المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب النكاح مقدمة النكاح لغة: الضم، وهو حقيقة الوطء، ويطلق مجازًا على - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٥

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌ ‌كتاب النكاح مقدمة النكاح لغة: الضم، وهو حقيقة الوطء، ويطلق مجازًا على

‌كتاب النكاح

مقدمة

النكاح لغة: الضم، وهو حقيقة الوطء، ويطلق مجازًا على العقد من إطلاق المسبب على السبب.

وكل ما ورد في القرآن من لفظ النكاح فالمراد به العقد، إلَاّ قوله:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] فالمراد به الوطء.

والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] وغيرها من الآيات.

وأما السنة: فآثارٌ كثيرةٌ، قوليةٌ، وفعليةٌ، وتقريريةٌ، ومنها: حديث الباب: "يا معشر الشباب .. إلخ".

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعيته، وقد حثَّ عليه الشارع الحكيم؛ لما يترتب عليه من المصالح الجليلة، ويدفع به من المفاسد الجسيمة، فقد قال الله تعالى:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] وهذا أمرٌ، وقال:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]، وهذا نهي.

وقال صلى الله عليه وسلم: "النكاح سُنَّتي فمن رغب عن سُنتي فليس منِّي".

وقال: "تناكحوا تكثُرُوا، فإني مباهٍ بكُم الأُمم يوم القيامة".

والنصوص في هذا المعنى كثيرة.

كل هذا لما يترتب عليه من المنافع العظيمة، التي تعود على الزوجين،

ص: 209

والأولاد، والمجتمع، والدين بالمصالح الكثيرة.

فمن ذلك: ما فيه من تحصين فرْجَي الزوجين، وقصر نظر كل منهما بهذا العقد المبارك على صاحبه عن الخِلان والخليلات.

ومن ذلك: ما فيه من تكثير الأمة بالتناسل؛ ليكثر عباد الله تعالى، ويعظم سوادهم، ولما فيه من اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتحقيق المباهاة، ولِما فيه من التساعد على أعمال الحياة، وعمار الكون.

ومنها: حفظ الأنساب التي يحصل بها التعارف والتآلف والتعاون والتناصر، فلولا عقد النكاح وحفظ الفروج به، لضاعت الأنساب والأصول، ولأصبحت الحياة فوضى لا وراثة، ولا حقوق، ولا أصول، ولا فروع.

ومنها: ما يحصل بالزواج من الألفة والمودة، والرحمة بين الزوجين، فإنَّ الإنسان لابد له من شريك في حياته، يشاطره همومه وغمومه، ويشاركه في أفراحه وسروره، وفي عقد الزواج سرٌّ ربانيٌّ عظيم، تتم عند عقده إذا قدر الله الألفة، فيحصل بين الزوجين من معاني الود والرحمة ما لا يحصل بين الصديقين أو القريبين إلَاّ بعد الخلطة الطويلة، وإلى هذا المعنى أشار تبارك وتعالى بقوله:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الروم].

ومنها: ما يحصل في اجتماع الزوجين من قيام البيت والأسرة الذي هو نواة قيام المجتمع وصلاحه.

فالزوج يكد ويكدح ويتكسب، فينفق ويعول.

والمرأة تدبر المنزل، وتنظم المعيشة، وتربي الأطفال، وتقوم بشؤونهم، وبهذا تستقيم الأحوال، وتنتظم الأمور.

وبهذا نعلم أنَّ للمرأة في بيتها عملًا كبيرًا، لا يقل عن عمل الرجل في خارج البيت، وأنَّها إذا أحسنت القيام بما نيط بها، فقد أدَّت للمجتمع كله

ص: 210

أعمالًا كبيرةً وجليلة.

فتبيَّن أنَّ الذين يريدون إخراجها من بيتها ومقر عملها، لتشارك الرجل في عمله، قد ضلوا عن معرفة مصالح الدين والدنيا ضلالاً بعيدًا، أو عرفوا وأرادوا الإضلال.

وفوائد النكاح كثيرة يصعب عدها وإحصاؤها؛ لأنَّه نظامٌ شرعي إلهيٌّ، سُنَّ ليحقِّق مصالح الآخرة والأولى.

- وللزواج آدابٌ وحدودٌ لابُدَّ من مراعاتها، والقيام بها من الجانبين؛ لتتم به النعم، وتتحقَّق السعادة، ويصفو العيش، وهي أن يقوم كل واحدٍ من الزوجين بما لصاحبه من حقوق، ويراعي ماله من واجبات.

فعلى الزوج القيام بالإنفاق، وما يتبعه من كسوةٍ وسكنٍ بالمعروف، وأن يكون طيب النفس، وأن يحسن العشرة باللطف، واللين، والبشاشة، والإنس، وحسن الصحبة.

وعليها أن تقوم بخدمته، وإصلاح بيته، وتدبير منزله ونفقته، وتحسن إلى أولاده بتربيتهم، وتحفظ زوجها في نفسها وبيته وماله، وأن تقابله بالطلاقة والبشاشة، وتهيىء له أسباب الراحة، وتُدخل على نفسه السرور؛ ليجد في بيته السعادة والانشراح، والراحة بعد نصب العمل وتعبه، وهو يبادلها الاحترام والبشاشة، والطلاقة وحسن العشرة، والقيام بالواجبات.

فإذا قام كل من الزوجين بما لصاحبه من الحقوق والواجبات، صارت حياتهما سعيدة، واجتماعهما حميدًا، ورفرف على بيتهما السرور والحبور، ونشأ الأطفال في هذا الجو الهادىء الوادع، فتربَّوا علَى كَرَم الطباع، وحسن الشمائل، ولطيف الأخلاق.

وهذا النكاح الذي أتينا على شيءٍ من فوائده، ثم ذكرنا ما يحقِّق من السعادة، هو النكاح الشرعي الإِسلامي الذي يكفل صلاح البشر، وعمار

ص: 211

الكون، وسعادة الدارين، فإن لم يحقق المقاصد فإنَّ النُّظُم الإلهية التي أمر بها، وحثَّ عليها، لم تراع فيه، وبهذا تدرك سمو الدين، وجليل أهدافه ومقاصده.

* فائدة:

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: عقد النكاح يفارق غيره من العقود بأحكام منها:

1 -

له من الفضائل والمصالح بها ليس لغيره.

2 -

جميع العقود لا حَجْر على الإنسان في الإكثار منها، أما النكاح فالنهاية أربع في وقت واحد.

3 -

النكاح لابد في عقده من الصيغة القولية؛ لخطره، بخلاف غيره فينعقد بما دلَّ عليه.

4 -

الإشهاد على النكاح شرطٌ في صحته، وأما غيره فالإشهاد سنة لا واجب.

5 -

لابدَّ في تزويج المرأة من ولي، ويجوز أن تباشر المرأة بقية العقود بلا ولي.

6 -

العقود يجوز أن تُعقد بلا عوض، وأما النكاح فلابد فيه من الصداق.

7 -

المعاوضات لا يصح جعل شيء من العوض لغير الباذل، وأما النكاح فيجوز جعل بعضه لأبيها.

8 -

لا يجوز للأب أن يبيع شيئًا من مال ولده القاصر بدون المثل، ويجوز أن يزوج ابنته الصغير بأقل من صداق مثلها.

9 -

ليس في النكاح خيار مجلس، ولا خيار شرط، بخلاف البيع وما في معناه.

10 -

العقود على المنافع لابد لها من مدة معيَّنة، بخلاف النكاح فلا يحل أن يحدد بمدة معيَّنة، وإلَاّ صار نكاح متعة.

11 -

العوض المؤجل في العقود لابد أن يكون أجله معلومًا، بخلاف الصَّداق

ص: 212

المؤجل، فلا يشترط كون أجله معلومًا، وإذا لم يشترط له أجل فحلوله الفراق بالحياة أو الممات.

12 -

جميع العقود الفاسدة لا تحتاج إلى فسخ لفسادها، بل يصير وجودها كعدمها، إلَاّ النكاح الفاسد فلابد فيه من طلاقٍ أو فسخٍ.

***

ص: 213

836 -

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيتزَوَّجْ، فَانهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْج، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوم، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- معشر: المعشر: هم الجماعة الذين أمرُهُم واحد، مختلطين كانوا، أو غير مختلطين، كالشباب، والشيوخ، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه، ويُجمَع على معاشر.

- الشباب: جمع شاب، ويجمع علماً شُبَّان، بضم أوله، وتشديد الباء.

قال الأزهري: إنَّه لم يجمع فاعل على فعلان غيره، وأصل المادة الحركة والنشاط، وهو من البلوغ إلى بلوغ الأربعين، هذا أحسن تحديدٍ له. وإنَّما خص الشباب بالخطاب؛ لأنَّ الغالب وجود قوَّة الداعي فيهم إلى الجماع، بخلاف الشيوخ.

- من استطاع: قال القرطبي: الاستطاعة هنا عبارة عن وجود ما به يتزوج، ولم يرد القدرة على الوطء.

- الباءة: فيه أربع لغات، المشهور منها هو المد وتاء التأنيث، والمعنى اللغوي للباءة: هو الجِماع، ولكن المراد هنا مؤن النكاح من المهر والنفقة.

والمعنى: من استطاع منكم أسباب الجماع، ومؤنه فليتزوج.

- فإنَّه: أي التزوج ويدل عليه: فليتزوج.

(1) البخاري (1905)، مسلم (1400).

ص: 214

- أغض: بالغين والضاد المعجمتين، يقال: غض طرفه يغض غضًّا: خفضه، وكفه ومنعه مما لا يحل له رؤيته، والمعنى أنَّه أدعى إلى خفض البصر، وأدفع لعين المتزوج عن النظر المحرم.

- أحصن: يقال: حصن المكان حصانة: منع، فهو حصين، وأحصن الزواج الرجل: عصمه، وأحصن البعل زوجته: عصمها، والمعنى أنه أدعى إلى إحصان الفرج.

- فعليه بالصوم: قيل إنَّه إغراء لغائبٍ، وسهَّل ذلك فيه أنَّ المغرى به تقدم ذكره، وقيل: إنَّ الباءة زائدة، فيكون بمعنى الخبر.

- الوِجَاء: يقال: وجأه يجؤه وَجْئًا، ضربه بالسكين في أي موضع كان، والاسم الوجاء، بكسر الواو والمد، وهو رض الخصيتين، وقيل رض العرق، والخصيتان باقيتان بحالهما؛ لتذهب بذلك شهوة الجماع، وكذلك الصوم فإنَّه مُضْعِف للشَّهوة، أي أنَّ الصوم حماية ووقاية من شرور الشهوة.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

العفة واجبة، وضدها محرَّم، وهي تأتي من شدَّة الشهوة مع ضعف الإيمان، والشباب أشد شهوة من الشيوخ، ولذا أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى طريق العفة، وذلك أنَّ من يجد مؤنة النكاح من المهر والنفقة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّ له أجرًا، ويقيه عن الوقوع في المعصية، حيث يقمع شهوة الجماع ويضعفها، وذلك بترك الطعام والشراب، فكان الصوم وِجَاء له عن شدة الشَّهوة.

2 -

قال شيخ الإِسلام: استطاعة النكاح هي القدرة على المؤنة، وليس هو القدرة على الوطء، فإنَّ الخطاب إنَّما جاء للقادر على الوطء، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"ومن لم يستطع، فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء".

3 -

من المعنى الذي خوطب لأجله الشباب يكون الأمر بالنكاح لكل مستطيع

ص: 215

لمؤنته، وقد غلبته الشهوة من الكهول والشيوخ، ولكن خص الشباب لما لديهم من الدافع في هذه الناحية.

4 -

التعليل بأنَّه أغض للبصر وأحصن للفرج، دليل على وجوب غضّ البصر، وإحصان الفرج، وتحريم النظر، وعدم إحصان الفرج، وهو أمرٌ مجمع عليه، قال تعالى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)} [المؤمنون: 5].

5 -

قال شيخ الإِسلام: من لا مال له هل يستحب له أن يقترض؟

فيه نزاع في مذهب أحمد وغيره، وقد قال تعالى:{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33].

6 -

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: النكاح من نِعم الله العظيمة، حيث شرعه لعباده، وجعله وسيلةً وطريقًا إلى مصالح ومنافع لا تحصر، ورتَّب عليه من الأحكام الشرعية والحقوق الداخلية والخارجية أشياء كثيرة، وجعله من سنن المرسلين.

7 -

وقال الأستاذ طبارة: الزواج في الإِسلام يختلف عن القوانين الوضعية التي تجرده من الصفة الدينية، بينما الشريعة الإِسلامية تعتبر الزواج من المسائل الدينية، على معنى أنَّه استمد قواعده من الدين، لا على أنَّه لابد من حضور رجال الدين وإقامة المراسم الدينية، وإنما هو عقدٌ وعهدٌ بين الرجل والمرأة، يعتمد على الإيجاب والقبول، وتوثيقه بالشاهدين، وشهرته وإعلانه ليخالف السفاح.

8 -

أنَّه ينبغي للواعظ والمرشد والخطيب وكل داعية أن يوجه المخاطبين إلى الحال التي تنفعهم، وتناسب حال وضعهم الذي هم فيه.

9 -

وفيه رحمة الله تعالى بخلقه وعنايته بهم بإبعادهم عن كل شرٍّ ومحظور، وأنَّه إذا حرَّم عليهم شيئًا فتَح لهم بابًا مباحًا يغنيهم ويكفيهم عنه.

ص: 216

10 -

وفيه درء المفاسد بقدر المستطاع، وبما يمكن وقفها به، فإنَّه صلى الله عليه وسلم حضَّهم على الزواج، ومن لم يجد دلَّه على طريق أخرى.

11 -

يفهم من الحديث وجوب المهر ونفقة الزوجة على الزوج، فإنَّه المخاطَب بذلك.

12 -

في الحديث وجوب درء الأخطار، ومحاولة دفعها من الطريق التي يخاف أن تأتي منها، فإنَّ الفساد يخشى أن يأتي من الشباب الذين لديهم دوافعه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم عني بهم في هذه الناحية.

فكل مصْلِح ينبغي له أن يتفقد أمكنة الخطر والثغور التي يخشى أن يأتي منها.

13 -

الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه، ولم يخف الفتنة، هو على سبيل الندب عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ

} إلى قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] فلو كان النكاح واجبًا لما خيَّره بين النكاح والتسري، وممن أوجبه داود الظاهري، ورواية عن الإِمام أحمد؛ للأمر به هنا.

***

ص: 217

837 -

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ:"لَكِنَيِّ أنَا أصَلِّي، وَأنَامُ، وَأصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- لكني: استدراك عما قبله، حذفه المؤلف للاختصار.

- فمنْ رغِب: الرَّغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من ترك طريقتي وأخذ طريقة غيري، فليس مني، ولمَّح بذلك إلى طريق الرهبانية الذين ابتدعوا التشديد.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

تمام الحديث وفيه بيان سببه كما ذكره البخاري في صحيحه، أنَّه جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا، كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلِّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدَّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم، وأفطر

إلخ".

2 -

بنيت هذه الشريعة السامية على السماح واليُسر، وإرضاء النفوس والغرائز بطيبات الحياة المباحة، وكرهت العنت والشدة، وحرمان النفس ممَّا أباح الله تعالى.

3 -

أنَّ الخير والبركة في الاقتداء، واتباع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الخير والبركة،

(1) البخاري (5063)، مسلم (1401).

ص: 218

وهي العدل والوسط في الأمور.

4 -

أنَّ أخذ النفس بالعنت والمشقة والحرمان ليس من الدين في شيء، بل هو من سنن المبتدعين المخالفين لسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

5 -

أنَّ ترك لذائذ الحياة المباحة زهادةً وعبادةً، خروجٌ عن السنَّة المطهَّرة، واتباعٌ لغير سبيل المؤمنين.

6 -

في مثل هذا الحديث الشريف بيان أنَّ الإِسلام ليس دين رهبانيةٍ وحرمان، وإنَّما هو الدِّين الذي جاء لإصلاح الدين والدنيا، وأنَّه أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلله تعالى حقه من العبادة، وللبدن حقه من طيبات الحياة، وللنَّفس حقها من الراحة.

7 -

الله جلَّت حكمته هو الذي ركَّب في الإنسان الغرائز والمطالب، فأشبع تلك الغرائز بمطالبها المباحة، ولم يكبحها ويحرمها ممَّا طُبِعَت عليه؛ لأنَّ في هذه المتنفسَّات المباحة عمارة الكون، وبقاء النوع، وصلاح الأمور.

8 -

السنة هي الطريقة، ولا يلزم من الرغبة عن السنة بهذا المعنى، الخروج من الملة، لمن كانت رغبته عنها لنوع من التأويل، يُعْذر فيه صاحبه.

9 -

الرغبة عن الشيء معناه الإعراض عنه، والممنوع أن يكون ترك ذلك إمعانًا في العبادة، واعتقادًا لتحريم ما أحلَّ الله تعالى.

10 -

قال شيخ الإِسلام: الإعراض عن الأهل والأولاد ليس مما يحبه الله ورسوله، وليس هو من دين الأنبياء والرسل، فقد قال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38].

11 -

قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ من تاقت نفسه إلى النكاح، وخاف العنت، فإنه يتأكَّد في حقه، ويكون أفضل من حجٍّ وصلاةٍ وصومٍ وتطوعٍ.

وقال الشيخ تقي الدين: يجب النكاح على من خاف على نفسه العنت في قول عامَّة الفقهاء، إذا قدر على المهر.

ص: 219

838 -

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا بِالبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، ويَقُولُ:"تَزَوَّجُوا الوَلُودَ الوَدُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (1)، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه (2).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

أخرجه ابن حبان، وأحمد، والطبراني، وسعيد بن منصور، والبيهقي، من طريق خلف بن خليفة، عن حفص، عن أنس بن مالك قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا" وللحديث شواهدُ كثيرةٌ هو بها صحيح، كما قال الألباني.

وقال الهيثمي: إسناده حسن.

ومن شواهده حديث معقل بن يسار، صححه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، ومنها حديث ابن عمر عند الخطيب في تاريخه، وسنده جيد، وصححه السيوطي في الجامع الكبير.

* مفردات الحديث:

- التبتل: بتل بتلاً من باب قتل، قطعه وأبانه.

فالبتل أصله الانقطاع، والمراد به الانقطاع عن الزواج، وعما أباح الله

(1) أحمد (3/ 158)، ابن حبان (1228).

