن لم يفسد الإنعاظ وكان يمني، ولو فعل به ما أجذمه أو أبرصه أو سود جسمه (6) وجب له عليه الدية (7).

قوله: (أَوْ قِيَامِهِ وجُلُوسِهِ) يريد: أن الدية تجب في زوال منفعة القيام والجلوس،

(1) انظر: المدونة: 4/ 563، والنوادر والزيادات: 13/ 397.

(2)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6372.

(3)

قوله: (أَوِ الشَّمِّ) ساقط من (ن 4) و (ن 5).

(4)

انظر: التوضيح: 8/ 158.

(5)

في (ن 4): (الشيخ).

(6)

قوله: (سود جسمه) في (ن 4): (أسوده).

(7)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6370.

ص: 273

وظاهره أنها لا تجب في أحدهما على انفراده، وقال ابن القاسم: في القيام وحده الدية (1)، ولعبد الملك: إذا انكسر الصلب ولم يقدر على الجلوس ففيه الدية (2).

قوله: (أَوِ الأُذُنَيْنِ) هكذا قال غيره. ابن الحاجب: وهو الأصح (3)، وقيل: لا تجب فيهما إلا مع السمع وهو مذهب المدونة وظاهر الموطأ (4) والقولان لمالك (5).

قوله: (أَوِ الشَّوَى) هو جلدة الرأس. عبد الملك: وفيه الدية كاملة (6)، ونص عليه اللخمي وغيره (7).

قوله: (أَوِ الْعَيْنَيْنِ) لا إشكال في ذلك.

قوله: (أَوْ عَيْنِ الأَعْوَرِ لِلسُّنَّةِ) هكذا قال مالك وغيره: إن فيه الدية للسنة، وقضى بها عمر وعثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم (8).

قوله: (بِخِلافِ كُلِّ زَوْجٍ، فَإِنَّ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ) أي. بخلاف الاثنين (9) من كل مزدوجين في الإنسان، فإن الدية لا تكمل إلا بمجموعهما، فأما أحدهما فلا يجب فيه إلا نصف الدية، وإنما قال (نِصْفَهُ) نظرًا إلى العقل أو الواجب في الزوج.

قوله: (وَفِي الْيَدَيْنِ وَفِي الرِّجْلَيْنِ) أي: في كل واحد منهما الدية، وسواء كان القطع من الأصابع أو من العضد في اليدين أو من الورك في الرجلين.

قوله: (وَمَارِنِ الأَنْفِ) المارن: هو ما لان من الأنف، ويسمى أيضًا الأرنبة، والمشهور أن فيه الدية الكاملة وبه، قال الفقهاء السبعة، وفي المجموعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيها بالدية الكاملة (10)، ولابن نافع عن مالك (11): أن الدية إنما تكون فيما إذا قطع

(1) انظر: المدونة: 4/ 563.

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 421.

(3)

انظر: الجامع بين الأمهات، ص:745.

(4)

انظر: المدونة: 4/ 563، وانظر: الموطأ: 2/ 856.

(5)

انظر: التوضيح: 8/ 141.

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 400.

(7)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6370.

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 450.

(9)

في (ن 4): (العينين)، وفي (ن 5):(العين).

(10)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 402.

(11)

قوله: (عن مالك) ساقط من (ن).

ص: 274

من أصله (1).

قوله: (وَالْحَشَفَةِ) أي: وكذلك تجب الدية كاملة في حشفة الذكر، وهو رأسه دون قصبته.

قوله: (وَفِي بَعْضِهِمَا بِحِسَابِهِمَا مِنْهُمَا لَا مِنْ أَصْلِهِ) يريد: أن المارن والحشفة إذا قطع من كل واحد منهما بعضه، فإن فيه بحسابه منهما؛ أي: من المارن والحشفة، لا من أصل كل منهما فيقاس من المارن لا من أصل الأنف، ومن الحشفة لا من أصل الذكر، وقاله في المدونة (2)، وفي المجموعة (3) والموازية (4)

قوله: (وَفِي الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا) أي: سواء قُطِعَتَا أو سُلَّتَا أو رُضَّتَا بحجر أو نحوه، وقاله ابن شعبان (5)، وفي كتاب عمرو ابن حزم:"وفي البيضتين الدية"، وهو صالح لكل الصور مما تقدم.

قوله: (وَفي ذَكَرِ الْعِنِّينِ قَوْلَانِ) في الواضحة عن مالك: أن فيه الدية كاملة (6)، وبه قال الباجي (7)، وفي مختصر الوقار: إنما فيه الحكومة (8).

(المتن)

وَفِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ؛ إِنْ بَدَا الْعَظْمُ، وَفِي ثَدْيَيْهَا أَوْ حَلَمَتَيْهِمَا إِنْ بَطَلَ اللَّبَنُ، وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرَةِ، وَسِنِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ لِلإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وَإِلَّا انْتُظِرَ سَنَةٌ. وَسَقَطَ إِنْ عَادَتْ، وَوُرِثَا إِنْ مَاتَ، وَفِي عَوْدِ السِّنّ أَصْغَرَ بِحِسَابِهَا. وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ، وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، وَنُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخَرِ؛ وَإِلَّا فَسَمْعٌ وَسَطٌ، وَلَهُ نِسْبَتُهُ، إِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَهَدَرٌ. وَالْبَصَرُ بِإِغْلَاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ، وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ،

(1) انظر: النوادر والزيادات: 13/ 400.

(2)

انظر: المدونة: 4/ 562.

(3)

قوله: (وفي المجموعة) ساقط من (ن 3).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 402.

(5)

انظر: المنتقى: 9/ 38.

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 414.

(7)

انظر: المنتقى: 9/ 38.

(8)

انظر: التوضيح: 8/ 153.

ص: 275

وَالنُّطْقُ بِالْكَلَامِ اجْتِهَادًا، وَالذَّوْقُ بِالْمَقِرِّ. وَصُدِّقَ مُدَّعِي ذَهَابَ الْجَمِيعِ بِيَمِينٍ، وَالضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ وَرِجْلٍ وَنَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرِهِ.

(الشرح)

قوله: (وَفِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ إِنْ بَدَا الْعَظْمُ) هكذا نص عليه مطرف وابن الماجشون، ابن حبيب: وهو أعظم مصيبة عليها من ذهاب ثدييها وعينها (1)، والشُّفران بضم الشين وسكون الفاء، قاله الجوهري، وشُفر الرحم وشافرها حروفها (2).

قوله: (وَفي ثَدْيَيْهَا، أَوْ حَلَمَتَيْهَا إِنْ بَطَلَ اللَّبَنُ) أما (3) إذا قطعتا من أصلهما فلا كلام في وجوب الدية، وأما إذا قطع حلمتيهما -بفتح الحاء واللام وهي رأسهما (4) - فلا تجب إلا إذا بطل اللبن منهما، وقال عبد الملك: تجب مطلقًا (5)، وفي المدونة: إذا فسد منهما مخرج اللبن ففيه الدية (6)، وعن مالك أن الدية تجب بإبطال اللبن، وإن لم ينقطع منهما شيء (7).

قوله: (وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرَةِ) يريد: أن الحكم المتقدم إنما هو بالنسبة إلى الكبيرة التي يتبين عدم عود منفعتهما من اللبن، فأما الصغيرة فالحكم وقف العقل وميراثه، كما في سن الصغير (8) وإليه أشار بقوله:(وسِنِّ الصَّغِيرِ لَمْ يُثْغِرْ لِلإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وَإِلَّا انْتُظِرَ سَنَةٌ) أي: وهكذا يفعل في الصغير الذي لم يثغر إذا قلعت سنُّه فلا تؤخذ الدية في الخطأ ولا يقتص في العمد حتى يُيأس من ذلك، أعني من نباتها (9).

(1) انظر: النوادر والزيادات: 13/ 414.

(2)

انظر: الصحاح: 2/ 701.

(3)

في (ن): (أي).

(4)

قوله: (بفتح الحاء واللام وهي رأسهما) ساقط من (ن) و (ن 3) و (ن 4).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 415.

(6)

انظر: المدونة: 4/ 566.

(7)

انظر: التوضيح: 8/ 152.

(8)

في (ن 4): (الصغيرة).

(9)

قوله: (أي: وهكذا يفعل في الصغير .... أعني من نباتها) في (ن): (ابن عبد السلام يعني أن سن الصبي إذا قلعت خطأ أو عمدًا لم يعجل بدفع العقل ولا بالقود، بل ينتظر به نباتها، ويوقف العقل فإذا يئس من نباتها وكبر الصبي أخذ العقل في الخطأ أو اقتص له في العمد، ومعنى قوله "وألا تنظر بها سنة" أن السن إذا جاوزت الحد الذي لا ينبت فيه ولم تنقضِ سنةٌ وانتظرت بقية السنة وجبت=

ص: 276

قوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَادَتْ) أي: وسقط القصاص أو الدية إن عادت سن الصغير لهيئتها، ويرد ما كان موقوفًا من العقل إلى الجاني.

قوله: (وَوُرِثَا إِنْ مَاتَ) فإن مات الصبي قبل نبات سنه فإن ورثته يستحقون ما كان له من عقل أو قَوَد.

قوله: (وَفِي عَوْدِ السِّنِّ أَصْغَرَ بِحِسَابِهَا) أي: فإن عادت أصغر من الأولى فإن الجاني يغرم بحساب ما نقص منها، يريد: في الخطأ والعمد، وقيده اللخمي وغيره في العمد بما إذا عاد ما فيه نفع، وإلا فإنه يقتص له.

قوله: (وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ) أي: لأنه في الغالب لا يعرف إلا بذلك؛ إذ هي أجمع ما يكون فيه العقل بخلاف غيرها.

قوله: (وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، ونُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخَرِ) يعني: ويجرب السممع بأن يصاح من الجهات المختلفات بعد أن تسد الصحيحة، فإذا لم يختلف كلامه سدت الناقصة، ويصاح به ثم ينظر بين الصحيحة والمصابة، وينسب ذلك إلى الدية ويأخذ ما ينوبه منها، وهذا إذا كانت إحدى أذنيه صحيحة، فإن أصيب فيهما معًا أوكان لا يسمع بأحدهما وأصيب في الباقية فقد أشار بقوله:(وَإِلَّا فَسَمْعٌ وَسَطٌ).

قوله: (وَلَهُ نِسْبَتُهُ) أي: نسبة سمعه الناقص إلى سمع وسط، ويأخذ نسبة ما نقص عنه من الدية، ثم أشار إلى (1) أن ذلك مشروط بأمرين:

الأول: أن يحلف المجني عليه على ذلك، وقد نص عليه مالك وابن القاسم وأشهب في غير المدونة، وفيه خلاف.

الثاني: ألا يختلف قوله في ذلك، أو يختلف اختلافًا متقاربًا، وإلى هذا أشار بقوله:(إِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَخْتِلَفْ قَوْلُهُ) ثم قال: (وَإِلَّا فَهَدَرٌ) أي: فإن اختلف اختلافًا متفاحشًا فلا شيء له؛ لأن ذلك يدل على كذبه. وقال عيسى ابن دينار: له الأقل مع يمينه،

= الدية في الخطأ والقصاص في العمد. انتهى. أي: وهكذا لا يعجل في سنِّ الصغير الذي لم يثغر إذا قلعت فيأخذ الدية في الخطأ والقصاص في العمد، بل يستأنى بذلك إلى أن ييأس من نباتها كالقود وإلا انتظر سنة).

(1)

قوله: (أشار إلى) ساقط من (ن).

ص: 277

والأول قول مالك وأصحابه (1).

قوله: (والْبَصَرُ بِإِغْلاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ) أي: يفعل فيه ما يفعل في السمع بأن يغلق الصحيحة ويعرف ما ينظر بالمصابة بعد أن تبدل عليه الأماكن، ثم تسد المصابة وينظر ما يبصر بالصحيحة، ثم تقاس إحداهما بالأخرى، فإذا عرف مقدار النقص كان له بحسابه، ابن شاس: وإن ادعى أن جميع بصره ذهب صدق مع يمينه، والظالم أحق أن يحمل عليه (2)، وقاله في المدونة (3).

