المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌38 - ثم بين وقت مجيء العذاب، فقال: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٨

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌57

- ‌58

- ‌59

- ‌60

- ‌سورة الطور

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌سورة النجم

- ‌(1):

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌(13)}

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌(24)}

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌(33)

- ‌(34)}

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌57

- ‌58

- ‌59

- ‌60

- ‌61

- ‌62

- ‌سورة القمر

- ‌(1)}

- ‌2

- ‌(3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌سورة الرحمن

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌(46)}

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌57

- ‌58

- ‌59

- ‌60

- ‌61

- ‌62

- ‌63

- ‌64

- ‌65

- ‌66

- ‌67

- ‌68

- ‌69

- ‌70

- ‌71

- ‌72

- ‌73

- ‌74

- ‌75

- ‌76

- ‌77

- ‌78

- ‌سورة الواقعة

- ‌(1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌(40)}

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌57

- ‌58

- ‌59

- ‌60

- ‌61

- ‌62

- ‌63

- ‌64

- ‌65

- ‌66

- ‌67

- ‌68

- ‌69

- ‌70

- ‌71

- ‌72

- ‌73

- ‌74

- ‌75

- ‌76

- ‌77

- ‌78

- ‌79

- ‌80

- ‌81

- ‌82

- ‌83

- ‌84

- ‌85

- ‌86

- ‌87

- ‌88

- ‌89

- ‌ 90

- ‌91

- ‌ 92

- ‌93

- ‌94

- ‌95

- ‌96

- ‌سورة الحديد

- ‌(1):

- ‌2

- ‌(3):

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

الفصل: ‌ ‌38 - ثم بين وقت مجيء العذاب، فقال: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ

‌38

- ثم بين وقت مجيء العذاب، فقال:{وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً} ؛ أي: أول النهار وباكره؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد جاءهم وقت الصبح {عَذَابٌ} ، أي: الخسف والحجارة {مُسْتَقِرٌّ} ؛ أي: يستقر بهم، ويثبت لا يفارقهم، حتى يفضي بهم إلى النار. يعني: جاءهم عذاب دائم متصل بعذاب الآخرة. وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن ما قبله من عذاب الطمس ينتهي به؛ أي: مستقر لم يكشفه عنهم كاشف، بل اتصل بموتهم، ثم بما بعد ذلك من عذاب القبر، ثم عذاب جهنم.

وقرأ الجمهور: {بُكْرَةً} بالتنوين. أراد بكرة من البكر، فصرف. وقرأ زيد بن عليّ بغير تنوين.

والحاصل: أن العذاب الذي هو قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسفلها، ورميهم بالحجارة غير العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين، فإنه عذاب دنيوي غير موصول بعذاب الآخرة، وأما عذاب الخسف والحجارة فموصول به؛ لأنّهم بهذا العذاب ينتقلون إلى البرزخ الموصول بالآخرة، كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم "من مات فقد قامت قيامته" من حيث اتصال زمان الموت بزمان القيامة. كما أنَّ أزمنة الدنيا يتصل بعضها ببعض.

والمعنى: ولقد نزل بهم العذاب وقت البكور، وما زال ملحًا عليهم حتى أخمدهم، وبلغ غايته من دمارهم وهلاكهم.

‌39

- ثم حكى ما قيل لهم بعد التصبيح من جهته تعالى تشديدًا للعذاب فقال: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} ؛ أي: فذوقوا جزاء أفعالكم من عذاب عاجل، وما لزم من إنذاركم من عذاب آجل.

‌40

- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)} هذه الجملة القسمية وردت في آخر كل قصة من القصص الأربع تقريرًا لمضمون ما سبق من قوله: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)} ، وتنبيهًا إلى أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الإدكار، كافية في الازدجار، ولم يحصل بها مع هذا عظة واعتبار. وقد مر ما في هذه الآية من الكلام، وفيه استئناف للتنبيه والإيقاظ، لئلا يغلبهم السهو، والغفلة، وكذا تكرير قوله تعالى:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)} في سورة الرحمن، وقوله في سورة المرسلات:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} ، ونحوهما من الأنباء، والقصص،

ص: 228

والمواعيد، والزواجر، والقواطع كما مر، فإن في التكرير تقريرًا للمعاني في الأسماع والقلوب، وتثبيتًا لها في الصدور، وكلما زاد تكرير الشيء، وترديده كان أقر له في القلب، وأمكن في الصدور، وأرسخ في الفهم، وأثبت للذكر وأبعد من النسيان.

الإعراب

{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)} .