(2)

أبو داود (2050)، النسائي (6/ 65)، ابن حبان (1229).

ص: 220

تعالى من الطيبات تعبدًا وإقبالاً على الطاعة، وامرأة بتول منقطعة عن الرجال فلا شهوة لها فيهم.

- الولود: كثيرة الولادة، فإذا لم يتقدم لها زواج؛ فيعرف ذلك منها بقريباتها من أمٍّ وجدَّات، وخالات وأخوات، ونحو ذلك.

- مكاثر: التكاثر هو التباهي والتفاخر بكثرة الأتبَاع.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الشارع الحكيم يأمر بالزواج، لما فيه من المصالح الكبيرة، والمنافع الكثيرة، والأمر يقتضي الوجوب، وإنما العلماء قالوا: إن كان يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة فيجب عليه النكاح؛ حفظًا لفرجه وغضًّا لبصره، وإن كان لا يخشى فيستحب في حقه، بل هو أفضل من نوافل العبادات، لما يحقق من المصالح الكبيرة الكثيرة.

2 -

التبتل والانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعًا إلى العبادة منهيٌّ عنه، والنَّهي يقتضي التحريم، لاسيَّما والنَّهي في هذا شديد؛ لأنَّه مخالفٌ لسنن المرسلين؛ قال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] وفيه تعطيل لإرادة الله تعالى الكونية من عمَارة هذا الكون.

3 -

الدِّين الإِسلامي دين السماح واليسر، فهو يكره التنطع والتشدد في الأمور، ويأمر بالتوسط والاعتدال فيها؛ ليؤدي الإنسان جميع الأعمال المطلوبة منه، والتي أعدَّ للقيام بها.

وكان التبتل من شريعة النصارى، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عنه؛ ليكثر النسل، ويعظم سواد المسلمين، ويقوم الجهاد ويدوم.

4 -

قال تعالى عاتبًا على النصارى غُلوَّهم في العبادة، وتنطعهم في دينهم:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] أي أنَّها مبتدعة من قِبل أنفسهم لم يشرعها الله لهم، ولم يأمرهم بها، بل ساروا عليها غلوًّا في

ص: 221

العبادة، وحمَّلوا أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم، والمشرب، والمنكح.

5 -

وفي الحديث الترغيب في نكاح المرأة الولودة ليكثر نسل المسلمين، ويعظم سَوادهم، ويكونوا قوة في وجه أعداء الله وعدوهم، وليعمروا الأرض، ويخرجوا خيراتها، ويبحثوا عن كنوزها، فيحققوا مراد الله تعالى من عمرانها.

6 -

من فوائد كثرة النسل تحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم، ومكاثرته بأمته الأنبياء يوم القيامة، فهي مفخرة كبيرة، ومباهاة عظيمة، فإنَّ الله تبارك وتعالى أنجح رسالته، وأيَّد دعوته، وأظهره على الدين كله، فصارت أمته أكثر الأمم، وأفضل الأمم، وخير الأتباع، قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] والوسط هو الخيار.

7 -

الدين الإِسلامي دين حركةٍ وعمل، وليس دين عزلةٍ وانقطاعٍ وبُعدٍ عن معترك الحياة، على ألَاّ تطغى أعمال الدنيا على أعمال الآخرة، وعلى أن تكون أعمال الدنيا مقصودًا بها رفعة الإِسلام وعزه، والنَّفع المتعدي، فإنَّ الإِسلام دينٌ ودولة، وليس يقتصر على العبادات، ثم إنَّ أعمال الدنيا وعاداتها إذا قصد بها الإصلاح، والنفع العام أو الخاص أصبحت عبادات.

8 -

فيه دليل على أنَّ المسارعة إلى فعل الخير والتسابق إليه والتنافس فيه لا يعد من الرياء المذموم، ما دام العبد يقصد وجه الله تعالى والدار الآخرة.

9 -

وفيه دليل على استحباب إيثار العبد نفسه بفعل الخيرات، ومحاولة سبق أقرانه في ذلك، قال تعالى:{أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} [المؤمنون] وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21].

ص: 222

10 -

في الحديث حث العلماء والدعاة إلى أنَّه ينبغي لهم أن يستكثروا من المستفيدين من علمهم ودعوتهم، وأعظِمْ بذلك فإنَّ هذا فضلٌ كبير، فقد وقال صلى الله عليه وسلم:"لأن يهدي الله بك رجلًا واحداً خيرٌ لك من حمر النعم"[متفق عليه].

* نبذة عن تحديد النسل:

ظهر في القرن الثامن عشر الميلادي عالم اقتصادي إنجليزي اسمه "مالتس" اشتهر بنظريته في تحديد النسل، خشية من نمو السكان وزيادته تزيد بكثير على نسبة زيادة المواد الغذائية، فيحل بالعالم مجاعة، وأن توازن السكان مع قدر ما يتوقع إنتاجه من المواد الغذائية، أمان من كارثة المجاعة.

وما زالت هذه النظرية تتسع وتروج حتى أخذ بها مبدأ اقتصاديًّا كثير من الدول.

ثم إنَّ هذه النظرية دخلت علينا نحن المسلمين من أعداء الإِسلام، الذين يكيدون للإسلام، ويريدون أن يقلِّلوا من عدده، ويضعفوا من كيانه، فراقت لكثير من أتباع الغربيين، فأخذوا بها معجَبين بآراء أصحاب العقول القاصرة، والأنظار القريبة، ومعرِضين عما جاء من لدُن حكيم خيبر، هو الذي خلق الخلق وتكفَّل برزقهم، فقال تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] وقال تعالى: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت: 10] وقال تعالى عاتبًا على الكفار الجفاة الجهلة: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31].

والنصوص في هذا الباب كثيرة.

وخشية من وقوع بعض البسطاء بهذه الفكرة الضالة، فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء أصدر فيها قرارًا.

وكذلك أصدر فيها مجلس المجمع الفقهي بمكة التابع لرابطة العالم الإسلامي.

ص: 223

* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد النسل: رقم (42) وتاريح 14/ 4/ 1396 هـ:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام: 1396 هـ، بَحَثَ المَجلس موضوع منع الحمل، وتحديد النسل وتنظيمه، بناءً على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان عام: 1395 هـ، من إدراج موضوعها في جدول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطَّلع المجلس على البحث المعد في ذلك مِن قِبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي، والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرَّر المجلس ما يلي: - نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإِسلامية ترغب في انتشار النَّسل، وتكثيره، وتعتبر النسل نعمةً كبرى، ومنَّةً عظيمة منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ممَّا أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، والإفتاء في بحثها المعد للهيئة، والمقدم لها.

ونظرًا إلى أنَّ القول بتحديد النسل، أو منع الحمل، مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإِسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوءَ ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإِسلامي، المتكون من كثرة اللَّبنَات البشرية وترابطها.

لذلك كلِّه فإنَّ المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز

ص: 224

منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين، وما من دابَّة في الأرض إلَاّ على الله رزقها.

أما إذا كان منع الحمل لضرورة محقَّقة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما، لمصلحةٍ يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذٍ من منع الحمل، أو تأخيره، عملًا بما جاء في الأحاديث "الصحيحة" وما روي عن جمع الصحابة -رضوان الله عليهم- من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حال ثبوت الضرورة المحققة، وقد توقف الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء، وصلى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.

هيئة كبار العلماء

* قرار مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي بشأن تحديد النسل:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.

وبعد:

فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي في موضوع تحديد النسل، أو ما يسمى تضليلاً بـ "تنظيم النسل"، وبعد المناقشة، وتبادل الآراء في ذلك، قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي:

نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإِسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمة كبرى، ومنة عظيمة منَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودلَّت على أنَّ القول بتحديد النسل، أو منع الحمل يصادم الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وللشريعة الإِسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا

ص: 225

إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلا الكيد للمسلمين؛ لتقليل عددهم بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة، والشعوب المستضعفة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإِسلامية، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإِسلامي المتكون من كثرة اللَّبنَات البشرية، وترابطها.

لذلك كله فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي يقرر بالإجماع أنَّه لا يجوز تحديد النسل مطلقاً، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزاق ذو القوَّة المتين، وما من دابة في الأرض إلَاّ على الله رزقها، أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعًا.

أما تعاطي أسباب منع الحمل، أو تأخيره في حالاتٍ قهريةٍ؛ لضررٍ محقَّقٍ، ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديةً، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية؛ لإخراج الجنين، فإنَّه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرى شرعيَّةٍ أو صحيَّةٍ، يُقرِّرها طبيبٌ مسلمٌ ثقةٌ، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقَّق على أمه، إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير ممن يوثق به من الأطباء المسلمين.

أما الدعوة إلى تحديد النسل، أو منع الحمل بصفة عامة، فلا تجوز شرعًا؛ للأسباب المتقدم ذكرها، وأشد من ذلك في الإثم إلزام الشعوب بذلك، وفرضه عليها، في الوقت الذي تُنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلح العالمي للسيطرة والتدمير، بدلاً من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير.

مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي

ص: 226

* قرار المجمع الفقهي الإِسلامي حول التلقيح الاصطناعي وأطفال الأنابيب:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم.

وبعد:

فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي قد نظر في الدراسة التي قدمها عضو المجلس مصطفى أحمد الزرقاء، حول التلقيح الاصطناعي، وأطفال الأنابيب، الأمر الذي شغل النَّاس، وكان من أبرز قضايا الساعة في العالم، واستعرض المجلس ما تحقَّق في هذا المجال من إنجازات طبية، توصَّل إليها العلم والتقنية في العصر الحاضر؛ لإنجاب الأطفال من بني الإنسان، والتغلب على أسباب العقم المختلفة المانعة من الاستيلاد.

وقد تبيَّن للمجلس من تلك الدراسة الوافية المشار إليها أنَّ التلقيح الاصطناعي بغية الاستيلاد -بغير الطريق الطبيعي، وهو الاتصال الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة- يتم بأحد طريقين أساسيين.

1 -

طريق التلقيح الداخلي، وذلك بحقن نطفة الرجل في الموقع المناسب من بطن المرأة.

2 -

وطريق التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل، وبويضة المرأة في أنبوب اختبار، في المختبرات الطبية، ثم زرع البويضة الملقحة "اللقيحة" في رحم المرأة.

ولابد في الطريقين من انكشاف المرأة على من يقوم بتنفيذ العملية.

وقد تبيَّن لمجلس المجمع من تلك الدراسة المقدمة إليه في الموضوع، وممَّا أظهرته المذاكرة والمناقشة، أنَّ الأساليب والوسائل التي يجري بها التلقيح الاصطناعي بطريقيه: الداخلي والخارجي؛ لأجل الاستيلاد، هي سبعة أساليب بحسب الأحوال المختلفة، للتلقيح الداخلي فيها أسلوبان، وللخارجي خمسة من الناحية الواقعية، بقطع النظر عن حلها أو حرمتها شرعًا، وهي

ص: 227

الأساليب التالية:

في التلقيح الاصطناعي الداخلي:

الأسلوب الأول:

أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجلٍ متزوج، وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته، أو رحمها، حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًّا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما، ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله، كما في حالة الجماع، وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور؛ لسبب مانعٍ من إيصال مائه في المواقعة، إلى الموضع المناسب.

الأسلوب الثاني:

أن تؤخذ نطفة من رجل، وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر، حتى يقع التلقيح داخليًّا، ثم العلوق في الرحم، كما في الأسلوب الأول، ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيمًا لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره.

في طريق التلقيح الخارجي:

الأسلوب الثالث:

أن تؤخذ نطفة من زوج، وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي، بشروط فيزيائية معيَّنة، حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره، وتنمو، وتتخلق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده الزوجة طفلاً أو طفلة، وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي الذي يسَّره الله، وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورًا وإناثًا وتوائم، تناقلت أخبارها الصحف العالمية، ووسائل الإعلام المختلفة، ويلجأ إلى هذا

ص: 228

الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها، ورحمها "قناة فالوب".

الأسلوب الرابع:

أنْ يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة، ليست زوجته -يسمونها متبرعة- ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.

ويلجأون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلاً أو معطلاً، ولكن رحمها سليم، قابل لعلوق اللقيحة فيه.

الأسلوب الخامس:

أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل، وبويضة من امرأة ليس زوجة له -يسمونهما متبرعين- ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى متزوجة، ويلجأون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها عقيمًا، بسبب تعطل مبيضها، لكن رحمها سليم، وزوجها أيضًا عقيم، ويريدان ولدًا.

الأسلوب السادس:

أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها.

ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل؛ لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفُّهًا، فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها.

الأسلوب السابع:

هو السادس نفسه، إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة، فتتطوع لها ضرَّتها، لحمل اللقيحة عنها، وهذا الأسلوب لا

ص: 229

يجري في البلاد الأجنبية التي يمنع نظامها تعدد الزوجات، بل في البلاد التي تبيح هذا التعدد.

هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي، الذي حقَّقه العلم؛ لمعالجة أسباب عدم الحمل.

وقد نظر مجلس المجمع فيما نشر وأذيع، أنَّه يتم فعلا تطبيقه في أوربا وأمريكا، من استخدام هذه الإنجازات لأغراض مختلفة، منها تجاري، ومنها ما يجري تحت عنوان:"تحسين النوع البشري"، ومنها ما يتم لتلبية الرغبة في الأمومة، لدى نساء غير متزوجات، أو نساء متزوجات لا يحملن؛ لسبب فيهن، أو في أزواجهنَّ، وما أنشيء لتلك الأغراض المختلفة من مصارف النطف الإنسانية التي تحفظ فيها نطف الرجال، بصورة تقنية تجعلها قابلة للتلقيح بها إلى مدة طويلة، وتؤخذ من رجال معينين أو غير معيَّنين، تبرعًا أو لقاء عوض، إلى آخر ما يقال: إنه واقع اليوم في بعض بلاد العالم المتمِّدن.

النظر الشرعي بمنظار الشريعة الإِسلامية:

هذا، وإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي بعد النظر فيما تجمع لديه من معلوماتٍ موثقة، ممَّا كُتِب ونشر في هذا الشأن، وتطبيق قواعد الشريعة الإِسلامية ومقاصدها، لمعرفة حكم هذه الأساليب المعروضة، وما تستلزمه، قد انتهى إلى القرار التفصيلي التالي:

أولًا: أحكام عامة:

(أ) أنَّ انكشاف المرأة المسلمة على غير من يحل شرعًا بينها وبينه الاتصال الجنسي، لا يجوز بحالٍ من الأحوال، إلَاّ لغرضٍ مشروع، يعتبره الشرع مبيحًا لهذا الانكشاف.

(ب) أنَّ احتياج المرأة إلى العلاج من مرض يؤذيها، أو من حالةٍ غير طبيعية في جسمها، تسبب لها إزعاجًا، يعتبر ذلك غرضًا مشروعًا يبيح لها

ص: 230

الانكشاف على غير زوجها لهذا العلاج، وعندئذٍ يتقيَّد ذلك الانكشاف بقدر الضرورة.

(ج) كلما كان انكشاف المرأة على غير من يحل بينها وبينه الاتصال الجنسي مباحًا؛ لغرض مشروع، يجب أن يكون المعالج امرأة مسلمة إن أمكن ذلك، وإلَاّ فامرأة غير مسلمة، وإلَاّ فطبيب مسلم ثقة، وإلَاّ فغير مسلم بهذا الترتيب.

ولا تجوز الخلوة بين المعالج والمرأة التي يعالج، إلَاّ بحضور زوجها، أو امرأة أخرى.

ثانيًا: حكم التلقيح الاصطناعي:

1 -

أنَّ حاجة المرأة المتزوجة التي لا تحمل، وحاجة زوجها إلى الولد تعتبر غرضًا مشروعًا يبيح معالجتها بالطريقة المباحة من طرق التلقيح الاصطناعي.

2 -

أنَّ الأسلوب الأول: -الذي تؤخذ فيه النطفة الذكرية من رجل متزوج، ثمَّ تحقن في رحم زوجته نفسها في طريقة التلقيح الداخلي- هو أسلوب جائز شرعًا بالشروط العامة الآنفة الذكر، وذلك بعد أنْ تثبت حاجة المرأة إلى هذه العملية لأجل الحمل.

3 -

أنَّ الأسلوب الثالث -الذي تؤخذ فيه البذرتان الذكرية والأنثوية من رجل وامرأة، زوجين أحدهما للآخر، ويتم تلقيحها خارجيًّا في أنبوب اختبار، ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة- هو أسلوب مقبول مبدئيًّا في ذاته بالنظر الشرعي، لكنه غير سليم تمامًا من موجبات الشك فيما يستلزمه، ويحيط به من ملابسات، فينبغي أن لا يلجأ إليه، إلَاّ في حالات الضرورة القصوى، وبعد أن تتوفر الشرائط العامة الآنفة الذكر.

4 -

أنَّ الأسلوب السابع -الذي تؤخذ فيه النطفة والبويضة من زوجين

ص: 231

وبعد تلقيحهما في وعاء الاختبار، تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الآخر للزوج نفسه، حيث تتطوع بمحض اختيارها بهذا الحمل عن ضرَّتها المنزوعة الرحم -يظهر لمجلس المجمع أنَّه جائز عند الحاجة، وبالشروط العامة المذكورة.

5 -

وفي حالات الجواز الثلاث يقرر المجمع أنَّ نسب المولود يثبت من الزوجين مصدر البذرتين، ويتبع الميراث، والحقوق الآخرى ثبوت النسب، فحين يثبت نسب المولود من الرجل، أو المرأة يثبت الإرث وغيره من الأحكام بين الولد، ومن التحق نسبه به.

أما الزوجة المتطوعة بالحمل عن ضرَّتها -في الأسلوب السابع المذكور- فتكون في حكم الأم الرضاعية للمولود؛ لأنَّه اكتسب من جسمها وعضويتها أكثر ممَّا يكتسب الرضيع من مرضعته في نصاب الرضاع الذي يحرم به ما يحرم من النسب.