قوله: (وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ) أي: المنفرة للطبع؛ لأنه في الغالب لا يصبر عليها، لا سيما إذا استُدِيم عليه ذلك مقدار ما يختبر فيه، فإذا علمت منه النفرة أو القرينة الدالة على كذبه، أو ظهر من حاله ما يدل على صدقه، حمل على ذلك.

قوله: (والنُّطْقُ بالْكَلامِ اجْتِهَادًا) أي: ويجرب النطق بكلام المجني عليه باجتهاد أهل المعرفة في ذلك ونحوه في المدونة (4)، فإن قالوا ذهب منه نصفه أو ثلثه أو ربعه أعطي بمقدار ذلك، قال (5) في العتبية: وإن قالوا: لا ندري أذهب الربع أم الثلث، أعطي الثلث، والظالم أحق أن يحمل عليه (6)، ولأصبغ: أن الدية تُجَزَّأ على ثمانية وعشرين جزءًا عدد الحروف، ثم يقال له: انطق بالحروف فما عجز عنه أعطي بحسابه (7)، ورد بأن الهاء والحاء والميم لا حظَّ للسان فيهن.

قوله: (وَالذَّوْقُ بِالْمَقِرِّ) المقر بفتح الميم وكسر القاف، وهو الشديد المرورة، والمقر أيضًا الصبر، ومراده أن الذوق يعرف بالأشياء الحادة (8) الشديدة المرورة.

قوله: (وصُدِّقَ مُدَّعِي ذَهَابِ الْجَمِيعِ بِيَمِينٍ) أي: في جميع الصور (9) ولم يذكره في

(1) انظر: عقد الجواهر: 3/ 1118.

(2)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1119.

(3)

انظر: المدونة: 4/ 639.

(4)

انظر: المدونة: 4/ 561.

(5)

في (ن): (قاله).

(6)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 150.

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 404.

(8)

في (ن 3): (المارة).

(9)

في (ن 3) و (ن 4): (العيوب).

ص: 278

الجواهر إلا في البصر خاصة (1)، ولا فرق.

قوله: (وَالضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ وَرِجْلٍ وَنَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرِهِ)(نحوهما) أي اليد والأذن، و (خلقة) أي: خلقة ضعيفة أو حصل فيها أمر سماوي أضعفها فحكمها كالصحيحة في وجوب الدية.

(المتن)

وَكَذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا، وَفِي لِسَانِ النَّاطِقِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ النُّطْقَ مَا قَطَعَهُ فَحُكُومَةٌ، كَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، أَوْ السَّاعِدِ، وَأَلْيَتَيِ الْمَرْأَةِ، وَسِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًّا، وَعَسِيبِ ذَكَرٍ بَعْدَ الْحَشَفَةِ، وَحَاجِبٍ، أَوْ هُدْبٍ وَظُفْرٍ، وَفِيهِ الْقِصَاصُ. وَإِفْضَاءٍ، وَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ، بِخِلَافِ الْبَكَارَةِ إِلَّا بِأُصْبُعِهِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرٌ، وَالأَنْمُلَةِ ثُلُثُهُ، إِلَّا فِي الإِبْهَامِ؛ فَنِصْفُهُ، وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَوِيَّةِ عُشْرٌ إِنِ انْفَرَدَتْ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ؛ وَإِنْ سَوْدَاءَ بِقَلْعٍ أَوِ اسْوِدَادٍ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ أَوْ بِصُفْرَةٍ؛ إِنْ كَانَا عُرْفًا كَالسَّوَادِ، أَوْ بِاضْطِرَابِهَا جِدًّا، وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا أَخَذَهُ كَالْجِرَاحَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَرُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ وَقُوَّةِ الْجِمَاعِ، وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ، وَفِي الأُذُنِ إِنْ ثَبَتَتْ تَأْوِيلَانِ.

(الشرح)

قوله: (وَكَذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَقْلًا) أي: وأما إن أخذ لها ذلك فليس له إلا بحساب ما بقي، وإليه رجع مالك وكان أولًا يقول: ليس له إلا بحساب ما بقي مطلقًا أخذ لها عقلا أم لا، والقولان في المدونة (2)، ولابن نافع ثالث: أن فيها العقل كاملًا (3) أخذ لها عقلا أم لا (4).

قوله: (وفِي لِسَانِ النَّاطِقِ) هو معطوف على قوله: (وفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ أَوْ حَلَمَتَيْهِمَا) والمعنى أن الدية أيضًا تجب في لسان الناطق، ويحترز به من لسان الأخرس، فإنه ليس فيه إلا حكومة، قال في المدونة: والدية للنطق لا للسان (5)، فقوله: (وإِنْ لَمْ يَمْنَعِ النُّطْقَ

(1) انظر: عقد الجواهر: 3/ 1119.

(2)

انظر: المدونة: 4/ 569 و 574.

(3)

في (ن 4): (كلها).

(4)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 132.

(5)

انظر: المدونة: 4/ 561.

ص: 279

مَا قَطَعَهُ فَحُكُومَةٌ؛ كَلِسَانِ الأَخْرَسِ وَالْيَدِ الشَّلاءِ) يريد: فإن قطع من اللسان ما لا يمنع النطق بسببه فإنما فيه الحكومة، ولهذا قال في المدونة: الدية للنطق لا للسان، ولذلك أيضًا كان في لسان الأخرس حكومة؛ إذ لا نطق فيه، وأشار بقوله:(أو السَّاعِدِ) إلى أن من قُطع كفه بجناية أو غيرها ثم قطعت يده بعد ذلك خطأ فإنما له على القاطع ما وجب له بالحكومة، كما في اليد الشلاء.

قوله: (وأَلْيَتَيِ الْمَرْأَةِ) أي: وكذلك فيهما حكومة، وقاله ابن القاسم (1) وابن وهب، وقال أشهب: الدية، قال: وهما أعظم عليها من ثدييها (2).

قوله: (وسِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًّا) أي: إذا كانت كذلك وقلعها شخص فإنها فيها الحكومة، فلو كان اضطرا بها يسيرًا كان فيها العقل.

قوله: (وَعَسِيبِ ذَكَرٍ بَعْدَ الْحَشَفَةِ) هذا كقول (3) مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس في الذكر المقطوع الحشفة إلا الاجتهاد وهو الحكومة (4)، ولا يبعد (5) أن تكون فيه الدية؛ لأنه يجامع به وتحصل له به اللذة، وخرج اللخمي قولًا بأن يكون له بحساب ما بقي من اختلاف قول مالك (6) في الأنف هل الدية للمارن أو له مع أصله، قال: إلا أن يكون في مسألة الذكر إجماع (7).

قوله: (وَحَاجِبٍ أَوْ هُدْبٍ) المراد بالحاجب الشعر ولهذا قرنه بهدب العين وهو شعرها، واللحية مساوية لهما في وجوب الحكومة، وهذا ما لم ينبت شعر ذلك المحل، وأما إن نبت فلا شيء فيه في الخطأ، وقي العمد يؤدب. ويحتمل أن يريد بالحاجب اللحم مع الشعر، فإن فيه الحكومة كما سبق.

قوله: (وَظُفْرٍ) أي: وكذا يجب في قلعه الحكومة، وأما قوله:(وَفِيهِ الْقِصَاصُ) أي:

(1) انظر: المدونة: 4/ 564.

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 396 و 414 و 415.

(3)

قوله: (هذا كقول) في (ن 3): (لقول).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 445.

(5)

قوله: (يبعد) في (ن 4): (يتعد).

(6)

قوله: (الأمر المجتمع عليه عندنا .... قول مالك) ساقط من (ن 3).

(7)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6378.

ص: 280

في عمده، وفيه إشارة إلى الفرق بينه وبين ما تقدم.

قوله: (وَإِفْضَاءٍ وَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ، بِخِلافِ الْبَكَارَةِ) الإفضاء عبارة عن رفع الحاجز الكائن بين مخرج البول ومسلك الذكر، ومذهب المدونة أن فيه الحكومة كما قال، وعن ابن القاسم في كتاب الرجم من المدونة: أن فيه الدية (1). قيل: وهو الأقرب؛ لأنه منعها اللذة ولا تمسك البول ولا الولد، ولأن مصيبتها بذلك أعظم من الشُّفرين، ولا يندرج الإفضاء تحت المهر بخلاف أرلش البكارة؛ إذ لا يتمكن من الوطء إلا بإزالتها.

قوله: (إِلَّا بِأصْبُعِهِ) أي: فلا يندرج. ابن شاس: وإذا أزال بكارة زوجته بأصبعه ثم طلقها فعليه بقدر ما شانها مع نصف الصداق، وينظر إلى ما شانها عند الأزواج في حالها وجمالها (2)، ولابن القاسم في الموازية أن عليه المهرَ كاملًا لها (3).

قوله: (وفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عشْرٌ، والأُنْمُلَةِ ثُلُثُهُ، إِلا فِي الإِبْهَامِ فَنِصْفُهُ) أي: في كل أصبع من الأصابع عشر الدية سواء كان إبهامًا أو غيره، وفي كل أنملة ثلث الواجب في الأصبع إلا أن يكون مثل الإبهام ففيها نصفه، وقاله في المدونة (4)، يريد: لأن في كل إبهام أنملتين ففي كل واحد خمس من الإبل، وأما غيره من الأصابع ففي كل واحد منها ثلاث أنامل، فكان الواجب في كل واحدة الثلث وهو واضح.

سحنون: وروى ابن كنانة أن في الإبهام ثلاثة أنامل، وأن في كل منها ثلث دية الأصبع، قال: وإليه رجع مالك، وأخذ أصحابه بالقول الأول (5)، ولا خلاف في إبهام الرِّجْل أنه ليس فيه إلا أنملتان.

قوله: (وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَويَّةِ عُشْرٌ، إِنِ انْفَرَدَتْ) مذهب ابن القاسم فيها: إن

(1) انظر: المدونة: 4/ 517، ونصها:(قال: وقد جعل بعض الفقهاء فيها ثلث الدية. والذين جعلوا فيها ثلث الدية إنما جعلوها بمنزلة الجائفة. قلت: أفتحمله العاقلة في قول مالك؟ قال: من رأى أن فيها ثلث الدية حملته العاقلة، وأنا أرى في ذلك الاجتهاد).

(2)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1119 و 1120.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 4/ 499.

(4)

انظر: المدونة: 4/ 566.

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 411.

ص: 281

كانت قوية ففيها عُشْرٌ قطعت خطأ أو عمدًا، وإن قطع جميع الكف كان فيها ستون، وإن كانت الزائدة ضعيفة كان فيها حكومة إن قطعت بانفرادها، وإن قطعت مع اليد لم يزد لها شيء، وقال سحنون: إن قطعت التي فيها ستة أصابع خطأ ففيها خمسمائة، وقيل: له ذلك (1)، وفي الزائدة حكومة، ولم يفرق بين الضعيفة والقوية (2)، وإلى مذهب ابن القاسم أشار بما ذكر، غير أن قوله:(إِنِ انْفَرَدَتْ) يقتضي أن وجوب العشر فيها مشروط بكونها قطعت وحدها، وأما إن قطعت مع غيرها فلا، وابن القاسم أطلق في ذلك (3)، وإنما اشترط كونها قوية فقط.

