المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌التجارة في القرون الحديثة: - خطط الشام - جـ ٤

[محمد كرد علي]

فهرس الكتاب

- ‌التاريخ المدني

- ‌العلم والأدب

- ‌ما يُراد بالعلم والأدب:

- ‌العلم والأدب عند أقدم شعوب الشام:

- ‌مواطن العلم في القطر قديماً:

- ‌ما حمل العرب من العلم إلى الشام:

- ‌جمع القرآن ونشره في الشام:

- ‌العلم والأدب في القرن الأول:

- ‌عناية خالد بن يزيد بالنقل وأوائل التدوين:

- ‌العلم والأدب في القرن الثالث:

- ‌الأدب في القرن الرابع ونهضته على عهد سيف

- ‌الدولة وأبي العلاء المعري:

- ‌الآداب في القرن الخامس:

- ‌العلم والأدب في القرن السادس:

- ‌العلم والأدب في القرن السابع:

- ‌الإمام ابن تيمية والإصلاح الديني والأدب والعلم في

- ‌القرن الثامن:

- ‌العلوم في القرن التاسع:

- ‌انحطاط العلم والأدب في القرن العاشر:

- ‌الآداب في القرن الحادي عشر:

- ‌العلوم والآداب في القرن الثاني عشر:

- ‌العلم والأدب في القرن الثالث عشر:

- ‌العلوم المادية في منتصف القرن الثالث عشر:

- ‌العلوم والآداب في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل

- ‌الرابع عشر:

- ‌المعاصرون من العلماء والأدباء:

- ‌تأثيرات الأجانب في التربية:

- ‌الآداب في القرن الرابع عشر:

- ‌الجامعات والكليات:

- ‌الإخصاء:

- ‌الصحافة العربية:

- ‌الطباعة والكتب:

- ‌الفنون الجميلة

- ‌تعريف الفنون الجميلة:

- ‌الموسيقى والغناء:

- ‌التصوير:

- ‌النقش:

- ‌البناء:

- ‌الشعر والفصاحة:

- ‌الرقص:

- ‌التمثيل:

- ‌متى ترتقي الفنون الجميلة:

- ‌الزراعة الشامية

- ‌العامر والغامر:

- ‌قلة العناية بالأنهار:

- ‌خراب الزراعة والمزارع:

- ‌عوامل الخراب:

- ‌آفة الهجرة على الزراعة:

- ‌خصب الأراضي ومعالجتها وما يزرع فيها:

- ‌تقسيم السهول والجبال:

- ‌من الذين أدخلوا الطرق الجديدة:

- ‌درس الزراعة:

- ‌نقص كبير:

- ‌التحسين الأخير:

- ‌عناية القدمين بالزراعة:

- ‌أصناف الزروع والأشجار:

- ‌الأشجار غير المثمرة:

- ‌الصناعات الزراعية القديمة:

- ‌معادن الشام وحمّاتها:

- ‌الحمّات الشامية:

- ‌نظرة في الفلاحة الشامية الحديثة

- ‌أقاليم الشام:

- ‌أتربة الشام:

- ‌حراج الشام:

- ‌الري في الشام:

- ‌زروع الشام وأشجارها:

- ‌الأشجار المثمرة:

- ‌الحيوانات الدواجن في الشام:

- ‌الصناعات الزراعية في الشام:

- ‌زراعة الشام من الوجهتين المالية والاقتصادية:

- ‌الضرائب الزراعية:

- ‌طرائق استثمار الأرض:

- ‌إقراض الزراع:

- ‌الخلاصة:

- ‌الصناعات الشامية

- ‌مواد الصناعات:

- ‌الغزل والحياكة والنساجة:

- ‌الدباغة وصناعات الجلود:

- ‌تربية دود الحرير:

- ‌النجارة:

- ‌القيانة والحدادة والنحاسة:

- ‌الزجاجة:

- ‌الدهان:

- ‌الفخارة والقيشاني:

- ‌الوراقة:

- ‌المرايا:

- ‌الصياغة:

- ‌صناعة الصدف والرخام:

- ‌السجاد والحصير:

- ‌الصناعات المحدثة:

- ‌تأثير الصناعات في الماديات والأخلاق:

- ‌التجارة الشامية

- ‌موقع الشام من التجارة وتجارة القدماء:

- ‌تجارة العرب:

- ‌التجارة في القرون الوسطى:

- ‌التجارة في القرون الحديثة:

- ‌التجارة والاقتصاديات في العهد الحديث:

- ‌الورق النقدي والعوامل في تدني الاقتصاديات:

- ‌ الحواجز الجمركية

- ‌العامل الاقتصادي:

- ‌الواردات والصادرات:

- ‌صناعة البلاد في سنة 1925:

- ‌ما يجب للنجاح في الاقتصاديات:

- ‌تجارة فلسطين في الدور الجديد:

- ‌تجارات الأمم المختلفة في الشام:

- ‌رأي في ازدياد الثروة والتجارة:

الفصل: ‌التجارة في القرون الحديثة:

أذى، وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في أرضهم، وتجار النصارى أيضاً يؤدون في أرض المسلمين على سلعهم. وقد تعقد المعاهدات مع الملوك الإفرنج وتذكر فيها أنواع المتاجر التي يحملونها إلى مواني هذا القطر ومنها الخشب والحديد.

ولم تكن جمهوريات إيطاليا في حرب الصليبيين دولاً بحرية من الطراز الأول بل كانت منظمة بأحسن النظم الجمهورية، ومع هذا فكثيراً ما كانت تشب الحرب بينها حتى تستأثر إحداها بالتجارة في الشام، فكان الجنويون أعداء البنادقة، وكذلك كان الكتلانيون، واضطر البروفانسيون أن يدخلوا تجارتهم إلى هذه الديار بواسطتهم، وهم يريدون أن يستأثروا بنقل زوار بيت المقدس وأن تمر تجار ما وراء جبال الألب من مثل جوخ الفلاندر في مواني إيطاليا، وتنقل عن سفنهم وتستوفى عنها رسوماً خاصة. ولما احتل الجنويون الماغوسة في قبرس بدأ اللاتين بزيارة دمشق وبقية الشام، وكانت حال التجارة في الدور الثالث من أدوار القرون الوسطى في دمشق على أحسن ما يكون، فكان التجار الأوربيون إذا انتهوا إليها رأوا فيها عدة زملاء لهم من ممالك مختلفة مثل البندقية وجنوة وفلورنسة وبرشلونة وغيرها، فيبيعون ويبتاعون، وكان اجتماعهم في خان برقوق وقد أقام بعض البنادقة في حماة ومنها كانوا يبتاعون القطن. وكان للأوربيين قناصل في الشام منذ الزمن الأطول وأول قنصل كان للبنادقة في مدينة دمشق سنة 1384م واسمه فرنسسكو داندللو وكانت دمشق مستقر القناصل، إلا أن لامنس يقول: إن أول ما ورد اسم القنصل في جملة النزالة الجنوية التي كانت في عكا أواسط القرن الثاني عشر ودعوه أولاً بنائب القمص - ثم انتشرت هذه الرتبة في أماكن شتى في النصف الثاني من ذلك القرن وعرف أصحابها بالقناصل وأُطلق أولاً على الإيطاليين، وبعد زمن طويل صار للفرنسيس قنصل.