6 -

أما الأساليب الأربعة الأخرى من أساليب التلقيح الاصطناعي في الطريقين الداخلي والخارجي مما سبق بيانه، فجميعها محرَّمة في الشرع الإِسلامي، لا مجال لإباحة شيء منها؛ لأنَّ البذرتين الذكرية والأنثوية فيها ليستا من زوجين، أو لأنَّ المتطوعة بالحمل هي أجنبية عن الزوجين مصدر البذرتين.

هذا، ونظرًا لما في التلقيح الاصطناعي بوجهٍ عامٍ من ملابسات حتى في الصور الجائزة شرعًا، ومن احتمال اختلاط النطف، أو اللقائح في أوعية الاختبار، ولاسيَّما إذا كثرت ممارسته، وشاعت فإنَّ مجلس المجمع ينصح الحريصين على دينهم أن لا يلجأوا إلى ممارسته إلَاّ في حالة الضرورة القصوى، وبمنتهى الاحتياط والحذر من اختلاط النطف أو اللقائح.

هذا ما ظهر لمجلس المجمع في هذه القضية ذات الحساسية الدينية القوية من قضايا الساعة، ويرجو من الله أن يكون صوابًا.

والله سبحانه أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وولي التوفيق.

ص: 232

839 -

وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تُنْكَحُ المَرْأة لأِرْبعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِيْنِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- تُنكح المرأة: مبني للمجهول، فهو مضموم بتاء المضارع، والمراد يُرغبُ في نكاحها، ويعقد عليها.

- تُنكح: نكَحَ من باب ضرب، وأصل المادة الانضمام والاختلاط، واختلف أهل اللغة، فقال بعضهم: هو حقيقةٌ في العقد، مجازٌ في الوطء، وقال بعضهم: بالعكس، وقال بعضهم: حقيقة فيهما، وهو الذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية.

ولذا لا يعرف هذا من هذا إلَاّ بالقرينة، فإن قيل: نكح بنت فلان، فالمراد العقد، وإن قيل: نكح امرأته، فالمراد الوطء، أما صاحب المصباح فيقول: النكاح مجاز فيهما، لأنَّ أصله الانضمام، ولكن الحقيقة هي الأصل، وقال العلماء: إنَّه لم يأت في القرآن لفظ النكاح بمعنى الوطء إلَاّ في قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230].

- تُنكح المرأة لأربع: الفعل مبني للمجهول، والمرأة نائب فاعل مرفوع.

- لأربع: أي: يرغب في نكاحها لأربع خصال.

- حسَبها: بفتح الحاء والسين المهملتين، العز والشرف للمرأة، أو لأهلها وأقاربها، و"لمالها" تكون بدلًا من "أربع"، بإعادة العامل، وقد جاءت اللام

(1) البخاري (5090)، مسلم (1466)، أبو داود (2047)، النسائي (6/ 68)، ابن ماجه (1858)، أحمد (2/ 428)، ولم يروه الترمذي.

ص: 233

مكررة في الخصال الأربع في رواية مسلم، وليس في صحيح البخاري اللام في "جمالها"، وتكريرها مؤذِن بأنَّ كل واحدةٍ منهنَّ مستقلة في الغرض.

- فاظفر بذات الدِّين: جزاء شرط محذوف، أي: إذا تحقق ما فصلت لك تفصيلًا بيِّنًا، فاظفر بذات الدين، ومعنى الظفر: تمكَّنْ من ذات الدين، وفز بالحصول عليها، واغلب غيرَك بالسبق إليها.

- تَرِبَتْ يَداك: أي التصقت يداك بالتراب من الفقر، وهذه الكلمة خارجة مخرج ما يعتاده الناس في المخاطبات، لا أنَّه صلى الله عليه وسلم قصد بها الدعاء.

قال في المصباح: قوله: "تربت يداك" كلمة جاءت في كلام العرب على صورة الدعاء، ولا يراد بها الدعاء، بل يراد بها الحث والتحريض.

كما يقصد بها أيضًا المعاتبة والإنكار، والتعجب وتعظيم الأمر، والمراد بها هنا: الحث.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الذي يدعو الرِّجال إلا اختيار المرأة زوجةً هو أحد أربعة أمور:

(أ) فبعض الرجال يريد في المرأة الحَسَب، والشرف الباقي لها، ولآبائها، فالحسب هو الأفعال الجميلة للرجل ولآبائه.

(ب) وبعض الرجال يرغب في المال والشراء، فنظرته مادِّيةٌ بحتة.

(ج) وبعض الرجال يطلب الجمال، ويهيم في الحسن الظاهري، ولا ينظر إلى ما سواه.

(د) وبعض الرجال يبحث عن الدين والتقى، فهو مقصده ومراده، وهذه الصفة الأخيرة هي التي حثَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"فاظفر بذات الدِّين تربت بداك" كلمة يؤتى بها للحث على الشيء، والأخذ به، وعدم التفريط فيه، واللائق بذوي المروءة، وأرباب الصلاح، أن يكون الدِّين هو مطمح

ص: 234

نظرهم فيما يأتون ويذرون، لاسيَّما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره، فلذلك اختاره النبي صلى الله عليه وسلم بآكد وجهٍ وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار.

2 -

وفي الحديث ما يدل على استحباب صحبة الأخيار، ومجالستهم، للاقتباس من فضلهم، وحسن القدوة بهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، والابتعاد عن الشر وأهله.

قال تعالى حكايته عن موسى عليه السلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)} [الكهف: 66]، وقال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: 28].

وجاء في الصحيحين من حديث أبي موسى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنما مَثَل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك: إمَّا أن يحذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحةً طيبة، ونافخ الكير: إما أن يُحرِق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة".

والنصوص في هذا المعنى كثيرة وظاهرة.

3 -

قال النووي: معناه أنَّ الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنتَ على ذات الدِّين، واظفر بها، واحرص على صحبتها.

4 -

قال الرافعي في الأماني: يرغب في النكاح لفوائد دينية ودنيوية، ومن الدواعي القوية إليه الجمال، وقد نهى عن تزوج المرأة الحسناء، وليس المراد النَّهي عن رعاية الجمال على الإطلاق، ألا ترى أنه قد أمر بنظر المخطوبة، ولكن النَّهي محمولٌ على ما إذا كان القصد مجرَّد الحسن، واكتفى به عن سائر الخصال.

5 -

ومن الدواعي الغالبة المال، وهو غادٍ ورائحٌ، فلا يوثق بدوام الألفة، لاسيَّما إذا قلَّ، وقد قيل: عظَّمك عند استغلالك، واستقلَّك عند إقلالك.

ص: 235

6 -

وأما إذا كان الداعي الدين، فهو الحبْل المتين، الذي لا ينفصم، فكان عقْده أدوم، وعاقبته أحمد.

7 -

جاء في معنى الحديث ما أخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكحوا النساء لحسنهنَّ، فلعله يرديهن، ولا لمالهنَّ فلعلَّه يطغيهن، وانكحوهن للدِّين، ولأمةٌ سوداء خرقاء ذات دين أفضل".

قال ابن كثير: فيه الإفريقي ضعيف، ولكن قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، والإفريقي الذي في إسناده ثقة، وقد أخطأ من ضعَّفه.

وقال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221].

فهذه المقارنة يقصد بها فضل صاحب الدين والخلق.

8 -

في الحديث أنَّ الإنسان لا ينبغي له أن يكون الناس هم قدوته، ولا أن تكون أعمالهم هي المرغوبة عنده، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكَر في هذا الحديث أنَّ ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجة، وأنَّ صنفًا واحدًا هو المصيب.

9 -

وفيه أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في أموره لمستَقْبلها، وألَاّ تكون النظرة الحاضرة العاجلة هي هدفه، فإنَّ الزوجة الصالحة في دينها هي التي تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وهي القرين الصالح الأمين.

10 -

فيه أنَّ الرجل لا يحرم عليه إذا كان من رغبته في الزوجة الحسب والجمال والمال مع الدين، وإنما يعاب عليه إن أهمل أهم صفات الزوجة، وهي الدين.

ص: 236

11 -

النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بما يفعله النَّاس في العادة، فإنَّهم يقصدون هذه الخصال الأربع، ويؤخرون "ذات الدين" فأمر صلى الله عليه وسلم أن يقدَّم ما يؤخرون فقال: فاظفر أنت أيُّها المسترشد بذات الدين، وفُزْ بها.

روي أنَّ رجلًا جاء إلا الحسن البصري، وقال له: إنَّ لي بنتًا أحبها، وقد خطبها الكثير، فمن تشير عليَّ أن أزوجها له؟ قال: زوِّجها رجلًا يخاف الله، فإنه إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.

12 -

في الحديث أنَّ الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذم والتقبيح، مما هو جارٍ على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، أنه لا إثم على قائلها إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما ساقها كما يسوقها الناس مثل:"تربت يداك"، و"ثكلتك أمك"، ومثل:"ويل أمه مِسعر حرب" ونحو ذلك.

***

ص: 237

840 -

وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَان إذا رفَّأ إنْسَانًا إذَا تَزوَّجَ قَالَ: "بارَكَ اللهُ لَكَ، وَبارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خَيْرٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والبيهقي، ورجاله ثقات، وقد روي من طريقين:

إحداهما: عن الحسن البصري عن عقيل بن أبي طالب بالعنعنة، فليس فيه تصريح بالسماع، فهو في حكم المنقطع.

الثانية: رواه الإِمام أحمد عن عقيل من طريق أخرى، فالحديث قوي باجتماع هذين الطريقين، وقد صحَّحه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وابن دقيق العيد.

* مفردات الحديث:

- رَفَّأ إنسانًا: بفتح الراء، وتشديد الفاء، يجوز فيه الهمز، وعدمه.

الرفاء: الموافقة، وحسن العشرة، وهو من رَفَأَ الثوب، أي أصلحه.

والمعنى: دعا له بالتوفيق، وحسن العشرة، وهنَّاء بزواجه.

(1) أحمد (2/ 381)، أبو داود (2130)، الترمذي (1091)، النسائي في عمل اليوم والليلة (259)، ابن ماجه (1905).

ص: 238

- بارك: يقال: بارك الله لك، وفيك، وعليك: جعلك مباركًا، ووضع فيك البركة، والبركة: الخير والزيادة، حسيَّة أو معنوية، والبركة أيضًا: ثبوت الخير الإلهي، وداومه في الشيء.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

عقد النكاح صفقة هامة جدًّا، هذا العقد بحتاج من أصحابه إلى النصح الخالص، والدعاء الصالح.

وعاقبة هذا العقد مجهولة خطرة، فهي إما من أكبر السعادات، وإما من أخسر الصفقات.

2 -

لذا كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا لإنسان قد تزوج دعا له بهذه الدعوات الطيبات الكريمات، أن تحل فيه بركة الله، وأن تنزل عليه، وأن يجمع الله بينه وبين زوجته في خير.

3 -

والخير كلمةٌ جامعةٌ لمعاني السعادة، من العشرة الحسنة، والرَّغد في العيش، وحصول الأولاد الصالحين.

4 -

فيستحب لمن حضر عقد النكاح أن يدعو للمتزوج بهذا الدعاء، وهذا أفضل من دعاء الجاهلية:"بالرفاء والبنين"، فإنَّه دعاء قاصر، قليل البركة، ولا يكفي ما تعارفه الناس الآن من قولهم للمتزوج أو الخاطب:"مبروك"، ونحوه، فالأفضل أن يكون بهذه الصيغة النبوية الكريمة، فإنَّها جامعةٌ لمعاني الخير والسعادة.

5 -

أما المتزوج فالسنة في حقِّه ما رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أفاد أحدكم امرأة، فليأخذ بناصيتها، وليقل: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما جُبِلت عليه، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما جُبلت عليه" ومعنى أفاد، أي: استفاد.

6 -

استحباب دعاء المسلمين بعضهم لبعض، لاسيَّما عند المناسبات، أو عند

ص: 239

الأزمات، وفائدة الدعاء أنَّه وسيلةٌ قويةٌ لحصول المطلوب، إذا توفَّرت شروطه، وانتفت موانعه.

7 -

روى الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دخلْت على أهلك فصلِّ ركعتين، ثم خُذ برأس أهلك، ثم قل: اللَّهمَّ بارك في أهلي، وبارك لأهلي فيَّ، وارزقني منهم".

***

ص: 240

841 -

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم التَّشَهُّد في الحَاجَةِ: "إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينه، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَاشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأ ثَلَاثَ آياتٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح:

هذا الحديث يسمى "حديث الحاجة"، قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذا في خطبة النكاح، أو في غيرها؟ قال:"في كل حاجة"، وفي شرح السنة للبغوي: عن ابن مسعود في خطبة النكاح وغيره.

قال الترمذي: حديثٌ حسن، وصحَّحه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، وابن خزيمة.

قال في التلخيص: وروى البيهقي من حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يحدث عن أبيه، قال: علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: "الحمد لله، أو إنَّ الحمد لله" ورواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، والحاكم، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وهناك رواية موقوفة، رواها أبو داود والنسائي أيضًا من هذا الوجه، وهناك طرق أخر

(1) أحمد (1/ 392)، أبو داود (2118)، الترمذي (1105)، النسائي (3/ 104)، ابن ماجه (1892)، الحاكم (2/ 182).

ص: 241

مروية من غير طريق أبي عبيدة، وقراءة الآيات الثلاثة جاءت في رواية النسائي.

* مفردات الحديث:

- الحاجة: ما يفتقر إليه الإنسان ويطلبه، جمعه حوائج، زاد ابن كثير في الإرشاد: في النكاح، أو غيره.

- إنَّ الحمد: "إنَّ" مثقلة مكسورة الهمزة وجوبًا؛ لأنَّه لا يصح أن يقوم مقامها ومقام معموليها مصدر، فهي هنا جاءت في ابتداء الكلام.

- الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، واللام فيه لاستغراق الحمد؛ ليفيد أنَّ جميع المحامد له تعالى، كما يفيد أنَّها مختصة بالرب تعالي، فالَّلام أفادت الأمرين: الاستغراق والحصر.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

هذا الحديث هو خطبة، تسمى خطبة الحاجة، يستحب الإتيان بها عند الابتداء بكل حاجة هامَّة، ومن ذلك عند عقد النكاح.

2 -

أما الآيات الثلاث، فهي قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ

} [آل عمران: 102]، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ

} [النساء: 1]، وقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)} والآية التي بعدها إلا قوله: {عَظِيمًا (71)} [الأحزاب].

3 -

الحديث اشتمل على إثبات صفات المحامد لله، واستحقاقه لها، واتصافه بها.

4 -

واشتمل على طلب العون من الله تعالى، والمساعدة على طلب التسهيل، والتيسير على الحاجة، التي سيُقدِم عليها الإنسان، لاسيَّما النكاح بكلفه ومؤنته.

5 -

واشتمل على طلب المغفرة منه تعالى، وستر العيوب والذنوب، والاعتراف بالقصور والتقصير، وأن يمحو ذلك ويغفره.

6 -

واشتمل على الاستعاذة به، والاعتصام به، من شرور النفس الأمارة

ص: 242

بالسوء، التي تنازعه إلى فعل ما يحرم، وترك ما يجب، إلَاّ من عصمه الله تعالى وأعاذه.

7 -

واشتمل على الإقرار بأنَّه تعالى صاحب التصرف المطلق في خلقه، وأنَّ هداية القلوب وضلالها بيده:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] وهذه الجملة كالتعليل لما قبلها من طلب الاستعاذة، والعصمة من الله وحده.

8 -

واشتمل على الإقرار بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإِسلام، وهما أصله وأساسه، فالإنسان لا يكون مسلمًا إلَاّ بإقراره بهما، إقرارًا نابعًا من قلبه.

9 -

قال النووي: واعلم أنَّ هذه الخطبة سنة، لو لم يأت بشيء منها صحَّ النكاح باتفاق العلماء.

10 -

وحكي عن داود الظاهري وجوبها، ولكن العلماء المحققين لا يعدون خلاف داود خلافًا معتبرًا، ولا ينخرم به الإجماع.

قال إمام الحرمين؛ الذي ذهب إليه أهل التحقيق أنَّ منكري القياس لا يُعَدُّون من علماء الأمة، وحملة الشريعة؛ لأنَّهم معاندون فيما ثبتت استفاضته وتواتر؛ لأنَّ معظم الشريعة صادرةٌ عن الاجتهاد، ولا تقي النصوص بعشر معشارها.

أما ابن الصلاح فقال: الذي اختار أبو منصور، وذكر أنَّه الصحيح من المذهب، أنَّ خلاف دواد معتبر، وهو الذي استقرَّ عليه الأمر، فالأئمة المتأخرون من الشافعية، كالغزالي والمحاملي، أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم. انتهى من الطبقات الكبرى لابن السبكي.

11 -

أنَّ هذه الخطبة الهامة، الجامعة لمحامد الله، وطلب عونه، والالتجاء إليه من الشرور، وتلاوة تلك الآيات الكريمات، ينبغي للإنسان أن يقدمها بين

ص: 243

يدي أعماله، وأقواله؛ لتحلها البركة، وليكون لها الأثر الطيب فيما تقدمته من الأعمال، فهي سنَّةٌ مؤكَّدة، ولكنَّها أُهمِلَت وهُجِرت، فمن أحياها فله أجرها، وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجر عملهم شيء.

12 -

الأعمال تكون بأسباب العبد وبإرادته المرتبطة بإرادة الله، ولكنْ وراء هذه الأسباب، وهذه الإرادة، ربٌّ مدبِّرٌ، متصرفٌ بجميع الأُمور، فإذا اقترنت هذه الأسباب المادية، وتلك الإرادة الإنسانية، بالاستعانة بالله تعالى، والتوكل عليه، وتفويض الأمور كلها إليه، وقدم العبد أمام هذه الأعمال وأسبابها المادية قوَّةً روحيةً، وشحنةً إيمانيةً، تستمد من الاعتماد على الله تعالى، والتوكل عليه، وإسناد الأمور إليه، حصلت البركة، وحصل النجاح في الأعمال بإذن الله تعالى.

13 -

قال شيخ الإِسلام: الأركان الثلاثة التي اشتملت عليها خطبة ابن مسعود هي: الحمد لله -نستعينه- نستغفره.

قال الشيخ عبد القادر والشاذلي: إنَّ جوامع الكلام النَّافع هي: الحمد لله، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوَّة إلَاّ بالله.

والتحقيق أنَّ الثلاث الأُوَل هي جوامع الكلم.