قوله: (وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ، وَإِنْ سَوْدَاءَ بِقَلْعٍ أَوِ اسْوِدَادٍ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ أَوْ بِصُفْرَةٍ إِنْ كَانَا عُرْفًا كَالسَّوَادِ، وبِاضْطِرَابِهَا جِدًّا) نبه بهذا على أنه لا فرق في السن بين كونها ثَنِيَّة أو رَبَاعِيَة أو ضرسًا لما جاء في كتابه صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "وفي كل سِنٍّ خَمْسٌ"، ولم يفرق، وتجب ديتها بأمور:

إما بقلعها وإن كانت سوداء خلقة، أو بجناية وهكذا نص عليه غير واحد من أصحابنا، ومثل ذلك ما إذا جنا عليها فاسودت، فإن عقلها أيضًا يكمل بذلك، وكذلك إذا ضربها شخص فاسودت ثم قلعت فإنما عليه عقل واحد، وكذلك إذا ضربها فحصل (4) فيها صفرة أو حمرة، وإنما قال فيها (5):(إِنْ كَانَ عُرْفًا كَالسَّوَادِ) تنبيهًا منه على ما وقع في المدونة قال فيها: قلت: فإن ضربه رجل فاسودت سنه أو احمرت أو اصفرت (6) أو اخضرت ما قول مالك في ذلك؟ قال: لم نسمع منه إلا ما إذا اسودت، فإن عقلها قد تَمَّ، ولا أدري ما الخضرة ولا الصفرة؛ إن كان ذلك مثل السواد فقد تم عقلها، وإلا فعلى ما نقص (7).

(1) قوله: (وقيل: له ذلك) كذا في كل الأصول، بينما ما وقفت عليه في المطبوع من النوادر 13/ 411، كما يلي:(وقد قيل: له نصف الدية).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 410 و 411.

(3)

قوله: (في ذلك) في (ن): (فيها).

(4)

في (ن 4): (فجعل).

(5)

في (ن) و (ن 4): (فيهما).

(6)

قوله: (أو اصفرت) ساقط من (ن 4).

(7)

انظر: المدونة: 4/ 570.

ص: 282

ولابن القاسم وأشهب: أن الخضرة إلى السواد أقرب من الصفرة قال: في ذلك كله بقدر ما ذهب من بياضها إلى ما بقي منه إلى سوادها، وقاله ابن يونس، وفي النوادر (1)، وحكى الباجي عن أشهب أن الخضرة إلى السواد أقرب ثم الصفرة (2)، ويكمل عقلها أيضًا إذا ضربها فاضطربت جدًّا (3)، كما قال هنا، ولأنه ذهب بمنفعتها، يريد: إذا لم يُرْجَ نباتها (4).

قوله: (وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا أَخَذَهُ كَالْجِرَاحَاتِ الأَرْبَعَةِ) ثبتت من الثبوت؛ أي: استمسكت (5) وقويت في موضعها، والجراحات الأربعة هي: الموضحة، والمنقلة، والجائفة، والمأمومة، وهذا الذي ذكره هو قول ابن القاسم في المدونة (6)، وقال أشهب: لا شيء له مع ثبوت السن (7)، واتفقا على أن له أخذ العقل في الجراحات الأربعة إن عادت لهيئتها (8)، وهو يضعف (9) قول أشهب في السن.

قوله: (وَرُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ) أي فإن اخذ العقل في ذهاب بصره ثم عاد كما كان فإنه يرده، ظاهره سواء أخذه بحكم (10) أو لا، ولا خلاف أنه إذا عاد قبل الحكم والأخذ أنه لا يقضى له بشيء، واختلف إذا عاد بعد الحكم فلابن القاسم قول (11): إنه يرده كما تقدم، ولأشهب: إنه لا يرده، ولمحمد: إن كان بقضاء بعد الأناة لم يرده، وإلا رده (12)،

(1) انظر: النوادر والزيادات: 13/ 406 و 407.

(2)

انظر: المنتقى: 9/ 56.

(3)

قوله: (جدا) ساقط من (ن 3).

(4)

قوله: (يرج نباتها) في (ن 4): (يرجع ثباتها).

(5)

في (ن) و (ن 4): (أمكنت).

(6)

انظر: المدونة: 4/ 563.

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 442.

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 418.

(9)

في (ن 4): (يضعفه).

(10)

قوله: (وهو يضعف قول أشهب

أخذه بحكم) ساقط من (ن 3) و (ن 4).

(11)

قوله: (قول) ساقط من (ن 3) و (ن 5).

(12)

قوله: (ولمحمد: إن كان يقضى لم يرده، وإلا رده) ساقط من (ن 3). وانظر: النوادر والزيادات: 13/ 441 و 442.

ص: 283

ابن رشد (1): وحكم السمع يذهب ثم يعود حكم البصر (2).

قوله: (وقُوَّةِ الجِمَاعٍ) أي: وكذا ترد الدية إذا أخذها في ذهاب قوة الجماع، ثم عادت كما كانت أولًا، وقاله مالك وابن القاسم (3).

قوله: (وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ) قد تقدم أن اللبن إذا فسد أخذت المرأة عقله، ثم عاد فإنها ترده. (4)

قوله: (وَفِي الأُذُنِ إِنْ ثَبَتَتْ تَأْوِيلانِ) وقع في رواية يحيى عن ابن القاسم أنها إذا ثبتت في موضعها فلا عقل (5)، وقال (6) في البيان: له (7) العقل، وهو مذهب المدونة (8)، وذهب صاحب النكت إلى أن مذهب المدونة كرواية يحيى ولا عقل لها (9)، وإلى هذا أشار بقوله:(تَأْوِيلانِ).

(المتن)

وَتَعَدَّدَتِ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا، إِلَّا الْمَنْفَعَةَ بمَحَلِّهَا، وَسَاوَتِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ لِثُلُثِ دِيَّةٍ؛ فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا. وَضُمَّ مُتَّحِدُ الْفِعْلِ، أَوْ فِي حُكْمِهِ، أَوِ الْمَحَلِّ فِي الأَصَابعِ لَا الأَسْنَانِ، وَالْمَوَاضِحِ، وَالْمَنَاقِلِ، وَالْعَمْدٍ لِخَطَإٍ وَإِنْ عَفَتْ. وَنُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَأُ، بِلَا اعْتِرَافٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي إِنْ بَلَغَ ثُلُثَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ فَحَالٌّ عَلَيْهِ كَعَمْدٍ، وَدِيَةٍ غُلِّظَتْ، وَسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ، إِلَّا مَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنَ الْجُرْحِ لإِتْلَافِهِ؛ فَعَلَيْهَا. وَهِيَ الْعَصَبَةُ،

(الشرح)

قوله: (وَتَعَدَّدَتِ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا، إِلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا) قد تقدم أن الدية تتعدد بحسب تعدد الموجِب، كما إذا قطع يده أو رجله فزال عقله، وأنه يقيد بما إذا كانت المنفعة في

(1) في (ن 3): (ابن شاس).

(2)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 66.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 455.

(4)

قوله: (قوله: ومَنْفَعَةِ اللَّبَنِ

فإنها ترده) ساقط من (ن 3).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 442.

(6)

في (ن): (وقاله).

(7)

في (ن 3) و (ن 4): (لها).

(8)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 158.

(9)

انظر: النكت والفروق: 2/ 308.

ص: 284

محل آخر غير العضو المبان (1) كالمثال المذكور، وأما لو كان محلًّا لها كالإبصار مع العين والسمع مع الأذن، فلا تتعدد الدية.

قوله: (وَسَاوَتِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ لِثُلُثِ دِيَّةٍ فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا) يريد: أن المرأة مسلمة كانت أو كافرة تساوي الرجل من أهل دينها (2) في ثلث (3) ديته، فإذا بلغته ردت إلى ديتها حينئذٍ، فإذا قطع لها ثلاثة أصىابع ففيها ثلاثون من الإبل؛ لأنها لم تبلغ ثلث دية الرجل، فإذا قطع لها أربعة ففيها عشرون لرجوعها إلى ديتها، وهي في الموضحة، والهاشمة (4) والمنقلة كالرجل لا (5) في الجائفة والمأمومة. ابن شاس: وهو إجماع أهل المدينة (6)، وقال ابن عبد البر: وجمهور أهل المدينة (7)، وبه قال الفقهاء السبعة، ومثله روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث". ابن المسيب: وهو السنة (8).

قوله: (وَضُمَّ مُتَّحِدُ الْفِعْلِ أَوْ فِي حُكْمِهِ) يريد: أن الفعل الواحد كالضربة الواحدة أو ما في حكمه كالضربتين فأكثر في معنى الضربة الواحدة من واحد أو جماعة كما قال في الجواهر: يضم، وسواء اتحد المحل أم لا، فلو ضربها ضربة واحدة أو ما في معناها فقطع لها أربعة أصابع من كل يد أصبعين، أو من يد ثلاثة ومن الأخرى أصبعًا، فإنها تأخذ في الأربعةِ عشرين من الإبل (9) فقط (10).

قوله: (أَوِ الْمَحَلِّ فِي الْأَصَابِعِ (11)) أشار إلى أن الفعل إذا اتحد محله ضم، ولا عبرة بتعدده أو اتحاده (12) حينئذٍ، فلو ضربها ضربة أو ضربات فقطع لها ثلاثًا من اليد

(1) قوله: (المبان) ساقط من (ن 3) و (ن 4).

(2)

في (ن 4): (ديتها).

(3)

قوله: (ثلث) ساقط من (ن) و (ن 4) و (ن 5).

(4)

قوله: (والهاشمة) ساقط من (ن).

(5)

في (ن 4): (لا).

(6)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1121.

(7)

قوله: (وجمهور أهل المدينة) ساقط من (ن).

(8)

انظر: الاستذكار: 8/ 65، والتمهيد: 17/ 358.

(9)

قوله: (من الإبل) ساقط من (ن 4).

(10)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1121.

(11)

قوله: (فِي الْأَصَابِعِ) زيادة من (ن 3).

(12)

من هنا يبدأ سقط من (ن 5) بمقدار لوحة (وجه).

ص: 285

فأخذت ثلاثين ثم قطع بعد ذلك لها منها أصبعًا أو أكثر فإنها تأخذ في كلِّ أصبع خمسًا من الإبل، وسواء في ذلك أصابع اليدين أو الرجلين، ولهذا قال (فِي الْأَصَابِعِ) وأطلق، فلو تعدد الفعل والمحل فلا ضَمَّ، كما إذا قطع لها من يد ثلاثًا فأخذت ثلاثين، ثم قطع لها أيضًا من الأخرى ثلاثًا فإنها أيضًا تأخذ ثلاثين فإن قطع (1) بعد ذلك أصبعًا فأكثر من أي يد كانت فإنما (2) لها في كل أصبع خمس، واختلف قول ابن القاسم في الأسنان، فمرة جعلها كالأصابع بحساب ما تقدم من ثلث الدية، ومرة قال: لا تحاسب بما تقدم، أصبغ (3): والأول أحسن (4).

قوله: (لَا الْأَسْنَانِ) إشارة إلى أحد قولي ابن القاسم، وشهره ابن الحاجب (5) وغيره.

قوله: (وَالْمَوَاضِحِ، والْمَنَاقِلِ) هذا معطوف على قوله: (لَا الأَسْنَانِ) أي: فإنه لا يضم بعض الأفعال فيها إلى بعض؛ أي: وكذلك المواضح والمناقل، وسواء كان ذلك في مرة أو مرتين أو أكثر (6)، كما لو أوضحها موضحتين فأكثر فأخذت العقل، ثم أوضحها بعد ذلك مواضح متعددة، فإن لها عقل ذلك كالرجل ما لم تبلغ في المرة (7) الواحدة الثلث، وكذلك حكم المناقل (8).

قوله: (والْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَإِنْ عَفَتْ) أي: وكذا لا يضم العمد إلى الخطأ وإن عفت، كما إذا قطع لها ثلاث أصابع عمدًا فاقتصت أو عفت، ثم قطع لها أيضًا أصبعين أو ثلاثًا، فتأخذ لكل أصبع عشرًا من الإبل.

قوله: (ونُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَأُ، بِلَا اعْتِرَافٍ) يريد: أن الدية تنجم على العاقلة بشروط أربع:

(1) قوله: (من يد ثلاثًا فأخذت ثلاثين

فإن قطع) ساقط من (ن 3).

(2)

في (ن 3): (فإن).

(3)

قوله: (أصبغ) ساقط من (ن 3).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 460.

(5)

انظر: الجامع بين الأمهات، ص:751.

(6)

قوله: (أو أكثر) ساقط من (ن 4).

(7)

في (ن): (الضربة).

(8)

قوله: (وكذلك حكم المناقل.) ساقط من (ن 3).