‌التجارة في القرون الحديثة:

كانت حلب في هذا الدور من أول المدن التي اتجرت مع الطليان،

ص: 246

وقد أقام لهم البنادقة فيها منذ عهد المماليك قناصل من الدرجة الأولى وكان البنادقة يتاجرون من مليونين إلى ثلاثة ملايين دوكا مع حلب كل سنة، وقد احتفظت الشهباء

بمركزها التجاري المهم فكانت نقطة الاتصال بين الخليج الفارسي والبحر المتوسط. ثم انتشر فيها الفرنسيون ولكنهم اضطروا أن يغادروها للاضطرابات السياسية إلى إنطاكية، كما اضطر تجار الإفرنج في دمشق إلى مبارحتها إلى صيدا وبيروت وعكا. وفي سنة 1507م عقدت الدولة العثمانية مع فرنسا معاهدة تجارية فكانت سفن فرنسا تأتي إلى مواني الشام ولا سيما طرابلس وصيدا وتأخذ منها حاصلات وتجلب إليها بضائع. وكثُر عديد الإفرنج في حلب أكثر من دمشق، لأنها أقرب منفذ لاتصال الشرق بالغرب، فكان تجارهم يأتونها من ثغر السويدية يتجرون مع أهلها ويقايضون محصولاتهم بمحصولاتها ومحصولات الشرق، ولا سيما الهند وفارس والعراق، وكانت فرنسا والبندقية أول الممالك الأوربية التي اتجرت مع حلب وعقدت معها الصلات التجارية وأقامت المكاتب، ثم جاء الإنكليز في القرن السادس عشر وتلاهم الهولنديون، وقد تناسل بعض الإفرنج في حلب وارتاشوا وتأثلوا وعدوا كأنهم من أهلها، وكان البنادقة يتجرون بالبهار يأخذونه من حلب بمقادير وافرة كما كانوا يجلبون منها الشب والقطن.

وكان في حلب وكلاء لتجار الهند وبلاد الكرج والفرس والأرمن وغيرهم، وللبنادقة بين أُمم البحر المتوسط موقع ممتاز، ولئن أفقد حلب فتح الطريق البحري إلى الهند الشرقية بعض مكانتها التجارية، فقد كانت في القرنين السابع عشر والثامن عشر زاهرة بتجارتها. وكان في حلب سنة 1775 ثمانون وكالة تجارية لبيوت تجارية أوربية، وأكثر اعتماد الأوربيين على سماسرة من اليهود يتجرون بالصادر والوارد، وكثر تجار افنكليز فيها منذ عهد ملكهم جاك الأول 1613 - 1625.

ونما عدد تجار الأوربيين في عكا وصيدا وبيروت ولا سيما في هذا الثغر، فأصبح على ما روى لامنس في القرن الخامس عشر ولا سيما بعد عهد تيمورلنك

ملتقى شعوب البحر المتوسط. وكنت تشاهد في بيروت مزيجاً يصعب وصفه

ص: 247

من العمائم والطرابيش والكوفيات الحرير وأكيسة وبرانس وقفاطين. وفي القرن الثامن عشر اقترح الفرنج أن تعمر ميناء اللاذقية مبينين للحكومة حسن مستقبلها، فلم يقبل المتصرف هذا الاقتراح وقال: ربما أكون غداً في جدة فلماذا أتخلى عن الموجود وأتطلب مستقبلاً مجهولاً.

وممن كان لهم اليد الطولى في تنشيط التجارة في هذه الديار فخر الدين المعني الثاني في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة. وكثيراً ما كانت مراكب الإفرنج تأتي لمشترى الحنطة إلى موانئ عكا وصور والرملة وطنطورة وربما بلغت السفن الصغيرة البرش اراسية في عكا نحو 150. ولقد توسع فخر الدين في الامتيازات الأجنبية فسمح للفرنسيين أن يبنوا خاناً عظيماً في صيدا، ولأهل فلورنسة أن يفتحوا قنصلية، فأصبحت صيدا وميناؤها أوائل القرن السابع عشر أهمّ موانئ الشام.