{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} فعل، وفاعل، معطوف على ما قبله. {وَإِنْ} الواو: استئنافية، {إِنْ} حرف شرط جازم، {يَرَوْا} فعل، وفاعل، مجزوم بـ {إِنْ} الشرطية على كونه فعل شرط لها، {آيَةً} مفعول به، لأن رأى بصرية، {يُعْرِضُوا} فعل، وفاعل، مجزوم بـ {إن} الشرطية على كونه جواب الشرط. والجملة الشرطية مستأنفة. {وَيَقُولُوا} فعل، وفاعل، معطوف علي {يُعْرِضُوا} . {سِحْرٌ} خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا سحر، {مُسْتَمِرٌّ} صفة لسحر. والجملة في محل النصب، مقول لـ {يَقُولُوا} . {وَكَذَّبُوا} {الواو} عاطفة، {كَذَّبُوا} فعل، وفاعل، معطوف على جملة {إن} الشرطية. {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} فعل وفاعل، ومفعول به، معطوف علي {كَذَّبُوا} . {وَكُلُّ أَمْرٍ} {الواو} استئنافية، {وَكُلُّ أَمْرٍ} مبتدأ، {مُسْتَقِرٌّ} خبره. والجملة مستأنفة. {وَلَقَدْ} {الواو} استئنافية، واللام موطئة للقسم، {قَدْ} حرف تحقيق، {جَاءَهُمْ} فعل، ومفعول به، {مِنَ الْأَنْبَاءِ} حال من {مَا} {مَا} اسم موصول في محل الرفع، فاعل، {فِيهِ} خبر مقدم، {مُزْدَجَرٌ} مبتدأ مؤخر. والجملة صلة الموصول، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. {حِكْمَةٌ} خبر لمبتدأ، أو بدل من {مَا} الموصولة، {بَالِغَةٌ} صفة لـ {حِكْمَةٌ}. {فَمَا} الفاء: عاطفة، {مَا} . نافية أو استفهامية للإنكار، في محل النصب مفعول مطلق لتغني؛ أي: فأيُّ إغناء تغني النذر. {تُغْنِ} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الباء المحذوفة لفظًا لالتقاء الساكنين المحذوفة خطًا تبعا للفظ، منع من

ص: 229

ظهورها الثقل؛ لأنّه فعل معتل بالياء. {النُّذُرُ} فاعل. والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم.

{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)} .

{فَتَوَلَّ} {الفاء} عاطفة، {تَوَلَّ} فعل أمر، مبني على حذف حرف العلّة، وفاعله ضمير يعود على محمد، {عَنْهُمْ} متعلق بـ {تولّ} . والجملة معطوفة على جملة {تُغْنِ} . {يَوْمَ} منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر أو بـ {يَخْرُجُونَ} ، {يَدْعُ} فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين لفظًا المحذوفة خطًّا تبعًا للفظ، {الدَّاعِ} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لفظًا تبعًا لخط المصحف العثماني. والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ {يَوْمَ}. {إِلَى شَيْءٍ}: متعلق بـ {يَدْعُ} ، {نُكُرٍ} صفة لـ {شَيْءٍ} . {خُشَّعًا} حال من فاعل {يَخْرُجُونَ} ، {أَبْصَارُهُمْ} فاعل {خُشَّعًا} ، {يَخْرُجُونَ} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {مِنَ الْأَجْدَاثِ} متعلق بـ {يَخْرُجُونَ} ، {كَأَنَّهُمْ} ناصب واسمه، {جَرَادٌ} خبره، {مُنْتَشِر} صفة {جَرَادٌ} . وجملة {كَأَنّ} في محل النصب حال ثانية من فاعل {يَخْرُجُونَ} . {مُهْطِعِينَ} حال ثالثة من فاعل {يَخْرُجُونَ} . {إِلَى الدَّاعِ} متعلق بـ {مُهْطِعِينَ} ، {الدَّاعِ} مجرور بـ {إِلَى} ، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لفظًا تبعًا للرسم العثماني. {يَقُولُ الْكَافِرُونَ} فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا وقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فما يكون حينئذٍ؟ فقيل: يقول الكافرون الخ. وجوز بعضهم أن تكون الجملة حالًا من فاعل {يَخْرُجُونَ} . فالأحوال من {الواو} حينئذٍ أربعة. واحد مقدم، وثلاثة مؤخرة. {هَذَا يَوْمٌ} مبتدأ وخبر، {عَسِرٌ} صفة {يَوْمٌ} . والجملة في محل النصب مقول يقولون.

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)} .

{كَذَّبَتْ} فعل ماض، {قَبْلَهُمْ} ظرف مضاف، متعلق بـ {كَذَّبَتْ} ، {قَوْمُ نُوحٍ}