ص: 286

الأول: أن يكون المجني عليه حرًّا، فلا تحمل قيمة العبد المجني عليه، وقد جاء في الحديث:"لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا اعترافًا".

الثاني: أن تكون الجناية خطأً، فلا تحمل العمد للحديث، وفي حكم الخطأ العمدُ الذي لا قصاص فيه كالمأمومة والجائفة وكسر الفخذ، وإليه رجع مالك بعد أن قال: إن ذلك في مال الجاني، وقيل: يبدأ أولًا بمال الجاني فإن عجز تُمِّم من العاقلة (1).

الثالث: أن تكون الجناية ثبتت ببينة أو لَوْث لا باعتراف للحديث، واختلف هل تحمل جنايةَ المعترف بالخطأ أم لا؟ على أقوال.

قوله: (عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي) وهو متعلق بقوله: (وَنُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَأُ) وأشار به إلى أن الجاني يدخل مع العاقلة، ويكون كواحد منهم، وفي ذلك روايتان، ومذهب المدونة منهما ما ذكر، واستظهره ابن القصار، اللخمي: وهو الصواب (2). وذكر عبد الوهاب في إشرافه عن بعض أصحابنا أن قوله بدخوله معهم استحسان، وليس بقياس (3).

قوله: (إِنْ بَلَغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي) هذا هو الشرط الرابع، وقد جاء في الحديث:"تحمل العاقلة الثلث فصاعدًا"، حكاه في الذخيرة (4) وغيرها، وهو قول الفقهاء السبعة (5)، ومذهب المدونة (6)، وهو الأشهر أنها تحمل ثلث (7) دية المجني عليه أو الجاني، فلو جنت امرأة على رجل (8) ما يبلغ ثلث ديتها حملتها العاقلة. وفي العتبية: أن المعتبر ثلث دية المجني عليه دون الجاني (9)، وتظهر ثمرة (10) الخلاف في

(1) انظر: النوادر والزيادات: 13/ 499 و 500.

(2)

انظر: التبصرة، للخمي، ص: 6419، 6420.

(3)

الإشراف على نكت مسائل الخلاف: 2/ 833.

(4)

انظر: الذخيرة: 12/ 383.

(5)

انظر: الاستذكار: 8/ 126.

(6)

انظر: المدونة: 4/ 573.

(7)

قوله: (ثلث) ساقط من (ن).

(8)

قوله: (رجل) ساقط من (ن 3).

(9)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 465 و 16/ 21.

(10)

قوله: (ثمرة) ساقط من (ن 4)، وفي (ن 3):(أثر).

ص: 287

المرأة والكتابي، ولعبد الملك: أن المعتبر ثلث دية الرجل كان جانيًا أو مجنيًّا عليه (1).

قوله: (وَمَا لَمْ يَبْلُغْ فَحَالٌّ عَلَيْهِ) يريد: أن الجناية إذا لم تبلغ (2) ثلث دية المجني عليه ولا الجاني تكون حالَّة (3) على الجاني دون العاقلة.

قوله: (كَعَمْدٍ) هو المشهور، وقيل: منجمة، واختلف في الدية المغلَّظة، فقيل: عليه وحده حالَّة، وهو المشهور، وإليه أشار بقوله:(وَدِيَةٍ غُلِّظَتْ) وقيل: عليه وعلى عاقلته.

وأما قوله: (وَسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ) فيريد به أن الجاني إذا جنى جناية فيها القِصاص إلا أن العضو الذي جنى عليه ليس له مثله، فإذا تعذر القَوَد وصِير إلى الدِّية فإنه يكون في مال الجاني؛ لأن القِصاص إنما سقط عنه لعدم وجود المماثل.

قوله: (إِلَّا مَا لا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنَ الْجُرْحِ لِإِتْلَافِهِ، فَعَلَيْهَا) يريد: كالمأمومة والجائفة، وكسر الفخذ، وقد اختلف فيه، فقيل: ديته على العاقلة، وإليه رجع مالك (4)، وقيل: على الجاني إلا أن يكون عديمًا فعلى العاقلة.

قوله: (وَهِيَ الْعَصَبَةُ) يريد: أن العاقلة هي العصبة، وقاله مالك، وسواء قربوا أو بعدوا (5)، ويدخل معهم المولى مطلقًا، إلا أن عصبة النسب مقدمون عليهم، انظر الكبير.

(المتن)

وَبُدِئَ بِالدِّيوَانِ إِنْ أعْطُوا، ثُمَّ بِهَا الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ، ثُمَّ الْمَوَالِي الأَعْلَوْنَ، ثُمَّ الأَسْفَلُونَ ثُمَّ بَيتُ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا، وَإِلَّا فَالذِّمِّيُ ذَوُو دِيِنهِ، وَضُمَّ كَكُوَّرِ مِصْرٍ، وَالصُّلْحِيُّ أَهْلُ صُلْحِهِ، وَضُرِبَ عَلَى كُلٍّ مَا لَا يَضُرُّ. وَعُقِلَ عَنْ صَبِيٍّ، وَامْرَأَةٍ، وَمَجْنُونٍ، وَفَقِيرٍ، وَغَارِمٍ، وَلَا يَعْقِلُونَ. وَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الضَّرْبِ لَا إِنْ قَدِمَ غَائِبٌ، وَلَا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أَوْ مَوْتِهِ. وَلَا دُخُولَ لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضَرِيٍّ، وَلَا شَامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا، الْكَامِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا مِنْ يَوْمِ

(1) انظر: النوادر والزيادات: 13/ 495.

(2)

هنا نهاية السقط المشار إليه من (ن 5).

(3)

قوله: (حالة) ساقط من (ن 3) و (ن 4).

(4)

قوله: (مالك) ساقط من (ن) و (ن 3) و (ن 5)، وانظر: النوادر الزيادات: 13/ 499 و 500.

(5)

انظر: التفريع: 2/ 196.

ص: 288

الْحُكْمِ، وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ. وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلَاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ.

(الشرح)

قوله: (وبُدِئَ بالدِّيوَانِ، إِنْ أُعْطُوا) يريد: أن أهل الديوان مقدمون على العصبة، وهو قول مالك وأَصبغ وأشهب (1)، وحكى ابن شعبان أنه لا يَعْقِل عن الإنسان إلا قومه، ولا يدخل أهل الديوان في ذلك، وعلى الأول يشترط (2) في أهل الديوان أن يكون العطاء قائمًا ليعطوا منه، ونقله اللخمي عن ابن القاسم، وأشهب (3)، وقال أشهب: فإن لم يكن العطاء قائمًا لهم حمل عنه قومه.

قوله: (ثُمَّ بِهَا الأَقْرَبِ فالأَقْرَبِ) أي: فإن لم يكن من ديوان بدئ بالعصبة الأقرب فالأقرب.

قوله: (ثُمَّ الْمَوَالِي الأَعْلَوْنَ، ثُمَّ الأَسْفَلُونَ) أي: فإن لم يكن ثَمَّ (4) عصبة بدئ بالموالي الأعلين، فإن لم يكونوا فالأسفلون، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وذهب سحنون إلى عدم دخولهم (5).

قوله: (ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا) يريد: لأن بيت المال لا يعقل عن غير المسلم (6)، وهو ظاهر على القول بأن مال الكتابي الحر إذا مات لأهل دينه من كورته، وأما على قول ابن القاسم بأن ماله للمسلمين (7) فينبغي أن يعقل عنه من بيت المال.

قوله: (وَإِلَّا فَالذِّمِّيُّ ذُو دِينِهِ) أي: فإن كان الجاني من أهل الذمة عقل عنه أهل دينه، وإنما قال:(ذُو دِينِهِ) احترازًا من اليهود مع النصارى، فإنهما لا يتعاقلان.

قوله: (وَضُمَّ كَكُوَرِ مِصْرَ) يريد: أن البلاد المصرية يضم بعضها إلى بعض؛ أي: وكذلك بلاد الشامية.

(1) انظر: النوادر والزيادات: 13/ 488.

(2)

زاد هنا في (ن 4) قوله: (أهل الديوان هم أهل صناعته مثل أهل القوس أو المدافع أو غير ذلك).

(3)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6417.

(4)

في (ن) و (ن 5): (له).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 483.

(6)

في (ن 3) و (ن 4): (الإسلام).

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 257.

ص: 289

قوله: (والصُّلْحِيُّ أَهْلُ صُلْحِهِ) أي: فإن كان الجاني من أهل الصلح عقل عنه أهل صلحه، وقاله مالك في الموازية (1).

قوله: (وَضُرِبَ عَلَى كُلِّ مَا لا يَضُرُّ) أي: فإذا ضربت الدية على العاقلة وزعت على قدر الطاقة، فلا يضرب على أحد منهم إلا ما لا يضر بماله (2) على قدر غنائه في الكثرة والقلة.

قوله: (وَعُقِلَ عَنْ صَبِيٍّ، وَامْرَأَةٍ، ومَجْنُونٍ، وفَقِيرٍ، وَغَارِمٍ وَلا يَعْقِلُونَ) هكذا قال اللخمي: إن الخمسة يعقل عنهم ولا يعقلون (3)، قال: والغارم إذا كان عليه من الدين بقدر ما في يده ويفضل له ما يكون به في أعداد الفقراء، وإذا كان لا شيء في يده فهو فقير (4)، يريد: وإن كان يفضل له ما يكون به في أعداد الأغنياء فلا يسقط عنه.

قوله: (والْمُعْتَبرُ وَقْتُ الضَّرْبِ لَا إِنْ قَدِمَ غَائِب، وَلَا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أَوْ مَوْتِهِ) يريد: أن المراعاة في حال من تضرب عليه يوم التوزيع لا يوم القتل ولا يوم الأداء، ولهذا إذا كان غائبًا يوم ضربها غيبة بعيدة ثم قدم، أو غير بالغ ثم بلغ بعد ذلك، لم يدخل مع العاقلة، كما أن من أعسر بعد ضربها عليه لم تسقط عنه، ومثله من مات بعد ضربها عليه، وهو قول ابن الماجشون وسحنون، وقال ابن القاسم وأصبغ: تسقط (5). وحكى الشيخ (6) الأول عن ابن القاسم، قال: وهو الأقرب (7) ورجحه أيضًا غيره.

قوله: (وَلَا دُخُولَ، لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضرِيٍّ) يريد: أن عاقلة الجاني الواحد لا يكون منها بدوي وحضري، وإن كانا من قبيلة واحدة، وقاله مالك (8) في المدونة، وبه أخذ ابن القاسم، وعلله بأن الدية لا تكون متنوعة من إبل ونقد (9)، ولأشهب وعبد

(1) في (ن 3) و (ن 4): (المدونة)، وانظر: النوادر والزيادات: 13/ 490.

(2)

في (ن) و (ن 5): (بحاله).

(3)

قوله: (هكذا قال اللخمي: أن الخمسة يعقل عنهم ولا يعقلون) ساقط من (ن 4).

(4)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6421.

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 483 و 484.

(6)

في (ن 5): (اللخمي).

(7)

في (ن): (الصواب)، وانظر: التوضيح: 8/ 172.

(8)

قوله: (مالك) ساقط من (ن).

(9)

انظر: المدونة: 4/ 629.

ص: 290

الملك أن (1) الأقل تبع للأكثر. وإن كانا متناصفين قال عبد الملك: أو يقرب بعضهم من بعض حمل كل فريق ما هو أهله، وروي عن مالك (2).

قوله: (وَلَا شَامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا) يريد: أن الشامي لا دخول له مع مصري، والعكس في ذلك، ومراده بالإطلاق سواء قربوا أو بعدوا، اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف.

قوله: (وَالْكَامِلَةُ فِي ثَلاثٍ) لما قدم أن الدية تنجم أخذ يبين كيفية التنجيم في ذلك (3) فقال: (وَالْكَامِلَةُ) أي: الدية الكاملة (في ثلاث سنين)، وسواء كانت دية المسلم أو غيره، ذكرًا أو أنثى. ابن عبد البر: وما قيل: إنها تنجم في أربع فشذوذ (4).