وفي عصر فخر الدين كان يحمل من دمشق إلى الديار المصرية عشرة قافات كما قال صاحب محاسن الشام: وهي قصب الذهب. قبع. قرضية. قرطاس. قوس. قبقاب. قراصيا. قمر الدين. قريشة. قنبريس. ونقل الغزي عن معجم التجارة العام المطبوع سنة 1723 1136 أن حلب لا تضاهيها بلد بتجارتها الذين يقصدونها من أقطار الدنيا، فإن خاناتها التي لا تقل عن أربعين خاناً لا تزال غاصة بالهنود والفرس والترك والفرنج وغيرهم بحيث لا تقوم بكفايتهم. قال: ومن خصائصها التجارية وجود الحمام الذي يأتي تجارها بالأخبار من إسكندرونة بثلاث ساعات بسبب تربيته بحلب وحمله إلى إسكندرونة بأقفاص، فإذا طرأ خعلقت البطاقة في رقبة الطير وسرح، فيصير إلى حلب طالباً لفراخه.

وفي كتاب الشام على عهد محمد علي: ما زالت حلب ودمشق المركزين العظيمين

للتجارة في الشام، وما برحت حيفا وبيروت وطرابلس وإنطاكية وإسكندرونة هي الموانئ التي يكثر اختلاف السفن الأوربية إليها، وهي المحطات الرئيسة لتجارة الشرق، فتأتي قوافل بغداد إلى دمشق وحلب حاملة من العجم التنباك والسجاد، ومن غيرها اللؤلؤ والأحجار الكريمة، ومن الهند الطيب والعقاقير والأفاويه، وفي عودتها تحمل جوخاً وثياباً من

ص: 248

عمل أوربة، وألبسة حريرية من صنع دمشق وحلب، وبضائع منوعة ومصنوعات خشبية وصدفية ونحاسية، وبسوء السياسة المخالفة لما هو جار في أوربا، إذ كان ينشط التجار الغرباء دون التجار الوطنيين، أصبحت معظم التجارة العربية في الشام تجري تحت اسم أوربي. وقبل أن يفتح إبراهيم باشا الشام كان التجار الوطنيون يدفعون إلى الإفرنج ثلاثة ونصفاً أو أربعة في المائة ليتأتى لهم أن يتجروا بأسمائهم، لأن الإفرنج لا يدفعون على الأكثر زيادة على أربعة في المائة من كل ما يطلب من المكوس والضرائب، على حين كانت العرب خاضعة لأداء 18 أو 20 وربما 21 في المائة. وقال: إن عمال إبراهيم باشا كانوا يتجرون ويحتكرون أصنافاً من التجارة.

ولما قلّ الأمن في البحر على عهد نابليون وبسوء الإدارة العثمانية وبثورات الإنكشارية سنة 1814 و 1826 وبزلزال سنة 1822 و27 و32 ووباء سنة 1832 وطاعون سنة 1837 خربت تجارة حلب ودمشق، وكثرت البضائع الإنكليزية التي كانت تباع بأثمان بخسة تجيء من طريق ليفورنا في إيطاليا. وكانت الحاصلات الخام التي تعود إلى الشام معمولةً، سبب خراب هذا القطر، مثل حرائر ليون التي أخذت تسحق حرائر دمشق وحلب، وبمنافسة حرائر ليون التي تقلد حرائر دمشق احسن تقليد وتباع بأثمان بخسة، قضي على صنائع دمشق بعد أن كانت تعمل أكثر من 400 ألف قطعة من الحرير والثياب الحريرية الممزوجة بالقطن. وكانت تجارة الحاصلات التي تبتاع بالسلف والسلم، خراب

الفلاح الشامي البائس. وكان كثير من تجار الأوربيين يستحسنون هذا من التجارة، ومنهم من كان يمقتها وقد يربح المتجر بها خمسة وعشرين في المئة، ويعدها صاحب الذمة غبناً، وكان يصل إلى بيروت كل سنة 1340 سفينة تحمل 7848 طناً ويخرج 805 سفن تحمل 5005 يخرج منها القطن والحرير والتبغ والإسفنج والفوّة والزيت والصابون بمقدار وافر والسمسم والكمون والعفص. وتجارة الواردات تبلغ 44366670 منها نحو 15 مليوناً من مصر وتجارة الصادرات 26874270 منها نحو 13 مليوناً لمصر، فكانت الشام تخسر مسانهة نحو 18 مليون قرش تسدها سبائك ذهب أو نقوداً، وهذا على عهد الحكومة

ص: 249

المصرية. وبعض هذه الصادرات قد بطل إصداره اليوم من الشام.