ص: 230

فاعل، والجملة مستأنفة. {فَكَذَّبُوا} {الفاء} عاطفة، {كَذَّبُوا} فعل، وفاعل، {عَبْدَنَا} مفعول به. والجملة معطوفة على جملة {كَذَّبَتْ} . {وَقَالُوا} فعل، وفاعل، معطوف على {كَذَّبُوا} ، {مَجْنُونٌ} خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو مجنون. والجملة في محل النصب مقول قالوا. {وَازْدُجِرَ} الواو: عاطفة، {ازْدُجِرَ} فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على نوح. والجملة الفعلية في محل النصب، معطوفة على جملة هو مجنون على كونها مقولًا لـ {قالوا}؛ أي: قالوا: هو مجنون، وازدجرت الجن؛ أي: تخبطته، وذهبت بلبّه. {فَدَعَا} الفاء: عاطفة، {دَعَا رَبَّهُ} فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على نوح، ومفعول به. والجملة معطوفة على جملة {كَذَّبُوا} . {أَنِّي مَغْلُوبٌ} ناصب واسمه وخبره، وجملة {أنّ} وما في حيّزها في محل نصب بنزع الخافض؛ أي: بأني مغلوب على حكاية المعنى، ولو جاء على حكاية اللفظ لقال: أنّه مغلوب. {فَانْتَصِرْ} الفاء: حرف عطف وتفريع، {انْتَصِرْ} فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. والجملة معطوفة على جملة {أَنِّي مَغْلُوبٌ} على تضمين دعا بمعنى قال. {فَفَتَحْنَا} الفاء: عاطفة، {فتحنا} فعل، وفاعل، {أَبْوَابَ السَّمَاءِ} مفعول به. والجملة معطوفة على جملة {دَعَا} . {بِمَاءٍ} متعلق بفتحنا، والباء: للتعدية على المبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها، كما تقول: فتحت بالمفتاح. ويجوز أن تكون الباء للملابسة، متعلقة بمحذوف حال من {أَبْوَابَ السَّمَاءِ}؛ أي: متلبسة بماء منهمر. {مُنْهَمِرٍ} صفة {مَاءٍ} ، {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ} فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على {فَتَحْنَا} ، {عُيُونًا} تمييز محول عن المفعول، {فَالْتَقَى} الفاء: عاطفة، {التقى الماء} فعل، وفاعل، معطوف على {فجرنا} ، {عَلَى أَمْرٍ} متعلق بـ {التقى}؛ و {عَلَى} للتعليل؛ أي: اجتمع الماء لأجل إغراقهم المقضي أزلًا. وجملة {قَدْ قُدِرَ} صفة لأمر. {وَحَمَلْنَاهُ} فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على جملة قوله:{فَالْتَقَى} . {عَلَى ذَاتِ} متعلق بـ {حملنا} ، {أَلْوَاحٍ} مضاف إليه، {وَدُسُرٍ} معطوف على {أَلْوَاحٍ} .

{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)} .

{تَجْرِي} فعل مضارع، مرفوع، وفعله ضمير يعود على سفينة ذات ألواح. والجملة الفعلية في محل الجر، صفة {ذَاتِ أَلْوَاحٍ} . {بِأَعْيُنِنَا} حال من فاعل

ص: 231

{تَجْرِي} ؛ أي: حالة كونها محفوظة {بِأَعْيُنِنَا} ، {جَزَاءً} مفعول لأجله لمحذوف، تقديره: فعلنا ذلك جزاء، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال. {لِمَن} متعلق بـ {جَزَاءً} ، وجملة {كَانَ} صلة {لِمَنْ} ، وجملة {كُفِرَ} ، خبر {كَانَ} ، {وَلَقَدْ} الواو: استئنافية، واللام موطئة للقسم، {قد} حرف تحقيق، {تَرَكْنَاهَا} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. والضمير يعود على الفعلة. وهي إغراقهم على الشكل المذكور. وأجاز الزمخشري أن يعود على السفينة. و {آيَةً} حال من ضمير المفعول أو مفعول ثان لـ {تركنا} ، إذا كان تركنا بمعنى جعلناها. {فَهَلْ} الفاء: عاطفة، {هل} حرف استفهام للإنكار، {مِنْ} زائدة، {مُدَّكِرٍ} مبتدأ خبره محذوف، تقديره: موجود. والجملة معطوفة على جملة {تَرَكْنَاهَا} . {فَكَيْفَ} الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا علمتم ما حل بهم جميعًا جزاء وفاقًا لعملهم، وأردتم التعجب من ذلك فأقول لكم كيف كان عذابي. {كيف} اسم استفهام، في محل النصب، خبر {كاَنَ} مقدم، {كَانَ عَذَابِي} فعل ناقص واسمه، {وَنُذُرِ} معطوف على {عَذَابِي} تبعه بالرفع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة؛ اجتزاء عنها بكسرة المناسبة لضرورة الفاصلة، وجملة {كَانَ} في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، {وَلَقَدْ} الواو: عاطفة، واللام موطئة للقسم، {قد} حرف تحقيق، {يَسَّرْنَا} فعل، وفاعل، {الْقُرْآنَ} مفعول به، {لِلذِّكْرِ} متعلق بـ {يَسَّرْنَا} . والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم السابق. {فَهَل} الفاء: عاطفة، {هل} حرف استفهام، {مِنْ} زائدة، {مُدَّكِرٍ} مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: موجود. والجملة معطوفة على جملة القسم.

{كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19)} .

{كَذَّبَتْ عَادٌ} فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. {فَكَيْفَ} الفاء: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت تكذيبهم وعقوبتهم على ذلك التكذيب، وأردت التعجّب من ذلك فأقول لك كيف كان. {كَيْفَ} اسم استفهام في محل النصب، خبر {كَانَ} ، مقدم، {عَذَابِي} اسمها، {وَنُذُرِ} معطوف

ص: 232

على {عَذَابِي} ، وجملة كان في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة. {إِنَّا} ناصب واسمه، وجملة {أَرْسَلْنَا} خبره، وجملة {إنّ} مستأنفة، مسوقة لبيان تعذيبهم. {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} ، {رِيحًا} مفعول به، {صَرْصَرًا} صفة {رِيحًا} ، {فِي يَوْمِ} متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} أيضًا، {نَحْسٍ} مضاف إليه، أو صفة لـ {يَوْمِ} ، {مُسْتَمِرٍّ} صفة لـ {نَحْسٍ} أو لـ {يَوْمِ} .

{تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24)} .

{تَنْزِعُ النَّاسَ} فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على {الريح} ، ومفعول به. والجملة صفة ثانية لـ {رِيحًا} . {كَأَنَّهُمْ} ناصب واسمه، {أَعْجَازُ نَخْلٍ} خبره، {مُنْقَعِر} صفة لـ {نَخْلٍ} . وجملة التشبيه في محل النصب، حال من {النَّاسَ}. وقوله:{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22)} تقدم إعرابه قريبًا فجدد به عهدًا. {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. {بِالنُّذُرِ} متعلق بـ {كَذَّبَتْ} ، {فَقَالُوا} الفاء: عاطفة، {قالوا} فعل، وفاعل، معطوف على {كَذَّبَتْ} . {أَبَشَرًا} الهمزة للاستفهام الإنكاري، {بَشَرًا} منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يفسره ما بعده، تقديره: أنتبع بشرًا. والجملة المحذوفة في محل النصب، مقول قالوا. {مِنَّا} صفة لـ {بَشَرًا} ، {وَاحِدًا} صفة ثانية لـ {بشرا} ، إلا أنّه يشكل عليه نقديم الصفة المؤولة على الصفة الصريحة، ويجاب بأن {مِنَّا} حينئذٍ ليس وصفًا، بل حال من {وَاحِدًا} قدم عليه، أو حال من الهاء في {نَتَّبِعُهُ} . وجملة {نَتَّبِعُهُ} جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب. {إِنَّا} ناصب واسمه، {إِذًا} حرف جواب وجزاء، مهمل لعدم الفعل بعدها، {لَفِي ضَلَالٍ} اللام حرف ابتداء، {فِي ضَلَالٍ} جار ومجرور، خبر {إنّ} ، {وَسُعُرٍ} معطوف على ضلال. وجملة {إنّ} تعليلية مسوقة لتعليل النفي المفهوم من الاستفهام، لا محل لها من الإعراب.

{أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27)} .

{أَأُلْقِيَ} الهمزة للاستفهام الإنكاري، {ألقي} فعل ماض، مغيّر الصيغة، {عَلَيْهِ}

ص: 233

متعلق به، {الذِّكْرُ} نائب فاعل، {مِنْ بَيْنِنَا} جار ومجرور، حال من ضمير {عَلَيْهِ}؛ أي: منفردًا. وجملة الاستفهام في محل النصب، مقول {قالوا} {بَل} حرف عطف وإضراب، {هُوَ كَذَّابٌ} مبتدأ وخبر، {أَشِرٌ} صفة {كَذَّابٌ} . والجملة الاسمية معطوفة على جملة الاستفهام على كونها مقولًا لـ {قالوا} . {سَيَعْلَمُونَ} السين حرف استقبال، {يعلمون} فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. {غَدًا} ظرف زمان، منصوب، متعلق بـ {يعلمون} ، {مَنِ} اسم استفهام، في محل الرفع ، مبتدأ، {الْكَذَّابُ} خبره، {الْأَشِرُ} صفة {الْكَذَّابُ} . والجملة الاسمية في محل النصب سدّت مسدّ مفعولي {يعلمون} ؛ لأنّه علق عنه باسم الاستفهام. {إِنَّا} ناصب واسمه، {مُرْسِلُو النَّاقَةِ} خبره، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. {فِتْنَةً} مفعول لأجله، منصوب بـ {مُرْسِلُو} {لَهُمْ} متعلق بـ {فِتْنَةً} ، {فَارْتَقِبْهُمْ} الفاء: فاء الفصيحة، لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنا مرسلوا الناقة فتنة واختبارًا لهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك ارتقبهم. {ارتقب} فعل أمر، وفاعل مستتر، يعود على صالح عليه السلام، والهاء: مفعول به. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة. {وَاصْطَبِرْ} فعل أمر، وفاعل مستتر، معطوف على {ارتقبهم} .

{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32)} .

{وَنَبِّئْهُمْ} الواو: عاطفة، {نبئهم} فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به أول. والجملة معطوفة على جملة {ارتقبهم} . {أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ} ناصب واسمه وخبره. {بَيْنَهُمْ} متعلق بـ {قِسْمَةٌ} ؛ لأنه بمعنى مقسوم بينهم. وجملة {أَنَّ} وما في حيّزها في تأويل مصدر ساد مسد المفعول الثاني والثالث لـ {نبّأ} . {كُلُّ شِرْبٍ} مبتدأ، {مُحْتَضَرٌ} خبره. والجملة الاسمية في محل النصب، بدل من جملة {أَنَّ}. {فَنَادَوْا} الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فبقوا على ذلك مدّة، ثم ملوا من نضوب الماء، وتشاوروا في شأنها، واتفقوا على عقرها. {نادوا} فعل ماض، وفاعل، {صَاحِبَهُمْ} مفعول به. والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ويصحّ كونها فصيحة. {فَتَعَاطَى} الفاء: عاطفة، {تعاطى} فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على

ص: 234

{صَاحِبَهُمْ} . والجملة معطوفة على جملة {نادوا} . {فَعَقَرَ} الفاء: عاطفة، {عقر} فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على صاحبهم، معطوف على {تعاطى}. وقوله:{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16)} تقدم إعرابه قريبًا. {إِنَّا} ناصب واسمه، وجملة {أَرْسَلْنَا} خبره. والجملة مستأنفة. {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} ، {صَيْحَةً} مفعول {أَرْسَلْنَا} ، {وَاحِدَةً} صفة {صَيْحَةً} ، {فَكَانُوا} الفاء: عاطفة، {كانوا} فعل ناقص واسمه، {كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف، خبر {كاَنَ} ، وجملة {كاَن} معطوفة على جملة {أَرْسَلْنَا}. وقوله:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)} تقدم إعرابه، فجدد به عهدًا.