قوله: (تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا) أي: يحل النجم الثالث بآخر السنة الثالثة.

قوله: (مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ) أي: يكون ابتداء التنجيم يوم الحكم لا يوم القتل، ولا يوم الخصام أو صدور البينة.

قوله: (وَالثُّلُثُ والثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ) أي: ينجم الثلث في سنة والثلثان في سنتين، وهذا على المشهور أن غير الكاملة تنجم أيضًا، وقيل: إنها حالَّة وهما روايتان عن مالك (5).

قوله: (وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ) أي: فإن كان الواجب النصف نجم الثلث في سنة، وجعل للسدس (6) الزائد سنة أخرى، وتبع الشيخ هنا (7) تشهير ابن الحاجب (8)، وهو غير موجود، والذي حكاه ابن الجلاب (9) في ذلك روايتان، وإحداهما أن الإمام يجتهد في ذلك فينجمه على ما يرى، والأخرى أن

(1) قوله: (ولأشهب وعبد الملك أن) في (ن 4): (وجوزه أشهب وعبد الملك؛ لأن).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 486.

(3)

قوله: (في ذلك) ساقط من (ن 3).

(4)

انظر: الاستذكار: 8/ 42.

(5)

انظر: المعونة: 2/ 269.

(6)

قوله: (للسدس) زيادة من (ن).

(7)

قوله: (هنا) في (ن): (في هذا).

(8)

انظر: الجامع بين الأمهات، ص:754.

(9)

قوله: (ابن الجلاب) في (ن 4): (ابن الحاجب).

ص: 291

ذلك في سنتين (1).

وحكى في المدونة الروايتين في النصف، ابن القاسم: وأحب إلي أن يكون في سنتين، قال في المدونة: والثلاثة الأرباع في ثلاث سنين (2). وهذا يوافق ما ذكره الشيخ هنا؛ إلا أن (3) الثلاثة الأرباع على ما قال في المدونة تكون في ثلاث سنين متساوية لكل سنة ربع الدية، وكذا على قول ابن القاسم.

(المتن)

وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا. وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمِائَةٍ؟ أوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ. وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ شَرِيكًا إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَلِعَجْزِهَا شَهْرَانِ كَالظِّهَارِ، لَا صَائِل، وَلَا قَاتِلِ نَفْسِهِ كَدِيَتِهِ. وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ، وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ، وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ، وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وَحَلِفِهِ.

(الشرح)

قوله: (وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا) يريد: أن حكم العواقل المتعددة في التنجيم مع اتحاد الجناية حكم العاقلة الواحدة، كعشرة رجال يحملون صخرة أو نحوها فتسقط منهم على شخص فتقتله، فإن العشر الواجب على عاقلة كل واحد منهم ينجم في ثلاث سنين، ويؤدون ذلك كلهم كالعاقلة الواحدة، وكذا إذا تعددت الجناية على العاقلة الواحدة فيكون حكمها في التنجيم حكم الجناية الواحدة، كالرجل الواحد وأكثر من قبيلة واحدة يقتل رجلين فأكثر خطأ، فإن ما وجب عليه من ديتين فأكثر ينجم على عاقلته في ثلاث سنين، ونبه على هذا خشية أن يتوهم أن الثانية لا تضرب إلا بعد وفاء الأولى (4).

قوله: (وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمائَةٍ أَوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ) هما معًا عن

(1) انظر: التفريع: 2/ 196.

(2)

انظر: المدونة: 4/ 567.

(3)

في (ن 4): (لأن).

(4)

قوله: (وكذا إذا تعددت الجناية

إلا بعد وفاء الأول) ساقط من (ن 3).

ص: 292

سحنون، فعنه أن حد العاقلة سبعمائة رجل ينسبون (1) إلى أب واحد، وفي رواية له: إذا كانت له خمسمائة أو ألف فهم قليل، يضم إليهم أقرب القبائل إليهم (2).

قوله: (وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَإِنْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً -عِتْقُ رَقَبَةٍ وَلعَجْزِهَا شَهْرَانِ) يريد: أن كفارة القتل تجب على القاتل بالشروط المذكورة، فاحترز بالحر من العبد فإنها لا تجب عليه؛ إذ لا ولاء له، وبالمسلم من الكافر فإنه ليس من أهل القربة، وسواء كان بالغًا وعاقلًا أم لا، ولهذا تؤخذ من الصبي والمجنون؛ لأنها من باب خطاب الوضع (3)، وكذا تجب على الشريك كفارة كاملة؛ لأنها لا تتبعض.

ويشترط في المقتول (4) أن يكون حرًّا مسلمًا معصومًا، ولهذا قال:(إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً (5)) فلا تجب الكفارة في قتل عبد بل تستحب، ولا في قتل كافر للآية، ولا في قتل مرتد أو زانٍ محصن ونحوهما إذا ثبت عليهما ذلك، واحترز بالخطأ من العمد، فإنها لا تجب فيه بل تستحب، و (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مبتدأٌ خبرُهُ قوله: (عَلَى الْقَاتِلِ

إلى آخره)، ويريد بالرقبة أن تكون مسلمة سالمة من العيوب محررة لها (6) ككفارة الظهار، فإن لم يجد رقبة صام شهرين.

قوله: (كَالظِّهَارِ) يريد: أن ما يطلب في شهري الظهار من التتابع وغيره يطلب فيه، وما يبطله هناك يبطله هنا (7).

قوله: (لَا صَائِلٍ وَلَا قَاتِل نَفْسِهِ (8)) أي: فلا كفارة على قاتلِ صائلٍ لعدم عصمته،

(1) في (ن): (ينتمون).

(2)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 474.

(3)

قوله: (خطاب الوضع) في (ن 4): (الخطاب الوضعي).

(4)

في (ن 5): (المعتوق).

(5)

قوله: (معصوما خطأ) ساقط من (ن).

(6)

قوله: (لها) ساقط من (ن 3).

(7)

قوله: (وما يبطله هناك يبطله هنا) في (ن 3) و (ن 4): (وما يطلب هناك يطلب هنا).

(8)

قوله: (لَا صَائِلٍ وَلَا قَاتِلٍ نَفْسِهِ) كذا ضبطه في كل ما لدينا من أصول، ولعله ضبطه هكذا -بخفض (صائل) وما عطف عليها- على تقدير مضاف محذوف فيكون التقدير: (لا على قاتل صائل

)، بينما في (صائل) وجه آخر لا يحتاج إلى تقدير محذوف، وهو أن تكون منصوبة عطفًا على كلمة (معصومًا) =

ص: 293

ولا على قاتل نفسه إذ لا يتأتى خطابه بالكفارة، والجمهور على أن الدية تسقط في هذا النوع، وإليه أشار بقوله:(كَدِيَتِهِ).

قوله: (وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ، وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ) واختلف عن مالك في الجنين هل تستحب فيه الكفارة أم لا، والروايتان في الموازية (1)، وبالثانية قال أشهب (2)، وفي المدونة استحسن مالك (3) الكفارة فيه (4). أبو الحسن: معناه: استحب (5).

وانظر عطفه (العبد) على (الرقيق) هل يحمل الأول على الخطأ والثاني على العمد أو العكس، أو يحمل الرقيق على أنه مقتول وأن العبد قاتل، والمذهب كما قال أنها مستحبة في العمد (6).

قوله: (وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ) أي: وعلى القاتل جلد مائة ثم حبس سنة سواء كان رجلًا أو امرأة حرًّا أو عبدًا، يريد: إذا قَتَل من لا يكافئه، كالمسلم الحر (7) يقتل عبدًا أو كافرًا، أو قتل من يكافئه وعفا عنه، وقال أصبغ: لا يحبس العبد ولا المرأة بل يجلدان (8)، ونبه بقوله:(وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ) على أن ذلك في الذمي من باب أولى، وبقوله:(أَوْ عَبْدِهِ) على أن ذلك في عبد غيره أحرى.

قوله: (أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذلك اللَّوْثِ وحَلِفِهِ) يريد: ان الأولياء إذا وجب لهم القسامة بقيام اللوث على القاتل، فنكلوا عنها فحلف المدعى عليه وبرئ، فإنه يجلد

= المتقدمة عليها، ولعل هذا الوجه أولى من الوجه الأول حيث إنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف، وقد ضبطت كلمة (صائل) هذه على النصب في المطبوع من الشرح الكبير للدردير 4/ 287، وغيره من الشروح والحواشي على المختصر.

(1)

في (ن 3) و (ن 4): (المدونة).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 503.

(3)

قوله: (مالك) ساقط من (ن 3).

(4)

انظر: المدونة: 4/ 631.

(5)

انظر: التوضيح: 8/ 183.

(6)

في (ن 3) و (ن 4): (العبد).

(7)

قوله: (الحر) ساقط من (ن 3) و (ن 4).

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 221.

ص: 294

مائة ويحبس عامًا على ما حكاه ابن المواز، قال: ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم (1).

(المتن)

وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ، كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ: قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ خَطَأً، أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ، أَوْ وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ، أوْ زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا إِنْ كَانَ جُرْحٌ، أَوْ أطْلَقَ وَبَيَّنُوا، لَا خَالَفُوا. وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا إِنْ قَالَ بَعْضٌ عَمْدًا، وَبَعْضٌ لَا نَعْلَمُ، أَوْ نَكَلُوا، بِخِلَافِ ذِي الْخَطَأ، فَلَهُ الْحَلِفُ وَأَخْذُ نَصِيبِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِمَا وَاسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ، وَلِلْجَمِيعِ دِيَةُ خَطَأٍ، وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ، وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ، أَوْ بِشَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا، كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا، أَوْ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَإِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ.

(الشرح)

قوله: (وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ) يريد: أن القسامة تتوجه عند حصول سببها، وجعله مركبًا من أربعة قيود، احترز بالقتل من الجرح، وبالحر من العبد، وبالمسلم من الكافر، وبمحل اللوث مما إذا قتل لا في محله، فمتى انتفى شيء من هذه القيود فلا قسامة، واللَّوْث أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي.

وقد نبه على أنه خمسة أمثلة أشار إلى الأول منها بقوله: (كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ: قتَلَنِي فُلانٌ) فشرط في قبول قول المقتول أن يكون بالغًا فلا يقبل قول الصبي غير المراهق، واختلف في المراهق (2) على قولين، والمشهور منهما عدم القبول، وأن يكون حرًّا، فلا يقبل قول العبد (3)؛ لأنه مدَّعٍ لغيره، وقال ابن المواز: إذا قال العبد دمي عند فلان، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ، فإن نكل حلف سيد العبد يمينًا واحدة واستحق القيمة مع ضرب مائة وحبس سنة. وقال ابن القاسم: يحلف المدعى عليه يمينًا واحدة، ولا قيمة ولا ضرب، ولا سجن، فإن نكل ضرب وسجن وغرم القيمة. وعن أصبغ: يحلف المدعى عليه خمسين يمينًا ويبرأ، فإن نكل لم تلزمه القيمة ولا ضرب

(1) انظر: النوادر والزيادات: 14/ 220.

(2)

قوله: (واختلف في المراهق) ساقط من (ن 4).

(3)

قوله: (العبد) في (ن): (غير الحر).

ص: 295

ولا سجن إلا أن يسجن استبراء. وقال عبد الملك مثله، إلا أنه قال: يضرب أدبًا ولا ضرب [مائة]، ولا سجن [سنة]. وعنه: يضرب مائة ويحبس سنة في قتل المسلم حرًّا كان أو عبدًا (1).

واحترز بكون المقتول مسلمًا من الكافر، فلا يقبل قوله في ذلك، وعن ابن القاسم: إذا قال الذمي (2): قتلني فلان المسلم، يحلف ولاته يمينًا واحدا ويأخذون الدية (3). وفي الموازية عنه: لا قسامة (4). وعن المغيرة: أنهم لا يستحقون الدية إلا بخمسين يمينًا (5)، وعن مالك وأشهب وابن عبد الحكم وعبد الملك: يحلف المدعى عليه خمسين يمينًا ويبرأ (6).

