الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التاريخ المدني
العلم والأدب
ما يُراد بالعلم والأدب:
نريد بالعلم علم الدين والدنيا، فالعالم بالحديث عالم، والعالم بالطب عالم، والعالم بالكلام عالم، والعالم بالهندسة عالم. والكيمياء علم والبيطرة علم، والتاريخ علم والجدل علم، وشرف هذه العلوم بشرف مقاصدها، وأشرفها في نظر الإلهيين ما هذب النفس وأعدها للحياة الخالدة. وعلوم الدنيا هي الوسيلة إلى تلك السعادة كما قال حجة الإسلام الغزالي: إن الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم، لينتظم باستقامتهم أُمورهم في الدنيا، ولعمري إنه متعلق أيضاً بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا. فإن الدنيا مزرعة الآخرة ولا يتم الدين إلا بالدنيا.
كان البشر قبل ظهور الأديان المشهورة يستخدمون علوم الدنيا للدنيا، وكانت
بسائط على حالة ابتدائية بالطبع، ويعكفون من جهة أُخرى على تماثيلهم وأربابهم ومعابدهم يجوّدون صنعها، ويمجدونها ويتغنون بمدحها، فلما جاءت الأديان المعروفة تغير الشكل بصورة أُخرى، وبقيت العناية بالعلوم تختلف باختلاف الأصقاع والدول. أما الأدب فالذي كانت العرب تعرفه هو ما يحسن الأخلاق ويدعو إلى المكارم. واصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على تسمية العالم بالشعر أديباً وعلوم العربية أدباً. والمراد بالإسلام كما قال
النووي من حيث انتشر وشاع في الناس وذلك قبل الهجرة النبوية بنحو ست سنين.
للأهوية والأهواء تأثير في العلم، والعلوم ربيبة الأرض المعتدلة أو الباردة أكثر من الحارة والوبيئة، لأن أهل هذه قصيرة آمالهم في الحياة، محدودة مطالبهم، فاترة هممهم، مثلوم حدهم، متداعية صحتهم. ومن صرف وكده أيضاً إلى الأهواء المذهبية ضعف سلطان العلم فيه، لتوزع قواه، وانصراف رغبته عن الفانية إلى الباقية، واشتغال ذهنه بأمور لا يتسع لغيرها في الأغلب. وكلما توغلت أمة في مضمار المدنية نظرت إلى علوم الدين وعلوم الدنيا نظرة واحدة، وشرّفت ما تشتد حاجتها إليه منها، وأبلت بكليتها على المشتغلين بها. فقد رأينا جامعات أوربا في القرون الوسطى تنشأُ لغرض الدين على الأكثر، فلما عظمت مطالب البشر، وأخذت المدنية تسير سيرها، أصبحت العلوم الدينية في جامعاتهم تقراُ كما يقرأُ التاريخ والأدب والطبيعة، لا فضل لديني لاهوتي على طبيعي رياضي، إلا بالأثر الناتج عن درسه وبحثه، هذا إن لم يرجحوا في عرفهم العلِمَ الثاني. وبينا نجد تماثيل العلماء بالمئات في شوارع الغربيين وساحاتهم ومتاحفهم ودور العلم والصناعات عندهم، لا نشهد من علماء الدين إلا نفراً قليلاً أُقيمت لهم التماثيل داخل البيع والكنائس فقط. كان الاقتصار على العلم الديني في الصدر الأول للإسلام، ثم تسربت العلوم الدنيوية بسرعة، ورأى علماء الأمة أنها نافعة لقوام
الدين والدنيا، وبذلك أقنعوا العامة ومن فوق درجتهم، فأقبل الناس عليها، وكانت العناية أولاً بعلوم القرآن والسنة، ثم أقبل الناس على الفقه لأن حالة الزمن اقتضت الإقبال عليه لتعدد الخصومات بين الناس واتساع المملكة الإسلامية وما حدث فيها من المشاكل والعُضُل، ثم أقبلوا على علم الكلام، لما رأوا الحاجة الماسة إليه خصوصاً وقد دخلت فلسفة القدماء وصادفت لها أنصاراً وعشاقاً، ثم مالوا إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذاهب الشافعي وأبي حنيفة، ثم كثرت العلوم بين العرب في المدن وضعفت سندها في القرن العاشر للهجرة، إلى أن أخذت تتطور تطوراً جديداً أواخر القرن الثالث عشر ووائل هذا القرن على ما سيجيء.