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35)} .

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ} فعل وفاعل، {بِالنُّذُرِ} متعلق بـ {كَذَّبَتْ} . والجملة الفعلية مستأنفة. {إِنَّا} ناصب واسمه، وجملة {أَرْسَلْنَا} خبره. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان العذاب اللازم للتكذيب. {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} ، {حَاصِبًا} مفعول به، {إِلَّا} أداة استثناء منقطع أو متصل، {آلَ لُوطٍ} مستثنى من ضمير {عَلَيْهِمْ} ، {نَجَّيْنَاهُمْ} فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة مستأنفة، مسوقة لعليل الاستثناء، {بِسَحَر} متعلق بـ {نَجَّيْنَاهُمْ} ، {نِعْمَةً} مفعول مطلق معنوي ملاق لعامله في المعنى. وهو {نَجَّيْنَاهُمْ} . إذ التنجية نعمة، أو مفعول لأجله لـ {نَجَّيْنَاهُمْ} . {مِنْ عِنْدِنَا} صفة لـ {نِعْمَةً} ، {كَذَلِكَ} صفة لمصدر محذوف، {نَجْزِي} فعل مضارع، وفاعل مستتر، {مَن} اسم موصول في محل النصب، مفعول به لـ {نَجْزِي} ، وجملة {شَكَر} صلة {مَن} الموصولة، والتقدير: نجزي من شكر جزاء مثل الجزاء المذكور. والجملة الفعلية مستأنفة.

{وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)} .

{وَلَقَدْ} {الواو} اسئنافية، واللام: موطئة للقسم، {قد} حرف تحقيق، {أَنْذَرَهُمْ} فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول أول، {بَطْشَتَنَا} مفعول ثان.

ص: 235

والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. {فَتَمَارَوْا} الفاء: عاطفة، {تماروا} فعل ماض، وفاعل، {بِالنُّذُرِ} متعلق بـ {تماروا}. والجملة معطوفة على جملة {أَنْذَرَهُمْ}. {وَلَقَد} الواو: استئنافية، واللام موطئة للقسم، {قد} حرف تحقيق، {رَاوَدُوهُ} فعل، وفاعل، ومفعول، {عَنْ ضَيْفِهِ} متعلق بـ {رَاوَدُوهُ} والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. {فَطَمَسْنَا} فعل، وفاعل، معطوف على {رَاوَدُوه} ، {أَعْيُنَهُمْ} مفعول به. {فَذُوقُوا} الفاء: عاطفة، {ذوقوا} فعل أمر، وفاعل، {عَذَابِي} مفعول به، {وَنُذُرِ} معطوف على {عَذَابِى}. والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف المعطوف على {طمسنا}؛ أي: فطمسنا أعينهم فقلنا لهم: ذوقوا عذابي ونذري. {وَلَقَدْ} الواو: عاطفة، واللام: موطئة للقسم {قد} حرف تحقيق، {صَبَّحَهُمْ} فعل ماض، ومفعول به {بُكْرَةً} ظرف، متعلق بصبحهم {عَذَابٌ} فاعل، {مُسْتَقِرٌّ} صفة لـ {عَذَابٌ} . والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على القسم السابق. وقوله:{فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)} تقدم إعرابه قريبًا فجدد به عهدًا.

التصريف ومفردات اللغة

{اقْتَرَبَتِ} ؛ أي: دنت، وتربت. {السَّاعَةُ}؛ أي: القيامة. والساعة: جزء من أجزاء الزمان، عبَّر بها عن القيامة تشبيهًا لها بذلك لسرعة حسابها، أو لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنّها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم، أو لغير ذلك. كما بين فيما سبق.

{وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} ؛ أي: انفصل بعضه من بعض، وصار فرقتين. {وَإِنْ يَرَوْا} أصله: يرئيوا بوزن يفعلوا، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم حدفت تخفيفًا، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، فاجتمع ساكنان فحذفت الألف لذلك. {آيَةً}؛ أي: علامة دالة على نبوتك. {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} ؛ أي: مطرد دائم، اسم فاعل من استمر السداسي. وأصله: مستَمْرِر بوزن مستفعل، نقلت حركة الراء الأولى إلى الميم فسكنت فأدغمت في الراء الثانية.

{وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} فيه إدغام فاء الكلمة في تاء الافتعال. {أَهْوَاءَهُمْ} الهمزة فيه مبدلة من ياء لوقوعها متطرفة إثر ألف زائدة. {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ} جمع

ص: 236

نبأ. وهو خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظنّ.

{مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} مصدر ميمي من الزجر، إلا أن التاء أبدلت دالًا ليوافق الزاي بالجهر، ولك أن تعتبره اسم مكان؛ أي: مكان اتعاظ. واعلم: أن تاء الافتعال تقلب دالًا مع الدال، والذال، والزاي للتناسب في المخرج أو لتحصيل التناسب. فإنَّ التاء مهموسة، وهذه الحروف مجهورة. يعني: أهله مزتجر، لأنّه مفتعل من الزجر، قلبت التاء دالًا. لأنّ الزاي حرف مجهور، والتاء حرف مهموس، والذال تناسب الزاي في الجهر، وتناسب التاء في المخرج. يقال: زجره، وازدجره؛ أي: نهاه عن السوء، ووعظه غير أنّ افتعل أبلغ في المعنى من فعل. قال الراغب: الزجر: طرد بصوت، يقال: زجرته فانزجر. ثم يستعمل في الطرد تارةً، وفي الصوت تارةً. وقوله تعالى:{مُزْدَجَرٌ} ؛ أي: طرد، ومنع عن ارتكاب المأثم.

{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} وفي "القاموس": الحكمة بالكسر: العدل، والعلم، والحلم. والنبوة، والقرآن، وفي "المفردات": الحكمة: إصابة الحق بالعلم، والفعل. والحكمة من الله معرفة الأشياء أو إيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات.

{فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} جمع نذير بمعنى المنذر، أو مصدر بمعنى الإنذار. {عَنْهُمْ}؛ أي: لا تجادلهم، ولا تحاجّهم. {يَوْمَ يَدْعُ} تقدم في سورة الشورى أنَّ {الواو} حذفت منه بغير داع، وفي نظائره:{وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} .

{شَيْءٍ نُكُرٍ} بضمتين وبسكون ثانيه، وكلاهما بمعنى المنكر؛ أي: منكر فظيع تنكره النفوس لعدم العهد بمثله. {مِنَ الْأَجْدَاثِ} جمع جدث محركة. وهو القبر. {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ} سمي جرادًا لجرده الأرض من النبات، يقال: أرض مجرودة؛ أي؛ أكل ما عليها، حتى تجردت، كما في "المفردات".

{مُهْطِعِينَ} فيه إعلال بحذف همزة أفعل من الوصف؛ لأنّ أصله: مؤهطعين، يقال: هطع الرجل إذا أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه، وأهطع إذا مد عنقه، وصوب رأسه، وأهطع في عدوه إذا أسرع، كما في "الجوهرى". والإهطاع: هو

ص: 237

الإسراع مع مد الأعناق، والتشوف بالأنظار بصورة دائمة لا تقلع عن التحديق. وهي صورة حية مجسدة للفزع المرتاع الذي يتطلع إلى ما يرتقبه من أهوال.

{وَازْدُجِرَ} فيه إعلال بإبدال تاء الافتعال دالًا لوقوعها بعد الزاي كما تقدم في {مُزْدَجَرٌ} . {بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} المنهمر: المنصب بشدة وغزارة. وفي "المختار": وهمر الدمع، والماء صبه، وبابه نصر، وانهمر الماء إذا سال.

{وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ} والتفجير: تشقيق الأرض عن الماء. {عُيُونًا} جمع عين الماء. وهي ما يفور من الأرض مستديرًا كاستدارة عين الحيوان. فالعين مشتركة بين عين الحيوان، وعين الماء، وعين الذهب، وعين السحاب، وعين الركية. ويقال للعين: ينبوع، والجمع ينابيع، والمنبع بفتح الميم والباب: مخرج الماء، والجمع منابع.

{عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ} جمع لوح. وهو كل صحيفة عريضة خشبًا أو عظمًا. وكانت سفينة نوح من شجر الساج. والساج في الأرميا "ودَّيْسُ". {وَدُسُرٍ} والدسر: المسامير التي تشدّ بها ألواح السفينة. واحدها دسار، ككتب وكتاب. ودسير، ودسرت السفينة أدسرها دسرًا إذا شددتها. وفي "المختار": الدسر: الدفع، وبابه نصر. ويمكن التوفيق بين القولين؛ لأنَّ المسمار يدفع في منفذه.

{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ؛ أي: بحراستنا وحفظنا. {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ؛ أي: متذكر متعظ. فيه إبدال تاء الافتعال دالًا، وإدغامها في الدال فاء الكلمة، فأصله: مذتكر بوزن مفتعل، أبدلت التاء دالًا، وأبدلت الذال دالًا، وأدغمت في الدال كما قال في "الخلاصة":

طَا تَا افْتِعَالِ رُدَّ إثْرَ مُطْبَقِ

فَيْ ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِيْ

{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16)} ونذر اسم مفرد، وهو مصدر؛ لأنه أجاز بعضهم مجيء المصدر على فعل بضمتين. وبعضهم قال: هو جمع نذير بمعنى إنذار. فهو مصدر مجموع، لا مفرد، ذكره في "الفتوحات".

{صَرْصَرًا} الصرصر: الريح الشديدة الهبوب حتى يسمع صوتها، وهو مضاعف صر، يقال: صر الباب، والقلم إذا صوت. وتكرير الأحرف إشعار بتكرير العمل. مثله: كب وكبكب.