قوله: (قَتَلَنِي فُلانٌ) يريد: سواء كان فلان (7) المدعى عليه حرًّا أو عبدًا أو صبيًّا، أو بالغًا ذكرًا أو أنثى، عدلًا أو مسخوطًا، مسلمًا أو ذميًّا، وظاهره: وإن لم يكن فيه جرح وهو ظاهر المدونة (8) ورواه ابن وهب عن مالك، وقاله أصبغ (9)، وعن ابن القاسم: لا يقبل (10) إلا مع الجرح، المتيطي: وبه العمل والحكم (11).

قوله: (ولَوْ خَطَأً) أي: ولو قال قتلني خطأ (12) هذا هو المشهور أن ولاته يقسمون ويستحقون الدية، وقيل: لا قسامة مع ذلك وهو مروي عن مالك (13).

(1) انظر: النوادر والزيادات: 14/ 144 و 145.

(2)

في (ن 4): (المدعي).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 13/ 555، والبيان والتحصيل: 16/ 44.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 144.

(5)

انظر: البيان والتحصيل: 16/ 116.

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 146.

(7)

قوله: (فلان) ساقط من (ن).

(8)

انظر: المدونة: 4/ 640 و 641.

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 162.

(10)

في (ن 3): (يقتل).

(11)

انظر: التوضيح: 8/ 189.

(12)

قوله: (أي: ولو قال قتلني خطأ) زيادة من (ن).

(13)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 148.

ص: 296

قوله: (أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ) يريد: لو ادَّعى القتل مسخوط على أورع أهل زمانه، وهو المشهور، وقاله في المدونة (1)، وعن ابن عبد الحكم: لا يقبل قول المسخوط على العدل لبعد دعواه.

قوله: (أَوْ وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أنّه ذَبَحَهُ) أي: وكذا تثبت القسامة بقول الولد ذبحني أبي أو أضجعني (2) وشق بطني ونحوه، فيقسم ولاته خمسين يمينًا ويقتلون الأب وهذا على قول ابن القاسم لا على قول أشهب، فإن الوالد لا يقتل بابنه بحال (3). واحترز بقوله:(ذَبَحَنِي) مما إذا قال: رماني بحديدة ونحوها فإنه لا يقتل به، بل يقسمون ويأخذون الدية.

قوله: (أَوْ زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا) هذا هو ظاهر المذهب، ولابن مزين: لا يقبل قولها عليه؛ لأنه مأذون له في ضربها، وقد يتصل بالموت (4).

قوله: (إِنْ كَانَ جُرْحٌ) كان هنا تامة؛ أي: يقبل قول المقتول إذا حصل فيه جرح، وقد سبق أنه قول ابن القاسم، وبه العمل والحكم، وأن ظاهر المدونة قبول قوله وإن لم يكن فيه جرح (5).

قوله: (أَوْ أَطْلَقَ وَبَيَّنُوا) فإن قال: قتلني ولم يبين هل عمدًا أو خطأً بل أطلق، فإن لأوليائه أن يبينوا ذلك ويقسموا عليه، فإن أقسموا على العمد قَتَلُوا، أو على الخطأ أخذوا الدية، وهو المشهور، وقاله في المدونة (6)، ووقف ابن القاسم في العمد وقال: أحب إليَّ ألا يقسموا إلا على الخطأ (7). وعنه: يكشف عن حاله وجراحاته وموضعها، وعن حال القاتل والحالة التي كانت بينهما من العداوة وغيرها، فيستدل بذلك حتى

(1) انظر: المدونة: 4/ 646.

(2)

قوله: (أو أضجعني) ساقط من (ن 5).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 157.

(4)

انظر: التوضيح: 8/ 189.

(5)

قوله: (وقد سبق أنه قول ابن القاسم

وإن لم يكن فيه جرح) ساقط من (ن 5).

(6)

انظر: المدونة: 4/ 640.

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 149.

ص: 297

يظهر سبب يقسمون عليه حينئذٍ ويقتلون، فإن لم يظهر عمدًا ولا خطأً لم يقبل قولهم (1) كقول المقتول؛ لأن السنة إنما جاءت في قول المقتول (2)، واستحسنه اللخمي (3).

قوله: (لا خَالَفُوا) أي: فلا قسامة إذا خالفوا قول المقتول كما إذا قال: قتلني عمدًا وقالوا بل خطأ، أو قال خطأ، وقالوا: بل عمدا؛ لأنه إذا ادعى العمد فقد أبرأ العاقلة، وهم قد برؤوا القاتل، وفي العكس هو أبرأ القاتل وهم أبرؤوا العاقلة.

قوله: (وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ) يعني فإن رجعوا إلى قول المقتول بعد أن خالفوه لم يقبل رجوعهم لتعلق حق خصمهم بقولهم أولًا، لأنهم قد كذبوا أنفسهم وهذا هو الصحيح وهو قول أشهب، ولابن القاسم في المجموعة: يقبل رجوعهم؛ لأنه قال: إذا ادعوا خلاف قوله فليس لهم أن يحلفوا إلا على قوله (4).

قوله: (وَلَا إِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: عَمْدًا، وَبَعْضٌ: لا نَعْلَمُ، أَوْ نَكَلُوا) أي: وكذا لا قسامة إذا قال بعض الأولياء: قتله عمدًا، وقال بعضهم: لا نعلم هل قتله عمدًا أو خطأً، أو قال جميعهم قتله عمدًا، ونكلوا، وبطل الدم، وهو مذهب المدونة (5)، ولابن القاسم في العتبية: أن لمن قال عمدًا أن يحلف ويستحق نصيبه من الدية (6).

(1) قوله: (فإن لم يظهر عمدًا ولا خطأً لم يقبل قولهم) ساقط من (ن) و (ن 3).

(2)

انظر: الذخيرة: 12/ 293.

(3)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6489.

(4)

قوله: (يعني فإن رجعوا إلى قول

فليس لهم أن يحلفوا إلا على قوله) في (ن): (الصحيح عدم القبول لأنهم كذبوا أنفسهم وقد تعلق لخصمهم حق بما قالوا أولًا، فلا يسقط برجوعهم). وانظر: النوادر والزيادات: 14/ 148.

(5)

انظر: المدونة: 4/ 642.

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 152، وانظر: البيان والتحصيل: 16/ 45، وفي كلا الكتابين عزا هذا القول لأشهب وليس لابن القاسم، وقد قال ابن رشد في البيان والتحصيل 16/ 46 تعليقًا على هذه المسألة:(قول أشهب هذا إنه إن قال بعض الأولياء قتل عمدًا، وقال بعضهم قتل خطأ وهم في القُعْدُد سواء أقسموا كلهم واستحق الذين أقسموا على الخطأ نصف الدية على عاقلته، والذين أقسموا على العمد نصف الدية في ماله خلاف قول ابن القاسم في المدونة أنهم إن حلفوا كلهم كانت لهم دية الخطأ بينهم كلهم: الذين ادَّعَوا العمد والذين ادَّعَوا الخطأ)، بينما نجده في التوضيح =

ص: 298

قوله: (بِخِلافِ ذِي الْخَطَأ، فَلَهُ الْحِلِفُ، وَأَخْذُ نَصِيبِهِ) أي: بخلاف مدعي الخطأ إذا خالفه غيره فإنه يحلف على دعوته ويأخذ نصيبه من الدية، ولا شيء لغيره ممن نكل وادعى عدم العلم؛ لأن دعوى الخطأ مال فلا يبطل حق بعضهم بنكول البعض أو عدم علمه. الأبهري: وَالقياس ألا يمكنوا من الحلف (1).

قوله: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِمَا وَاسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ، وَلِلْجَمِيعِ دِيَةُ خَطَأٍ) يريد: أن الفريقين من الأولياء إذا اختلفوا في العمد والخطأ فقال بعضهم: قتله عمدًا، وقال الآخرون قتله خطأً -أي: ومات المقتول ولم يبين- فإنهم يحلفون، ويستحقون دية الخطأ.

قال في المدونة: لا سبيل إلى القتل (2). ولأشهب في الموازية: ولمن أقسم على الخطأ نصيبه على العاقلة، ولمن أقسم على العمد (3) نصيبه على الجاني (4).

ولا بد من كون الأولياء مستوِين بأن يكونوا كلهم (5) إخوة أو أولادًا أَو أعمامًا في درجة واحدة (6)، فإن اختلفت منازلهم ففي الموازية إذا قالت ابنته خطأ، وقالت العصبة: عمدا أن دمه هدر، ولا قسامة ولا قود ولا دية، ويحلف المدعى عليه ما قتله عمدا ويبرأ، وقال محمد: إن ادعى العصبة كلهم العمد لم ينظر إلى ورثته من النساء إذ لا عفو لهم مع الرجال، وإن قال العصبة كلهم قتله خطأ، وقال النساء عمدًا حلف العصبة خمسين يمينًا وكان لهم نصيبهم من الدية (7).

قوله: (وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ) أي: إذا مات المقتول ولم يبين فقال

= معزوًّا لابن القاسم كما هو هنا، انظر التوضيح خليل: 8/ 192.

(1)

انظر: عقد الجواهر: 3/ 1135.

(2)

انظر: المدونة: 4/ 642.

(3)

قوله: (ولمن أقسم على العمد) ساقط من (ن 4).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 152، وانظر: البيان والتحصيل: 16/ 45، وقد نقل هذا القول في النوادر والزيادات عن العتبية والمجموعة معزوًّا لأشهب، وكذلك وجدناه في البيان والتحصيل (العتبية) من سماع سحنون عن أشهب، بينما وجدناه في التوضيح منقولًا عن الموازية كما هو هنا انظر: التوضيح: 8/ 191.

(5)

قوله: (بأن يكونوا كلهم) زيادة من (ن).

(6)

قوله: (في درجة واحدة) زيادة من (ن).

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 150 و 151.

ص: 299

بعض الأولياء: قتله عمدًا، وبعضهم: خطأً، ثم نكل مدَّعُو الخطأ، فإن حق مدَّعيِ العمد يبطل ولا قسامة ولا دية؛ لأن الدية إنما وجبت لهم إذا حلف مدَّعُو الخطأ بالتبعية، لأنهم إنما يدعون الدم، وانظر على قول أشهب المتقدم. ثم أشار إلى المثال الثاني من أمثلة اللَّوْث بقوله:(وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ، أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا) أي: شهد شاهدان على الجرح أو الضرب، ومراده بالإطلاق سواء كان عمدًا أو خطأً.

قوله: (أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً) وكذلك شهادتهما على إقرار المقتول أن فلانًا قتله (1) عمدًا أو خطأً.

قوله: (ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ) أي: بعد معاينة البينة (2) للجرح أو الضرب، أو إقراره بذلك، يومًا فصاعدًا (3) ولو أكل وشرب.

قوله: (يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ) أي: فإذا ثبت ذلك أقسم الولاة لمن ضربه أو جرحه مات ولهم القصاص في العمد والدية في الخطأ، ولهم ترك القسامة والقصاص في الجراح مع العمد وديته في الخطأ.

قوله: (أَوْ شَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ) هذا مثال ثالث من أمثلة اللَّوْث، أي: وكذلك تتوجه القسامة إذا شهد شاهد واحد (4) بالجرح أو الضرب، وإليهما تعود الإشارة، و (مُطْلَقًا) أي: عمدًا أو خطأً، وهذا الذي ذكره هو مذهب المدونة (5)، وقال ابن عبد الحكم (6) وابن القاسم في روايه يحيى: لا قسامة بالشاهد الواحد (7)، ولا بد من ثبوت الموت كما قال؛ لأنه قبل ثبوته (8) يحتمل أن يكون حيًّا ولا قسامة في حي.

قوله: (أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا) أي: وكذا تثبت القسامة إذا شهد شاهد بإقرار

(1) قوله: (قتله) في (ن): (جرحه أو ضربه).

(2)

قوله: (معاينة البينة) في (ن 4): (معاينته).

(3)

قوله: (فصاعدًا) ساقط من (ن 4).

(4)

قوله: (واحد) ساقط من (ن).