وأهم العوامل في اضمحلال العلم في ديار الإسلام زهد الملوك والأمراء فيها واشتغال الناس بالفتن والغوائل. ومذ أخذ العلماء يتعلمون علوم الدين للجاه والمال، ضعفت علوم الدين والدنيا معاً. وأصبح السلطان للممخرقين والمعطلين والمتهوسين بمسائل الكشف والولاية من علماء الرسم، وليس الغرض من العلوم كما قال ابن ساعد الاكتساب بل الاطلاع على الحقائق، وتهذيب الأخلاق، على أن من تعلم علماً للاحتراف لم يأت عالماً وإنما يجيء شبيهاً بالعلماء. ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر، ونطقوا به لما بلغهم بناء المدارس ببغداد، فأقاموا للعلم مأتماً، وقالوا كان يشتغل به أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به، فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أُجرة تدانى إليه الأخساءُ وأرباب الكسل، فيكون ذلك سبباً لارتفاعه، ومن هنا هُجرت علوم الحكمة وإن كانت شريفة لذاتها.
إن الذين يولعون بالعلم للعلم في هذا العالم قلائل جداً، ولكنهم يكونون على الأكثر ممن نسميهم أو أكثرهم بأهل النبوغ والعبقرية، يتفانون في مقصدهم ويأتون بالجديد يبدعون ويبرّزون على من اتخذوا العلم آلة للمظاهر وعنواناً للتصدر، وهم
هم الذين يذهبون بفضل الشهرة في الأرض، وتبقى أعمالهم شاهدة لهم بعد موتهم أحقاباً ودهوراً، ومن هذا الفريق أنجبت الشام قديماً وحديثاً جماعة افتخرت بهم، وعُدوّا بأعمالهم بالقياس إلى حال هذا القطر وإلى مجموع علماء الأمة كتلة صالحة أثرت تأثيراً محموداً في العلم والمدنية، وقد عرفنا تراجم أكثر رجال العهد العربي لقربه منا، ولا طراد التدوين في العرب في أغلب العصور على طريقة حسنة في الجملة، فوقفنا بها على منازعهم وأعمالهم. وغابت عنا تراجم كثير من المهندسين والنقاشين والمصورين والموسيقيين لأن القوم على ما يظهر يحسبون هذا الصنف النافع من الناس من أهل الصناعات فقط لا من أهل العلم. كأن العلم كله على اختلاف ضروبه ليس صناعة من الصناعات. وقد اصطلح المتأخرون على أن المراد بالعلم إذا أُطلق يقصد منه العلم الديني. ومن الغريب أن بعض المتأخرين ممن دوّنوا تراجم أهل عصورهم حرصوا على تراجم المجاذيب والممخرقين ولم يذكروا مثلاً تراجم أهل تلك
الأيام من المقدرّين والبنائين وغيرهم ممن خلدوا بأعمالهم مدنية أعصارهم.
لم يتسلسل العلم قروناً طويلة في الشام تبعاً لتغير الدول وانصراف الهمم والعلم مذ كان محتاج إلى العلم ذلك لأن الشام كان في جميع أدواره ممراً للفاتحين يطمع فيه جيرانه، بل البعيدون عنه لتوسطه بين بر آسيا وإفريقية وأوربا. والقدر الذي عرفناه من رسوخ العلم في ديارنا كاف ولا شك في إنشاء مدنية صالحة خصوصاً إذا دعمها ما كان ينهال عليها من علوم أهل العراق والجزيرة ومصر والأندلس وفارس وغيرها. وكأن الشرق مُني بالتساهل والإهمال، وعدم التسلسل في الفكر والاطراد في العمل، فكان مظهر الحياة الفردية في الأعم الأغلب من حالاته، وعلى العكس في الغرب فإنه كان ولا يزال مثال الحياة الاجتماعية والتعصب للفكر والاستماتة فيه، والتسلسل في الأفكار.