ولقد تضررت حلب ودمشق بفتح البرتقاليين طريق رأس الرجاء الصالح في جنوبي إفريقية سنة 1497م، وكان أول من اكتشفه من البيض الفينيقيون نحو القرن السابع قبل المسيح، وتأذت تجارة حلب ودمشق بفتح الفرنسيين ترعة السويس سنة 1868، وكان من نكبة الشام بفتح هذه الترعة أن انتقل كثير من تجار دمشق وحلب إلى بيروت والإسكندرونة والقاهرة وطنطا وإزمير وسلانيك والآستانة ومانشستر ومارسيليا وميلانو وغيرها من المدن الأوربية والإفريقية والآسياوية، وقد تحولت تجارة الصين والهند إلى البحر، وبطل عمل القوافل التي كانت تغدو وتروح بين الشرق الأدنى والأقصى، وقل عدد الذين يمرون بدمشق من الروم وغربي آسيا للذهاب إلى الحجاز، وأصبح معظمهم يركب البحر إلى البقاع الطاهرة تخفيفاً من عناء الأسفار في القفار وانحصرت التجارة الداخلية في حدود ضيقة، وأصبحت لا تتعدى حد المستهلكات، وصار لها مواسم قلما تروج في غيرها، ولما انتظم سير السفن البخارية، وكثر اختلافها إلى مواني الشام، وكانت رحلاتها من قبل متقطعة مختلفة المواعيد، تجرأ الناس على الاتجار

وتضاعفت الصلات التجارية بين الشام والأصقاع الإفرنجية.

يقول بعض الكتاب: إن التجارة البحرية لم تنقطع في البحر الرومي في القرن الأول للإسلام إلا بما كان يبدو من حركة الأسطول اليوناني، ولكن تجارة الشام أصيبت بالتأخر مع أوربا لما أصبح للشام منافس كالبصرة التي كانت لقربها من الهند أكثر منافسة للشام.

وظهرت ظاهرة مهمة في الشام منذ نحو ثمانين سنة أثرت فيه تأثيراً كبيراً وذلك أن جماعةً من تجار بيت لحم في فلسطين حملوا مصنوعاتهم الخشبية والصدفية إلى معرض فلادلفيا سنة 1876م فربحوا كثيراً ولما عادوا كثر المقتفون لآثارهم من التجار وغيرهم من أهل الشام وبدأ الناس بالهجرة طلباً للربح، وكانت الهجرة مقصورة أولاً على سكان الجبال من لبنان وعامل واللكام ثم تعدت إلى سكان السهول، وكان المستأثر بها سكان القرى فتعدت إلى سكان المدن، وكان التجار على الأغلب مسيحيين فأصبحوا بعدُ من

ص: 250

جميع أهل الأديان من الشاميين، ولم يلبث نطاق الهجرة أن توسع، وما نراه في اللبنانيين الشرقي والغربي، وما إليهما من الجبال من الدور والقصور عمر أكثره بدراهم أميركا، ويقدّر اليوم المهاجرون إلى أميركا الشمالية والجنوبية واستراليا وغيرها من البلاد التي ترحب بالأيدي العاملة بزهاء سبعمائة ألف مهاجر شامي.