(5)

انظر: المدونة: 4/ 649.

(6)

في (ن) و (ن 3) و (ن 5): (عبد الملك).

(7)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 141 و 142.

(8)

في (ن 3) و (ن 4): (موته).

ص: 300

المقتول أن فلانًا قتله عمدًا، واحترز بالعمد من الخطأ، فإنه لا يثبت بالشاهد الواحد؛ لأن قول المقتول في الخطأ جرى مجرى الشهادة؛ لأنه شاهد على العاقلة، والشاهد لا ينقل عنه إلا اثنان، وفي العمد إنما يطلب للمقتول (1) ثبوت الحكم لنفسه، وهو القصاص، ولابن القاسم: أنه لا يقسم مع الشاهد في ذلك (2).

قوله: (كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا) أي: كإقرار مقتول مع شهادة شاهد بمعاينته الجرح أو الضرب عمدًا أو خطأً، وهو مراده بالإطلاق، ولو سقط هذا الفرع لأخذ حكمه مما تقدم؛ لأن القسامة إذا ثبتت بالشاهد الواحد على ذلك فلأن تثبت به مع إقرار المقتول من باب الأولى.

قوله: (أَوْ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَأِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ) أي: وكذا تثبت القسامة إذا شهد على إقرار القاتل شاهد في الخطأ فقط، وأما في العمد فلا، ويريد: بشرط أن يكون المعترف في الخطأ مأمونًا لا يتهم في إغناء ورثة المقتول، وقاله في الذخيرة عن ابن زرب (3)، يريد: لأن الدية في الخطأ إنما تؤخذ من العاقلة، وقد تقدم الخلاف في ذلك عند قوله:(بلَا اعْتِرَافٍ).

(المتن)

وَإِنِ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ، وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، أَوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُهُ. وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ، وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ. وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلَا قَسَامَةٍ. وَإِنِ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى، وَلَم يُعْلَمِ الْقَاتِلُ، فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ؟ أوْ عَنِ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلَاتٌ. وَإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ، كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ.

(الشرح)

قوله: (وَإِنِ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ) أي: شاهدا القتل، فإن قال أحدهما: قتل بحجر، وقال الآخر: بل (4) بسيف، فإن الحق يبطل لتعارضهما، ولا يبقى إلا مجرد الدعوى

(1) قوله: (للمقتول) زيادة من (ن).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 141.

(3)

انظر: الذخيرة: 12/ 295.

(4)

في (ن 4): (قتل).

ص: 301

فليس للأولياء مع شهادة أحدهما أن يقسموا، وقاله في المدونة (1)، وقال سحنون: هذا إذا ادعى الأولياء بشهادتهما جميعًا، وأما إذا ادعوا شهادة أحدهما أولًا ففيه القسامة (2).

قوله: (وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ) هذا هو المثال الرابع من أمثلة اللَّوْث، وهو أن يشهد العدل بمعاينة القتل فيقسم الولاة مع شهادته ويستحقون الدم، وإنما قال:(فَقَطْ) إشارة منه إلى أن غير العدل لا يكون لوثًا، وهو المشهور، وقاله في المدونة (3)؛ لأن شهادة غير العدل ساقطة شرعًا (4)، وعن مالك أن شهادته لوث، ومثله المرأة (5)، ولم يختلف قوله (6) في الصبي والعبد والكافر أنه ليس بلوث.

قوله: (أَوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ، فِي دَمِهِ، والْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُهُ) هذا هو المثال الخامس، وهو أن يرى العدل القتيل يتشحط في دمه، والمتهم بالقتل واقف بالقرب منه، وعليه آثار القتل من التلطخ بالدم والمدية في يده ونحوه، وحكى ابن سهل أن العمل جارٍ عندهم أن هذا ليس بلوث (7).

قوله: (وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ) أي: ووجبت القسامة ولو تعدد اللوث، أي: كما إذا شهد شاهد بالقتل وقال المقتول: دمي عند فلان، ولا خلاف في ذلك، ونص عليه في المدونة (8) وغيرها.

قوله: (وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ) أي: وليس من اللوث وجود المقتول بقرية قوم أو دارهم، وهو مذهب مالك (9) وجماعة من الحجازيين، واختلف قول أصحابنا في كونه لوثًا في قصة "حويصة أو محيصة"، وهي وجود مسلم ببلد الكفار، وقال: ولا ينبغي أن يختلف في مثل ذلك.

(1) انظر: المدونة: 4/ 673.

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 9/ 94.

(3)

انظر: المدونة: 4/ 649.

(4)

قوله: (شرعا) ساقط من (ن 4).

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 139.

(6)

في (ن): (كلامه).

(7)

انظر: التوضيح: 8/ 196.

(8)

انظر: المدونة: 4/ 649.

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 83.

ص: 302

قوله: (وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلا قَسَامَةٍ) أي: شهد على شخص أنه قتل شخصًا، ودخل في جماعة فلم يعرف من جملتهم فإن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينًا أنه لم يقتله فإن حلفوا كلهم فالدية عليهم، وكذلك إن نكلوا كلهم، فإن حلف البعض ونكل البعض فالدية على من نكل فقط بغير قسامة من الأولياء، وهو مذهب ابن القاسم في العتبية، وقال سحنون: لا شيء عليهم (1). وقيل: وهو الأقرب.

قوله: (وَإِنِ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى، ولَمْ يُعْلَمِ الْقَاتِلُ، فَهَلْ لا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ، أَوْ عَنِ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلاتٌ) احترز بالبغاة من قتال الكفار ونحوهم، ومعنى كلامه: إذا اقتتل طائفتان من المسلمين لنائرة (2) أو عداوة، وقتل بينهما قتيل لا يعلم من قتله من الفريقين، فقيل: لا قسامة ولا قود مطلقًا، وهكذا وقع في المدونة (3)، ورجع إليه ابن القاسم (4)، وحملها بعضهم على هذا الظاهر.

ومراده بالإطلاق؛ أي: سواء ادعى المقتول دمه عند أحد أو قام له بذلك شاهد أم لا، فسرها ابن القاسم في العتبية والمجموعة فقال معنى قول مالك:"لا قسامة" إذا لم يدع الميت دمه عند أحد ولا قام له بذلك شاهد وأما إذا ادعى ذلك أو قام له شاهد فالقسامة، وهو قول أشهب و (5) مطرف، وابن الماجشون وأصبغ (6)، وقيل: معناها لا قسامة بالتدمية بخلاف الشاهد، وهذه التأويلات الثلاث على رواية المدونة، وفي الموطأ: العقل على كل فرقة للمصاب في الأخرى، فإن لم يكن منهما فالعقل عليهما (7)؛ أي: على كل فرقة في أموالهم، وقاله مالك ومحمد (8).

(1) انظر: النوادر والزيادات: 14/ 229.

(2)

في (ن 3): (لكغارة)، وفي (ن 5):(لغارة).

(3)

انظر: المدونة: 4/ 650.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 78.

(5)

قوله: (أشهب و) ساقط من (ن 4).

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 77.

(7)

انظر: الموطأ: 2/ 868، برقم:(1560).

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 76.

ص: 303

قوله: (وإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ) يعني: أن جميع ما تقدم إنما هو إذا كانت الطائفتان باغيتين لنائرة (1) أو عصبية من غير تأويل، فإن تأولتا فإن دم من قتل منهم يكون هدرًا، فإن تأولت واحدة دون الأخرى فما قتل من الباغية فهدر، وقاله ابن القاسم (2)، وروي معناه عن مالك، وذهب أصبغ إلى أنه يقتص منه سواء تاب أو أخذ قبل التوبة (3).

قوله: (كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ) أي: فإن دم مقتول (4) الزاحفة هدر، ودم الدافعة فيه القصاص (5).

(المتن)

وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا، وَإِنْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا، يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ الْمَقْتُولَ، وَإِنْ وَاحِدًا أَوِ امْرَأَةً، وَجُبِرَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا، وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَأَخُذُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَهَا، ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ. وَإِنْ نَكَلُوا، أَوْ بَعْضٌ حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ، فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ. وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةٍ؛ وَإِلَّا فَمَوَالٍ. وَلِلْوَلِيِّ الاِسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ، وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الأَكْثَرِ؛ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا، وَوُزِّعَتْ وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ.

(الشرح)

قوله: (وهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا) هذا تفسير القسامة، وهي خمسون يمينًا، وإنما شرط فيها التوالي لأنه أرهب وأوقع في النفس، واشترط كونها بتًّا؛ لأنه الذي ورد به النص في قصة حويصة ومحيصة، وقول الأولياء: كيف نحلف ولم نحضر؛ إذ لو كانت على العلم لما كانت غيبتهم (6) مانعة منها (7).

قوله: (وَإِنْ أَعْمَى، أَوْ غَائِبًا) أي: وإن كان الحالف (8) أعمى أو غائبًا (9) حين القتل،

(1) قوله: (لنائرة) في (ن 5): (لثأره).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 80، وانظر البيان والتحصيل: 15/ 518 و 519.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 543 و 544.

(4)

قوله: (مقتول) زيادة من (ن).

(5)

قوله: (قوله: "كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ"

فيه القصاص) ساقط من (ن 3).

(6)

في (ن 3): (عندهم).

(7)

قوله: (منها) في (ن): (هنا).

(8)

في (ن 5): (الجاني).

(9)

قوله: (أي: وإن كان الحالف أعمى أو غائبًا) ساقط من (ن).

ص: 304

وقاله في المدونة (1). إذْ العمى والغيبة لا يمنعان من تحصيل أسباب العلم.

قوله: (يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ) أي: فلا يحلفها من لا يرث، ويحلفها من الورثة المكلفون واحدًا وجماعة ذكرًا أو أنثى، ولهذا قال:(وَإِنْ وَاحِدًا، أَوِ امْرَأَةً).

قوله: (وَجُبِرَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا) اعلم أن لهذه اليمين ثلاثة أحوال، تارة لا ينكسر منها شيء كاثنين (2) يحلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينًا، وتارة ينكسر منها يمين أو أيمان، ويختلف (3) أيضًا الورثة في أجزائها كابن وبنت فينوب الابنَ نحو الثلثين ثلاثة وثلاثين وثلث، وينوب البنت الثلث ستة عشر يمينًا وثلثا يمين، فقد صح (4) أن البنت ينوبها من اليمين المنكسرة أكثر كسرها فتحلفها هي دون الابن كما قال هنا، وقيل: يحلف كل واحد منهما يمينًا، وفي المقدمات: يحلفها أكثرهم نصيبًا من الأيمان (5)، وهو الابن في الفرض المذكور.

وتارة تنكسر ويتساوى الورثة في الجزء المنكسر كثلاثة بنين أو أربعة فيحلف كل واحد يمينًا، وهو معنى قوله:(وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ) أي: وإن لم يكن الكسر أكثر بل كان الكسر مساويًا فيحلف كل واحد يمينًا، وقيل: بالقرعة.

قوله: (وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَهَا) أي: لو غاب أحد الورثة أو نكل وأراد غيره ان يحلف نصيبه من الأيمان ويأخذ ما ينوبه من الدية لم يكن له ذلك حتى يحلف جميع أيمان القسامة؛ إذ لا يلزم العاقلة شيء من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميع أيمان القسامة (6).

قوله: (ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ) أي: فإذا وجبت الدية بأيمان من تقدم فمن حضر بعد ذلك حلف نصيبه من الأيمان وأخذ حصته من الدية، ولا يجتزئ بيمين من

(1) انظر: المدونة: 4/ 648.

(2)

في (ن): (كابنين).

(3)

في (ن 4): (ويحلف).

(4)

في (ن): (علمت).

(5)

انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 395.

(6)

قوله: (إذ لا يلزم العاقلة

جميع أيمان القسامة) ساقط من (ن 5).

ص: 305

حضر قبله ولو حلف الخمسين (1).

قوله: (وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ (2) حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ) أي: وإن نكل ورثة أو بعضهم عن القسامة ردت الأيمان على العاقلة فحلفوا كلهم. ابن القاسم: ولو كانوا عشرة آلاف رجل فمن حلف لم يلزمه الغرم، ومن نكل لزمه ما يجب عليه والقاتل كرجل (3) منهم (4). ابن رشد: وهو أبين الأقاويل، وأصحها في النظر (5)، وإليه أشار بقوله:(فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ).

