الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحدهم القعود عليها تطامت واتضعت، فإذا قعد عليها ارتفعت إلى أصل حالها.
والمعنى (1): أي يجلسون على سرر مصفوف بعضها بجوار بعض جلسة المتكىء الذي لا كلفة عليه، ولا تكلف لديه. فإن من يكون عنده من يكلف له يجلس ولا يتكىء ومن يكون في مهم لا يتفرغ للاتكاء فحالهم حال اطمئنان، ورفع كلفة، وخلو بال. ونحو الآية قوله تعالى:{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} .
ثم ذكر ما يتمتعون به من الأزواج، فقال:{وَزَوَّجْنَاهُمْ} ؛ أي: قرناهم {بِحُورٍ عِينٍ} ؛ أي: جعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حسانات، واسعات العيون. واحد الحور: حوراء، وواحد العين: عيناء. وإنما سمين حورًا؛ لأنَّ الطرف يحار في حسنهن، وعينًا لأنهن الواسعات الأعين مع جمالها. والتزويج هنا ليس على أصل معناه: وهو عقد النكاح. بل بمعنى تصييرهم أزواجًا. لأنّه ليس في الجنة تزويج كالدنيا؛ لأنّ الجنة ليست دار تكليف. فشأن تزوج أهل الجنّة بالحور بقبول بعضهم بعضًا، لا بأن يعقد بينهم عقد النكاح. وقرأ عكرمة (2):{بحور عين} على الإضافة.
21
- ولمّا فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم .. ذكر حال طائفة منهم على الخصوص، فقال:{وَالَّذِينَ آمَنُوا} مبتدأ، خبره {أَلْحَقْنَا بِهِمْ}. {وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ}؛ أي: نسلهم، معطوف على {آمَنُوا} {بِإِيمَانٍ} متعلق بـ {اتبعوا}. والتنكير فيه (3) للتقليل؛ أي: بشيء من الإيمان. وتقليل الإيمان ليس مبنيًا على دخول الأعمال فيه، بل المراد: قلة ثمرته، ودناءة قدره بذلك. فالتقليل فيه بمعنى التحقير.
والمعنى: واتبعتهم ذريتهم بإيمان في الجملة، قاصرين عن رتبة إيمان الآباء. واعتبار هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالةً، لا إلحاقًا.
{أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ؛ أي: أولادهم الصغار والكبار في الدرجة. كما روي: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أنه تعالى يرفع ذرية المؤمن في درجته"، وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه؛ أي: يكمل سروره. ثم تلا هذه الآية.
(1) المراغي.
(2)
البحر المحيط.
(3)
روح البيان.
وفي الآية: دلالة بينة على أن الولد يحكم بإيمانه تبعًا لأحد أبويه، وتحقيقًا للحوقه به. فإنه تعالى إذا جعلهم تابعين لآبائهم، ولا حقين بهم في أحكام الآخرة، فينبغي أن يكونوا تابعين لهم، ولا حقين بهم في أحكام الدنيا أيضًا. قال في "فتح الرحمن": إن المؤمنين اتبعتهم أولادهم الكبار والصغار بسبب إيمانهم. فكبارهم بإيمانهم بأنفسهم، وصغارهم بأن اتبعوا في الإِسلام بآبائهم بسبب إيمانهم؛ لأنّ الولد يحكم بإسلامه تبعًا لأحد أبويه إذا أسلم. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد. وقال مالك: يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام أبيه دون أمه.