وهذه الخطبة تُستحَب في مخاطبة الناس بالعلم من تعليم الكتاب والسنة، والفقه، وموعظة الناس، فهي لا تخص النكاح وحده، وإنما هي خطبة لكل حاجة، والنكاح من جملة ذلك.

وإنَّ مراعاة السنن الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العبادات والعادات هو كمال الصراط المستقيم. اهـ.

14 -

قوله: من شرور أنفسنا: نسب الشرور إلى الأنفس، ولم ينسبها إلى الله تعالى، مع أنَّ الأمور كلها بتقدير الله وتدبيره، إلَاّ أنَّ ما يصدر من الله ليس في ذاته شر.

ص: 244

842 -

وَعَنْ جَابرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا خَطَبَ أحَدُكُمُ المَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَات، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (1).

وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ المُغِيرَةِ (2)، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ (3).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

أخرجه الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والطحاوي، وابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي، من طريق محمَّد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن واقد بن عبد الرحمن، عن جابر به، وصحَّح الحديث ابن حبان، وحسَّنه الترمذي، وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، أما حديث محمَّد ابن مسلمة فقد صحَّحه ابن حبان، وله طرق لا تخلو من مقال، إلَاّ أنَّه يجبر بعضها بعضًا.

قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبِي، وحسَّن سنده الحافظ ابن حجر، وقال: رجاله ثقات.

(1) أحمد (3/ 334)، أبو داود (2082)، الحاكم (2/ 165).

(2)

الترمذي (1087)، النسائي (3225).

(3)

ابن ماجه (1864).

ص: 245

* مفردات الحديث:

- ما يدعوه إلى نكاحها: تقدم أنَّ الدَّاعي إلى النكاح، هو المال، أو الحسب، أو الجمال، أو الدين، وعليه فمن كان غرضه الجمال، فليتحرَّ في النَّظر إلى ما قصده بأن ينظر إليها بنفسه، أوأن يبعث من ينعتها له.

***

ص: 246

843 -

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال لِرَجُلٍ تزَوَّجَ امْرَأَةً: "أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا"(1).

ــ

* مفردات الحديث:

- تزوَّج: أي خَطَبَ، عبَّر عن الخِطبه باعتبار ما يكون، وهذا متعيَّن؛ ليفيد الأمر بالنظر إليها.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

تقدَّم أنَّ الجمال الظاهري مطلبٌ من مطالب النكاح، وأنه وإن كان الأفضل هو البحث عن الدِّين والخُلق، إلَاّ أنَّه أيضًا أمرٌ مرغوبٌ فيه، قد يقدِّمه بعض الراغبين في الزواج على غيره من الصفات، وحينئذٍ يكون الجمال مطلوبًا، إذ يحصل التحصين به، كيف والغالب أنَّ حسن الخَلق والخُلق لا يفترقان، وأنَّ ما روي أنَّ المرأة تُنكَح لجمالها، ليس زجرًا عن رعاية الجمال، بل هو زجرٌ عن النكاح لأجل الجمال المحض مع عدم مراعاة غيره.

2 -

إذا كان الجمال أمراً مطلوبًا مرغوبًا فيه، وأنَّ الرجل قد يكره المرأة لدمامتها، أو هي تنفر من منظره، فإنَّ المستحب هو أن ينظر إليها إذا عزم على خطبتها، واعتقد إجابته إلى ذلك، وهي أيضًا تنظر إليه وتسمع منه.

3 -

قال في "نيل المآرب": ويباح لمريد النكاح نظر ما يظهر غالبًا من المرأة، كوجهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدمٍ، إذا أراد خِطبتها، وغَلَب على ظنِّه إجابته، وَيُكرِّر النظر بلا خلوة.

(1) مسلم (1424).

ص: 247

والمشهور من المذهب هو الإباحة فقط، أما مذهب جمهور العلماء فهو الاستحباب؛ لأنَّه أقل أحوال الأمر، وممَّن يرى الاستحباب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد.

قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ من أراد أن يتزوج امرأةً، فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة، وقيل: يسن، وصوَّبه في الإنصاف، وظاهر الحديث استحبابه.

4 -

واختلفوا في الأعضاء التي ينظر إليها، والحديث مطلق لم يخصص موضعًا، فيحمل على المحل المقصود من معرفة جمالها، ويدل على ذلك فهم الصحابة وعملهم، فقد روى عبد الرزاق وسعيد بن منصور:"أنَّ عمر كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي، لما بعث بها عليٌّ إليه، لينظر إليها".

5 -

قال في نيل المآرب: ولا يحتاج إلى إذنها، ويدل على ذلك فعل جابر، فقد روى أحمد، والشافعي، والحاكم، وفيه:"فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها".

6 -

الحكمة في هذا ما جاء في المسند عن المغيرة بن شعبة، أنَّه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"انظر إليها، فإنَّه أحرى أن يُؤدَم بينكما" فنظرُ الرجل إليها، وتروِّي فكره فيها، قبل الخطبة، أقرب إلى الوفاق والاتفاق بينهما؛ لأنَّه يقدم على بصيرة من أمره.

7 -

قال بعضهم: ويثبت هذا الحكم للمرأة، فإنَّها تنظر إلى خاطبها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ويفهم هذا المعنى المراد من الحديث، ويؤيده إجابة طلب زوجة ثابت بن قيس فراقَه، لما علَّلت من دمامته.

فقد أخرج ابن أبي خيثمة، والطبراني عن ابن عباس أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: يا جميلة! ما كرهت من ثابت؟ فقالت: والله ما كرهتُ منه شيئًا إلَاّ دمامته، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، ففرَّق بينهما.

وحينئذ فالمرأة أولى بالنظر؛ لأنَّه يباح لها أن تنظر إلى الرجل، ولو بلا

ص: 248

حاجة إذا لم يكن لشهوة، أما الرجل فلا ينظر إليها إلَاّ لحاجة، فإباحة النظر لها في هذه المسألة أولى.

8 -

المسلمون في هذه المسألة بين طرفي نقيض، فبعضهم متشددون متعصبون، عطَّلوا هذه السنَّة المجمع عليها، فيمنعون الخُطَّاب من رؤية بناتهم ومولياتهم، وهذا مخالفة للشرع الظاهر الصريح الصحيح.

وبعضهم يرخون للخطَّابين العنان، ويدعونهما يخلوان، ويتنزهان في المواطن البعيدة الخالية، وهذا حرامٌ لا يجوز.

والخير كله بالاقتصار على الأمور الشرعية، فلا تعطل السنة، ولا تتعدى إلى ما حرَّم الله تعالى.

9 -

جاء في بعض ألفاظ الحديث: "إذا خطب أحدكم فلا جناح عليه أن ينظر منها" والرواية الأخرى عند أحمد وابن ماجه: "إذا ألقى الله في قلب امريءٍ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها".

فهذا دليلٌ على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية، وإلى ما يباح للخاطب النظر من جسمها، وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى

ولا عبرة بالأقوال الضعيفة التي لا تستند إلى حقٍّ وصواب.

10 -

إذا علمنا أنَّ النظر إلى الأجنبية محرَّم إلَاّ لحاجة، فقد قسَّم الفقهاء النظر إلى ثمانية أقسام، هي ما يأتي:

الأول: نظر الرجل البالغ للحرَّة البالغة الأجنبية لغير حاجة، فلا يجوز له نظر شيء منها حتى شعرها المتَّصل.

الثاني: نظر الرجلالبالغ لمن لا تُشتهى كعجوز، وقبيحة، فيجوز لوجهها.

الثالث: نظر الرجل للشهادة على الأجنبية أو لمعاملتها، فيجوز نظره إلى وجهها وكفَّيها.

ص: 249

الرابع: نظره لحرَّةٍ بالغةٍ ليخطبها، فيجوز للرقبة والوجه واليد والقدم.

الخامس: نظره إلى ذوات محارمه، أو لبنت تسع، أو كان هو لا شهوة له، أو كان مميزًا وله شهوة، فيجوز لوجهٍ ورقبةٍ ويدٍ وقدمٍ ورأسٍ وساق.

السادس: نظره للمداوة، فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إليها.

السابع: نظره لحرة مميِّزة دون تسع، ونظر المرأة للرجل الأجنبي، ونظر المميز الذي لا شهوة له للمرأة، ونظر الرجل ولو أمرد، فيجوز إلى ما عدا ما بين السرة والركبة.

الثامن: نظره لزوجته وبالعكس، ولو لشهوة، فيجوز لكل منهما نظر جميع بدن الآخر، وكذا يجوز النظر إلى جميع بدن مَن دون السابعة.

ويحرم النظرة لشهوة، أو مع خوف ثورانها، إلى أحد ممن ذكرنا، ولمسٌ كنظر، ويحرم التلذذ بصوت الأجنبية ولو بقراءة، وتحرم خلوة رجل غير محرم بالنساء وعكسه.

11 -

قال ابن القطان المالكي: أجمعوا على أنه يحرم النظر إلى الأمرد، لقصد التلذذ بالنظر إليه، وأجمعوا على جواز النظر إليه بغير قصد اللذة.

12 -

يحرم تزين امرأة لمَحرم غير زوج وسيد.

13 -

سئل أحمد عن تقبيل ذوات المحارم منه؟ فقال: إذا قدم من سفر، وأمن الفتنة، ولا يفعله على الفم.

14 -

قال شيخ الإِسلام: النظر داعيةٌ إلى فساد القلب، ولهذا أمر الله بغض الأبصار، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"زنا العين النظر"، وفي الطبراني من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ النظر سهمٌ من سهام إبليس، مسموم، فمن تركه من مخافة الله أبدله الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه".

ص: 250

* قرار المجمع الفقهي بشأن مداواة الرجل للمرأة: قرار رقم (81):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندرسيري باجوان، بروناي دار السلام، من 1 إلى 7 محرَّم 1414 هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993 م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "مداوة الرجل للمرأة"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.

قرَّر ما يلي:

1 -

الأصل أنَّه إذا توافرت طبيبة متخصصة، يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك، فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم، يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطَّلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم، أو زوج، أو امرأة ثقة، خشية الخلوة.

2 -

يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها؛ لتشجيع النساء على الانخراط في مجال العلوم الطبية، والتخصص في كل فروعها، وخاصة أمراض النساء والتوليد، نظرًا لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية، حتى لا تضطر إلى قاعدة الاستثناء، والله أعلم.

ص: 251

844 -

وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلى خِطْبةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ، أوْ يَأذَنَ لَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- لا يخطب: "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، وهو من باب قتل، والخِطبة بكسر الخاء: طلب المرأة للزواج، والخطيبة: المرأة المخطوبة.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النَّهي عن خِطبة المرأة على خِطبة آخر تقدم، والنَّهي أصله التحريم.

2 -

قال في الكشاف ما خلاصته: ولا يحل لرجل أن يخطب امرأة على خِطبة مسلم إن علم الخاطب الثاني بخطبة الأول.

فإن خطب على خِطبته صحَّ العقد؛ لأنَّ التحريم ليس في صلب العقد، فلم يؤثر فيه، وفيه خلاف سيأتي.

3 -

فإن لم يعلم الثاني جاز؛ لأنَّه معذور، أو رُدَّت خِطبة الأول جاز، أو أذِن الأول للثاني في الخِطبة جاز؛ لأنَّه أسقط حقه، أو ترك الأول الخِطبة جاز للثاني أن يخطب.

4 -

ولا يكره للولي ولا للمرأة الرجوع عن الإجابة لغرض صحيح؛ لأنَّه عقد يدوم الضرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها، والنظر في حظها، أما رجوعها بلا غرض صحيح فيكره منه ومنها، لِما فيه من إخلاف الوعد، ولكنه لا يحرم؛ لأنَّ الحق لم يلزم بعد.

(1) البخاري (5142)، مسلم (1412).

ص: 252

5 -

وتحريم الخِطبة على الخِطبة وقايةٌ إسلاميةٌ كريمةٌ عن وقوع العداوات، والشحناء بين المسلمين، فإنَّ الإِسلام يحث على الألفة والمودة، ويبعد كل ما من شأنه إحداث التباغض، والتعادي بين المسلمين.

و {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

و"المؤمن للمؤمن كالبنيان".

و"لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخِيه ما يحب لنفسه".

فهذه هي آداب الإِسلام، وأهدافه الكريمة، ومقاصده الحسنة، جعلنا الله تعالى ممَّن اتَّصف بهذه الأوصاف الحميدة، آمين.

* خلاف العلماء:

قال شيخ الإِسلام: اتَّفق الأئمة الأربعة على تحريم الخِطبة على خِطبة الرجل، وتنازعوا في صحة نِكاح الثاني على قولين:

أحدهما: ذهب مالك إلا أنه باطل، وهي إحدى الروايتين عن أحمد.

الثاني: أنَّه صحيح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، مع اتفاقهم على أنَّ فاعل ذلك عاصٍ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتجب عقوبته.

***

ص: 253

845 -

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنهما قَالَ: "جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! جِئْتُ أهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبه، ثُمَّ طَأطَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأتِ المَرْأةُ أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامِ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيءِ؟ فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا، وَاللهِ! مَا وَجَدْتُ شَيئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ، تمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا تَصْنعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّا إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ لَه، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَهُّ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وفِي رِوَايَةٍ لَهُ: انْطَلِقْ، فَقَدْ زوَّجْتكهَا، فَعلِّمْهَا مِن القُرْآنِ".

ص: 254

وَفِي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِّ: "أمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"(1).

وَلأبي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "مَا تَحْفَظُ؟ قَالَ: سُورَةَ البَقَرَةِ، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً"(2).

ــ

* درجة الحديث:

رواية أبي داود ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح في زيادات الباب، فهي صحيحةٌ، أو حسنةٌ على قاعدته.

أما الألباني فقال: هذه الزيادة منكرة؛ لمنافاتها للرواية الصحيحة، ولتفرد عِسْل بن سفيان بها، وهو ضعيف.

* مفردات الحديث:

- امرأة: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها، وقال العيني: الصحيح أنَّها خولة بنت حكيم، أو أم شريك الأزدية.

- أهب لك نفسي: أي ملَّكتك المتعة بنفسي، وكان هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب: 50] أي قد أحللناها لك.

- صعَّد النظر: بفتح الصاد، وتشديد العين المهملة: رفع بصره، أي نظر إلى أعلاها، وتأملها.

- صوَّب النظر: بفتح الصاد، وتشديد الواو، أي خفض رأسه ضدّ صعَّده، فنظر إلى أسفلها، وتأمَّلها.

(1) البخاري (5030)، مسلم (1425).

(2)

أبو داود (2112).

ص: 255

- طأطأ رأسه: خفض رأسه، وصاغره، وطامنه.

- رجل: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه.

- خاتمًا: يقال: ختم عليه يختم ختمًا أي طبع عليه، والخاتم: حلقة ذات فص، تلبس في الأصبع، وقد يحفر عليه اسم اللابس، جمعه: خواتم.

- حديد: عنصر فلزي يجذبه المغناطيس، يصدأ، هو مادة صلبة يضرب به المثل في الصلابة، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه منيع، ومن أنواعه الحديد الزهر والمطاوع والصُّلب، جمعه حدائد.

- إزاري: الملحفة، وكل ما ستر أسفل البدن يذكر ويؤنث فيقال: هو إزار وهي إزار، وربما أنث بالهاء: إزارة، هو كساء صغير، جمعه آزر وأزر.

- رداء: بكسر الراء، وفتح الدال المهملة، وجمعه أردية، ما يلبس فوق الثياب كالجبة والعباءة وقيل: هو الملحفة تغطى أعلى البدن، ولعلَّه المراد هنا.

- عن ظهر قلبك: يقال قرأ القرآن عن ظهر قلبه، أي: من حِفظه، لا كتابة.

- ملكتُكَها بما معك من القرآن: اختلفت الروايات في هذه اللفظة، قال الدارقطني: الصواب رواية "زوجتكها بما معك من القرآن" فهي أكثر وأحفظ، قال النووي: ويحتمل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولًا فملكها، ثم قال له: اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق.

- بما معك: قال بعضهم: إن الباء للبدل والمقابلة والمعاوضة، وبعضهم قال: إنَّ الباء للسببية، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

جواز عرض المرأة نفسها على رجل من أهل الصلاح والخير لزواجه بها.

2 -

جواز نظر الرجل إلى المرأة لإرادة الخطبة وإن لم يخطب، بل قد استحبه بعضهم هنا قبل أن يقدم على الخِطبة، حتى لا يخطب إلَاّ بعد وجود الرغبة.

3 -

ولاية الإِمام على المرأة التي لا ولي لها، إذا أذنت ورغبت في الزواج.

ص: 256

4 -

أنَّه لابد من الصداق في النكاح، وأنه يصح أن يكون شيئًا يسيرًا جدًّا، فيصح بكل ما تراضى عليه الزوجان، أو مَن إليه ولاية العقد.

قال عياض: أجمع العلماء عليها أنَّه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له، وأنه لا يحل به النكاح.

5 -

أنَّه يستحب تسمية الصداق في العقد؛ لأنَّه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير صداق صحَّ العقد، ووجب لها مهر المثل بالدخول.

6 -

أنه يجوز الحَلف، وإن لم يُطلَبْ منه، ولم يتوجه عليه.

7 -

أنَّه لا يجوز للإنسان أن يُخرج من ملكه ما هو من ضرورياته، كالذي يستر عورته، أو يسد خلته، من الطعام والشراب.

8 -

التحقيق مع مدَّعي الإعسار، فإنَّه صلى الله عليه وسلم لم يصدقه في أول دعواه الإعسار، حتى ظهرت له قرائن صدقه.

9 -

أنَّ خُطبَةَ العقد لا تجب؛ لأنَّها لم تذكر في شيء من طرق الحديث.

10 -

أنه يصح أن يكون الصداق منفعة، كالتعليم والخدمة، كقصة موسى مع صاحب مدين، فقوله صلى الله عليه وسلم:"فعلمها من القرآن" أي قدرًا معيَّنًا منه، وذلك صداقها.

11 -

أنَّ النكاح ينعقد بلفظ التمليك لقوله في بعض الروايات؛ "ملَّكتها".

قال شيخ الإِسلام: الذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النكاح ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج.

وقال ابن القيم: أصح قولي العلماء أنَّ النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، ولا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج، وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة، ومالك، وأحد القولين في مذهب أحمد، بل نصوصه لا تدل إلَاّ على هذا الوجه.