وقال أيضًا ابن القاسم: يحلف من العاقلة خمسون رجلًا يمينًا يمينًا، فإن حلفوا برئوا هم والعاقلة، وإن حلف بعضهم برئوا ولزم بقية العاقلة الدية كاملة حتى يتموا الخمسين. وقال عبد الملك: إن نكلوا أو بعضهم فلا حق لمن نكل، ولا يمين على العاقلة، وعن مالك: إن اليمين يرجع على المدعى عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء (6).

قوله: (وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِن رَجُلَيْنِ) قال ابن القاسم: وكأنها من ناحية الشهادة (7)؛ أي: ولا يقبل فيها أقل من رجلين، ومثله عن أشهب، وعبد الملك، ولهذا لا يحلف النساء في العمد لعدم شهادتهن فيه (8).

قوله: (عَصَبَةً) أي: للقتيل وسواء ورثوا أم لا.

قوله: (وَإِلَّا فَمَوَالٍ) أي: فإن لم يكن عصبة من جهة النسب فالموالي؛ أي: الأعلون.

قوله: (وَللْوَلِيِّ الاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ) أي: فإن كان الولي واحدًا فله أن يستعين بواحد من عصبته؛ أي: ممن يلتقي معه في أب معروف يوارثه به.

(1) قوله: (ولا يجتزئ بيمين من حضر قبله ولو حلف الخمسين) زيادة من (ن).

(2)

في (ن): (بعضهم).

(3)

قوله: (والقاتل كرجل) ساقط من (ن 4).

(4)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 482.

(5)

انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 396.

(6)

انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 396.

(7)

انظر: المدونة: 4/ 643.

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 185.

ص: 306

قوله: (وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الأَكْثَرِ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا) أي: إذا وجد الولي واحدًا من عصبته حلف كلّ واحد منهما خمسًا وعشرين يمينًا، وإن وجد أكثر قسمت الإيمان على عددهم، فإن رضي أحد المعينين أو جميعهم أن يحلف أكثر من نصيبه لَمْ يجز، وإن رضي الولي أن يحلف أكثر من نصيبه جاز، ما لَمْ يزد على نصف الإيمان.

قوله: (وَوُزِّعَتْ) أي: الأيمان على عدد المستحقين إن كانوا خمسين فأقل، فلو كان ولدان حلف كلّ واحد نصفها فإن طاوع أحدهما أن يحلف أكثر من نصيبه لَمْ يجز، وإن كانوا ثلاثة حلف كلّ واحد سبع عشرة يمينًا، وكذلك يوزعون الأيمان (1).

قوله: (وَاجْتُزِئَ بِاثْنينِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ) يريد: أن ولاة الدم إذا كانوا أكثر من اثنين فقال ابن القاسم: يجتزئ منهم باثنين بشرط أن يكونا متطوعين بذلك، وأن لا يكون ذلك نكولًا ممن لَمْ يحلف، ولأشهب وعبد الملك والمغيرة: لا بد من حلف الجميع، ولا يجتزئ بحلف البعض، وهو كالنكول ممن لَمْ يحلف (2).

(المتن)

وَنكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا اسْتِعَانَةَ. وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ؛ بِخِلَافِ عَفْوِهِ، وَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ. وَلَا يُنْظَرُ صَغِيرٌ، بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ إِلَّا أَلَّا يُوجَدَ غَيرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ، وَالصَّغِيرُ مَعَهُ. وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا. وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حُبِسَ، فَلَوْ قَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ. فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوِ اسْتَهَلَّ.

(الشرح)

قوله: (وَنكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) يريد: أن من أعان غيره في الإيمان لا يعتبر نكوله؛ إذ لا حق له في الدم، ولأنه قد يتهم في ذلك برِشاء (3) وغيره، وإذا نكل المستعين، وكان المستحق للدم واحدًا، فإن وجد من يستعين به غير هذا الناكل حلف معه، وإلا بطل

(1) قوله: (قوله: وَوُزِّعَتْ

وكذلك يوزعون الأيمان) ساقط من (ن 3).

(2)

قوله: (وهو كالنكول ممن لَمْ يحلف) زيادة من (ن)، وانظر النوادر والزيادات: 14/ 185 و 186.

(3)

قوله: (برشاء) في (ن): (ابن شاس).

ص: 307

الدم؛ إذ لا يحلف في العمد (1) أقلّ من رجلين.

قوله: (بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا) أي: بخلاف غير المعين، فإنه إذا نكل سقط القود ولا خلاف فيه، إذا استوى الأولياء في الدرجة، واختلف إذا لَمْ يستووا كأولاد العم مع أبيهم، ونحو ذلك، فالمشهور أيضًا سقوط القود (2)، قاله الباجي (3)، وقيل: لا يسقط إلَّا باجتماعهم، وقال ابن نافع: إن كان على وجه العفو حلف من بقي، وأخذ الدية، وإن كان على وجه التورع حلفوا وقتَلُوا، واختلف هل وفاق أو خلاف، وقال ابن القاسم: إذا كان العفو قبل القسامة بطل القتل والدية، وإن كان بعدها بطل القتل وكان لمن بقي حصته من الدية (4)، وأبطل عبد الملك الدية مطلقًا (5)، ولا فرق عند الجميع بين العفو والنكول.

قوله: (فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) أي: وإذا نكل أحد الأولياء وسقط الدم ردت الإيمان على المدعى عليهم، وهكذا روي عن مالك، وعنه أن لمن بقي حظهم من الدية إن حلفوا (6)، ابن عبد السلام: والأول أظهر (7).

قوله: (يَحْلِفُ كُلٌّ) أي: يحلف كلّ واحد من المدعي عليهم خمسين يمينًا إن كانوا جماعة، وإن كان واحدًا حلف خمسين، ومن نكل منهم حبس حتى يحلفها، وقيل: تؤخذ الدية من ماله، وقيل: يحبس حتى يحلف أو يطول حبسه (8).

قوله: (وَلَا اسْتِعَانَةَ) أي: للمدعى عليه، وقاله في المدونة (9)، وهو قول مطرف (10)،

(1) في (ن 4): (الدم).

(2)

قوله: (ولا خلاف فيه

فالمشهور أيضًا سقوط القود) ساقط من (ن 3).

(3)

انظر: المنتقى: 8/ 455.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 208.

(5)

انظر: المقدمات الممهدات: 2/ 394.

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 207 و 208.

(7)

انظر: التوضيح: 8/ 205.

(8)

في (ن): (سجنه).

(9)

انظر: المدونة: 4/ 643.

(10)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 201.

ص: 308

وقال ابن القاسم: له ذلك، وحمل أبو الحسن المدونة عليه. ولابن القاسم أيضًا في العتبية والموازية: أن المدعى عليه بالخيار بين أن يحلف جميع الإيمان أو يحلفها المتهم وحده (1)، ابن عبد السلام: والقول الأول أظهر (2).

قوله: (وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ؛ بِخِلَافِ عَفْوِهِ، وَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ) وإن أكذب أحد الأولياء نفسه سقط القود، وإن عفا حلف من بقي وكان له نصيبه من الدية (3).

قوله: (وَلَا يُنْظَرُ صَغِيرٌ) يريد: أن الميت إذا كان له وليان (4)، إما في درجة واحدة أو بالاستعانة، لَمْ ينظر بلوغ الصغير (5)، فإن الكبير يحلف حصته الآن وهي خمس وعشرون يمينًا، ولا يؤخر إلى بلوغ الصغير؛ لأنه قد يموت قبل ذلك فيبطل الدم.

قوله: (بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ إِلَّا أَلَّا يُوجَدَ غَيرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ) قال في المدونة: وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسم فإنه ينتظر إفاقته؛ لأن هذا مرض من الأمراض يزول عن قرب (6). وقوله: (إِلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ) الضمير للصغير؛ أي: إلَّا أن لا يوجد غير الصغير، والاستثناء من قوله:(وَلَا يُنْتَظَرُ صَغِير)(7).

قوله: (وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) أي: حال اليمين؛ لأنه أرهب (8)، والجملة في محل الحال.

قوله: (وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، مِنْ وَاحِدٍ) أي: ووجب بالقسامة الدية في الخطأ، والقصاص في العمد، ولا يقتل بها إلَّا واحد؛ لأنه أضعف من الإقرار والبينة، وهذا هو الصحيح، وقيل: يقتل بها أكثر من واحد.

(1) انظر: النوادر والزيادات: 14/ 201 و 202.

(2)

انظر: التوضيح: 8/ 205.

(3)

قوله: (سقط القود

نصيبه من الدية) في (ن): (بعد القسامة بطل الدم؛ يريد: والدية، ولم يكن لمن بقي شيء من الدية وإن قبضوها ردوها. قوله: بخلاف عفوه. أي: بخلاف ما إذا عفا أحد الأولياء عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة فإنه يكون لمن بقي نصيبه من الدية).

(4)

زاد بعدها في (ن): (كبيران).

(5)

زاد بعدها في (ن): (وأقسم وقتلا، فإن كان أحدهما صغيرًا).

(6)

انظر: المدونة: 4/ 663.

(7)

قوله: (قال في المدونة .... من قوله: وَلَا يُنتظَرُ صَغِير) زيادة من (ن).

(8)

في (ن 5): (راهب).

ص: 309

قوله: (يُعَيَّنَ لَهَا) أي: للقسامة، فلا يقسمون إلا على عين من يريدون قتله، ويعينوه من الجماعة الذين شملهم اللوث. ابن القاسم: ويقسمون (1) لمات من ضربه، ولا يقولون من ضربهم (2)، وهذا في العمد، وأما في الخطأ فلا يقسمون إلَّا على جميعهم توزع الدية على عواقلهم، ولا فرق بين كون الضرب واحدًا أو متعددًا (3)، ولسحنون: إن كان واحدًا كقوم حملوا صخرة فالقسامة على الجميع في العمد والخطأ، وإن كان الضرب متفرقًا فلا يُقْسَم إلَّا على واحد، وقال أيضًا: لهم أن يقسموا على الجماعة، ثم يختارون واحدًا للقتل (4).

قوله: (وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حُبِسَ) يريد: من أقام شاهدًا على أحد هذه الأمور لَمْ يطلب بقسامة، ولكن يحلف يمينًا واحدة على ما شهد به شاهده، ويأخذ دية ذلك، فإن نكل عن اليمين قيل للجارح احلف، فإن حلف بريّ، وإن نكل حبس حتى يحلف، وكان ابن القاسم يقول: يقتص منه، ثم رجع وقال أيضًا: إذا طال سجنه ولم يحلف عوقب وأطلق، إلَّا أن يكون متمردًا فيخلد في السجن (5).

قوله: (فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ. فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوِ اسْتَهَلَّ) أي: فلو قالت امراة: دمي وجنيني عند فلان فإن القسامة تتوجه فيها نفسها، ولا قسامة في الجنين؛ لأنه كالجرح وهو لا قسامة فيه، وهو بمنزلة ما لو قالت: جرحني فلان، وهو غير مسموع، ولا فرق بين أن يستهل الجنين أم لا، أما لو ثبت موتها (6) وخرج الجنين ميتًا بعدُ لكان (7) في الأم القسامة؛ لأنَّها نفس، ويحلف وَلِيُّ الجنين يمينًا واحدة ويأخذ ديته، فإن استهل ففيه القسامة أيضًا (8).

(1) في (ن 4): (ويقولون).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 171.

(3)

انظر: المدونة: 4/ 661.

(4)

انظر: التوضيح: 8/ 207.

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 14/ 213 و 214.

(6)

في (ن 4): (لوثها).

(7)

قوله: (بعدُ لكان) في (ن): (بعد أن كان)، وفي (ن 5):(بعدل كان).

(8)

قوله: (أما لو ثبت موتها .... ففيه القسامة أيضًا) ساقط من (ن 3).

ص: 310