وقد ساعد على دوام الهجرة اختلال المجاري الاقتصادية في السلطنة العثمانية، ثم استرسال الحكومات العثمانية ثم المنتدبة في إهمال الحركة الاقتصادية وإلقاء الحبل على الغارب. وقد كان عمال العثمانيين يودون لو هاجر جميع المسيحيين من الشام، لينجوا من دعوى أوربا في حماية الأقلية ولكن بهرتهم ضعفت التجارة، وكيف تنجح التجارة في أُمة والحكام هم التجار، وقد رأينا من ذلك أمثلة خلال الحرب العامة، فكان عمال الأتراك لا فرق بين الكبير والصغير منهم يحتكرون

معظم الحاجيات دع الكماليات، فكنت تراهم كلهم تجاراً يؤخرون الأرزاق عن الجند في ساحة الحرب ويقطعون مواد الحياة عن الرعية، حتى يشحنوا بضائعهم ويغنموا فرصة ارتفاع أسعارها، فاغتنى بذلك كثير من عمالهم ثم افتقروا بعد حين.

على أن بعض البلدان استفادت كثيراً من الحرب العامة ومعظم المدن التي استفادت حلب ودمشق وبيروت والقدس. قال الغزي: إن التجارة في حلب آخذة بالتقدم منذ ثلاثين سنة ولذا كثر عدد التجار زيادة عظيمة بحيث بلغ ثلاثة أضعاف ما كانوا عليه قبل هذه المدة، وكان معظم هذه الزيادة في أيام الحرب العالمية فإن أرباح التجارة التي كانت في غضونها جرّت العدد الكثير من ذوي الصنائع اليدوية من صنائعهم إلى الاسترزاق بالتجارة فنجحوا وربحوا أرباحاً طائلة، ونشأ من بينهم أصحاب ثروة تستحق الذكر. إلى أن قال: وفي سنة 1341 بدأ دولاب التجارة يدور ببطءٍ فأخذت الثروة العامة في حلب بالانحطاط لإغلاق الأناضول أبوابه في وجه تجارة البضائع المعدودة من الكماليات وغلاء أُجور النقل في السكة الحديدية وتلاعب الصيارفة والمحتكرين بالأوراق النقدية والنقود الذهبية إلى غير ذلك من الأسباب.

ص: 251

ومن أهم الفوائد التي نتجت للشاميين من تعلم اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنكليزية، أن كان من هؤلاء المتعلمين وأكثرهم من غير المسلمين عمال لتجارة الواردات من الغرب. واستأثر المسلمون بتجارة الصادرات فكان منهم تجار شاميون في الإسكندرية وطنطا والقاهرة والسودان والآستانة وإزمير، وكل بلد في الأرض مهما بعدت الشقة إليه ترى فيه تجاراً شاميين وأنجح تجارهم في مصر والأميركتين وأوستراليا. ولنا تجار في العراق والحجاز وفارس والهند ويابان وجنوبي إفريقية وأواسطها على نحو ما وصفنا شاعر النيل حافظ إبراهيم:

ورجال الشام في كرة الأرض

يبارن في المسير الغماما

ركبوا البحر جاوزوا القطب فاتوا

موقع النيرين خاضوا الظلاما

يمتطون الخطوب في طلب العي

ش ويبرون للنضال سهاما

ومن أهم المواسم التي كانت في فصل مخصوص من السنة تدب فيه روح الحركة في التجارة موسم السياح، فكان سياح الغرب يأتون أوائل الربيع لزيارة الأماكن المقدسة والمصانع التاريخية في فلسطين وبعلبك وتدمر ودمشق وغيرها ويقدرون بخمسة آلاف سائح كل سنة عل الأكثر إلى المدن الوسطى والشمالية وبأكثر من ذلك إلى فلسطين فقط، والموسم الآخر موسم حجاج إفريقية وآسيا وأوربا وكانوا يقدرون بخمسين ألف حاج، والفضل في ذلك يرجع لسهولة المواصلات البرية في السكة الحجازية، ولرخص أجور البواخر في البحر. وموسم الحج بطل بالحرب فنزل معدل من يزورون الشام ويتجرون ويبتاعون. أما موسم فلسطين فإن كثيراً من تجارها أصبح رزقهم موقوفاً على ما يربحونه في موسم الزوار في القدس وبيت لحم والخليل والناصرة وغيرها، وبدأ الشرق العربي يربح كثيراً من السياح الذين يختلفون إلى ذاك الصقع لزيارة جرش وعمان والبتراء وقر المشتى وغيرها، كما تربح سورية ولبنان من القاصدين إلى زيارة بعلبك وتدمر وغيرهما، وصار لموسم الاصطياف في لبنان الغربي والشرقي مكانة اقتصادية ذات شأن كبير في تنشيط الصناعة والتجارة. ومتى انتشر الأمن في القطر، وكثرت الخطوط الحديدية في البر، والسفن التجارية في البحر، وحمت الحكومة التجارة بقوانينها

ص: 252

وأحكامها العادلة، ومعاهداتها مع الأمم المجاورة، انتبه التجار إلى التجدد في متاجرهم. ولا نعد تاجراً من يحرق مخزنه أو ما فيه ليربح ضمانه من الشركة الضامنة، أو يتلكأ في أداء الذمم التي عليه، أو يضارب في الأسواق فيؤذي الفقير. أو يعامل صاحب المعمل في الغرب بقليل من الذمة فيتلاعب في الأسعار

والصوافي، فإن هذا مما يؤخر الصادر عنا والوارد علينا، وفي كل ذلك ما يزيد الغبن ويورث الخسارة في العاجلة والآجلة لا محالة.

ولقد ثبت في العهد الأخير، وخصوصاً لما أخذ المسلمون يجارون مواطنيهم المسيحيين في تعلم اللغات الغربية، ويتقنون أصول التجارة على أساليب أُمم الحضارة، ويتعرفون إلى أوضاعهم الجديدة في استثمار أموالهم في مصارف خاصة بهم، أن الغربيين يتعذر عليهم أن يتوسعوا بعد في الاتجار في القطر، وفتح بيوت تجارية على المثال الذي كان لهم وحدهم في القرن الماضي، وقطع أرزاق الشاميين في عقر دارهم. ذلك لأن التاجر الوطني أقل من التاجر الغربي في مطالبه، يكتفي بالربح القليل، ويصبر في الأزمات، وهو في بلده يعرف ما يصلح له ويروج فيه، ونفقاته إجمالاً أقل من نفقات الغريب. وإذا تساوى الوطني والدخيل من كل وجه، فالوطني يؤثر معاملة مواطنه لا محالة.

وإذا جارى التاجر العربيّ التاجر الغربيّ أو كاد، تجلت في ابن الشام أخلاق التجارة، والنفوذ في قاعدة العرض والطلب، وبدا في هذا الميدان ذاك الشرف المغيب الذي كان كامناً في نفسه، وورثه مع الدم المتسلسل فيه من آبائه الأقدمين، عرباً كانوا أو روماً أو فينيقيين، وبذلك أصبح الرجاء معقوداً بأن يستأثر الشاميون بتجارة ديارهم. فإن تعلموا باختلاطهم بالأمم الحية ما ينقصهم من ضبط ونظام، وساعدهم على ذلك قلة من يأتي من الغرب من أرباب الطبقات الأولى في التجارة، وكان التاجر المتوسط الحال بماله ومعرفته منهم أقل حظاً ممن يماثله من الشاميين في أسواق المتاجرات، وإذ كان من البعيد على النوابغ من كل صنف في الغرب أن يَغْشوا بلادنا كان في ذلك كله النفع العظيم لنا في تجارتنا، ومتى حللنا روح الشامي وما انطوى عليه من مراعاة الشرف والاحتفاظ بالثقة، والبعد عن التدليس

ص: 253