12 -

فيه جواز زواج المعسر المعدَمِ، إذا رضيت المرأة بعسرته وعدمه.

ص: 257

13 -

فيه أنَّه يستحب لمن طُلب منه حاجة، أن لا يسارع في رد طالبها، بل يسكت، لعلَّ السائل يفهم هذا من سكوته، فيعرض بدون خجل.

14 -

فيه أنَّه تجوز الخِطبة إذا ظنَّ الخاطب الثاني بالقرينة أنَّه لم يحصل اتفاق مع الخاطب الأول.

15 -

جواز هبة المرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي خاصة له صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50].

16 -

أنه لا يتم العقد بعد الإيجاب إلَاّ بالقبول، ذلك أنَّ المرأة وهبت، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سكت ولم يقبل، ثم زوجها من الرجل الآخر، ممَّا يدل على أنَّ سكوته خلق كريم منه، وليس قبولاً، وقد فهم الحاضرون ذلك؛ ولذا قال الخاطب:"إن لم تكن لك بها حاجة فزوِّجنيها".

17 -

فيه حسن خطاب هذا الخاطب، وجميل طلبه، فإنَّه علَّق خِطبته ورغبته فيها على عدم رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة.

18 -

فيه جواز لبس الخاتم من الحديد للحاجة، فهو مكروه أزالت كراهيته الحاجة، والدليل على كراهته ما جاء في السنن أنَّه حلية أهل النار.

19 -

فيه شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، فإنَّه لما رأى عُدم هذا الرجل وفقره، وحاجته إلى الزواج، زوَّجه بما لم تجر العادة اتخاذه عوضًا وأجرة.

***

ص: 258

846 -

وعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيه رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

رواه أحمد، وابن حبان، والطبراني، والضياء المقدسي، عن عبد الله بن الأسود، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه مرفوعًا، وسنده حسن، ورجاله ثقات معروفون، وصحَّحه الحاكم، وابن دقيق العيد في الإلمام الذي اشترط فيه أن لا يورد فيه إلَاّ ما كان صحيحًا.

* مفردات الحديث:

- أعلنوا: علن الأمر يعلن علنًا: ظهر وانتشر، خلاف خفي، وأعلن الأمر: أظهره وجهر به، ومنه إعلان النكاح وإظهاره.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

تمام الحديث: "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغِربال" الغربال هو الدف.

2 -

الإعلان هو خلاف الإسرار، وقد دلَّت الأحاديث على الأمر بإعلان النكاح، وعلى الأمر بضرب الغربال؛ لأنَّ ضرب الدف أبلغ في الإعلان.

3 -

تدل الأحاديث على مشروعية إعلان النكاح، والضرب عليه بالدف، بشرط أن لا يصحبه محرم، من التغني بصوتٍ رخيم من أنثى، يسمعه أغلب المجاورين، أو يكون الغناء بقصائد فيها مجون وغزل مكشوف.

(1) أحمد (4/ 5)، الحاكم (2/ 183).

ص: 259

4 -

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إعلان النكاح بالدف سنة، وفيه مصلحة لا تخفى، فهو مشروع لإظهار النكاح.

5 -

وقال أيضًا: الأغاني التي تصدر في الإذاعات والحفلات قسمان:

الأول: ما اشتمل على حِكم، ومواعظ، ونصائح، وحماسٍ، ونحو ذلك مما لا غرام فيه، ولا يشتمل على صوت مزمار ونحوه، فهذه لا محذور فيه، لما فيه من المصلحة.

الثاني: ما فيه غرام، ويشتمل على صوت مزمار وما أشبه ذلك، فهو حرام، والأصل في ذلك الكتاب والسنة، وقد حكى ابن الصلاح الإجماع على تحريم الغناء إذا اقترن به شيء من آلات اللهو.

6 -

إعلان النكاح مشروع، فقد جاء في السنن عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح" ولكن الناس أسرفوا في هذه الناحية، فأحيوا الليل بغناء امرأة يبلغ صوتها بمكبرات الصوت إلى أقصى الحي، ممَّا يقلق الناس ويزعجهم، ويَحرِمهم من النوم والراحة، وهي تتغنى بهذا الصوت الناعم الرخيم، وقد جُلِبَتْ لهذا الحفل بعشرات الألوف من الريالات، مما يعد إسرافًا في النفقة، وارتفاعًا لصوت امرأة أجنبية بغناء محرَّم، بألفاظه الماجنة، ورخامته المثيرة، وقد حصل به من الأذية، وحرمان المجاورين من الراحة.

7 -

من إعلان النكاح الإشهاد عليه عند عقده، وهو بهذا فارق سائر العقود، فإنَّ الإشهاد عليه شرط لصحته عند جمهور العلماء، وأما الإشهاد على غيره من العقود، فهو مستحب غير واجب.

8 -

قال في نيل المآرب: الشرط الرابع: الشهادة، فلا يصح النكاح إلَاّ بحضرة شاهدين ذكرين عدلين مكلَّفين.

9 -

قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ:

ص: 260

(أ) إذا كان النكاح معلنًا مشهودًا عليه من اثنين، فلا نزاع في صحته.

(ب) وإن كان خاليًا من الشاهدين، ومن الإعلان، فلا نزاع في عدم صحته.

(ج) وإن كان معلنًا فيه فقط بدون شاهدين فهذا صحيح، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، فإنه يرى أنَّ الإشهاد على النكاح ليس له أصل في الكتاب والسنة، وأنَّ الإشهاد وحده بدون إعلان النكاح لا يصح معه النكاح، فيقول: الذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإعلان يصح، وإن لم يشهد شاهدان.

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء في اشتراط الشهادة لصحة النكاح:

فذهب إلى اشتراطها جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، والنَّخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وذلك احتياطًا للنسب، وخوف الإنكار والخلاف، ولما روى الدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلَاّ بولي، وشاهدي عدل"

وذهب الإِمام مالك ورواية عن الإِمام أحمد اختارها شيخ الإِسلام إلى أنَّه إذا أعلن النكاح فلا يشترط الشهادة، وطعنوا في صحة الحديث، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين خبر.

قال الشيخ تقي الدين: لا يشترط في صحة النِّكاح الإشهاد على إذن المرأة قبل النكاح في المذاهب الأربعة، بل إذا قال الولي: أذنت لي، جاز عقد النكاح.

ولكن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية ألزمت مأذوني عقود الأنكحة بالإشهاد احتياطًا، وسلامةً من الخلافات، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد.

ص: 261

847 -

وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أِبي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا نِكَاحَ إِلَاّ بِوَلِيٍّ" رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ ابنُ المَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (1).

ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ مَرَفْوعًا: "لَا نِكَاحَ إِلَاّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ"(2).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

أخرجه أبو داود، والترمذي، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، وقد صحَّحه كل من ابن المديني، وأحمد، وابن معين، والترمذي، والذهلي، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وقال ابن الملقن في الخلاصة: إنَّ البخاري صحَّحه، واحتجَّ به ابن حزم، وقال الحاكم: قد صحت الرواية فيه عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث: عائشة، وزينب، وأم سلمة، ثم سرد ثلاثين صحابيًّا، كلهم رواه.

قال الألباني: الحديث صحيحٌ بلا ريبٍ، فإنَّ حديث أبي موسى صحَّحه جماعةٌ من الأئمة، فإذا انضم إليه متابعة من تابعه، وبعض الشواهد التي لم يشتدَّ ضعفها، فإنَّ القلب يطمئن إليه.

(1) أحمد (4/ 394)، أبو داود (2085)، الترمذي (1101)، ابن ماجه (1881)، ابن حبان (1243)، ولم يروه النسائي.

(2)

رواه البيهقي (7/ 125)، والدارقطني (3/ 225). والسند فيه عبد الله بن محرَّر، وهو ضعيف متروك، لا يحتج به. ولم أجده في المطبوع من المسند.

ص: 262

848 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا باطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَه" أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ إِلَاّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

أخرجه أحمد، والشافعي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، من طرق عديدة، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ورجال الحديث كلهم ثقات من رجال مسلم.

وقد صحَّحه ابن معين، وحسَّنه الترمذي، كما صحَّحه أبو عوانة، وابن حبان، وقال الحاكم: إنَّه على شرط الشيخين، وقوَّاه ابن عدي، وصحَّحه ابن الجوزي، وأعلَّ بالإرسال، ولكن البيهقي قوَّاه وردَّ على من أعلَّه، وعلى هذا فالحديث حسن الإسناد، والله أعلم.

* مفردات الحديث:

- أيُّما: من ألفاظ العموم، فهي تفيد طلب الولاية عن المرأة مطلقًا من غير تخصيص.

(1) أبو داود (2083)، الترمذي (1102)، ابن ماجه (1879)، ابن حبان (1248).

ص: 263

- اشتجروا: شجر الأمر بينهم يشجر شجورًا، تنازعوا فيه، ومنه في سورة النساء:{فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] أي فيما وقع بينهم من الاختلاف، فاشتجر القوم، أي: تنازعوا.

- بما: "الباء" للسببية، أو المعاوضة، و"ما" اسم موصول بمعنى الذي.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

الولي في النكاح شرط لصحته، فلا يصح النكاح إلَاّ بولي، يتولى عقد النكاح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء.

2 -

ودليل اشتراط الولي حديث: "لا نكاح إلَاّ بولي"، قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إنَّه حديث متواتر، وأخرجه الحاكم من نحو ثلاثين وجهًا، وحديث عائشة رقم (848) صريح في بطلانه بدون ولي، ونصه:"أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل".

3 -

عقد النكاح عقد خَطِر، يحتاج إلى كثير من المعرفة بمصالح النكاح ومضاره، ويفتقر إلى التروِّي والبحث والمشاورة، والمرأة ناقصة قاصرة قريبة النظر والفكر، فاحتاجت إلى ولي يحتاط لهذا العقد، من حيث مصلحته، ومن حيث الاستيثاق فيه، لذا صار شرطًا من شروط العقد، للنص الصحيح، ولقول جماهير العلماء.

4 -

يشترط في الولي التكليف، والذكورية، والرشد في معرفة مصالح النكاح، واتفاق الدين بين الولي والموليِّ عليها، فمن لم يتَّصف بهذه الصفات فليس أهلاً للولاية في عقد النكاح.

5 -

الولي هو أقرب الرجال إلى المرأة، فلا يزوجها ولي بعيد مع وجود أقرب منه، وأقربهم أبوها، ثم جدها من الأب، وإن علا، ثم ابنها، وإن نزل، الأقرب فالأقرب، ثم شقيقها، ثم أخوها لأب، وهكذا على حسب

ص: 264

تقديمهم في الميراث، ذلك أنَّ ولاية النكاح تحتاج إلى الشفقة، والحرص على مراعاة مصلحتها، واشتراط القرب، وتوفر الشروط المذكورة في الولي: للحرص على تحقيق مصالح النكاح، والابتعاد عن مضاره.

6 -

إذا زوج المرأةَ الوليُّ الأبعد مع وجود الأقرب فاختلف العلماء:

فبعضهم قال: النكاح مفسوخ، وبعضهم قال: جائز، وبعضهم قال: للأقرب أن يجيز أو يفسخ، وسبب هذا الاختلاف هل الترتيب بين الأقارب في ولاية النكاح حكم شرعي محض حق الله، فيكون النكاح غير منعقد ويجب فسخه، أو أنَّه حكم شرعي وهو أيضًا حقٌّ للولي، فيكون النكاح منعقدًا، فإن أجازه الولي جاز، وإن لم يجزه ينفسخ؟

7 -

إذا علمنا فساد النكاح بدون ولي، فإنَّه إذا وقع بدونه، فإنه لا يعتبر نكاحًا شرعيًّا، ويجب فسخه عند حاكم، أو الطلاق من الزوج.

لأنَّ النكاح المختلف فيه يحتاج إلى فسخ أو طلاق، بخلاف الباطل، فلا يحتاج إلى ذلك.

والفرق بين الباطل والفاسد في النكاح: أنَّ الباطل ما أجمع العلماء على عدم صحته، كزواج خامسة لمن عنده أربع، أو الزواج بنحو أخت زوجته، فهذا مجمع على بطلانه، فلا يحتاج إلى فسخ.

أما النكاح الفاسد فهو الذي اختلف العلماء في صحته، كالنكاح بلا ولي، أو دون شهود، فهذا لابد من فسخه عند حاكم، أو الطلاق من الزوج.

8 -

إذا وطئها بالطلاق الباطل، أو الفاسد فلها مهر مثلها، بما استحلَّ من فرجها.

9 -

إذا لم يوجد للمرأة وليٌّ من أقاربها أو مواليها، فوليها الإِمام أو نائبه، فإنَّ السلطان ولي من لا ولي له.

ص: 265

* خلاف العلماء:

تقدم أنَّ الولي شرط لصحة عقد النكاح، وأنَّ هذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة.

وذهب الإِمام أبو حنيفة وأتباعه إلى أنه لا يشترط.

وحجتهم أدلة كثيرة، وهي مسألة خلافية طويلة.

ومن أدلتهم: قياس النكاح على البيع، فإنَّ للمرأة أن تستغل وتبيع ما تشاء من مالها، فكذلك لها أن تزوج نفسها، لكن قال العلماء: إنَّه قياس فاسد لثلاثة أمور:

الأول: أنه قياس في مقابلة النص، وهذا لا يجوز ولا يعتبر أصوليًّا.

الثاني: أنه يشترط المماثلة بين الحكمين.

وهنا لا مماثلة، فإنَّ النِّكاح وخطره، وما يحتاج إليه من نظرٍ، ومعرفةٍ للعواقب، يخالف البيع في بساطته، وخفة أمره، وضعف شأنه.

الثالث: أنَّ عقد النكاح على بعض الأزواج قد يكون مسبَّةً وعارًا على الأسرة كلها، وليس على الزوجة وحدها، فأولياء أمرها لهم حظٌّ من الصهر، طيبًا أو ضده.

وقد رَدَّ الحنفية هذا الحديث تارةً بالطعن في سند الحديث بأنَّ الزهري قال لسليمان بن موسى: لا أعرف هذا الحديث، ورُدَّ هذا بأنَّ الحديث جاء من طرق متعددة عن أكابر الأئمة، وأعيان النقلة.

وتارةً يقولون: إنَّ "باطل" مؤوَّل، والمواد به: أي بصدد البطلان ومصيره إليه، وهذا تأويلٌ بعيدٌ، وأحيانًا يقولون: إنَّ المراد بالمرأة هنا هي المجنونة، أو الصغيرة، إلى غير ذلك من استدلالاتٍ بعيدةٍ رُدَّ عليهم فيها، والنُّصوص واضحة، لا تحتاج إلى مثل هذه التأويلات، والله أعلم.

أما الأدلَّة على اشتراط الولي فمنها حديث الباب.

ص: 266

قال عنه ابن المديني: صحيح، وقال الشارح: صحَّحه البيهقي، وغير واحدٍ من الحفاظ، وقال الضياء: إسناد رجاله كلهم ثقات.

وقد أخرجه الحاكم عن ثلاثين صحابيًّا.

وقال المناوي: إنه حديثٌ متواتر.

ومن تدبَّر حال عقد النكاح، وما يحتاج إليه من عنايةٍ، وطلب مصالح، وابتعادٍ عن مضارِّ العشرة، وعن حال الزوج، وكفاءته من عدمها، وقصر نظر المرأة، وقرب تفكيرها، واغترارها بالمناظر، وعلم حرص أوليائها ورغبتهم في إسعادها، وبُعد نظر الرجال، علمنا الحاجة إلى الولي.

واختلف العلماء في اشتراط عدالة الولي:

فذهب الإمامان: الشافعي، وأحمد في المشهور منْ مذهبيهما إلى اشتراط العدالة الظاهرة؛ لأنَّها ولايةٌ نظريةٌ، فلا يستبد بها الفاسق.

وذهب الإمامان: أبو حنيفة، ومالك، إلى عدم اشتراطها، وأنَّها تجوز ولاية الفاسق؛ لأنَّه يلي نكاح نفسه، فصحَّت ولايته علي غيره.

وهي إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها صاحب المغني، وصاحب الشرح الكبير، وشيخ الإِسلام، وابن القيم، وممَّن صرَّح باختيارها من علمائنا المتأخرين، الشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ.

وقال في الشرح الكبير: والصحيح في الدليل والذي عليه العمل أنَّ أباها يملكها، ولو كانت حالته حالة سوء، إذا لم يكن كافرًا، قلتُ: وعليه عمل المسلمين.

***

ص: 267

849 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- الأيم: بفتح الهمزة، وتشديد الياء التحتية المثنَّاة، بعدها ميم، هي المرأة التي زالت بكارتها بوطء، ولو زنا.

- تُسْتَأْمَر: بضم التاء المثنَّاة الفوقية، مبني للمجهول، وأصل الاستئمار طلب الأمر، فلا يعقد عليها إلَاّ بعد طلب أمرها وإذنها بذلك.

- البكر: بكسر الباء الموحدة، العذراء التي لم تفتض بكارتها.

- حتى تُسْتَأذن: بطلب إذنها، وموافقتها على النكاح.

(1) البخاري (5136)، مسلم (1419).

ص: 268

850 -

وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ: "لَيْسَ لِلوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَاليتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ" رواهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

رواه أبو داود، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان، وقال ابن حجر في التلخيص: رجاله ثقات، قاله أبو الفتح القشيري.

* مفردات الحديث:

- الثَّيِّب: قال في النهاية، أصل الكلمة الواو؛ لأنَّه من ثاب يثوب إذا رجع، وهو يطلق على الذكر والأنثى، وهو من ليس ببكر.

- أحق بنفسها: صيغة التفضيل المقتضية للمشاركة في الحق.

- البكر: بكسر الباء جمعه أبكار، مثل حِمل وأحمال، وهو الذي لم يتزوج من ذكر وأنثى، وأصل مادة بكر، تدل على أول الشيء وبدئه، ومنه بكر: عمل والبكور: أول النهار، والباكورة: أول ما يدرك من الثمار، والبَكر: الفتيُّ من الإبل، والبِكْر: هو المولود الأول، وغير ذلك.