وقيل (1): إنّ الضمير في {بِهِمْ} راجع إلى الذرية المذكورة أولًا؛ أي: ألحقنا بالذرية المتبعة لآبائهم بإيمان ذريتهم. وقيل: المراد بالذين آمنوا: المهاجرون والأنصار فقط. وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك. فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وقرأ الجمهور (2): {وَاتَّبَعَتْهُمْ} بإسناد الفعل إلى الذريّة. وقرأ أبو عمرو {أَتْبَعْنَاهم} بإسناد الفعل إلى المتكلّم كقوله: {أَلْحَقْنَا} . وقرأ الجمهور {ذُرِّيَّتَهُمْ} بالإفراد. وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب بالجمع، إلا أن أبا عمرو قرأ بالنصب على المفعولية لكونه قرأ {وأَتْبَعْناهم} . ورويت قراءة الجمع هذه عن نافع والمشهور عنه كقراءة الجمهور.
والمعنى: أي إن المؤمنين إذا اتبعتهم ذريتهم في الإيمان .. يلحقهم ربهم بآبائهم في المنزلة فضلًا منه وكرمًا، وإن لم يبلغوا بأعمالهم منزلتهم لتقر بهم أعينهم، ويكمل بهم فرحهم وحبورهم لوجودهم بينهم. وروى ابن مردويه، والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه، وزوجته، وولده فيقال له: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به".
{وَمَا أَلَتْنَاهُمْ} ؛ أي (3): وما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق، وإلا لأبغضوهم في
(1) الشوكاني.
(2)
البحر المحيط والشوكاني.
(3)
روح البيان.
الدنيا شحًا، كما في "عين المعاني". من ألت يألت كضرب يضرب. {مِنْ عَمَلِهِمْ}؛ أي: من ثواب عملهم {مِنْ شَيْءٍ} من الأولى متعلقة بألتناهم، والثانية زائدة.
والمعنى: ما نقصناهم من عملهم شيئًا بأن أعطينا بعض مثوباتهم أبنائهم، فتنتقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم. وإنما رفعناهم إلى درجتهم ومنزلتهم بمحض الفضل والإحسان.
وقرأ الجمهور (1): {أَلَتْنَاهُمْ} بفتح اللام، من ألات. والحسن، وابن كثير بكسرها. وابن هرمز {آلتناهم} بالمد، من آلت على وزن أفعل. وابن مسعود، وأبي {لتناهم} من لات. وهي قراءة طلحة، والأعمش. ورويت عن شبل، وابن كثير، وعن طلحة، والأعمش أيضًا {لتَنْاهم} بفتح اللام. قال سهل لا يجوز فتح اللام من غير ألف بحال. وأنكر أيضًا آلتناهم بالمد كما قرأ ابن هرمز. وقال: لا يروى عن أحد، ولا يدل عليها تفسير ولا عربية. وليس كما ذكر بل قد نقل أهل اللغة آلت بالمد. وقرىء {وما ولتناهم} ذكره ابن هارون. قال ابن خالويه: فيكون الحرف هنا من لات يليت، وولت يلت، وألت يألت، وألات يليت ويؤلت. وكلها بمعنى نقص. ويقال: ألت بمعنى غلظ. نقد قام رجل إلى عمر رضي الله عنه فوعظه فقال رجل: لا تألت أمير المؤمنين؛ أي: لا تغلظ عليه.
والمعنى (2): أي وما أنقصنا مثوبات الآباء، وحططنا درجاتهم، بل رفعنا منزلة الأبناء تفضلًا منّا وإحسانًا.
وبعد أن أخبر عن مقام الفضل، وهو رفع درجة الذريّة إلى منزلة الآباء من غير عمل لهم .. أخبر عن مقام العدل. وهو أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد فقال:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} ؛ أي: كل امرىء مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس سواء كان أبًا أو ابنًا. وقد جعل العمل كأنه دين، والمرء كأنه رهن به. والرهن لا ينفك ما لم يؤد الدين. فإن كان العمل صالحًا .. فقد أدى الدين؛ لأنّ العمل الصالح يقبله الله سبحانه ويصعد إليه، وإن كان غير صالح فلا أداء ولا خلاص. إذ لا يصعد إليه غير الطيب. ونحو الآية قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)
(1) البحر المحيط.
(2)
المراغي.