ولقد رأينا الغرب في قرونه الوسطى قبيل عهد النهضة يشتد في إرهاق الأفكار الحرة، وديوان التفتيش الديني يحرق الأنفس البشرية بالعشرات للقضاء على الفلسفة والتجدد، بيد أن الغرب كان إذا هلك فيه رجل بطريق الإلحاد والخروج عن مألوف القوم، يقوم غيره من أخلافه في الحال يتناول ما بدأ به سلفه، ناسياً أن الهلاك يحل به إذا اشتهر أمره. ورأينا في هذا الشرق القريب أناساً ينزعون إلى التجديد والإبداع كان نصيبهم من الحياة ضرب أعناقهم، أو إدخال الرعب على قلوبهم حتى قضوا أعمارهم في خمول وتقية، وكان نصيب الأمة العربية أن يقل فيها جداً ظهور من يخلفهم في دعوتهم، وقد يأتي العصر والعصران ولا يظهر فيهما نابغة يذكر وعالم مبدع، وجاء زمن وهو ليس ببعيد، وقد أصبح الناس ينكرون البديهيات في العلم، ويحرمون ما حلل الله من ضروبه النافعة، فغارت ينابيعه من أرضنا وفاضت في الغرب وزادت مع الأيام فيضاناً، وقويت تقية العلماء ودخل في غمارهم الجاهلون فسقطت هيبة العلم. وكان من نتائج عمل الغربيين تلك الحضارة الحديثة المدهشة ومن تفاشلنا وتجاهلنا هذا الانحطاط المحسوس وإضاعة مدنية الأجداد.
العلم ابن الحرية، والأدب ربيب التسامح، وقد شاهدنا أجدادنا في هذه الديار المثال الصالح في هذا الباب على اختلاف العصور والمذاهب، وكان
العرب في أدوارهم المختلفة يمثلون أجمل صورة من هذا القبيل. فإن كانت إنطاكية وبيروت قبل الإسلام عاصمتي الحكمة والأدب والشرائع، فقد امتازت بعدهما حلب والمعرة وطرابلس ودمشق وحمص بهذه الخصائص. والعلم بضاعة ثمينة لا تروج الرواج المطلوب إلا في ظل السلام وصلاح السلطان.
هذا شأن العلم، أما الأدب وهو منظوم الكلام ومنثوره والخطب والرسائل فيتصرف أيضاً على هذا المثال، وبه أدركنا بعض الحالة الاجتماعية والروحية
التي كانت عليها تلك الأعصر، ورأينا فيه تبدلاً محسوساً في القرون التالية، فكانت الآداب في الشام في القرن الأول غيرها في القرن الثاني والثالث، وقد استحكمت أسباب الحضارة وعم الترف، ونقلت علوم الأوائل وراجت سوق الشعر في الرابع والخامس في الشمال، وما لبثت في أواخر هذا القرن أن عراها الكساد قليلاً، ثم هبت إلى الحياة بعض الشيء في السادس والسابع تبعاً للحالة السياسية التي كان عليها القطر زمن الحروب الصليبية، ولم ينشأ في الشام خلال القرنين الثامن والتاسع شاعر يجوز عدّه في مصاف المفلقين على مثال شعراء القرن الثالث والرابع، أما في القرون الأربعة التالية فضعفت حالة الشعر اكثر من ذلك بما لا يقدر، وأصبح نظماً لا شعراً فُقد من أكثر ما نقل من الشعر الروح وبقي جسماً له من الشعر قوافيه وأوزانه، يطرس فيه المتأخر على مثال المتقدم وتتأثر أنفاس الابن بأنفاس أبيه وجده.