- اليتيمة: اليتيم من الناس من فقد أباه قبل البلوغ، والجمع أيتام، والصغيرة: يتيمة، وجمعها: يتامى، والمراد باليتيمة هنا: البالغة، باعتبار ما كانت عليه وفائدة تسميتها يتيمة في هذا السن مراعاة حقها، والشفقة عليها في تحري الكفء الصالح.

(1) مسلم (1421)، أبو داود (2100) النسائي (6/ 84)، ابن حبان (1241).

ص: 269

851 -

وَعنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأةُ نَفْسَهَا" رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

قال الألباني: أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي من طريق جميل بن الحسن العتكي، حدثنا محمَّد بن مروان العقيلي، حدَّثنا هشام بن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة به.

وهذا إسنادٌ حسن، رجاله كلهم ثقات، غير محمَّد بن مروان.

قال الحافظ: صدوقٌ له أوهام. اهـ.

قلت: لكن قد توبع بسندٍ رجاله ثقات، كما قال ابن دقيق العيد، وصحَّحه السيوطي.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النَّهي عن نكاح الثيب قبل استئمارها، وإذنها في ذلك إذنًا صريحًا، وقد ورد النَّهي بصيغة النفي، ليكون أبلغ، فيكون عقد النكاح الخالي من إذنها باطلًا.

2 -

النَّهي عن نكاح البكر قبل استئذانها، ويقتضي طلبُ إذنها فيه، أنَّ نكاحها بدونه باطل أيضًا.

3 -

يفيد طلب إذنها أنَّ المراد بها البنت البالغة التي عرفت أمور النكاح، والزوج

(1) ابن ماجه (1882)، الدارقطني (3/ 227).

ص: 270

الصالح من غيره؛ ليكون لإذنها اعتبارٌ ومعنى، هذه هي التي يؤخذ إذنها.

4 -

أنَّ الصغيرة لا تُسْتَأْمر، ولا تستأذن؛ لعدم الفائدة من ذلك.

قال ابن دقيق العيد: الاستئذان إنَّما يكون في حق من له إذن، فيختص الحديث بالبالغات.

5 -

قال شيخ الإِسلام: الصحيح أنَّ مناط الإجبار هو الصغر، وأنَّ البكر البالغ لا يجبرها أحدٌ على النكاح، وأما جعل البكارة موجبة للإجبار، فهذا مخالفٌ لأصول الإِسلام.

6 -

البكر يكفي في إذنها السكوت؛ لحيائها غالبًا عن النطق، والأحسن أن يجعل لموافقتها بالسكوت أجلاً، تعلم به أنَّها بعد انتهاء مدته راضية، يعتبر سكوتها إذنًا منها وموافقةً.

قُلتُ: "وإذنها سكوتها"؛ هذا في أجيال مضت، وقد أصبح الآن البنات لهن رأي في زواجهن.

7 -

قال شيخ الإِسلام؛ إذا زالت البكارة بوثبة، أو بإصبع، أو نحو ذلك، فهي كالبكر عند الأئمة الأربعة، وإن كانت ثيبًا من زنا، فمذهب الشافعي، وأحمد أنَّها كالثيب في نكاح، وعند أبي حنيفة، ومالك كالبكر، وقال صاحبا أبي حنيفة: كالثيب من نكاح.

8 -

لا يكفي في استئمار الثيب واستئذان البكر مجرد الإخبار بالزواج، واسم الزوج، بل لابد من تعريفها بالزوج تعريفًا كاملًا، في خُلُقه، ودينه، وسِنه، وجماله، ونسبه، وغناه، وعمله، وغير ذلك ممَّا فيه لها مصلحة، وممَّا يزيدها في الرغبة فيه، أو العدول عنه.

9 -

قال شيخ الإِسلام: من كان لها وليٌّ من النسب، وهو العصبة، فهذه يزوجها الولي بإذنها، ولا يفتقر إلى حاكم باتفاق العلماء، وأما من لا ولى لها، فإن كانت ليس لها قريب زوَّجها كبير المحلة، أو نائب الحاكم، أو أمير

ص: 271

الأعراب، أو رئيس القرية.

10 -

قال الشيخ: ليس للأبوين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، ولا يكون عاقًّا كأكل ما لا يريد.

11 -

اختار الشيخ عدم إجبار بنت تسع، بكرًا كانت أو ثيبًا، فلا يجبرها أبوها ولا غيره، وهو رواية عن أحمد قال: إذا بلغت الجارية تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلَاّ بإذنها، قال بعض المتأخرين: وهو الأقوى.

12 -

قال شيخ الإِسلام أيضًا: الإشهاد على إذن المرأة ليس شرطًا في صحة العقد عند جماهير العلماء، وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب أحمد والشافعي والمشهور من المذهبين كقول الجمهور أنَّ ذلك لا يشترط، والذي ينبغي لشهود النكاح أن يشهدوا على إذن الزوجة قبل العقد لوجوه ثلاثة:

1 -

ليكون العقد متَّفقًا على صحته.

2 -

ليأمن من الجحود.

3 -

خشية أن يكون الولي كاذبًا في دعوى الإذن والرضا.

13 -

تقدم أنَّ الولي شرط من شروط صحة عقد النكاح على الصحيح، وأنَّ النكاح بلا ولي فاسد، لما جاء من النصوص التي بلغت حد التواتر، ولأنَّ المرأة قاصرة النظر، ولا يرعى مصالحها مثل ولي أمرها، فهو الذي يحتاط لها بالزوج الصالح، ويتحرى لها الخير فيمن يقبله زوجًا لها، وإنَّ من شرط الولي الذكورة، وأنَّ المرأة لا تصلح أن تكون وليًا في النكاح، فإنَّها إذا كانت لا تلي أمر نفسها، فكيف تلي أمر غيرها.

* خلاف العلماء:

ليس هناك نزاعٌ بين العلماء في أنَّ البالغة العاقلة الثيب لا تُجبر على النكاح، ودليل ذلك واضحٌ من النصوص.

وليس هناك نزاعٌ أيضًا في أنَّ البكر التي دون التسع ليس لها إذن، فلأبيها

ص: 272

تزويجها بكفئها بلا إذنها، ولا رضاها.

قال شيخ الإِسلام: فإنَّ أباها يزوجها، ولا إذن لها.

ودليلهم: زواج عائشة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ابنة ست.

واختلفوا في البكر البالغة:

فالمشهور من مذهب الإِمام أحمد: أنَّ لأبيها إجبارها، وهو مذهب مالك والشافعي، وإسحاق.

ومذهب الإِمام أبي حنيفة، والرواية الأخرى عن الإِمام أحمد عدم إجبار المكلفة، بكرًا كانت أو ثيبًا، اختاره أبو بكر عبد العزيز، والشيخ تقي الدين، قال في الفائق: وهو الأصح.

قال الزركشي: وهو أظهر؛ فإنَّ مناط الإجبار الصغر.

وكذا بنت تسع، بكرًا كانت أو ثيبًا، فقد اختار الشيخ عدم إجبارها، وهو رواية عن أحمد، قال بعض المتأخرين: هو الأقوى.

قال الوزير وابن رشد وغيرهما: أجمع العلماء على أنَّ للأب إجبار من دون التسع على النكاح في كفء؛ ما ثبت من أنَّ أبا بكر زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وهي بنت ست سنين.

***

ص: 273

852 -

وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الشِّغَارِ، والشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنتهُ، علَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَا أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- الشِّغَار: الشِّغار بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الغين المعجمة، لغة: الرفع، يقال: شغر الكلب رجله ليبول.

وشرعًا: هو أن يزوجه موليته، على أن يزوجه الآخر موليته، ولا مهر بينهما، أو بينهما مهر لأجل الحيلة.

قال الخطابي: سمي شِغَارًا؛ لأنَّه رفع للعقد من أصله، فارتفع النكاح، والمهر معًا.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النَّهي عن نكاح الشغار، والنَّهي يقتضي الفساد، فهو غير صحيح.

2 -

إنَّ العلة في تحريمه وفساده، هو خلوُّه من الصداق المسمى، ومن صداق المثل، وأشار إليه بقوله:"وليس بينهما صداق".

3 -

وجوب النصح للمولية، فلا يجوز تزويجها بغير كفء، لغرض الولي ومقصده.

4 -

بما أنَّهم جعلوا العلة في إبطال هذا النكاح هي خلوه من الصداق، فإنَّه يجوز أن يزوِّجه موليته، على أن يزوجه الآخر موليته، بصداق غير قليل، مع الكفاءة بين الزوجين، والرضا منهما.

5 -

قوله: "والشغار: أن يزوج الرجل

إلخ" قال ابن حجر: اختلفت

(1) البخاري (5112 ، 6960)، مسلم (1415).

ص: 274

الروايات عن مالك، فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، وبهذا قال الشافعي، فقد قال: لا أدري التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، وجعله بعضهم من تفسير نافع، وليس خاصًّا بالابنة، بل كل مولية.

وقال القرطبي: تفسير الشغار صحيح، موافق لما ذكر أهل اللغة، فإن كان مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضاً؛ لأنَّه أعلم بالمقال، وأفقه بالحال.

6 -

أجمع العلماء على تحريم هذا النكاح، واختلفوا في بطلانه:

فعند أبي حنيفة: أنَّ النكاح يصح، ويُفرض لها مهر مثلها.

وعند الشافعي وأحمد: أنَّ النكاح غير صحيح؛ لأنَّ النَّهي يقتضي الفساد، وحكى في الجامع رواية عن الإِمام أحمد بطلانه، ولو مع صداق، اختارها الخِرَقِي؛ لعموم ما روى الشيخان عن ابن عمر:"أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار" ومثله في مسلم عن أبي هريرة، ولأنَّ داود، جعل التفسير -وهو قوله:"وليس بينهما صداق"- من كلام نافع.

قال الشيخ تقي الدين: حرَّم الله نكاح الشغار؛ ولأنَّ الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفء، نصَّ عليه أحمد، ونظره لها نظر مصلحة، وعلى هذا فلو سمى صداقًا حيلة، والمقصود المشاغرة، فلا يصح النكاح، واختار هذا القول العلامة الأثري الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في رسالةٍ له في الأنكحة الباطلة، والله أعلم.

7 -

في الحديث وجوب النصح والاجتهاد لمن تولَّى ولاية صغيرٍ أو سفيه، أو نظارة وقف، أو وظيفة، أو أي عمل بسند إليه، فيجب النصح فيه والإخلاص.

8 -

وفي الحديث: تحريم استغلال الموظف والوالي ما تحت يده من عمل لمصلحته الخاصة.

ص: 275

853 -

وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما "أنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وقد طُعِن بصحة الحديث بأنَّه مرسل، ولكن الحافظ أجاب بأنَّه قد روي من طريق أيوب بن سويد، عن الثوري، عن أيوب موصولًا، وكذلك رواه معمر بن جدعان الرقي، عن زيد بن حبان، عن أيوب موصولًا.

وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله، فالحكم لمن وصله، ولذا قال المصنف: الطعن في الحديث لا معنى له؛ لأنَّ له طرقًا يقوي بعضها بعضًا.

* مفردات الحديث:

- جارية: هي البنت الشابة، سميت جارية؛ لخفَّتها.

- بِكْرًا: هي التي لم تفض بكارتها، وقيَّدها بالبكارة دون الصغر؛ لاعتبار كراهتها، فلو كانت صغيرةً لما اعتبر كراهتها ما دام المزوِّج الأب.

- وهي كارهة: جملة حالية لبيان هيئة المفعول عند التزويج.

كارهة: قال في المحيط: الإكراه فعل يوقعه الإنسان بغيره، فيفوِّت رضاه، أو يفسد اختياره، مع بقاء أهليته للفعل.

- خيَّرها: يقال: خيَّره يخيِّره تخييرًا: فوَّض إليه الخِيار، والمراد أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم

(1) أحمد (2469)، أبو داود (2096)، ابن ماجه (1875).

ص: 276

خيَّرها بين قبول النكاح، أو ردِّه.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

هذا الحديث يفيد ما أفادته الأحاديث السابقة، من أنَّ المرأة التي تعرف مصالح النكاح لا تجبر على النكاح، لا من أبيها، ولا من غيره من الأولياء، وأنَّ أمرها بيدها، وإن كانت بكرًا.

وقد تقدم تحرير الخلاف في هذه المسألة قريبًا.

2 -

قال شيخ الإِسلام: إنَّ مناط الإجبار هو الصغر، لا أنَّ مناطها البكارة، فإنَّ الكبيرة لها معرفة بحقوقها، وما يصلح لها وما لا يصلح، وإن كانت بكرًا.

قال ابن القيم: جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: "والبكر يستأذنها أبوها" وهذا هو الذي ندين به، ولا نعتقد سواه، وهذا الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمته.

3 -

وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: لا يخفى أنَّ من شروط صحة النكاح الرضا، ولو كانت البنت بكرًا، فليس لأبيها إجبارها، وأدلة هذا القول واضحة، وقد اختاره شيخ الإِسلام، وابن القيم.

قال في الفائق: وهو أصح، قال الزركشي: وهو أظهر.

وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهو الصحيح.

4 -

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّه ليس للأب إجبار ابنته البالغة العاقلة على النكاح ممن لا ترضاه، فإنَّه إذا كان لا يجبرها على بيع شيء من مالها، فكيف يجبرها على بُضعها، الذي ضرر إكراهها عليه أعظم من ضرر المال، وللأحاديث المشهورة في هذا الباب.

5 -

وفي الحديث دليل على أنَّ النكاح إذا لم يعقد على الوجه الشرعي، فإنَّه يجب فسخه، وأنَّ الذي يفسخه هو الحاكم الشرعي.

ص: 277

6 -

وفيه دليلٌ على أنَّ المرأة لا تجبر على البقاء مع زوج لا ترضاه، وأنَّه يجب تلبية طلبها، إذا طلبت فسخ نكاحها.

ومن أدلة هذه المسألة ما جاء في صحيح البخاري: "أنَّ امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خُلقٍ ولا دين، ولكنِّي أكره الكفر في الإِسلام، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقْبل الحديقة، وتطلقها تطليقة".

قال شيخ الإِسلام: الشَّارع لا يُكْرِه المرأة على النكاح إذا لم تُرِدْهُ، بلْ إذا كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق، فإنَّه يجعل أمرها إلى غير الزوج لمن ينظر في المصلحة من أهلها، مع النظر في المصلحة من أهلها، فيخلصها من الزوج بدون أمره، فكيف تؤسر معه أبدًا بدون أمرها.

***

ص: 278

854 -

وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

أخرجه أحمد، والدارمي، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، من طرق كثيرة عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به، قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذَّهبي، وصحَّحه أيضًا أبو زرعة وأبو حاتم.

وقال الحافظ: صحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، فإنَّ رجاله ثقات، ويروى عن علي نحوه موقوفاً عند البيهقي من طريق خلاس بن عمرو الهجري، وخلاس لم يسمع من علي، ولكن مع انقطاعه، فإنَّ رجال إسناده ثقات.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

ولاية النكاح مرتَّبة من الأب، فالجد وإن على، فالابن وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من العصبة، على حسب تقديمهم في الميراث.

2 -

فإذا وُجد وليَّان فيِ جهةٍ واحدةٍ، ودرجةٍ واحدةٍ، ومن حيث القوَّة في مستوَى واحد، وتوفرت فيهما شروط الولاية، قُدِّم منهما من أذنت له منهما

(1) أحمد (5/ 8)، أبو داود (2088)، الترمذي (1110)، النسائي (7/ 314)، ولم يروه ابن ماجه.

ص: 279

في تزويجها، وإن استويا في الإذن، صحَّ عقد الأول منهما، وصار العقد الثاني باطلًا؛ لأنَّه لم يصادف محلًّا، وهذا بإجماع العلماء.

3 -

وإن لم تأذن إلَاّ لولي واحد من أوليائها، أُنيط الحكم به، فلا يصح تزويج غيره ممن لم تأذن لهم.

4 -

وإذا استوى للمرأة وليان فأكثر من حيث القرابة، كأخوين شقيقين، سُنَّ تقديم الأفضل، فالأسن، فإن تشاحوا أقرع بينهم.

5 -

ولاية عقد النكاح من جملة الولايات التي يُختار لها الأكْفاء، قال تعالى:{إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} [القصص]. فإذا كانوا في درجةٍ واحدةٍ من القرابة، قدِّم الأصلح، لهذه الولاية، من حيث معرفة مصالح النكاح، واختيار الزوج الكفء، والمصاهرة الصالحة؛ لأنَّ هذا عقد سيدوم، فيُحتَاط له بطلب الأصلح، والله المستعان.

6 -

يفيد الحديث أنَّه لو زوَّجها البعيد من الأولياء، مع وجود الأقرب أنَّ العقد لا يصح؛ لأنَّ البعيد لا يسمى وليًّا مع وجود أقرب منه، وتقدم خلاف العلماء في ذلك عند الكلام على حديث (847).

7 -

الحديث مطلق في بطلان نكاح العاقد الثاني، وصحة عقد الأول من دون ذكر إذنها لهما أو عدمه، ولكنه يقيد بالأحاديث المتقدمة من وجوب استئذان الثيب، واستئمار البكر.

ص: 280

855 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنِ حِبَّانَ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال في التلخيص: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه من حديث ابن عقيل عن جابر، ووافقه الذَّهبي، وأخرجه ابن ماجه من رواية ابن عقيل عن ابن عمر.

وقال الترمذي: لا يصح، إنَّما هو عن جابر، ولكن صحَّحه من طريق أخرى عن ابن عقيل عن جابر.

وله شاهدٌ، رواه أبو داود من حديث العمري، عن نافع، عن ابن عمر، وتعقَّبه بالتضعيف، وبتصويب وقفه، وصوَّب الدارقطني وقفه على ابن عمر.

* مفردات الحديث:

- عبد: هو الرقيق.

- مواليه: أسياده الذين لا يزال في رِقهم.

- عاهر: عهر الرجل عهرًا، أتى المرأة للفجور، فهو عاهر، وجمعه عُهَّار، وهي عاهر أو عاهرة، وجمعها عواهر أو عاهرات، فالعاهر: الفاجر الزاني.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

العبد ناقص عن الأحرار، من ذلك أنَّه لا يملك المال، ولو أُعطي مالًا،

(1) أحمد (3/ 301)، أبو داود (2078)، الترمذي (1111).

ص: 281

صار ذلك المال لسيده، وحيث إنَّ النكاح عقد له تبِعَاتٌ ماليةٌ من المهر، والنفقات، فإن أمر تزويجه جُعِل إلى سيده.