ص: 238

{أَعْجَازُ نَخْلٍ} جمع عجز، وعجز الإنسان مؤخره، وبه شبه مؤخر غيره. ومنه: العجز؛ لأنّه يؤدي إلى تأخر الأمور. والنخل يذكر ويؤنث، وهو من أسماء الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء. واللفظ مفرد لكنه كثيرًا ما يسمى جمعًا نظرًا إلى المعنى الجنسي.

{مُنْقَعِرٍ} ؛ أي: منقلع عن أصله؛ لأن قعر الشيء قراره. ومنه: تقعر فلان في كلامه إذا تعمق فيه. يقال: قعرت النخلة إذا قلعتها من أصلها، وانقعرت؛ أي: انقلعت. وفي "المفردت": {مُنْقَعِرٍ} ؛ أي: ذاهب في قعر الأرض. وإنما أراد تعالى أن هؤلاء اجتثوا كما اجتثت النخل الذاهب في قعر الأرض ، فلم يبق لهم رسم، ولا أثر. انتهى.

{وَسُعُرٍ} يجوز أن يكون مفردًا؛ أي: جنون. يقال: ناقة مسعورة كالمجنونة في سيرها قال:

كَأَنَّ بِهَا سُعُرًا إِذَا الْعِيْسُ هَزَّهَا

ذَمِيلٌ وَإِرْخَاءٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعِبُ

يقول: كأنَّ بناقتي جنونًا لقوة سيرها. فالعيس: جمع عيساء، كبيض جمع بيضاء. وهي النوق البيض، حركها ذميل وإرخاء. وهو ضربان من السير، متعب كل منهما. وإسناد الهز إليهما مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب. ويجوز أن يكون جمع سعير بمعنى نار.

{الأَشِرٌ} هو الشديد البطر والتكبّر. فهي صيغة مبالغة. وقيل: إنه صفة مشبهة، كحذر، ويقظ، ووطف، وعجز. وفي "المختار": وأشر وبطر من باب طرب أو فرح.

{وَاصْطَبِرْ} أصله: اصتبر بوزن افتعل، أبدلت تاء الافتعال طاء لوقوعها بعد حرف إطباق، وهو الصاد، كما دل عليه بيت ابن مالك الذي قدمنا قريبًا.

{مُحْتَضَرٌ} ؛ أي: يحضره صاحبه في نوبته. وهو اسم مفعول من احتضر بمعنى حضر. لأن الماء كان مقسومًا بينهم. واحتضر، وحضر بمعنى واحد. {قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}؛ أي: مقسوم بينهم، لها يوم، ولهم يوم. فالماء قسم من قبيل تسمية المفعول بالمصدر، كضرب الأمير. و {بَيْنَهُمْ} لتغليب العقلاء.

{فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ} أصله: ناديوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت

ص: 239

الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. {فَتَعَاطَى} فيه إعلال بالقلب. أصله: تعاطي بوزن تفاعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح؛ أي: فتناول السيف، وعقرها. {فَعَقَرَ} يقال: عقر البعير والفرس بالسيف فانعقر؛ أي: ضرب به قوائمه، وبابه ضرب.

{كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} الهشم: كحر الشيء الرخو، كالنبات. والهشيم بمعنى المهشوم؛ أي: المكسور. وهو اليابس المتكسر من الشجر وغيره. والحظر: جمع الشىء في حظيرة. والمحظور: الممنوع. والمحتظر بكسر الظاء: اسم فاعل، وهو الذي يتخذ حظيرة من الحطب وغيره، والحظيرة: الزربية، وفي "المختار": الحظيرة التي تعمل للإبل من شجر لتقيها البرد والربح. والمحتظر بكسر الظاء الذي يعملها. والمعنى: صاروا كيبيس الشجر المتفتت إذ تفتت.

{حَاصِبًا} ؛ أي: ريحًا حصبتهم؛ أي: رمتهم بالحجارة، والحصباء. قال الفرزدق:

مُسْتَقْبِليْنَ شِمَالَ الشَّامِ تَضْرِبُنَا

بِحَاصِبٍ كَنَدِيْفِ القُطْنِ مَنْثُوْرِ

وفي "المختار": الحصباء بالمد: الحصى. ومنه: المحصب. وهو موضع بالحجاز. والحاصب: الريح الشديدة تثير الحصى. والحصب بفتحتين: ما تحصب به النار؛ أي: ترمي. وكلل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به، وبابه ضرب.

{نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار. يقال: رأيت زيدًا سحرًا من الأسحار. ولو أريد من يوم معين لمنع من الصرف. لأنّه معرفة معدول عن السحر، فمنع منه للتعريف والعدل. لأن حقه أن يستعمل في المعرفة بأل. وفي "المفردات": السحر: اختلاط ظلام آخر الليل بصفاء النهار، وجعل اسمًا لذلك الوقت، وهو آخر الليل، أو السدس الأخير.

فائدة: وقد اختلف في تعريف سحر الممنوع من الصرف، فقيل: إنه ممنوع من الصرف للتعريف والعدل، أما التعريف ففيه خلاف، فقيل: هو معرفة بالعلمية. لأنه جعل علما لهذا الوقت. وقيل: يشبه العلميّة؛ لأنه تعريف بغير أداة ظاهرة، كالعلم، وأما العدل فإن صيغته معدولة عن السحر المقرون بأل، لأنه لما أريد به معين كان الأصل فيه أن يذكر معرفًا بأل، فعدل عن اللفظ بأل، وقصد به التعريف، فمنع من الصرف. وقال السهيلي والشلوبين: الصغير معرف معروف. واختلف في

ص: 240

منع تنوينه. فقال السهيلي: هو على نية الإضافة. وقال الشلوبين: على نية أل.