إن حكمنا على المنظوم يسوغ أن نورده في المنثور، كان الإنشاء في القرنين الأولين للإسلام يسير مع الطبع غالباً ونبغ في الشام أفراد كعبد الحميد بن يحي الذي وضع أساس الكتابة المرسلة، ورأينا عمر بن عبد العزيز يكتب الكتاب في الإدارة أو السياسة أو القضاء أو في أمر مهم من أمور الدولة في سطرين أو ثلاثة ليس فيه شيء من الكلفة بتة بل هو آية الفصاحة والبلاغة، وهكذا معظم آل بيته من بني أُمية وبني مروان، ومن نشأ في دولتهم أمثال الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه وعتبة بن أبي سفيان وشهدنا التكلف بادياً في كتابة القرون التالية التي انتقلت فيها صناعة الكتابة إلى بغداد أو القاهرة وضعف أمرها في الشام. وكان الشام يتبع العراق تارة ومصر تارة أُخرى، حتى إذا كان القرن السادس، ونبغ في الدولة الصلاحية القاضي الفاضل
بطريقته المستملحة في الكتابة المسجعة على الأغلب، وحذا حذوه العماد الكاتب ثم ضياء الدين ابن الأثير صاحب المثل
السائر وغيرهما من كتاب الدولة أخذت تضيق حلقة الكتابة وهي احتذاء مثال المجودين من القدماء لحصرها في قيود الجناس والبديع والأسجاع فجمدت القرائح وقل المبرزون فيها المجيدون لصناعتها، فما بالك بالإنشاء الذي هو ابتكار المعاني والإبداع في القوالب. وإذا استطعنا أن نعد عشرة كتب في القرن الواحد لا نقوى على عدّ منشئ واحد فيه. وحكمنا هذا مبنيّ على ما قرأناه فيما خلفه السلف في هذه الديار من الكتب والآثار المبعثرة في بطون الدفاتر، وربما كان في المفقود الذي لم يصلنا من هذا النوع ما يؤهلنا لو ظفرنا به، أن نصدر حكواً أصح من هذا على فنون الإنشاء والكتابة والشعر والنظم، والإنشاء من الكتابة كالشعر من النظم.
ولو لم ينبغ في الكتابة من المؤلفين أمثال القفطي وياقوت وابن أبي أصيبعة وابن العديم ثم الصفدي وابن فضل الله والمقريزي والشهاب الحلبي وأمثالهم في القرنين السابع والثامن لقلنا إن الانحطاط في الكتابة بدأ في الشام منذ القرن السادس، بيد أنها أصبحت في الحقيقة سجعاً كسجع الكهان بظهور ابن عربشاه الدمشقي وابن حجة الحموي وأمثالهما في القرن التاسع، أما في القرن العاشر وما بعده فإن الكتابة كالشعر كانت إلى التكلف والسجع غالباً، ومن أفلت من المؤلفين من قيد التكلف، ونجا من الترصيع والتسجيع، جاء كلامه مقبولاً في الجملة وقليل ما هم.
بقيت الكتابة والشعر ترسفان في قيودهما القديمة إلى أوائل القرن الرابع عشر أيام نشأ للأمة في مصر بضعة شعراء ومنشئين أدخلوا الآداب في طور جديد ونزعوا عنها ثيابها البالية، وألبسوها حلة قشبية، فقام من المنشئين أمثال محمد عبده وإبراهيم المويلحي ثم المنفلوطي وطه حسين والعقاد وأضرابهم. ومن الشعراء محمود سامي وإسماعيل صبري ثم حافظ إبراهيم وأحمد شوقي وتلك الحلبة، وانتشرت كتاباتهم وقصائدهم في العالم العربي ومنها اقتبس شعراء الشام وكتابه
وبطريقتهم اقتدوا وغيروا أسلوبهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وما أسلوبهم إلا الجمع بين متانة القدماء ورقة المحدثين،