2 -

فإذا تزوج العبد بدون إذن سيده، فزواجه غير صحيح، وعقده فاسد، وسميناه فاسدًا لا باطلًا؛ لأجل خلافٍ ضعيف في صحته، وهو خلف داود الظاهري.

3 -

وبناءً على أنَّه عقدٌ فاسدٌ، فإنَّه يجب فسخه، والتفريق بين الزوج وبين من عقد عليها، فقد روى ابن حبان موقوفاً:"أنَّ عبد الله بن عمر وجد عبدًا له تزوَّج بغير إذنه، ففرَّق بينهما، وأبطل عقده، وضربه الحد"؛ لأنَّه جاء في الحديث أنَّه عاهر، والعاهر هو الزاني.

4 -

جمهور العلماء يدرأون عن العبد الحد إذا كان جاهلًا التحريم، ويلحقون به النسب؛ لأنَّه وطء شبهة.

5 -

قال في شرح الإقناع: ويملك السيد إجبار عبده الصغير على الزواج، لتمام ولايته عليه.

ولا يملك إجبار عبده العاقل الكبير؛ لأنَّه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر، ولأنَّ النكاح خالص حقه ونفعه، فلا يجبر عليه، والأمر بإنكاحه مختص بحالة طلبه.

***

ص: 282

856 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الشريعة الإِسلامية جاءت بكلِّ ما يدعو للمحبَّة والألفة، ونهت وحذَّرت من كل ما يسبب الشقاق والعداوة والبغضاء.

2 -

فالله أباح تعدد الزوجات إلى أربع للحر، لِما في التعدد من المصالح، وما يحقق من المنافع للنوعين: الذكور والإناث.

وتعديد تلك الفوائد والمصالح مما يفوت الحصر، ويحتاج إلى مؤلفات، وقد تناوله كثير من العلماء والمفكرين بالبيان والتحليل، وشرح مثل هذا ليس هذا مجاله.

3 -

لمَّا أباح الشَّارع الحكيم تعدد الزوجات، نهى أن يكون ذلك بين الأقارب، الذين يجمعهم نسبٌ قريبٌ؛ لما يجر من قطيعة الرحم، والعداوة بين الأقارب؛ فإنَّ الغيرة بين الضرات شديدة جدًّا.

4 -

نهى في هذا الحديث عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، كما نهى الشَّارع عن الجمع بين الأختين، فقال تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23].

والنَّهي يقتضي التحريم والبطلان، فالعقد باطل بإجماع العلماء.

5 -

تحريم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها

(1) البخاري (5109)، مسلم (1408).

ص: 283

مجمع عليه.

قال ابن المنذر: "لست أعلم في تحريمه وبطلانه خلافًا، فقد اتَّفق أهل العلم على القول بذلك"، ونقل ابن حزم والقرطبي والنووي الإجماع عليه.

6 -

قال شيخ الإِسلام: أما المحرَّمات بالنسب، فالضَّابط فيه: أنَّ جميع أقارب الرجل من النسب حرامٌ عليه، إلَاّ بنات أعمامه، وبنات أخواله، وبنات عماته، وبنات خالاته، فهذه الأصناف الأربعة أحلهنَّ الله تعالى.

قُلتُ: وأما تحريم الجمع بين المرأتين، فضابطه ما قاله بعضهم: أنَّه يحرم الجمع بين كل امرأتين، لو كانت إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرُم نكاحه لها.

* فوائد:

الأولى: قال ابن رشد: اتَّفقوا على أنَّ الرضاع يحرم منه ما يحرم من النسب، أعني أنَّ المرضعة تتنزَّل منزلة الأم، وكل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاعة، قال الموفق: لا نعلم في هذا خلافًا.

الثانية: قال الموفق: من تزوج امرأة حرم عليه كل أمٍّ لها من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، وذلك بمجرد العقد، وهو قول الأئمة الأربعة، وأكثر أهل العلم.

الثالثة: قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الرجل إذا دخل بزوجة حرمت عليها بنتها على التأبيد، وإن لم تكن في حِجره، فالقيد في الآية خرج مخرج الغالب.

وقال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار على أنَّ الرجل إذا تزوج امرأةً ثم طلَّقها أو ماتت قبل أن يدخل عليها، حلَّت له بنتها.

الرابعة: قال الشيخ: وتحريم المصاهرة لا يثبت مثله من الرضاع، فلا يحرم على الرجل:

(1)

أم زوجته من الرضاع.

ص: 284

(2)

وبنت زوجته من الرضاع، إن كان بلبن غيره.

(3)

ولا زوجة ابنه من الرضاع.

(4)

ولا زوجة أبيه من الرضاع التي لم ترضعه.

فهؤلاء حَرُمن بالمصاهرة، لا بالنسب، فلا نسب بينه وبينهنَّ، لكن قال القرطبي في تفسيره: وحرمت حليلة الابن في الرضاع، وإن لم يكن للصُّلب بالإجماع المستند إلى قوله عليه الصلاة والسلام:"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".

وقال ابن كثير: فإن قيل فمن أين تحرم امرأة ابنهِ من الرَّضاع -كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يحكيه إجماعًا- وليس من صلبه، وهذا هو الصَّواب؟

فالجواب: من قوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".

وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان: أمَّا تحريم منكوحة الابن من الرضاع فهو مأخوذ من صريح قوله صلى الله عليه وسلم: "بأنَّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، والمحرَّمات بالصهر أربع:

1 -

حليلة الأب وإن علا.

2 -

حليلة الابن وإن نزل.

3 -

أمهات الزوجة وإن علون.

4 -

بناتها وإن نزلن.

وهؤلاء يحرمن بالعقد إلَاّ الربيبة، فإنَّها لا تحرم حتى يدخل بأمها.

الخامسة: قال الشيخ عبد الله أبابطين: نكاح المرأة في عدة أختها ونحوها مثل نكاح الخامسة في عدة الرابعة، فإن كان الطلاق رجعيًّا فباطل عند جميع العلماء، وإن كانت العدة من طلاق بائن ففيه خلاف مشهور، والمذهب التحريم.

ص: 285

857 -

وَعَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَلَا يَخْطُبُ".

زَادَ ابْنُ حِبَّانَ: "وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ"(1).

858 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (2).

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا رضي الله عنها "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ"(3)

ــ

* مفردات الحديث:

- لا يَنكح: بفتح ياء المضارعة، مبني للمعلوم، أي لا يتزوَّج.

- لا يُنْكَح: بضم ياء المضارعة، مبني للمجهول، أي لا يزوج غيره.

- لا يخطب: بفتح ياء المضارعة، مبني للمعلوم، أي لا يطلب المرأة لنفسه.

- لا يُخْطب عليه: بضم ياء المضارعة، مبني للمجهول، أي لا يطلب منه أن يزوِّج غيره.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الإحرام هو عبادة لله تعالى، وانقطاعٌ إليه، فالمحرم ليس في حالة ترفُّهٍ

(1) مسلم (1409)، ابن حبان (1274).

(2)

البخاري (1837)، مسلم (1410).

(3)

مسلم (1411).

ص: 286

وتلذذٍ وتمتع، وإنَّما هو أشعث، أغبر، مشتغلٌ بطاعة الله عن الترفه والتنعم.

2 -

وإنَّ من أبلغ أنواع التنعم هو مقاربة النساء، والتمتع بهنَّ، لذا حُرِّم على المُحرِم أن يتزوَّج بنفسه، أو يزوِّج موليته، أو يخطب مجرد خِطبة لنفسه؛ لأنَّه وسيلة إلى التمتع بالنساء، وإذا حرِّمت الغاية وهو الجِماع، حرمت الوسيلة وهي العقد والخِطبة.

3 -

فإن عقد المحرِم لنفسه، أو عقد لموليته، حرم ذلك، ولم يصح النكاح؛ لأنَّ النَّهي يقتضي التحريم والفساد.

قال الوزير: أجمعوا على أنَّ المحرِم لا يعقد عقد نكاح لنفسه ولا لغيره، سواء تعمَّد أو لا؛ لصريح الخبر، ولأنَّ الإحرام يمنع الوطء ودواعيه، فمنع صحة عقده؛ فيقع فاسدًا.

قال فقهاؤنا: ويحرم على المحرم عقد النكاح، فلو تزوج المحرم، أو زوَّج مُحْرمة، أو غير محرِمة، أو كان وليًّا، أو وكيلًا في النكاح، حرم ولم يصح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد.

4 -

أما ما جاء في الحديث رقم: (858) من أنَّه صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونة وهو محرِم، فقال الأئمة: إنَّ هذا وهم من ابن عباس رضي الله عنهما.

قال أبو رافع: "كنتُ السفير بين النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة، فتزوَّجها وهو حلال، وبنى بها حلالًا" وذكر بعضهم أنَّ القصة متواترة.

وقال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنَّه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتَّى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، ولكن الوهم إلى الواحد أقرب من الوهم إلى الجماعة.

قال الإمام أحمد: قال ابن المسيب: وهم ابن عباس، فميمونة تقول:"تزوجني وهو حلال".

وقال الألباني: اتفاق الصحابة على العمل بحديث عثمان، ممَّا يؤيد

ص: 287

صحته وثبوت العمل به عند الخلفاء الراشدين، فذلك يدل على خطأ حديث ابن عباس.

وقد أخذ بحديث ابن عباس أبو حنيفة، فأجاز نكاح المُحرِم، وهو قول ضعيف.

***

ص: 288

859 -

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- إنَّ أحق الشروط: "أحق" منصوب على أنَّه اسم "إنَّ"، قال صاحب الإكمال: إنَّ أحق هنا بمعنى أولى عند كافة العلماء.

- الشروط: جمع شرط، والمراد بها الشروط المباحة، المتعلقة بالنكاح، ممَّا لا ينافي مقتضى العقد، كقدر المهر، ونوعه، والسكن، ونحو ذلك.

- ما استحللتم به: خبر "إنَّ" أي: صارت لكم بها حلالًا، نقيض الحرام.

- الفروج: جمع فَرْج، مثل فلس وفلوس، الأصل في هذه المادة أنَّها تدل على انفتاحٍ في شيء، كالفرجة في الحائط، ففرج بين شيئين، جاء في الأمور المعنوية، كتفريج الشدة، وهي الخلوص منها، ومن ذلك الفَرْج من الإنسان يطلق على القُبُل والدبر؛ لأنَّ كل واحد منهما منفرج.

قال في المصباح: وأكثر استعماله في العرف في القُبُل.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الشرط هو إلزام أحد المتعاقدين الآخر -بسبب العقد- ما له فيه منفعةٌ وغرضٌ صحيح، ويجب الوفاء بالشروط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلمون على شروطهم".

2 -

قال شيخ الإِسلام: الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم

(1) البخاري (2721)، مسلم (1418).

ص: 289

منها ويبطل، إلَاّ ما دلَّ الشرع على تحريمه وإبطاله، وأصول أحمد أكثرها تجري على هذا القول، ومالك قريب منه.

قال ابن القيم: الضابط الشرعي أنَّ كل شرطٍ خالف حكم الله تعالى فهو باطل، وما لم يخالف فهو لازم.

3 -

قال الفقهاء: والمعتبر من الشروط ما كان في صلب العقد.

وقال الشيخ تقي الدين: وكذا لو اتَّفقا عليه قبل العقد، وهو قول قدماء أصحاب أحمد.

قال في الإنصاف: وهو الصواب الذي لا شكَّ فيه.

قُلتُ: وقطع به في الإقناع والمنتهى، فيكون هو المذهب.

4 -

الحديث يفيد وجوب الوفاء بالشروط، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] ولو لم تكن معتبرة ما أمَر بالوفاء بها.

5 -

ويدل على أنَّ أحق ما يوفَّى به هي شروط النكاح؛ لأنَّ أمره أحوط، والبذل فيه لأجل تلك الشروط هو أغلى ما تملكه المرأة، وتحافظ عليه، فيتعيَّن الوفاء به.

6 -

الشروط التي يجب الوفاء بها، هي الشروط التي لا تخالف كتاب الله وسنة رسوله، فإن خالفتهما فتحرم ولا تصح، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله تعالى، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط".

قال الإمام الشافعي: أكثر العلماء حملوه على شرطٍ لا ينافي مقتضى النكاح، ويكون من مقاصده، كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق عليها وكسوتها، هذا؛ ومن جانب المرأة أن لا تخرج من بيته إلَاّ بإذنه.

وأما الشرط الذي يخالف مقتضى النكاح، كشرط ألا يقسم لها، فلا يجب الوفاء به، بل يكون لغوًا.

ص: 290

7 -

من الشروط الصحيحة أن يُصْدِقَها شيئًا معينًا، أو أن لا يخرجها من بلدها، أو أن لا يفرق بينها وبين أبويها أو أولادها، فمثل هذه الشروط صحيحة لازمة.

8 -

من الشروط الفاسدة أن تشترط عليه طلاق ضرَّتها.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكفأ ما في إنائها".

قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: إذا شرطت طلاق ضرتها صحَّ عند أبي الخطاب، وعليه أكثر الأصحاب.

والقول الثاني: أنَّه ليس صحيحًا، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهذا هو الصحيح؛ لأنه لا يحل أن تشترطه، ولو شرطته فهو لاغٍ؛ لحديث:"كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل".

9 -

قال الخطابي: الشروط في النكاح أنواع:

1 -

بعضها يجب الوفاء به، وهو ما أمر الله تعالى به، من إمساكٍ بمعروفٍ، أو تسريحٍ بإحسان.

2 -

وبعضها لا يوفَّى به، كطلاق أختها، لما ورد من النَّهي عنه.

3 -

وبعضها مختلفٌ فيه، كاشتراط أن لا يتزوَّج عليها، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله، وما يشترطه العاقد لنفسه خارجًا عن الصَّداق، وبصحة هذه الشروط وأمثالها قال الشافعي وأحمد وإسحاق.

10 -

الله تبارك وتعالى عظَّم أمر عقد النكاح، وأوصى بهذه الرابطة الزوجية أن تُراعى، وأن يُحافظ عليها، وإنَّ استحلال الفروج أمرٌ ليس بالسَّهل، ولا بالهيِّن، فقد قال تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقال تعالى:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] وسَمَّيَ العقد ميثاقًا غليظًا، فقال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ

ص: 291

مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)} [النساء].

وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع يعظ الناس: "اتَّقوا الله في النساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، فاستوصوا فيهنَّ خيرًا".

11 -

قال ابن القيم: الوفاء بشروط النكاح الصحيحة، هي أحق أن يوفى بها، وهو مقتضى الشرع، والعقل، والقياس الصحيح، فإنَّ المرأة لم ترض ببذل بُضْعها للزوج، إلَاّ على هذا الشرط، ولو لم يجب الوفاء به لم يكن العقد عن تراضٍ.

***

ص: 292

860 -

وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: "رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أوطاس: بفتح الهمزة، وسكون الواو، ثم طاء مهملة، بعدها ألف، وآخره سين مهملة، لمَّا هزم النبيُّ صلى الله عليه وسلم هوازن في حُنين، انتهى بعضُ فُلولهم إلى أوطاس، وتجمعوا فيه، فبعث في أثرهم سرية عليها أبو عامر الأشعري، فحصلت معركة، هي امتدادٍ لغزوة حنين في الزمان والمكان، ولا يوجد الآن مكان بهذا الاسم، وإنما قال لي بعض الثقات المطلعين من سكان تلك المنطقة أنَّ أوطاس والمسماة الآن بـ"البهيتة" الواقعة بين السيل الكبير "قرن المنازل" وبين نخلة اليمانية، تبعد عن مكة شرقًا بنحو ستين كيلو، ولا تبعد صحة هذه التسمية، فإنَّ هذا المكان يتلاءم مع أحوال الغزوة، ووصف دريد ابن الصمة له بقوله:

"نِعْمَ مَجَالُ الخَيْلِ؛ لا حزْنٌ ضَرسٌ، ولا سَهْلٌ دَهِسٌ"

- المتعة: يقال: تمتع تمتعًا، من التمتع بالشيء، وهو الانتفاع به، والاسم المتعة، وهو النكاح: المؤقت بأمدٍ معلومٍ، ويرتفع النكاح بانقضاء الزمن المؤقت.

(1) مسلم (1405).

ص: 293

861 -

وَعَنْ عَلَيٍّ رضي الله عنه قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (1)

862 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه "أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ أكْلِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يوْمَ خَيْبرَ" أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، إلَاّ أَبا داوُدَ (2).

863 -

وَعَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حرَّمَ ذلِكَ إلَى يوْمِ القِيامَةِ، فمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيءٌ فَلْيُخْلِ سَبِيلَها، ولا تَأْخُذُوا إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ، وابْنِ حِبَّانَ (3).

ــ

* ما يؤخذ من الأحاديث:

1 -

المتعة مشتقةٌ من التمتع بالشيء، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ الغرض أن يتمتع الرجل بالمرأة المعقود عليها إلى مدة.

وتعريف عقدها: أنَّ الرجل يتزوَّج المرأة إلى مدة معلومةٍ أو مجهولةٍ.

(1) البخاري (5115)، مسلم (1407).

(2)

البخاري (4216)، مسلم (1407)، الترمذي (1794)، النسائي (6/ 126)، ابن ماجة (1961).

(3)

مسلم (1406)، أحمد (2/ 404)، أبو داود (2072)، النسائي (3368)، ابن ماجة (1962). ابن حبان (4146).

ص: 294

2 -

ونظامها عند الرافضة هي نكاح مؤقت بأمدٍ معلومٍ أو مجهول، وغايته إلى خمسة وأربعين يومًا، وينتهي العقد بانقضاء الزمن المؤقت.

3 -

وهو عندهم لا يوجب نفقة، ولا يحصل به توارث، ولا نسب، وليس له عدة، وإنَّما فيه الاستبراء.

4 -

رُخِّص في المتعة زمن يسير للضرورة، ثم حرِّمت تحريمًا مؤبدًا، فهذا الترخيص المؤقت أوجد شبهةً عند نفرٍ قليلٍ، رخَّصوا فيها أيضًا عند الضرورة، ثم رجعوا أيضًا عن هذا الترخيص، ومنهم ابن عباس، فقد رجع وقال بالتحريم، ثم انعقد إجماع المسلمين على تحريمها تحريمًا مؤبدًا مطلقًا.