{فَتَمَارَوْا} أصله: تماريوا بوزن تفاعلوا قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ} المراودة: أن تنازع غيرك في الإرادة، فترود غير ما يروده. {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} الطمس: المحو، واستئصال أثر الشيء.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: المبالغة في قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} لأنَّ فيه زيادة مبالغة على قرب، كما أن في اقتدر زيادة مبالغة على قدر؛ لأن أصل افتعل إعداد المعنى بالمبالغة، نحو اشتوى إذا اتخذ شواء بالمبالغة في إعداده.

ومنها: الإتيان بصيغة الماضي للدلالة على تحقق الانشقاق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قراءة حذيفة رضي الله عنه {وقد انشق القمر} ، كما مرّ.

ومنها: العدول عن المضارع إلى الماضي في قوله: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} بعد قوله: {يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا} بلفظ المستقبل مع أنَّ السياق يقتضي الإتيان بهما بلفظ المضارع لكونهما معطوفين على {يُعْرِضُوا} للإشعار بأنهما من عاداتهم القديمة.

ومنها: التشبيه المرسل المفصل في قوله: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} لأنَّ الأركان الأربعة موجودة فيه، فقد شبههم بالجراد في الكثرة، والتموج.

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} .

ومنها: التلويح بقوله: {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} بأنّ المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة من الشدّة، بل ذلك اليوم يوم يسير لهم، حيث أسند القول إلى الكفار فقط.

ومنها: التفصيل بقوله: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} بعد الإجمال الذي قوله {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} .

ومنها: الإضافة إلى العظمة في قوله: {عَبْدَنَا} تفخيمًا لشأن نوح عليه السلام، وإشعارًا لرفعة منزلته، وزيادة تشنيع لمكذّبيه، فإن تكذيب عبد السلطان أشنع من تكذيب عبد غيره، وإشارة إلى أنه لا شيء أشرف من العبودية.

ص: 241

ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ} شبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء، وانشق بها أديم الخضراء بطريق الاستعارة التمثيلية.

ومنها: إنابة الصفة مناب الموصوف في قوله: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)} فإنه كناية عن موصوف محذوف، تقديره وحملناه على سفينة ذات ألواح ومسامير.

ومنها: تكرير قوله: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} حثًّا على تجديد الاتعاظ عند سماع كل نبأ.

ومنها: الاستفهام عن الحال في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16)} تعظيمًا للعذاب والإنذارات، أي: كانا على كيفية هائلة، بحيث لا يحيط بها الوصف.

ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} . ومثله قوله: {فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} ؛ أي: في إفنائهم، وإهلاكهم.

ومنها: المبالغة في قوله: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} ؛ أي: كثير الكذب، عظيم البطر؛ لأن فعالًا وفعلًا للمبالغة.

ومنها: إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول في قوله:{أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} ؛ أي: مقسوم بينهم.

ومنها: تغليب العقلاء على غيرهم في قوله: {بَيْنَهُمْ} ؛ أي: بينها، وبينهم.

ومنها: الإبهام في قوله: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26)} ليكون الوعيد أحفل بالانتقام، والتهديد أشد أثرًا في النفوس. وأورده مورد الإبهام، وإن كانوا هم المعنيين؛ لأنه أراد وقت الموت، ولم يرد غدًا بعينه. وهو شائع في كلام العرب نثرًا ونظمًا.

ومنها: التشبيه في قوله: {كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} .

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 242

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)} .

المناسبة

قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (1) سبحانه وتعالى لمّا ذكر قصص قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، وفصل ما أصيبوا به من عذاب الله الذي لا مرد له بسبب كفرهم بآياته، وتكذيبهم لرسله .. أعقب هذا بتنبيه كفار قريش إلى أنهم إن لم توبوا إلى رشدهم، ويرجعوا عن غيهم، فستحل بهم سنتنا، ويحيق بهم من البلاء مثل ما حل بأضرابهم من المكذبين من قبلهم، ولا يجدون عنه محيصًا ولا مهربًا. ثم خاطبهم خطاب إنكار وتوبيخ، فقال لهم: علام تتكلون؟ وماذا تظنون أأنتم خير ممن سبقكم عددًا وكثرة مال وبطشًا وقوة؛ أم لديكم صك من ربكم بأنه لن يعذبكم مهما أشركتم واجترحتم من السيئات أم تظنون أنكم جمع كثير لا يمكن أن ينال بسوء، ولا تصل إلى أذاكم يد مهما أوتيت من القوة. كلا إن شيئًا من هذا ليس بكائن، وإنكم ستنهزمون، وتولون الأدبار في الدنيا، وسيحل بكم قضاء الله الذي لا مفر منه، وما سترونه في الآخرة أشد نكالًا، وأعظم وبالًا، فأفيقوا من غفلتكم، وأنيبوا إلى ربكم عسى أن يرحمكم.

قوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47)

} إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر تكذيب الأمم الماضية

(1) المراغي.

ص: 243