الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[796]
قَوْلُهُ (يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) قِيلَ أَيْ يُبَالِغُ فِي طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِيهَا قَالَ القارىء وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي زِيَادَةِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا) أَيْ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ
4 -
(بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ فِي الشِّتَاءِ)
[797]
قَوْلُهُ (عَنْ نُمَيْرِ) بضم النون وفتح الميم مصغرا (بن عَرِيبٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ) بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ يُقَالُ لَهُ صُحْبَةٌ وذكره بن حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فِي التَّابِعِينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ) لِوُجُودِ الثَّوَابِ بِلَا تَعَبٍ كَثِيرٍ وَفِي الْفَائِقِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ هِيَ الَّتِي تَجِيءُ عَفْوًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصْطَلِيَ دُونَهَا بِنَارِ الْحَرْبِ وَيُبَاشِرُ حَرَّ الْقِتَالِ فِي الْبَلَاءِ وَقِيلَ هِيَ الْهَيْئَةُ الطَّيِّبَةُ مأخوذة مِنَ الْعَيْشِ الْبَارِدِ وَالْأَصْلُ فِي وُقُوعِ الْبَرْدِ عِبَارَةٌ عَنِ الطِّيبِ وَالْهَنَاءَةِ أَنَّ الْمَاءَ وَالْهَوَاءَ لما كان طيبهما ببردهما خصوصا في بلاد الحارة قيل ماء بارد وهواء بارد على طَرِيقِ الِاسْتِطَابَةِ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى قِيلَ عَيْشٌ بَارِدٌ وَغَنِيمَةٌ بَارِدَةٌ وَبَرَدَ أَمْرُنَا
قَالَ الطِّيبِيُّ وَالتَّرْكِيبُ مِنْ قَلْبِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ أَصْلَ الصَّوْمِ فِي الشِّتَاءِ كَالْغَنِيمَةِ الْبَارِدَةِ وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ أَنْ يَلْحَقَ النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ كَالْأَسَدِ فَإِذَا عُكِسَ وَقِيلَ الْأَسَدُ كَزَيْدٍ يُجْعَلُ الْأَصْلُ كَالْفَرْعِ وَالْفَرْعُ كَالْأَصْلِ يَبْلُغُ التَّشْبِيهُ إِلَى الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى فِي الْمُبَالَغَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّ
الصائم يجوز الْأَجْرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ حَرُّ الْعَطَشِ أَوْ يُصِيبَهُ أَلَمُ الْجُوعِ مِنْ طُولِ الْيَوْمِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ عَامِرُ بْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي الْإِكْمَالِ عَامِرُ بن مسعود عو عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي وهو بن أخي صفوان بن أُمَيَّةَ رَوَى عَنْهُ نُمَيْرُ بْنُ عَرِيبٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الصَّوْمِ وَقَالَ هُوَ مُرْسَلٌ لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وقد أورده بن مندة وبن عبد البر في أسماء الصحابة وقال بن مَعِينٍ لَا صُحْبَةَ لَهُ انْتَهَى
وَحَدِيثُ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا (هُوَ وَالِدُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ الْقُرَشِيُّ) قال بن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ لَا بَأْسَ بِهِ
5 -
بَاب مَا جَاءَ (وَعَلَى الذين يطيقونه)[798] أَيْ بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ مَنْسُوخٌ
قَوْلُهُ (لَمَّا نَزَلَتْ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) أي الصوم إن أفطروا (فدية) مرفوع على الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ هُوَ قَوْلُهُ (وَعَلَى الَّذِينَ) وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ فِدْيَةٌ بِالتَّنْوِينِ وَهِيَ الْجَزَاءُ وَالْبَدَلُ مِنْ قَوْلِكَ فَدَيْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أَيْ هَذَا بِهَذَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (طَعَامُ مِسْكِينٍ) بَيَانٌ لِفِدْيَةٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا وَهُوَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ مُدٌّ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (كان من أراد من أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ فَعَلَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالشَّيْخَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ حَتَّى أُنْزِلَتْ هذه الاية
فمن شهد منكم الشهر فليصمه (حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) أَيْ فَمَنْ شهد منكم الشهر فليصمه كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ (فَنَسَخَتْهَا) أَيْ فنسخت الثانية والأولى وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تعالى وعلى الذين يطيقونه مَنْسُوخٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْحَقُّ
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَرَاحَةً مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عن بن عمر أنه قرأ (فدية طعام مساكين) قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ نسخت هذه الاية وعلى الذين يطيقونه الَّتِي بَعْدَهَا فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمِ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ انتهى
وفي صحيح البخاري قال بن نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ حدثنا بْنِ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ عَمَّنْ يُطِيقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ يَعْنِي رواية سلمة وبن عمر وبن أَبِي لَيْلَى عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَعَلَى الَّذِينَ يطيقونه فدية منسوخ وخالف في ذلك بن عَبَّاسٍ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَكِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بالشيخ الكبير ونحوه انتهى
قلت مذهب بن عَبَّاسٍ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ (يُطَوَّقُونَهُ) بصيغة المجهول من التطويق وهي قراءة بن مَسْعُودٍ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (يُطِيقُونَهُ) مِنْ أَطَاقَ يُطِيقُ
رَوَى الْبُخَارِيُّ في صحيحه عن عطاء سمع بن عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مسكين قال بن عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ (يُطَوَّقُونَهُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفُ الطَّاءِ مِنْ طُوِّقَ بِضَمِّ أوله بوزن قطع وهذه قراءة بن مَسْعُودٍ أَيْضًا وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طريق بن أبي نجيح عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ (يُطَوَّقُونَهُ) يُكَلَّفُونَهُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ حسن أي يكلفونه إطاقته انتهى
وقال فيه أيضا ورجح بن الْمُنْذِرِ النَّسْخَ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ وَأَنْ تَصُومُوا خير لكم قَالَ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ لَمْ يُنَاسَبْ أَنْ يُقَالَ لَهُ (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) مَعَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو داود والنسائي (ويزيد هو بن أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