قال ابن هبيرة: أجمعوا على أنَّ نكاح المتعة باطل، لا خلاف بينهم في ذلك.

قال شيخ الإِسلام: الروايات المتواترة متواطئة على أنَّ الله تعالى حرَّم المتعة بعد إحلالها، والصواب؛ أنَّها بعد أن حرمت لم تحل، وأنَّها لمَّا حُرِّمت عام فتح مكة، لم تحل بعد ذلك.

قال القرطبي: الروايات كلها متَّفقة على أنَّ زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنَّه حرمت بعد ذلك، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها، إلَاّ مَن لا يلتفت إليه من الروافض.

5 -

الحديث رقم (860) يدل على تحريم المتعة عام أوطاس، وذلك في شوال من عام ثمانية من الهجرة، وأنَّ الرخصة فيها ثلاثة أيام فقط.

6 -

أما الحديث رقم (863) فإنه يفيد أنه حصل في المتعة ترخيص، وأنَّها بعد هذا الترخيص حرمت تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة.

7 -

ويدل حديث رقم (863) على وجوب الإقلاع في الحال عن هذه الرخصة، وإخلاء سبيل هؤلاء المستمتع بهنَّ، ليذهبن إلى أهلهن.

ص: 295

8 -

ولم يذكر في هذا الإخلاء طلاق ولا فسخ، مما يدل على أنَّه ليس بعقد حقيقي، يوجب الطلاق والفسخ، وإنما المرأة أشبه بالأجير تنتهي مدته، فيترك يذهب إلى أهله.

9 -

نهى عن الأخذ ممَّا أُعطيت من أجر؛ لأنَّه عوض عن استمتاعه بها هذه المدة التي أقامت عنده.

10 -

أما الحديث رقم (861) والحديث رقم (862) فإنَّهما يدلان على أنَّ المتعة أُبيحت قبل خيبر، ثم حرِّمت فيها.

قال الإمام النووي: الصحيح المختار أنَّ تحريم المتعة وإباحتها كانا مرَّتين، وكانت حلالًا قبل خيبر، ثُمَّ حُرِّمت يوم خيبر، ثمَّ أبيحت يوم فتح مكَّة، وهو يوم أوطاس، لاتصالهما، ثمَّ حرمت بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، ولا يجوز أن يُقال: إنَّ الإباحة مختصةٌ بما قبل يوم خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد، وأنَّ الذي كان يوم فتح مكة مجرَّد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح؛ لأنَّ الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحة يوم الفتح صريحةٌ في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، ولا مانع يمنع من تكرير الإباحة.

11 -

قال الشيخ صديق حسن خان في الروضة الندية: قال في شرح السنة: اتَّفق العلماء على تحريم المتعة، والأحاديث في هذا متواترة، ورواية تحريمها إلى يوم القيامة هي الحجة في هذا الباب، ولا يعارضه ما روي عن بعض الصحابة أنَّهم ثبتوا على المتعة في حياته صلى الله عليه وسلم، وبعد موته إلى آخر أيام عمر، فإنَّ من علم النسخ المؤبد حجة على من لم يعلم، واستمرار من استمرَّ عليها إنَّما كان لعدم علمه بالناسخ.

وأما ما يقول به جماعة من المتأخرين من أنَّ تحليل المتعة قطعي، وحديث تحريمها على التأبيد ظني؛ والظني لا ينسخ القطعي، فالجواب:

ص: 296

أن كون التحليل قطعيًّا؛ لكونه منصوصًا عليه في الكتاب العزيز، فذلك، وإن كان قطعي المتن، فليس بقطعي الدلالة لأمرين:

أحدهما: أنه يمكن حمله على الاستمتاع بالنكاح الصحيح.

الثاني: أنَّه عموم، وهو ظني الدلالة.

على أنَّه قد روى الترمذي عن ابن عباس أنَّه قال: "إنَّما كانت المتعة حتى نزل قوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6].

قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام، وهذا يدل على أنَّ التحريم بالقرآن، فيكون ما هو قطعي المتن ناسخًا لما هو قطعي المتن.

وإن كان التحليل قطعيًّا لكونه قد وقع الإجماع من الجميع عليه في أول الأمر، فيقال: قد وقع الإجماع أيضًا على التحريم في الجملة من الجميع، وإنَّما الخلاف في التأبيد: هل رُفِعَ أم لا؟

وكون هذا التأبيد ظنيًّا، لا يستلزم ظنية التحريم، الذي رفع النسخ به، فالحاصل أنَّ الناسخ للتحليل المجمَع عليه هو التحريم المجمع عليه، المقيَّد بقيد ظني، وهو التأبيد؛ فالناسخ قطعي، فهذا على التسليم أنَّ ناسخ القطعي لا يكون إلَاّ قطعيًّا، كما قرَّره جمهور أهل الأصول.

***

ص: 297

864 -

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (1)، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ. (2)

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

وهو من حديث عبد الله بن مسعود، ولحديثه طريقان:

الأولى: أخرجها أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن أبي شيبة، والبيهقي.

قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وصحَّحه ابن القطان، وقال ابن دقيق العيد: على شرط البخاري.

الثانية: عن أبي الواصل عنه به، أخرجها إسحاق ورجال السند ثقات، رجال مسلم، غير أبي واصل، وهو مجهول.

وأما شواهده فمنها:

1 -

حديث أبي هريرة أخرجه أحمد، وإسحاق، والترمذي في العلل، وابن الجارود، والبيهقي، وحسَّنه البخاري.

2 -

حديث علي بن أبي طالب أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقيُّ من طرقٍ عن الشعبي عن الحارث عنه، وعند أحمد من طريق أبي إسحاق عنه، وفي السند الحارث الأعور ضعيف، فهو متَّهم

(1) أحمد (1/ 448)، الترمذي (1120)، النسائي (6/ 149).

(2)

أبو داود (2076)، الترمذي (1119)، ابن ماجه (1935).

ص: 298

بالكذب.

3 -

حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه مرفوعًا من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس وزمعة وسلمة كلاهما ضعيف.

وهذه أحاديثُ تواردت على معنًى واحد، بعضها جيدٌ وبعضها ضعيف، ولكنَّه ضعفٌ خفيف، ولذا فهي شاهدةٌ بطرقها على صحة ما جاء في هذا الباب. أهـ ملخصًا من إرواء الغليل للألباني.

ولصحته فقد احتجَّ به ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم.

* مفردات الحديث:

- المحلِّل: بكسر اللام، اسم فاعل، سمي محلِّلًا لقصده الحل في موضع لا يحصل فيه الحل.

- المحلَّل له: بفتح اللام، اسم مفعول، هو الذي يُراد إجراء التحليل من أجله، ونكاح التحليل أن يتزوج المحلِّل -بكسر اللام المطلقة- البائنة بينونةً كبرى، بشرط أنَّه متى أحلَّها للزوج الأول طلَّقها.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

نكاح التحليل هو أن يتزوج المطلقة ثلاثًا، بشرط أنَّه متى أحلَّها الثاني للأول طلَّقها.

2 -

قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وهو قول فقهاء التابعين، لما روى الحاكم وابن ماجه من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل، والمحلَّل له".

3 -

الحديث يدل على تحريم التحليل، والنَّهي يقتضي البطلان.

قال الشيخ تقي الدين: أجمعوا على تحريم نكاح المحلل.

ص: 299

واتَّفق أهل الفتوى على أنَّه إذا اشتُرط التحليل في العقد كان باطلًا.

قال في شرح الإقناع: نكاح المحلِّل هو أن يتزوجها بشرط أنَّه متى أحلَّها للأول طلَّقها، أو نوى المحلِّل أنَّه متى أحلَّها للأول طلَّقها، ولم يرجع عن نيته عند العقد، والنكاح في الصورة المذكورة حرامٌ غير صحيح.

4 -

ولا يحصل بنكاح المحلل الإباحة للزوج الأول؛ لبطلانه.

5 -

قال الموفق؛ فلو شُرِط عليه قبل العقد أنْ يحلِّلها لمطلقها ثلاثًا، ثم نوى عند العقد غير ما اشترط عليه، وأنَّ نكاحه نكاح رغبة، صحَّ نكاحه.

6 -

قال شيخ الإِسلام: التحليل الذي يتواطئون عليه مع الزوج لفظيٌّ أو عرفيٌّ، على أن يطلِّق المرأة أو ينوي الزوج ذلك، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله في أحاديث متعددة، ولا تحل لمطلقها الأول بمثل هذا العقد، ولا يحل للمحلِّل إمساكها بل يجب عليه فراقها، وهذا ما اتَّفق عليه الصحابة والتابعون واتَّفق عليه أئمة الفتوى كلهم، على أنَّه إذا اشترط التحليل في العقد، صار باطلًا بلا فرقٍ عندهم، بين هذا العرف أو اللفظ.

7 -

قال ابن القيم في إعلام الموقعين: نكاح المحلِّل لم يُبح في ملة من الملل فقط، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم.

8 -

قال الشيخ صديق حسن: حديث لعْن المحلل مرويٌّ من طرقٍ عن جماعةٍ من الصحابة، بأسانيد بعضها صحيحٌ، وبعضها حسن، واللعن لا يكون إلَاّ على ذنبٍ هو أشد الذنوب.

***

ص: 300

865 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

قال ابن حجر: رجاله ثقات، وقال ابن عبد الهادي في المحرر: إسناده صحيح إلى عمرو، وهو ثقة محتج به عند الجمهور. اهـ، وصحَّحه الحاكم، وأقرَّه الذَّهبي.

* مفردات الحديث:

- الزاني المجلود: الزاني: هو من اقترف فاحشة الزنا، وأما المجلود: فهو الذي أُقيم عليه حد الزنا، وهو وصفٌ أغلبي.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النكاح لغة: الوطء والعقد، وسمي هنا ما يفعله المجلود نكاحًا مجازًا، لا حقيقة؛ لأنَّه جُعِل طريقًا إلى الوطء.

2 -

فالراجح أنَّ المراد بالحديث هو تشنيع الزنا، وأنَّه لا يقع من رجل عفيفٍ على امرأةٍ عفيفة، وإنما يقع من رجلٍ عادته الزنا، على امرأةٍ مثله مسافحةٍ زانيةٍ.

3 -

وهذا المعنى في الحديث هو الراجح في معنى الآية الكريمة: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)} [النور]

(1) أحمد (2/ 324)، أبو داود (2052).

ص: 301

قال ابن كثير: هذا خبرٌ من الله تعالى بأنَّ الزاني لا يطأ إلَاّ زانيةً، أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلَاّ زانيةٌ عاصية، أو مشركةٌ لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية:{لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] أي عاصٍ بزناه، أو مشركٌ لا يعتقد تحريمه.

قال النووي: عن حبيب بن أبي عمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ليس هذا بالنكاح، وإنَّما هو الجماع، لا يزني إلَاّ زانٍ أو مشركٌ.

وهذا إسنادٌ صحيح، وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح الزاني المجلود إلَاّ مثله".

وقال ابن جزي: معنى الآية ذم الزناة، وتشنيع الزنا، وأنَّه لا يقع فيه إلَاّ زانٍ أو مشركٌ، ولا يوافقه عليه من النساء إلَاّ زانيةٌ أو مشركةٌ.

و"ينكح" على هذا بمعنى يجامع.

قال شيخ الإِسلام: مَنْ أوَّل هذه الآية إلى العقد، فبطلان قوله ظاهر.

4 -

وحمل الحديث أكثر العلماء على معنى: أنَّ الزاني المجلود لا يرغب عقد زواجه إلَاّ على مثله، وكذلك الزانية، لا ترغب في الزواج إلَاّ من عاصٍ مثلها.

5 -

الذي يدل عليه الحديث هو النَّهي عن ذلك -لا الإخبار عن مجرَّد الرغبة- وأنَّه يحرم أنْ ينكح زانٍ عفيفةً، كما أنَّه يحرم أن تنكح عفيفةٌ زانيًا، وصرَّح بالتحريم بقوله تعالى:{وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)} [النور]، أي كاملي الإيمان الذي هم ليسوا بزناة، فإنَّه "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الزاني لا يُقْدِم على نكاحه من النساء إلَاّ أنثى زانيةٌ، يُناسب حاله حالها، أو مشركة بالله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلَاّ زانٍ أو مشركٌ.

وهذا دليلٌ صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح

ص: 302

الزاني حتى يتوب.

6 -

وقال في نيل المآرب: وتحرم الزانية على زانٍ وغيره حتى تتوب وتنقضي عدَّتها.

قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: لا يجوز زواجه بامرأةٍ حاملٍ منه بالزنا، حتى تقضي عدَّتها بوضع حملها.

قال شيخ الإِسلام: نكاح الزانية حرامٌ حتى تتوب، سواء كان زنى بها هو أو غيره، هذا هو الصواب بلا ريب، وهو مذهب طائفةٍ من السلف والخلف، منهم أحمد بن حنبل، وغيره، ويدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.

وإذا كانت المرأة تزني، لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، بل يفارقها، وإلَاّ كان ديوثًا؛ لاختلاف المادتين، نجاسةً وطهارة، وطيبًا وخُبْثًا، ولاختلاف الوطء، حلالًا وحرامًا.

***

ص: 303

866 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا. حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- رجل: هو رِفَاعَة بن شمول القرظي، ورِفَاعة: بكسر الراء، وتخفيف الفاء.

- الرجل الثاني: عبد الرحمن بن الزَّبِير بن باطيا القرظي أيضًا، والزَّبِير بفتح الزاي، وكسر الباء الموحدة.

- يَدْخُل بهَا: المراد بالدخول هنا ليس مجرَّد الخلوة، وإنَّما هو الوطء.

- يذوق: يُقال: ذاق يذوق ذوقًا: اختبر الطعم، والذوق هو الحاسة التي يتميز بها خواص الأجسام الطعمية، بواسطة الجهاز الحسِّي في الفم، ومركزه اللسان.

قال في المحيط: الأصل في الذوق تعرُّف الطعم، ثمَّ كثر حتى جعل عبارة عن كل تجربة، ومنه معنى الحديث.

- عُسيلتها: بضم العين، وفتح السين بعدها ياء مثناة، تصغير عسلة، والعسل فيه لغتان: التأنيث والتذكير، فأتت العُسيلة لذلك؛ لأنَّ المؤنث يُرَدُّ إليه الهاء إذا صغر.

قال في النهاية: شبَّه لذَّة الجِماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقًا، وقد

(1) البخاري (5261)، مسلم (1433).

ص: 304

روت عائشة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "العسيلة الجِماع".

- طلَّق رجلٌ

فسأل: جاء في البخاري أنَّ التي سألت هي امرأة رِفاعة، وجاء في فتح الباري أنَّ اسم المرأة السائلة المطلَّقة هي تميمة بنت وهب القرظية ولا مانع من أن يكون كلٌّ من المطلِّق والمطلَّقة جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الطَّلاق بلفظ الثلاث، سواءٌ أكانت مجموعة بلفظٍ واحدٍ، أو مفرقةً بكلمات مكررات، لم يتخللهن رجعة ولا نكاح: هو طلاق بدعي محرَّم، وسيأتي بحثه إن شاء الله في كتاب الطلاق.

2 -

المطلقة ثلاثًا لا يحل لمطلِّقها الرجوع بها حتى تنكح زوجًا غيره، ويجامِعها الزوج الثاني، ثم يطلقها، وتعتد منه، قال تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا} [البقرة: 230].

3 -

لابُدَّ أنْ يكون زواج الثاني زواج رغبةٍ، لم يقصد به التحليل، فإذا تزوجها الثاني راغبًا بها، ثمَّ طلَّقها، واعتدت، حلَّت للزوج الأول، قال تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230].

4 -

أما إنْ قصد الثاني بزواجه التحليل للأوَّل، فإنَّ العقد غير صحيح، بل هو باطلٌ، ونكاحه ووطؤه محرَّم، ولم تحل للزوج الأول؛ فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"لعن الله المحلِّل والمحلَّل له".

5 -

ولابُدَّ لصحة حِلِّها للزوج الأول، وطء الزوج الثاني، كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول" وهو كنايةٌ عن الجماع.

6 -

اتَّفق العلماء على أنَّ النِّكاح الذي يحلها هو الإصابة، وذلك بإيلاج الحشفة -أو قدرها من مجبوبٍ-في فرج المرأة المطلَّقة، مع انتشار، وإن لم ينزل، فلا يكفي مجرَّد العقد، ولا الخلوة، ولا المباشرة دون الفرج، ولا كون العقد الثاني باطلًا أو فاسدًا، بل لابُدَّ أنْ يكون بعقدٍ صحيح.

ص: 305

ولا يُشترَط بلوغ الزوج الثاني، ما دام إنَّه يجامع مثله، وهو ابن عشر سنين.

7 -

قال ابن القيم: شريعتنا أجمل الشرائع، وأقوم بمصالح العباد، فله أن يعاف زوجته، فإن تاقت نفسه إليها وجد السبيل إلى ردها، فإذا طلَّقها الثالثة لم يبق له عليها سبيل، إلَاّ بعد نكاح زوجٍ ثانٍ، نكاح رغبة، فإباحتها بعد الزوج الآخر من أعظم النعم.

8 -

قال الرازي: الحكمة في إثبات حق الرجعة أنَّ الإنسان ما دام يكون مع صاحبه، لا يدري أنَّه هل يشق عليه مفارقته أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعَظُمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة.

ثمَّ لما كان كمال التجربة لا يحل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرَّتين، وبعد ذلك فقد جرَّب الإنسان نفسه في تلك المفارقة، وعرف حال قلبه في ذلك الباب، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرَّحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده.

9 -

وقال سيد قطب: إنَّ الطلقة الأولى محكٌّ وتجربة، فأما الثانية فهي تجربةٌ أخرى، فإن صَلُحت الحياة بعدهما فذاك، وإلَاّ فالطلقة الثالثة دليلٌ على فسادٍ أصيلٍ في حياة الزوجية، لا تصلح معه حياة، فيحسن أن ينصرف كلاهما إلى التماس شريكٍ جديد.

فإن طلَّقها الزوج الآخر فلا جناح عليهما أن يتراجعا، ولكن بشرط:{إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230].

فليسا متروكين لشهواتهما ونزواتهما، في تجمعٍ أو تفرق، وإنما هي حدود الله تقام بينهما.

ص: 306